المسلمون أولى بعيسى بن مريم

بحري العرفاوي

إحيائية السنة الميلادية 2017

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، الأنبياء أخوة من عِلاّت، وأمهاتُهم شتّى، ودينُهم واحد، وليس بيننا نبيّ”. متفق عليه.

الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد أنه الأولى بحفظ مكانة عيسى وتصديق نبوته وتأكيد رسالته… إن محمدا ص لم يأت لينتقص من مكانة عيسى ولم يقل إنه سيبدأ بناء الحضارة الإنسانية من العدم بل اعترف لمن سبقه من الأنبياء بعظيم دورهم في التمهيد للرسالة الخاتمة. وفي الحديث: “إن مَثَلي ومَثلَ الأنبياء من قبلي كمَثل رجل بنى بيتا فأحْسنَه وأجْمَله إلا موضع لبِنة من زاوية فجعل الناسُ يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاّ وُضِعت هذه اللبنةُ؟ قال: فأنا اللبنةُ وأنا خاتم النبيين”.

إن محمدا ص لم يُلغ دور من سبقه وهذا من أخلاق الأنبياء ومن شيم العظماء حين يتواضعون لمن سبقهم وحين يُعلون من شأن من مهّد لهم الطريق وحين يعتبرون أنفسهم أولياءَ الصالحين المصلحين فلا يدعي أحدٌ أنه أقربُ إليهم وأولى بهم منهم… إن المسلمين الذين يتخذون من رسولهم محمد ص أسوة ومن أقواله وأعماله وإقراره سُنّةً لا يمكن إلا أن يقتدوا بموقفه من عيسى ليكونوا أحرص الناس على إحياء قيم التوحيد ومبادئ الإنسانية وروح الفضيلة التي تشترك فيها كل الرسالات… لقد كان محمد ص “بِرّا” بمن سبقه من الأنبياء والرسل من إبراهيم وعيسى وموسى ونوح و… وكان يستشهد بمواقفهم ويعتبر بمسيرتهم وتلك قيم ضرورية لتأكيد تواصل خط النبوة ولدعم الوشائج الإنسانية بين الشعوب والأمم.

إن المسلمين ليسوا مدعوين إلى تقليد الكثير من المسيحيين في عاداتهم الإحتفالية بمولد عيسى عليه السلام حين يمارسون ما يخالف عقيدتنا وقيمنا بل وما يخالف روح الديانة المسيحية ودلالات التطهّر والتنقّي والصفاء… إننا يمكن أن نتخذ من المناسبة محطة لتأكيد وحدة الوحي ووحدة الدين ووحدة مصدر النبوة والرسالات، لقد أسهم الأنبياء والرسل جميعا في تسريب “الوحي” تدرجا وفي إقامة صرح التوحيد المُعَنون أخيرا في “الإسلام”: “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ” وما من نبي إلا وذكر كلمة الإسلام “مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ”.

إن الذين لا يجدون استعدادا نفسيا أو ذهنيا لإحياء ذكرى ميلاد نبي الله ورسوله عيسى لهم أن يحتفظوا بموقفهم ذاك ولهم أن ينصحوا من يحتفلون بمولد نبي بطرائق غير لائقة، ولكن ليس لهم أن يصادروا حق الآخرين في الإحتفال بطرائق غير منافية وغير متعارضة مع المضامين العميقة للدين.

ـ كل سنة والبشرية تُحصي نجاحاتها وتقف على مواطن خيباتها… كل سنة والتجربة البشرية تقترب من معاني “التوحيد” ومن الأهداف الكبرى للأنبياء والرسل. كل سنة ونحن -جميعا- نتقدم في الإجابة عن السؤال الوجودي العميق: كيف نقترب من ملامح “الإنسان” المُفرد الجمع؟ “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”… ونحن نتقدم في الإجابة عن السؤال العملي الفعال: كيف نتعارف؟ “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.

حين يتحول مبدأ “التعارف” إلى عقيدة لدى الأفراد والشعوب والأمم ستتحول المعاني الإنسانية إلى وقود لتاريخ من التكامل والتعاون والتنافس الفعال تختفي فيه الأحقاد والضغائن والدماءُ… لقد ظل المسلمون الأوائل يعتقدون بكون الوحي واحدا وإنما اقتضت حكمة الله تعالى ورحمتُه بالبشرية أن يتنزل في مسار تدريجي ترفقا بتدرج الوعي البشري عبر تاريخ الرسالات ومحطات النبوة وهو ما يفسر أيضا تدرج المعجزات من المشهدية الحسية إلى التجريدية الذهنية ومن الإدهاش إلى الإقناع… لم يجد المسلمون الأوائل أيّ حرج في الإستفادة من تجارب الشعوب والأمم الأخرى معتقدين بأن “العقل” بما هو مَلكة إدراكية إنما هو من تصميم الخالق الواحد وإن كل ما ينتهي إليه من معارف وكشوفات وتجارب إنما هي ملك عباد الله جميعا من حقهم بل ومن واجبهم الإستفادةُ منها وفي الحديث “الحكمة ضالةُ المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها” وفي القرآن “الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ” وفي قول عمر بن الخطاب “انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال”.

لم يُكيف المسلمون الأوائل علاقاتهم بالشعوب والأمم الأخرى وفق دياناتهم وإنما وفق ما يقتضيه مبدأ “التعارف” من التعاون وتبادل الخبرات والمهارات والتجارب وهو ما سمح بنشاط حركة الترجمة في زمن مبكر من بناء تجربة الدولة الإسلامية الأولى فقد كان زيد بن ثابت وفي عهد رسول الله ص من أوائل المترجمين عن الساسانية والفارسية واليونانية قبل انتشار الترجمة في العصر الأموي ثم العباسي… إن مبدأ الصداقة أو التعاون مع الشعوب الأخرى إنما يتحدد وفق الأعمال وما تترجمه من تعاون واحترام أو عدوان وتعال.

التقسيم التقليدي للعالم بين ديار إسلام وديار كفر أو شرك لا يسمح بممارسة مبدأ “التعارف” بين الشعوب والأمم بل وقد يكون مُسيئا لحقيقة الحرب بين الظلم والعدل بين الإستبداد والحرية بين الجهل والعلم بين الإصلاح والإفساد… فعنوان “الإسلام” يتخفى تحته ظالمون ومستبدون ومفسدون يُجيدون التكلم في الإسلام ويسيئون العمل يؤذون الناس في أملاكهم وأعراضهم ودمائهم، وعنوان “الكفر” أو “الشرك” يشمل الكثير من المؤمنين بالحرية والعدالة والإصلاح وهي معان جوهرية من معاني إسلامنا العظيم.

“آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”. البقرة 285

غيض من فيض مما يحصل في البلاد

رشدي بوعزيز

من أقوى النقابات في تونس نقابات قطاع النقل وأخص بالذكر نقابة السكك الحديدية، ومن العجيب والغريب وأن “أقوى” الكوارث وقعت في هذا السلك وآخرها بجبل الجلود !!؟؟
العمل النقابي السليم هو الذي يهدف لأن يكون شريكا فاعلا وفعّالا من خلال قوة الإقتراح، لا من خلال قوة المطلبية وتوريث الذُريّة.

• 11 ماي 2015 : خروج القطار السريع عن السكة بالدهماني.
• 16 جوان 2015 : تصادم قطار وشاحنة بالفحص.
• 14 جويلية 2015 : تصادم قطارين بجهة ديبوزفيل.
• 27 جويلية 2015 : حريق بإحدى عربات قطار غار الدماء.
• 28 ديسمبر 2016 : 5 قتلى في حادث تصادم القطار بحافلة في جبل الجلود.
• 30 ديسمبر 2016 : حادث قطار ببوعرادة يخلف قتيلان.

هذا غيض من فيض مما يحصل في قطاع مهم وحساس جدا، وهو صورة مصغرة لما يحصل في البلاد، وكل مواطن مسؤول على ما يحصل حسب موقعه ودرجة مسؤوليته. والسؤال الذي لم أجد له جوابا : لماذا “يحرص” التونسي على أن يفقأ عينيه بأصابعه ؟؟!!

عركة أولاد بن علي

عبد القادر الونيسي

السياسة الاستئصالية التي قادها اليسار بتكليف من المخلوع دمرت المنظومة الدينية والاجتماعية والثقافية في البلاد والتي كانت توصف بالوسطية. من رحم هذا المسخ والتدمير الممنهج ولد طرفان تربيا على العنف بشقيه المعنوي والمادي دون أي ضابط من دين أو أخلاق. أنصار العنف المادي وجدت فيهم بؤر التوتر في العالم بغيتها وجعلت منهم وقودها في معاركها الوحشية.

الصنف الثاني من أولاد بن علي تمترسوا داخل مؤسسات المجتمع كالاعلام والتعليم والثقافة يمارسون العنف المنظم على المجتمع دون رقيب ولا حسيب.

المشهد الطارئ هو قرب انتهاء مهمة وقود المعارك المشبوهة وبداية رحلة العودة إلى الوطن. ثارت ثائرة الإخوة الاعداء المرابطين داخل البلاد ضد عودة إخوانهم دون مراعاة لروابط الأبوة التي جمعتهم ببن علي. معركة مستعرة الان على الهواء يقودها المتمترسون ضد عودة إخوانهم المقاتلين ودعوة الى تجريدهم من المواطنة بل هناك دعوات الى إستباحة دم من بقي منهم على قيد الحياة. الرافعون لشعارات الانسان وحقوقه يغادرون هذه المساحة وتسقط الأقنعة ويظهر الوجه القبيح.

في الأمر ما يثير الشك والريبة لما الخوف والفزع من عودة منهزمين دمرتهم الحرب نفسيا وبدنيا ولن يسعهم الا مستشفى الرازي كما هو حال من عاد من حرب الفيتنام والعراق.

في الأمر سر آخر ربما هو الخوف من شهادات العائدين. عندها ستتكشف امور خطيرة وتنهار عروش كثيرة.

فصل المقال في أصوليّات المجال

زهير إسماعيل

كنّا انتبهنا، عقب انتصار تموز 2006، إلى أنّ حزب الله مقاومة وظيفيّة. وكانت الساحة العراقيّة، عشيّة تدمير بغداد واحتلال العراق ونزول بريمر بالساحة الخضراء ملكا على بلاد الرافدين، محكّا حقيقيّا لعلاقة الحزب بمنوال المقاومة.

لم يتردّد الحزب في ازدراء المقاومة العراقيّة التي انطلقت يوم سقوط بغداد (9 أفريل 2003)، وأثار حولها غبارا كثيفا، لينتهي إلى الاصطفاف خلف الشعار الخديعة “مقاومة الاحتلال من داخل مؤسسات الاحتلال”. وحين قاد محمد باقر الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة بالعراق مظاهرة في بغداد في مواجهة هذا الشعار كان مصيره الاغتيال. ‎

ورغم ذلك، لم نكن نتوقّع أن تتغيّر وجهة البندقيّة بهذه السرعة من مارون الراس وبنت جبيل إلى يبرود والقصير… لتكون المشاركة، إلى جانب الحرس الثوري والروس، في قتل حوالي نصف مليون وتهجير أكثر من عشرة ملايين سوري. ‎

حزب الله تعبير من تعبيرات “الخمينيّة” التي كانت تأويلا سياسيا للفقه الجعفري في شروط مذهبية ‎مثلما كانت “الوهابيّة” تأويلا سياسيا للفقه الحنبلي في شروط بدويّة. وهما في ذلك مثل “الصهيونيّة” التي نشأت تأويلا سياسيا للتلمود في شروط استعماريّة.

الصهيونيّة والوهابيّة والخمينية ‎أصوليات ثلاث نجحت بنسب متفاوتة في أن تغطّي على الأصل واجتهدت في أن تنوب عنه: الوهابيّة في علاقتها بالأصل السني والخمينيّة في علاقتها بالأصل الشيعي والصهيونيّة في علاقتها بالأصل اليهودي.

‎ومثلما غطّت الخمينيّة على “الإسلام السياسي الشيعي” (حزب الدعوة نموذجا) وراوحت بين محاربته وإخضاعه لاستراتيجيتها، غطّت الوهابيّة على “الإسلام السياسي السني” ( الإخوان المسلمين نموذجا) وراوحت بين محاربته وإخضاعه لاستراتيجيتها وساهمت في الانقلاب عليه ومحاربته حين وصل إلى السلطة في تونس ومصر.

استقرت الوهابيّة عند “ولاية الفقيه” والخمينيّة عند “ولاية الإمام” وكانتا إلى جانب الاستبداد بتلويناته المختلفة مانعا للإسلام السياسي (دون نسيان عوائقه الذاتيّة) في المجال العربي من أن يعْبُر إلى “ولاية الشعب” أو “ولاية الأمة”.
تحقق هذا العبور في المجال التركي المجاور ببلوغ مرحلة العدالة والتنمية باعتبارها أعلى مراحل الإسلام السياسي ونهايته المرتبطة بتأسيس الديمقراطيّة. وتمثّل ثورة الحريّة والكرامة في المجال العربي عاملا جديدا في تحقيق العبور بأفق مواطني اجتماعي. وهذا جوهر ما يعرفه هذا المجال من صراع.

ومثلما تشترك هذه الأصوليّات الثلاث في نزوعها إلى التغطية على الأصل تتّفق في طبيعتها الوظيفيّة هي وكل ما اشتقّ منها. وهو ما يفسّر إلى حدّ كبير قابليّتها للانخراط في محاور الصراع القديمة والطارئة ضمن استراتيجيات أكبر منها.

هذه الأصوليات حقيقةٌ يعرفها المجال العربي في قالب استيطان (الصهيونية) وفي صورة احتلال جديد (الخمينية) واستبداد مركّب (الوهابيّة)، ولا إمكان لمواجهة الخطاب الشريعي لثلاثتها إلا بـ”خطاب سياسي” يجمع بين التحرير والتنوير بسقف إنساني شاهق مداره على تخليص اليهود من الصهيونيّة والتشيع من الخمينيّة والتسنن من الوهابيّة. ويمثّل الإرهاب بأشكاله المختلفة خلاصة طبيعيّة لاشتباكها في المجال العربي التائق إلى الاجتماع قوّةً سياسيّةَ واقتصاديّةً شأنه شأن المجالين الجارين الإيراني والتركي.

في ضرورة الإنصات المتبادل

عادل بن عبد الله

إذا كانت أغلب القوى العلمانية تعاني من “رُهاب الإسلام السياسي” باعتباره وجودا غير سويّ في الحقل السياسي، الذي لا يمكن أن يُدار إلا بالتمييز الفلسفي والقانوني المؤسساتي بين النّصابين السياسي والديني بالمعنى “الحصري”، الذي انحدر إلينا من النموذج اليعقوبي الفرنسي، فإنّ أغلب النهضويين يعانون هم أيضا من “رُهاب العلمانية” باعتبار أنهم لا يتمثّلون صراعهم مع الدولة زمن بن علي أو قبله على أساس أنه “صراع تأويلات” يجمعها المشترك الإسلامي، بل باعتباره صراعا بين تأويل إسلامي “مقاصدي” وجملة من “الإسقاطات” الحداثوية التي فرضتها الدولة الوطنية، في إطار عملية التحديث القسري والفوقي و”اللاديني” للمجتمع.

ولعلّ الفارق بين الرّهابين هو أنّ الأوّل تحكمه مصالح مادية ورمزية متعينة في الواقع، كما أنه يشتغل عن طريق المقايسة والاستباق الاستراتيجي -باعتبار النهضة لن تختلف في شيء عن طالبان أو القاعدة أو الصومال أو السعودية، أو باعتبار أنها في أحسن حالاتها لن تستطيع تجاوز التسييجات المذهبية المتحكمة في العقل السياسي الإسلامي ما قبل الحداثي-، بينما يشتغل الثاني عن طريق الذاكرة الحية للأجساد والأرواح التي اكتوت بنار “الحداثة” خاصة في مظهرها الأمني-الاستخباراتي الذي جعلهم لا يُفلتون من “تنّين” الدولة حتى إن نجوا من السجون أو خرجوا منها إلى السجن الأكبر، حيث عانوا من الحرمان من أبسط الحقوق المدنية، من سياسة التجويع وهشاشة الوضع المادي، من المراقبة الإدارية والتفنّن في نسف الكرامة الإنسانية، من الاغتراب والشعور بالمطاردة و”قابلية القيم” القادم من كل الجهات عموديا وأفقيا -أي من الآخر المقموع لأسباب غير سياسية، ومن السلطة ومن يدور في فلكها من النخب “المشبوهة”-، لقد عانوا باختصار من مأسسة وضعية “السامري” الذي تجاوزت قصته  مستوى الحدث الفردي لتتحول إلى مستوى الواقعة الجماعية المأساوية.

لا يمكن فهم الواقع السوسيو-ثقافي في تونس بعد الثورة وما يحكمه من اصطفافات وصراعات، إلا إذا ما تمّ تدبّره من منظور تعدّد العوامل التفسيرية، تلك العوامل التي ترفض التفسير بـ”العامل المحدد”، وتفيض عن “الأحداث” المباشرة والدوافع “العقلانية” للفعل أو لردّ الفعل، لترتبط بسلطة الذاكرة والمخيال والتجارب الفردية والتضامنات الجماعية، التي يحكمها السعي إلى تحقيق “الإشباع النفسي” أكثر مما تخضع إلى منطق الإقناع العقلي وآليات التفكير الصوري.

مبدئيا، يمكننا الحديث عن وجود ثلاثة نماذج مثالية -بالمفهوم الفيبري- تنتمي إليها كل الانتقادات الموجّهة إلى النهضة، ولكنها بالطبع لا تحضر بالضرورة “صافية” في أي خطاب، بل تتداخل وتتفاعل مع غلبة أحدها على الآخر، تبعا لمواقع التلفظ وغاياتها النهائية. وهذه النماذج المثالية هي:

1. النقد السياسي البراغماتي: وهو نقد قد يصدر من المواطن غير المنتمي سياسيا كما يمكن أن يصدر عن النخبة السياسية إذا ما أدارت الصراع، من خلال محاورة النهضة -التي كانت النواة الصلبة للترويكا بعد انتخابات التأسيسي سنة 2011 والشريك الأهم لنداء تونس بعد انتخابات 2014- في طبيعة أدائها السياسي المرتبط باستحقاقات الثورة وبانتظارات المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية. ورغم قيمة هذا النقد “في ذاته” فإنه لا يكتسب قيمته التداولية، إلاّ من خلال ربطه بخلفية المتلفظ وطبيعة علاقاته التوافقية أو العدائية بالنهضة، وبموقفه من الإسلام  السياسي بصفة عامة.

2. النقد الشرعي المذهبي: وهو نقد يأتي أساسا من يمين النهضة (أي من السلفيات بأنواعها ومن حزب التحرير)، ولكنه قد يأتي من بعض أجنحة النهضة التي تجد صعوبة في “التأصيل الشرعي” بعض مواقف “الحركة”، وهؤلاء النهضويون إمّا أن يكونوا من المناضلين القدماء الذين عجزوا عن تمثّل المراجعات التي قامت بها حركتهم، وإمّا أن يكونوا من القواعد الشبابية ذات التكوين “السلفي”، وهي قواعد يمكن نعتها بأنها “شبه سلفية” أو سلفية غير مكتملة، بحكم غلبة التأثير الوهابي الفضائي عليها.

3. النقد الأيديولوجي العلماني: وهو نقد يأتي من التيارات السياسية العلمانية بمختلف عائلاتها الليبرالية والقومية واليسارية. وبالطبع فإنّ النقد في هذا المستوى يتوجّه إلى اختيارات فكرية واقتصادية وقيميّة كبرى هي مناط الاختلاف بين هذه التشكيلات السياسية العقائدية والنهضة. وتكمن صعوبة التمييز بين هذه الخطابات في أنها تتحالف واقعيا ضد النهضة لتُكوّن نوعا من الجبهة الميتا-أيديولوجية التي تذوب فيها الاختلافات الجذرية بين مجموعة من الأطراف المتصارعة “نظريا” (يمين ليبرالي/يسار ماركسي/دعاة القومية العربية/دعاة الدولة القُطرية والأمّة التونسية…)، فمحاربة  “الرجعية الدينية” وحماية “النمط المجتمعي التونسي” يدفعان إلى خلفية المشهد سائر التناقضات “الهامشية”، التي قد توجد بين مكوّنات “العائلة الديمقراطية”، أي الأحزاب التي يقوم رأسمالها الرمزي على اعتبار أطروحاتها النقيض المفهومي للإسلام السياسي.

لا يمكن أن نفصل النقد الموجه لحركة النهضة عن “الدوافع النفسية” فضلا عن القناعات العقلية للمتلفّظ به. فقد ينتقد النهضوي حزبه انطلاقا من نظام توقّع تمّ الانزياح عنه سياسيا أو شرعيا، ولذلك فهو ينتقد “اللامعيارية” وغياب المبدئية في الأداء السياسي، ولكنه لا يخفي تضامنه مع هذا الكيان الحزبي في مواجهة “الآخر”، سواء أكان آخرا إسلاميا أم آخر علمانيا. وقد ينتقد الوطني الصادق النهضة لأنها ابتعدت عن منظورات الثورة واستحقاقاتها، ولذلك فهو ينتقد فاعلا سياسيا رئيسيا “خان” مستضعفي الدواخل والقواحل، وسعى إلى إعادة إنتاج اختيارات النظام السابق نفسها مع شرعنتها بمفردات دينية. وقد ينتقد اليساري الاستئصالي النهضة لأنها تنتمي إلى زمن ثقافي آخر يجوز “جَبّه” بالسجون أو بالمقاصل، أو بتجفيف المنابع في نسختها النيو-دستورية؛ ولذلك فهو في أغلب الأحيان موظّف في “قلم” نداء تونس وحلفائه الموثوقين. وقد ينتقد السّلفي النهضة لأنها تقف في “برزخ” ملتبس بين دار الإسلام ودار الكفر وتنافس “دين الحقّ” في نسخته الوهابية في احتكار المنابر الدينية، ولذلك لم تتورّع السلفية حين اشتدت شوكتهم زمن الترويكا خاصة عن “شيطنة” النهضة وتفسيقها، بل تكفيرها أحيانا.

ما بين من يطالب النهضة بالعودة إلى أفق الحراك الثوري ومراجعة اختياراتها وتحالفاتها واستراتيجياتها في التعامل مع باقي القوى الوطنية ومطالبها المشروعة، وبين من يطلب -صراحة أو على استحياء- من الثورة بأن تحثّ الخطى نحو ورثة التجمع والانقلاب على كل انتظارات التونسيين، بدعوى حماية النموذج المجتمعي التونسي، يوجد الكثير من مواضع التلفّظ النقدي الموجّه ضد النهضة. وهي مواضع قد يكون من الخطأ الفادح ألاّ تعمل النهضة على الإنصات إليها ومحاورتها؛ بحثا عن صيغ توافقية تجنّب البلاد “كارثة” الحرب الأهلية لا قدر الله. ولكنّ هذا الإنصات النهضوي للنقد -وربما ممارسة النقد الذاتي- لا يعني -من جهة أولى- أن تصبح الحركة مجرد مسخ قد يعجب زرّاع الحداثة المأزومة، ولكنه سيغيظ لا محالة منتسبيها والمتعاطفين معها بحكم انسلاخها من هويتها وتطبيعها مع منظومة الفساد والتغريب، كما أن هذا الإنصات النهضوي لاحترازات القوى الحداثية يحتاج -من جهة ثانية- إلى إنصات مقابل، ومراجعات مماثلة من جهة العلمانيين، مراجعات تتصل خاصة بعلاقتهم “المشبوهة” أو على الأقل الملتبسة بالمنظومة الحاكمة قبل الثورة وبعدها.

إنّ إحساس النهضويين بأنهم مستهدفون بصورة منهجية، وبأنهم غير معترف بهم بصورة طوعية ونهائية في الحقول السياسية والمدنية والإعلامية -بل حتى في الإدارة والنقابة- (رغم الاعتراف بوجودهم “القانوني”)، يجعلهم يديرون علاقاتهم بالنخبة بتوجّسٍ كبير، خاصة أنّ الكثير من مكوّنات تلك النخبة السياسية، لم يكن غريبا عن الآلة القمعية الأمنية-الحزبية التي أدار بها المخلوع بن علي -مسنودا باليسار الثقافي- الهولوكست ضد النهضويين والمتعاطفين معهم في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وهو ما يجعلنا نتساءل في نهاية هذا المقال عن التطمينات التي استطاعت النخب العلمانية أن تقدمها “واقعيا” -لا فقط خطابيا- للنهضويين -وللإسلاميين الذين يلتزمون بالعمل السياسي السلمي والقانوني-، تلك التطمينات التي ترتبط أولا باستحالة عودتهم إلى دائرة الاستهداف الدولاني الممنهج مثلما حصل في عهد المخلوع، كما تتصل ثانيا بتجاوز القوى العلمانية للمنطق الانقلابي، الذي قد ينسف المسار الديمقراطي في صورة ما جرت رياح الانتخابات القادمة بما لا تشتهي سفن “العائلة الديمقراطية”.

عربي21

انتخابات رئاسية في ليبيا.. هل تحل ما عجز عنه الاتفاق السياسي؟

خليل كلاعي

لما بلغ الانقسام السياسي الليبي عام 2014 ذروته وانشطرت المؤسسات الليبية بين حكومتين وبرلمانين وجيشين وبنكين مركزيين، تساءل المتابعون عن مآل هذا الانقسام الّذي بلغ حدًا لا يطاق وتساءلوا خاصة عن شكل المخرج من هذا المأزق شديد التعقيد، في تلك الأثناء كان تنظيم الدّولة يتمدد كسرطان خبيث في جسد ليبيا المنهك والفاقد لمقومات الدفاع الذاتي فيستحوذ على سرت وينشئ الجيوب والخلايا في بني وليد وطرابلس وبنغازي وصبراتة وأماكن كثيرة غيرها مستفيدًا من الفوضى التي غطت بقاعًا كثيرة.  

كان الاتفاق السياسي الموقع في ديسمبر 2015 في الصخيرات المغربية برعاية أممية بعد زهاء سنة من الحوارات والمشاورات يتوفر على إطار كفيل بطي صفحة الخلاف المستحكم بين الفرقاء، فالشخصيات الجدلية في المشهد الليبي ستغيب عن مواقع القرار عملاً ببنود هذا الاتفاق الذي أتى فيما أتى به بخارطة طريق لكل من الفرقاء الليبيين فيها موقع ونصيب، كما نص هذا الاتفاق على نقاط بالغة الأهمية في سياق علاج الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني، في هذه الجزئية بالذات قضت فلسفة الاتفاق السياسي بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية من خلال دمج الكتائب والتنظيمات التي شاركت في الثورة وأسقطت النظام من خلال لجنة الترتيبات الأمنية التي أنشئت للغرض.

الآن وبعد زهاء سنة من توقيع الاتفاق السياسي تبددت الهالة الإيجابية التي صاحبت توقيعه وكذلك تلك التي رافقت دخول المجلس الرئاسي العاصمة طرابلس في الـ30 من مارس الماضي، في ذلك اليوم المشهود نزل سعر الدولار الأمريكي مقابل الدينار الليبي بشكل ملحوظ مترجمًا حالة التفاؤل التي عمت الأوساط الليبية بدخول المجلس الرئاسي الذي كان يمثّل بما له من شرعية دولية وبما جمعه من معاني الوفاق والوحدة بارقة أمل لليبيين، وهنا إذ نقول إن المعاني الإيجابية التي جاء بها المجلس الرئاسي قد تبددت فليس الأمر تحاملاً أو قسوة في التقييم بقدر ما هو تقدير يعتمد مقارنة بين ما كان عليه الوضع وما أصبح بعد سنة من دخول المجلس الرئاسي إلى العاصمة.

تسبب إغلاق الآبار والمواني النفطية وخاصة في منطقة الهلال النفطي منذ إعلان راس لانوف وإلى حدود اتفاق المجلس الرئاسي مع آمر حرس المنشآت النفطية الصيف الماضي في خسائر اقتصادية ومالية جسيمة تُرجمت من خلال التراجع الكبير للدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية، مما عقّد وضعية المؤسسات البنكية التي بدأت تفقد ثقة الليبيين، وهو ما أدى إلى حركة سحب كبيرة ومتواصلة للأموال المودعة مما أحدث شحًا فادحًا في السيولة المالية لدى البنوك فقدت بعده قدرتها على تغطية طلب المواطنين من النقد المحلي.

أما ترجمة ذلك على أرض الواقع فكان طوابير طويلة وازدحامًا شديدًا جدًا لعموم المواطنين وخاصة لموظفي القطاع العام منهم أمام البنوك واضطر بعضهم أحيانًا كثيرة إلى قضاء الجزء الأخير من الليل أمام البنوك طمعًا في الحصول على مبلغ زهيد لا يتجاوز المئتي دينار ليبي هو أقصى ما يمكن لكل صاحب حساب لدى المصارف الليبية الحصول عليه يوميًا وهو وضع يضطر الكثيرين للوقوف في طوابير الانتظار الطويلة أكثر مرة في الأسبوع الواحد، طبعًا ورث المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق هذا الوضع عن سابقيه، وليس بأي حال من الأحوال مسؤولاً عن بداياته.

المواطن الليبي مازال يجد نفسه سنة بعد توقيع الاتفاق السياسي أمام نفس هذه الوضعية الحرجة التي تطورت بشكل دراماتيكي في بعض الأحيان

لكن المواطن الليبي ما زال يجد نفسه سنة بعد توقيع الاتفاق السياسي أمام نفس هذه الوضعية الحرجة التي تطورت بشكل دراماتيكي في بعض الأحيان بتحول طوابير الانتظار هذه في بعض منها إلى مسرح لأعمال عنف بلغت حدّ القتل، وهو ما تكرر في حوادث مؤسفة إثر شجار إما بين المنتظرين في الصفوف أو بين بعضهم وحراس المصارف.

قلنا إن دخول المجلس الرئاسي العاصمة طرابلس كان مشوبًا بكثير من التفاؤل الذي صاحبه انخفاض قيمة الدولار الأمريكي واليورو بشكل ملحوظ أمام الدينار الليبي غير أن هذا التعافي في قيمة الدينار لم يكن إلا مؤقتًا، إذ لم يطرأ على المؤشرات الاقتصادية والمالية أي تغيير رغم ما قام به المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق من مساعٍ حثيثة إما لدى الدول الداعمة للاتفاق السياسي، أو على مستوى مصرف ليبيا المركزي الّذي يبدو أن مديره لم يكن متعاونًا كما ينبغي مع سلطة المجلس الرئاسي.

كما أن إعادة فتح المواني النفطية بعد الاتفاق مع آمر حرس المنشآت النفطية في الصيف الماضي لم يأت بأي جديد، إذ مرت قيمة الدولار من نحو 3 دينار ليبي عند دخول المجلس الرئاسي إلى ما يقارب 7 دينار في غضون 9 أشهر.

تدهور الدينار الليبي وعودته في ظل وضع سياسي غير مستقر

وقد تسبب هذا التدهور السريع في قيمة العملة الليبية في حالة اختناق مادية للكثير من الليبيين الذين يسافرون إلى الخارج بانتظام طلبًا للتداوي أو للدراسة، ويضاف إلى هذا الوضع الاقتصادي الصعب الانقطاع المتكرر للكهرباء والّذي لم تنجح حكومة الوفاق برغم ما أعلنت عنه من مساعٍ ورغم تغييرها لمجس إدارة شركة الكهرباء في القضاء عليه أو في الحد منه، كما يضاف إليه ترهل وضعف البنية الخدمية والإضرابات المتكررة في مصالح أمنية أو لوجستية حساسة كما حدث مؤخرًا في مطاري معيتيقة ومصراتة وهي كلها مؤشرات على أن سلطة المجلس الرئاسي شكلية وقدرته على معالجة الأوضاع الخدمية والاجتماعية دون المأمول بكثير.

تسبب هذا التدهور السريع في قيمة العملة الليبية في حالة اختناق مادية للكثير من الليبيين الذين يسافرون إلى الخارج بانتظام طلبًا للتداوي أو للدراسة 

أحدث دخول المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني إلى العاصمة طرابلس انقسامًا بين الكتائب المشكلة لتحالف فجر ليبيا بين مؤيدين ورافضين، ورغم أن هذا الانقسام لم يتحوّل إلى حرب مفتوحة بين الطرفين فالاشتباكات التي ما فتئت تشهدها العاصمة طرابلس بين هذا الطرف أو ذاك تنبئ بتدحرج الوضع شيئًا فشيء نحو مربع من العنف الشامل، كما أن الأطراف الداعمة للاتفاق السياسي لم تنجح في الانفتاح على أصدقاء الأمس من أعضاء المؤتمر الوطني من الراسخين في رفض الاتفاق بما يقوي جبهة دعاة الوفاق ويحصّنها، معطى أفقد المجلس الرئاسي طيفًا واسعًا من المؤيدين الموضوعيين للاتفاق السياسي الذين ظلوا على هامش الفعل السياسي رغم ظهورهم على سطح الأحداث من حين لآخر، وليس أدل على ذلك من سيطرة الحرس الرئاسي على القصور الرئاسية وتسليمها إلى حكومة الإنقاذ الوطني والمؤتمر الوطني العام إثر خلاف مع المجلس الرئاسي يعزى إلى عدم دفع رواتب القوات التي تؤمن هذه المقرات وفضلاً عن كل ذلك فإنه من المعلوم أن جزءًا من التشكيلات العسكرية التي تدعم حكومة الوفاق إنما تدعمها من منطلق مصلحي ومادي بحت.

وليس دعم هذه التشكيلات لحكومة الوفاق وللاتفاق السياسي إلا بحساب ما يدره عليهم من حظوة وحصانة، والجدير بالذكر في هذا السياق أن حكومة الوفاق لم تنجح البتة في كبح جماح هذه التشكيلات إذا عنّ لمنتسبيها ارتكاب انتهاكات أو تجاوزات أو جرائم ولا في إيقاف نزيف الاختطافات التي استهدفت رموزًا سياسية أو دينية.

كانت الحرب على الإرهاب إحدى العناوين الكبرى التي أتى بها الاتفاق السياسي ويحسب للمجلس الرئاسي نجاحه في جمع جهود الكتائب المشاركة في حرب التحرير في بوتقة واحدة وفي خطة مشتركة بهدف القضاء على تنظيم الدولة وتحرير مدينة سرت، وقد تحقق هذا الهدف بالفعل لكن بعد دخول الطيران الأمريكي على الخط بأكثر من 450 غارة وبعد أن فقدت قوات البنيان المرصوص أكثر من 600 شهيد ورغم مطالبات الكتائب المرابطة في الجبهات بالمزيد من العناية بالجرحى والمصابين وبتوفير الذخيرة والأسلحة بما يحد من الخسائر البشرية، فإن جهود المجلس الرئاسي على هذا المستوى ظلت بدورها دون المأمول بكثير.

بيد أن هذا التقصير يبدو من الناحية الاستراتيجية أقل أهمية إذا قارناه بإخفاق المجلس الرئاسي عن تحقيق اختراق في معسكري رافضي الاتفاق في المعسكر الشرقي، فالرئاسي لا يزال عاجزًا عن إخضاع رافضي الوفاق هناك، وإذا كان أحد أهداف الاتفاق السياسي هو توحيد المؤسسات وإيقاف الاقتتال (أساسًا إيقاف مشاريع خليفة حفتر التوسعية والانقلابية) فقد فشل على الأقل في هذا الأمر كما فشل كذلك في التصدي لمحاولات ابتزاز أعضائه من المؤيدين لحفتر ومن الرافضين للاتفاق الّذي هم بموجبه (ويالا المفارقة) أعضاء في هذا المجلس، وهنا نتحدث أساسًا عن كل من علي القطراني وعمر الأسود ويضاف إلى كل هذا نجاح المعسكر الرافض للاتفاق وللثورة في المعسكر الشرقي في عزل المجلس الرئاسي عن جانب من عمقه الشعبي في المنطقة الغربية، حيث سبق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في تصريحه لموقع ليبيا هيرالد أن وضع خليفة حفتر والصادق الغرياني مفتي الديار الليبية في كفة واحدة بكونهما من رافضي الاتفاق دون أن ينتبه إلى ما للغرياني من نفوذ ومن حظوة ومكانة دينية وسياسية.

أما هناك حيث المنطقة الشرقية فيتمدّد خليفة حفتر وتتضخم لديه الأنا العسكرية بشكل سريالي ويعطي اللواء المتقاعد لنفسه الترقية تلو الأخرى، حيث أضحى منذ أكثر من سنة فريقًا قبل أن ينال مؤخرًا منصب المشير، كما يجسر حفتر على السيطرة على المواني النفطية بقوة السلاح وبسطوة الأموال ضاربًا عرض الحائط بحظر السلاح المفروض على ليبيا وبسلطة المجلس الرئاسي وبالاتفاق السياسي نفسه، ويبدو أن للرجل أكثر من سبب لفعل ذلك على الأقل إذا صوبنا الأنظار نحو الطائرات والخبراء الّذين تضعهم دول داعمة للاتفاق السياسي على ذمته في قاعدة بنينا ليدك بها خصومه وهو ما لا يقصر حفتر في القيام به مطلقًا وذلك في حد ذاته دليل إخفاق للاتفاق السياسي.

في الأحوال الطبيعية تمنح الحكومات مهلة تسعين يومًا للحكم على صواب خياراتها وسلامة نهجها، وبما أن حكومة الوفاق الوطني في ليبيا جاءت في ظروف غير طبيعية لا تزال قائمة إلى الآن من المنطقي إعطائها ما يزيد عن هذه الشهور الثلاث حتى تحقق ما هو منوط بعهدتها، أما وقد تجاوزت حكومة الوفاق تسعة أشهر دون تحقيق ما كان منتظرًا على الصّعد السياسية والأمنية والاقتصادية فإنه بات لزامًا التفكير في بدائل أخرى تفك حالة الجمود في المشهد الليبي ولو كان ذلك بديلاً للاتفاق السياسي نفسه الذي أصابته حالة من العطالة إما بسبب تلكؤ مجلس النواب وتعمّده تعطيل إنفاذ استحقاقات هذا الاتفاق أو بسبب إصرار أعضاء المؤتمر الوطني العام على رفضهم للاتفاق.

في هذا السياق تبدو فكرة إجراء انتخابات رئاسية يصبح لليبيا بموجبها رئيس يكون الجامع والموحّد عبر صلاحيات موسّعة نسبيًا في إطار مرحلة انتقالية تدوم سنتين ويعمل خلالها رئيس الدولة على توحيد المؤسسات وتنظيم وهيكلة المؤسسة الأمنية وعلى إعداد البلاد لانتخابات تشريعية في نهايتها، لها ما يبررها.

وفي هذا الإطار تطرح أسماء كثيرة من الممكن أن تتنافس على منصب الرئيس منها رئيس تحالف القوى الوطنية محمود جبريل الّذي كان عضوًا في المجلس الانتقالي الليبي، إذ يمكن للرجل بما له من شعبية ومن اتساع في الخبرة والعلاقات أن يكون أحد المتنافسين الجديين على هذا المنصب، كما نعُدُّ في نفس السياق أيضًا عارف النايض سفير ليبيا السابق لدى دولة الإمارات الّذي غادر منصبه كسفير لليبيا لدى دولة الإمارات منذ أشهر قليلة ويحتفظ الرجل بعلاقات قوية في الأوساط  الخليجية والدولية كما يحسب له الدور الّذي قام به في أثناء ثورة فبراير من خلال دعم  المظاهرات التي كانت تخرج في طرابلس ضد القذافي.

كما نجد من بين الأسماء التي من الممكن أن تتبوأ هذا الدور المؤرخ والناشط السياسي علي الصلابي ويحسب للصلابي علاقاته المتينة والعميقة مع كل الطيف القبلي والسياسي في ليبيا وقيادته للمصالحة مع نظام القذافي قبل الثورة وجهوده في تحقيقها بعد سقوط نظامه، ويحسب للصلابي أنه لم يسقط طول السنوات التي تلت ثورة فبراير في الاستقطابات بين هذا الطرف أو ذاك وظلت تصريحات الرجل تتوفر على منسوب كبير من الهدوء والعقلانية على عكس جبريل والنايض اللّذان سقطا في استعداء طرف على حساب آخر.

تبدو فكرة إجراء انتخابات رئاسية يصبح لليبيا بموجبها رئيس يكون الجامع والموحّد عبر صلاحيات موسّعة نسبيًا في إطار مرحلة انتقالية تدوم سنتين

لعل من المبكر الحديث عن مرشّحين محتملين لانتخابات رئاسية مفترضة في ليبيا رغم أن تعقّد المشهد بشكل جعل الاتفاق السياسي غير قادر الآن على الأقل على حلحلة المشهد ومعالجة الأمر، حفّز التفكير باتجاه خيارات وبدائل أخرى، وبالتأكيد فإن هذه الفكرة لو أصبحت محل إجماع فلا بد من نقاش كبير ومفصّل عن شكلها وشكل المرحلة الانتقالية التي ستترتب عنها وعلاقة هذا المسار لو تم إقراره بالاتفاق السياسي هل سيكون مثلاً على أنقاض مخرجات الصخيرات أم سيسير بموازاتها ويسندها ويبدد من أمامها العراقيل، وبكل الأحوال لا يبدو الفرقاء في ليبيا في سعة من الأمر ومن الوقت، فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية جميعها سلبية ولا يبدو الليبيون مستعدين لتبديد المزيد من الوقت في دفع خيارات عقيمة.

نون بوست

قرار مجلس الأمن بإدانة “إسرائيل”

مختار صادق

لم أصدق ما سمعت وأنا أشاهد نشرة الأخبار على قناة “فوكس نيوز” هذه الليلة. كان موضوع النقاش قرار مجلس الأمن الأخير بإدانة اسرائيل (بعد أن امتنعت أمريكا عن استعمال حق الفيتو واكتفت بالإمتناع عن التصويت مما جعل القرار يمر بإجماع أربعة عشرة دولة اخرى).

يكفي لتوضيح أهمية هذا الإنجاز أن نعلم أن آخر قرار بإدانة اسرائيل من الأمم المتحدة على خلفية نشاطاتها الإستيطانية يعود إلى أكثر من أربعين سنة خلت! المتحدث باسم ناتنياهو اتهم صراحة إدارة “أوباما” بأنها هي التي نظمت وحرضت ودفعت دولا اخرى لإعادة طرح القرار على طاولة مجلس الأمن بعد أن سحبت مصر السيسي طلبها تحت ضغط من ناتنياهو والرئيس الأمريكي المنتخب “دونالد ترامب”.

الغريب أن الناطق باسم ناتنياهو قال أن لنا أدلة على اتهامنا لإداره الرئيس أوباما بناء على معلومات من أصدقائنا المصريين! صدمني الخبر كيف أن مصر هي التي تتجسس لصالح اسرائيل ضد مصالح الشعب الفلسطيني!!! فهل هناك حضيض بعد هذا الوهن العربي؟!

خطاب وزير الخارجية الأمريكي (جون كيري) لتوضيح موقف أمريكا قال أن عدم استعمال حق النقض (الفيتو) كان بعد عدة رسائل سرية وعلنية لناتنياهو بالتوقف عن الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية لأن ذلك يقوض على الأرض إمكانية حل الدولتين. وقد كان خطاب “جون كيري” أيضا محل سخرية من المتحدث باسم ناتنياهو الذي وصف “جون كيري” بأنه “مثير للشفقة” (pathetic)!!! واستعمال مثل هذه اللغة دليل بالغ على الألم الذي خلفه هذا القرار على ناتبياهو وأعوانه حيث سارعوا إلى اتخاذ اجراآت انتقامية ضد الدول التي صوتت لهذا القرار (مصر ليس من ضمنهم!) كمثل قطع الإعانات (السينغال) واستدعاء وتوبيخ بعض السفراء. وبذلك تمر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأسوء حالاتها هذه الأيام.

اليهود الأمريكيون منقسمون فمنهم من شعر بالإحباط والخذلان من طرف “أوباما” ومنهم من فرح بذلك لأنه قد يعيد مسار المفاوضات حول حل الدولتين إلى الجادة. في هذه الأجواء هناك إجراء آخر غريب (من حيث التوقيت على الأقل) حيث وقع تسريب أنباء عن قرار المدعي العام الإسرائيلي بتوجيه تهمة الضلوع في قضية فساد مالي ذات صلة بالانتخابات الإسرئيلية الأخيرة لناتنياهو وهو ما قد يعرض مستقبله السياسي للخطر فاسرائيل لن تسمح أبدا لأي كان (بما في ذلك سياسييها) بتعكير علاقة الحياد الإيجابي التي تنتهجها بين أهم حزبين في أمريكا (الديمقراطي والجمهوري) منذ تأسيسها.

صحيح أن “ترامب” الرئيس المنتخب وعد بـ “تصحيح” الوضع ولكن أظن أن هذه ضربة قاسية جدا للصلف الإسرائيلي ولبداية التفكير الأمريكي في عدم الرضوخ للوبي الإسرائيلي المتنفذ.

ويبقى السؤال الموجع أين العرب لاستغلال والبناء على هذا الانتصار الديبلوماسي المهم جدا؟!

شهادة في حق الأمن والقضاء..

بلغيث عون

بعد أن نددت بكل الوسائل بالهجمة الشرسة التي طالت البيوت والمواطنين على إثر عملية الإعتقال التي تعرض لها مجموعة من الشباب في الفوار، فإني أؤكد أيضا من جهة ثانية، لكي نعطي لكل ذي حق حقه، وبحسب سير التحقيقات مما يرويه المحامون:

– أؤكد المعاملة الحضارية للمعتقلين التي أكدها المحامون الذين قابلوا المعتقلين وواكبوا حتى سير التحقيقات في منطقة القورجاني. هذا دون تفصيل لمجري البحث مما قد نجد الوقت له مرة أخرى.

– أعبر من هذا المنطلق عن رأي مفاده أن هذه تحولات مهمة طرأت في تونس بعد الثورة خاصة في الأمن والقضاء (دعنا من الإعلام) ونرجو أن تتواصل. وهذا لا شك أمر يسر من يرصدون وضع الديمقراطية في تونس، وأنا منهم.

– أتصور أنه بهكذا سلوك أمني في طريق الرشد فقط وبهكذا قضاء يشتد عوده يمكن أن نقضي على الإرهاب لا بالتعذيب الذي لا يخلف غير الحقد وترويع الآمنين الذي يخلف النقمة الشعبية ويعمق الهوة بين الدولة والشعب.

– هذه الشهادة لا تلغي شهادات أخرى قد تناقضها بل تتكامل معها لتعطي صورة دقيقة عن وضع الأمن والقضاء وعما بلغه وضع الديمقراطية في تونس.

عملية شبه إنقلابية داخل المجلس الأعلى للقضاء

شكري الجلاصي

يبدو أنّ السلطة التنفيذية قامت عبر قضاة موالين لها بعملية شبه إنقلابية داخل المجلس الأعلى للقضاء،
وتمّ خرق القانون بالدعوة للجلسة الأولى من طرف غير مخوّل له قانونا ودون أن يكون النصاب القانوني مكتمل (21 على 45).

تحية لشرفاء القضاء الذين يواجهون هاته العملية الإنقلابية بكل ما أوتوا من شجاعة حتى يحافظوا على إستقلالية السلطة القضائية.

نداء إلى شرفاء قطاع المحاماة أفرادا وهياكلا أن يقفوا مع الحق ويهبّوا للذود مع شرفاء القضاة على إستقلالية السلطة القضائية من محاولة أيادي السلطة التنفيذية العبث بها.