التطرف الديني والتطرف الوطني والوطنية عموما

كمال الشارني

بالله، حتى كان الحديث عيب، ياخي مراجعة التاريخ الرسمي حول “المجاهد الأكبر” ورفاقه من “كبار المناضلين”، أولئك الذين يزعمون أنهم خلصونا من القمّل ممن رضي عنهم مؤرخوه، هل هي جريمة ؟

وحتى كان الحديث عيب مرة أخرى، ما الفرق بين من يكفرك دينيا لأنك تختلف عنه في المعتقد، وبين من يخونك وينتزع عنك صفة الوطنية، لأنك طرحت في الفضاء العامة تفاصيل مجهولة أو رواية أخرى من التاريخ الوطني ؟

يعني، الواحد منا لا يستطيع أن يذكر تاريخ “المجاهد الأكبر“، إلا وهو على وضوء وطهارة، ملتزما بالرواية التي رواها محمد الصياح خوفا من التخوين ومن فقدان صفة الوطنية ؟

للتذكير فقط: الوطنية تم اختراعها في البلقان في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، وأفضل من وصفها هو الكاتب الكولمبي الكبير “غبريال غارسيا ماركيز” في رواية خريف البطريق: “لم تكن الوطنية سوى خدعة اخترعتها الحكومة لكي يحارب الجنود مجانا”، وفي مكان آخر من الرواية، يقول الجنرال الطاغية لأمه مفككا فكرة الحكم: “أماه، إن الوطنية هي أفضل الاختراعات”، ومنذ أكثر من عشرة أعوام، قال لي أحد الأصدقاء في تونس: “أصبح اللجوء إلى سفارة أجنبية عملا وطنيا، كيف ؟ على الأقل، حين يسجنوك أو يعدون لقتلك، تصرخ، فيسمعك العالم”.
راهو الحديث أصلا هو العيب.

ملفّ التسفير: خطوة أخرى في مسارات التيه السياسي

محمد المولدي الداودي

كلّما أدركت الأحزاب السياسيّة إفلاسها وعجزها عن معالجة القضايا التي تتّصل بحياة المواطنين اليوميّة وتعبّر عن مطالبهم الحقيقيّة شرعت هذه الأحزاب في فتح الهوامش بعيدا عن الأعماق ومن هوامش السياسة في تونس هذه الأيّام الحديث عن ملفّ التسفير.

– الحديث عن مسألة التسفير في هذا الوقت بالذات استدعاء لنفس المناخ السياسي الذي استفادت منه أحزاب كثيرة مناهضة للمكوّنات الحزبيّة التي شكّلت تجربة الترويكا منذ 2012 وبدا جليّا أنّ تلك الأحزاب التي جنّدت الإعلام ومؤسسات الدولة في اعتصام باردو وفي كلّ تحركّات التعطيل والتّفشيل التي مارستها الإدارة مع منطّمات شغليّة ومهنيّة وأسقطت بها تجربة حكم رائدة في تاريخ تونس والعالم العربي المسكون بأشباح الاستبداد والفساد.. تلك الأحزاب لم تكن تحمل مشروعا سياسيّا حقيقيّا ولا تحمل رؤية اقتصاديّة واجتماعيّة وإنّما كان حضورها السياسي مشروطا بمناخ الترهيب والتخويف من خصم سياسي (النهضة ومشتقات المؤتمر) ولذلك حمّلت هذه الاحزاب الفاقدة لكلّ رؤية مرحلة الترويكا كلّ مظاهر الفشل الحاليّة وأغفلت بذلك ضرورة البحث عن بدائل موضوعيّة وحلول واقعيّة تشخّص في عمق أسباب فشل الدولة الوطنيّة الحديثة منذ الاستقلال إلى حدود الثورة في بناء نموذج وطني ثقافي واجتماعي وتربوي واقتصادي وسياسي يضمن الحريّة والكرامة والعدالة والديمقراطيّة.

– مسألة التسفير تتجاوز الأزمة السوريّة من حيث تاريخيّة هذه الظاهرة أو من حيث التشكّلات الدعائيّة لها فمشاركة التونسيين في مناطق التوتّر والحروب تعود إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي فقد شارك تونسيون في معارك الحربين العالميّتين كما شارك تونسيّون في معارك المقاومة الفلسطينيّة أو الجزائريّة أو الليبيّة وشارك آخرون في معارك أفغانستان وشارك تونسيون جنّدهم نظام القذّافي في معارك التشاد كما شارك تونسيّون في معارك البوسنة والهرسك ثمّ العراق وهي بذلك ظاهرة وطنيّة تتناسب مع الواقع الدولي والإقليمي ومقاماته وسياقاته ولا تمثّل استثناء تونسيّا (معارك التحرير الوطني في بدايات القرن العشرين إلى حدود منتصفه ومعارك الجماعات الثوريّة اليساريّة أو القوميّة في الشرق ومعارك الجماعات الجهاديّة في أفغانستان والعراق..) والحديث عن ضرورة محاكمة المتورّطين في ملفّ التسفير إلى سوريا يمرّ حتما بمحاكمة المتورّطين في التسفير إلى مناطق التوتر منذ نظام بورقيبة إلى حدود 2017.

– المسألة السوريّة مسألة معقدّة من حيث المنطلقات والتحوّلات والمسارات والمآلات فمنطلقاتها ثوريّة فقد كانت استجابة شعبيّة لروح الثورات العربيّة التي انطلقت بذرتها الأولى في تونس والتشكيك في المنطلقات الثوريّة للأحداث في سوريا يساوي بالضّرورة التشكيك في كلّ الثورة التونسيّة بداية ومنجزا ولذلك فإنّ الاختلاف في توصيف الأحداث في سوريا يحمل رؤية إيديولوجيّة تستند أساسا على المواقف المتناقضة بين فرقاء السياسة في تونس من النّظام السوري ولقد دفع النّظام السوري المتهاوي في 2012 إلى تحويل الثورة إلى مطحنة للصراع الدولي عبر تدويل الصّراع فكان استدعاء إيران وحزب الله طرفا مناصرا للنظام ومعبّرا عن روح طائفيّة لوّثت نقاء الثورة السوريّة كما تمّ استدعاء المقاتلين للنظام والمناصرين للثورة الشعبيّة السوريّة ولم يكن هذا الاستحضار رسميّا (لم تدع دولة من الدول الدّاعمة للثورة السوريّة جيشها ومواطنيها إلى الانخراط المباشر في الصّراع السوري مثلما فعلت إيران أو منظّمة حزب الله أو مثلما حصل في اليمن من خلال التدخّل المباشر لدول الجوار الخليجي). لقد كانت التعبئة غير نظاميّة واتخذت شكل التفاعل الوجداني الممزوج بأبعاد دعائيّة مذهبية وهذا ما تجلّى في مقاطع الفيديو التي تنشر على الانترنيت أو في خطب بعض الأئمّة المحسوبين على التيّارات السلفيّة (ما يحدث للسنّة من طرف الشيعة..). وهذا ما يفسّر التناقضات والإنكفاءات التي رسمت تعرّجات مسار الثورة السوريّة واختلاف المواقف الدوليّة منها وتباين حجم التورّط العالمي فيها (التدخّل الروسي المباشر من أجل حماية النظام والتدخّل المصري تجنيدا وتسليحا..).

وفي ظلّ هذا الاختلاف الحادّ بين فرقاء السياسة في تونس ظلّت المسألة السوريّة محلّ تجاذب كبير بين الخصوم وهو تجاذب يعكس استقطابا عالميا ومسألة التسفير لم تكن أبدا مسألة نظاميّة في البعدين (مع النّظام أو ضدّه) وإنّما كانت مسألة “شعبيّة” متّصلة بحجم الاختلاف السياسي والإيديولوجي فالذين سافروا إلى سوريا لقتال النّظام وجدوا غطاء فقهيّا ووجدوا دعما شعبيّا من المتعاطفين مع الثورة السوريّة وكذلك الذين سافروا إلى سوريا للقتال إلى جانب النّظام الذين وجدوا غطاء حزبيّا من الأحزاب القوميّة ووجدوا تمويلا في إطار رؤية سياسيّة لها امتدادات اقليميّة (إيران ومصر وحزب الله). ترى في ما يحدث في سوريا مؤامرة كونيّة على آخر قلاع الممانعة العربيّة ولذلك تلاشت عناصر الاختلاف العميق والتاريخي بين إيران وحزب الله من ناحية والتيارات القوميّة من ناحية أخرى وتشكّل تحالف موضوعي تغاضى فيه الكل عن معالم العداء التاريخي بين القوميين العرب وإيران.

– استقطب الصّراع في سوريا مقاتلين من كلّ العالم وقد يحدث أن يسافر من نفس البلد من يقاتل مع النّظام ومن يقاتله وبذلك يبدو البحث في ملفّ التسفير بحثا محمولا على الصرّاع السياسي والمحمّل بنوايا حشر خصوم السياسة في زوايا الاتهام والاستهداف.

– يبدو ملفّ التسفير في تونس وغيرها من البلدان يعبّر عن فضاء استخباراتي أشمل من المسألة السورية ويهدف إلى تخريب الثورات فالذين أشرفوا على تجنيد الشباب والدفع به الى ميادين المعارك في مناطق التوترّ في ليبيا والعراق وسوريا لهم تجارب سابقة في الحرب في أفغانستان والعراق زمن نظام بورقيبة وابن علي ومن المعلوم عند الدوائر الاستخباراتية العالمية حجم التواطئ بين نظام بشّار والجماعات الجهاديّة المقاتلة للقوّات الأمريكيّة في العراق قبل موجة الثورات العربيّة ومن المعلوم أنّ سيف الله بن حسين المكنّى بأبي عياض وزعيم تيّار أنصار الشريعة كان ممن قاتل في أفغانستان وسافر للقتال في العراق كما يظلّ ملف المدعو أبي بكر الحكيم ملفّا غامضا وكذلك ملف أحمد الرويسي العقل المخطّط لكل العمليات الإرهابيّة في تونس والذي رفضت حكومة مهدي جمعة تسلّمه بعد القبض عليه في ليبيا ومن المعلوم أنّ أحمد الرويسي تربّى في دوائر المخابرات السوريّة وله علاقات برموز من النّظام السابق ويبدو أنّه كان عنصر اختراق للجماعات السلفيّة زمن نظام ابن علي..

ملفّ التسفير في تونس هو الشجرة التي تخفي غابة الأسرار التي أحكمت دوائر المخابرات العالمية نسجها وأتقنت صناعتها لتخريب الثورات وتهميش إرادة الشعوب وتحويل مسارات الانتقال الحضاري الكبير الذي بدأ مع الثورة التونسيّة إلى ركام من الخوف والجوع والقتل وحتما سيسعى الباحثون في ملفّ التسفير إلى توجيهه وجهة يرتضونها والإبقاء عليه غامضا وبيتا مخفيّا في غابة السياسة تسكنه الأسرار والأشرار يخيف به أهل السّياسة وصنّاعها البسطاء من النّاس.

من حالف قوما فهو منهم !!!

الحبيب حمام

هل يُقبل هذا القول؟ من قال بهذا فأين يُصنِّف رسول الله حسب خلاصة “فهو منهم”؟ هل هو حاشاه من كفار بني ضمرة؟ أم حاشاه من كفار بني مدلج؟ أم حاشاه من كفار قبائل جهينة؟ أم حاشاه من يهود بني قريظة (قبل الخيانة العظمى)؟ أم حاشاه من كفار قبيلة خزاعة (قبل أن تُسلم)؟ حاشى لله أن يكون الرسول من هؤلاء، بل كان حكيما يهتدي بهدي الله، يميل إلى الموادعة، ويبحث عن ظروف التعايش مع مخالفيه في الجوهر (العقيدة) أو في الهامش (تفاصيل أخلاقية أو تشريعية)، ويُرسّخ معنى القبول بالآخر. لم ينقض التحالف مع بني قريظة (البند 18 من دستور المدينة) إلا بعد الخيانة الوطنية (الخيانة العظمى) كما هو منصوص على ذلك في البند 14 من دستور المدينة.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش فوق الأرض، ولا يُحلق في سماء المثاليّات، يبحث عن أفضل الظروف الممكنة له ولأصحابه ولمستقبل أمّته. نظرته بعيدة، وتحالفاته هي من ضرورات التعايش، وليست إقرارا بسلامة عقائد المتحالف معهم، ولا إقرارا بحسن أخلاقهم. التحالف سياسي لتحقيق غرض عظيم، وليس تحالفا عقائديا أو أخلاقيا. تحالفات تقتضيها سياقات المكان والزمان وظروفها. من فوائد صلح الحديبية أنه نصّ على فتح باب التحالفات “وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه”. وفعلا دخلت قبائل في الحلف أوّلها خزاعة. من حكمة رسول الله تفريق الأعداء وتشتيت السهام وتحييد بعض الخصوم. هناك فرق شاسع بين من حالف قوما ومن تولّاهم. انتبهوا. كانت هذه تذكرة وأسعد الله يومكم.

جمهور الإسلاميين ليست له دربة على فنون المناورة

نور الدين الختروشي

هذه التدوينة كتبت يوم 30 مارس 2014

لم يتعود جمهور الاسلاميين عل المباراة السياسية وليست له دربة كبيرة على فنون المناورة. فقد تعود على طهورية الموقف السياسي المبدئي طيلة عقود النضال ضد الاسنبداد…

ستكون حركة النهضة امام امتحانات عصيبة في هذه المرحلة الانتقالية حيث لن يتحمل ولن يتفهم جزء كبير من ابنائها ادارة يومياتها بفن المناورة ورشاقة الففز على الالغام وسيحاكمها بمنطق القيمة وألق المبدأ وميزان الحق والباطل. تماما كما سيحاكم ناخبها اداءها من الخارج بميزان اخلاقي على اعتبار قيمتها الرمزية والاعتبارية وبالنظر لهويتها الدينية. ولن يرحمها خصومها في الداخل والخارج اذا لم تحسن الادارة برافعة الممكن وما تستوجبه من تقدير دقيق لتشابك المصالح وتناقضها وحركية ميزان القوى…

فحركة النهضة اليوم امام ثلاثة خطوط ضغط فيها الداخلي ومنها الخارجي تتصل جميعها بتحدي مركب يحيل على ضرورة البقاء على ارضية القيمة والتحرك برافعة الحيلة. وهذا التحول المركب هو نفسه التعبير السياسي والتاريخي لجدل الثقافي والسياسي في هوية حركة النهضة… صداع المسك بخيط الوصل بين هوية الحركة الرسالية او الدعوية او الدينية بالمعنى العام وبين تسطير خط الفصل مع الكيانية السياسية او الوعاء الحزبي للهوية، امتحان لن تتجاوزه النهضة والاسلاميون عموما الا من خلال جدل مسترسل ومتدفق بين الجهد التنظيري الفكري والبراكسبس او التجربة الميدانية…

ويخطأ منهجيا من يتصور ان المسألة ستحسم في ورقة نظرية بآليّة الحسم الاجرائي، داخل المؤسسات او في مؤتمر… الاشكالية ستبقى خالدة وتنتج مفاعيل استمرارها ما دامت السياسة مراوحة شقية وساخرة وقاسية بين الواجب والممكن… لو يفهم الاسلامي ان السياسة تتطهر ولا تتوظأ.. ربما ينجح في الامتحان الذي سقط فيه الصحابة رضوان الله عليهم ذات يوم.

الإستخبارات الأمريكية: لو أعيدت إنتخابات المغرب لحصل بنكيران على 160 مقعدا

سليم الحكيمي

بعْد تعجيز دام 5 اشهر، أُحكمت استراتيجيته بعرقلة بن كيران عن تشكيل حكومته ودفعه الى حافة الهاوية، شدد “العدالة والتنمية” على براءته من تعسير تكوينها. فقد اثبت وحَل الوقائع انه كلما رغب الرجل في الاتفاق مع حزب الا واشترط معه آخر، على طريقة كتاب “البخلاء” للجاحظ في حديثه عن المتطفلين و”باب ومن دُعي الى وليمة فدعا اليها غيره”!!!. ووقع التسويق الى ترشيح العثماني باعتباره من جناح الاعتدال تساوقا مع نظرية “الحمائم والصقور” بالتعبير الامريكي الكلاسيكي.

حقيقة ما جرى، ان الاشكال كان رأسا أينع وحان قطافه، فلم يكن مسموحا لمن ملأ الدنيا وشغل الناس ان يتجاوز سقفا محددا من شعبية بلغت النضج والاوج، إذ يتسمّر فيها 6 ملايين مشاهد لمتابعة برنامج “لقاء الخاص” الشهري الذي يشرح خلاله برنامج الحكومة في شفافية لم تعرف لها السياسة المغربية مثيلا. واجه “التماسيح والعفاريت” أي الحيتان الكبرى للدولة، والذين يختبئون في ظلام يدبرون خطط السطو من حكومات ظلّ وجيوب مقاومة واباطرة الفساد القديم الذي يريد الاطاحة بالربيع المغربي الديمقراطي الناعم الذي ابتدع لنفسه نهجا ديمقراطيا فريدا. ورغم الشروط والضّغوط كان بن كيران طويل الاناة صبورا. ولكن الخطة المرسومة كانت لانهاك رجل نافس شعبية الملك وصار ايقونة قد تحرج التاريخ وتفرض المقارنة يعكسها عدم نزول اسهمه في بورصة السمعة والسياسة في عالم صار يشترط نزاهة المترشح قبل عرض البرامج كما يقع في الانتخابات الفرنسية التي يستعر فيه سؤال النزاهة ويخفق في اختباره الكثير رشوة ومحسوبية وتسريّا.

قاد بنكيران 4 انتصارات انتخابية بلدية وبرلمانية سنوات 2009 ، 2011 ، 2015 ، 2016 متحدثا عن شرعية الشعب مقابل شرعية السلطة، في رؤية طارئة عن تقاليد السياسة العربية الآسنة. كان راس بنكيران هو المطلوب ترتيبا لانهاء الربيع العربي يؤكده تصريح نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد اليساري بقولها “الأطراف التي أفشلت عبد الإله بن كيران هي نفسها التي تساعد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المعيّن في تشكيل الأغلبية”. مضيفة ان: “الدولة بصدد إغلاق القوس الذي فتح مع الربيع الديمقراطي ومع حركة 20 فبراير”.

وحقيقة ما واجهه بنكيران هو الطبيعة الثقافية والتركيبة البنوية للنظام المغربي التي لا تسمح بتعدد مراكز إنتاج القوة، ولا بد ان يظل في عرفها الطارئ من السياسيين حاشية على متن المخزن والسلطة الحاكمة والمتحكمة. صلابة الرجل وبلاغته واستعداده لوضع ما حيك بالليل على طاولة النهار، دون مواربة واسلوب “الحيلة في ترك الحيل”، ظلت قواعد فقهية اصولية لا تستجيب لواقع سياسة، لم تعده يوما بالاكرام، عمّرت طويلا بالحيلة والمفارقة بين القول والفعل تسويفا. بالمنطق العملي الديمقراطي وليس بالخطابات السياسية التي أشغلت الناس عن العمل والإنتاج الفعلي على الأرض، خاطب بن كيران الناس بان “شعار الحقوق الجذاب” الذي يغازل به البعض الجماهير والذي يفترض فكرة الحقّ قبل الواجب كما قال المفكر “مالك بن نبي” نتيجته السّعي خلف السّراب والخراب. فلابد “للواجب” أن يتفوق على “الحق” في كل تطوّر صاعد وبناء.

بدا بن كيران بالضعفاء من الشّرائح الاجتماعية الشّعبية المغربية التي اشتد بها وقْر الفقر كالارامل والعاطلين والمرضى. فرفع دخل التقاعد لـ 10.500 اسرة من 140 درهم مغربي الى 1000. ودخل في معركة طاحنة مع لُوبي الادوية وخفّض سعر 1500 دواء ونسب الفضل لوزير الصحة الشجاع “حسين الوردي” في الاقتراح، بعد ان استكشف ان اسعار بعض الادوية الحقيقي لا يتجاوز 200 درهم ولكنه يباع بـ 4000، ووضعت منحة لفئة الارامل المسحوقة التي يبلغ عددها 100.000 فاسندت منحة لـ 16.000 اسرة وربط الاجر الشهري بعدد الأطفال ليحصل كل طفل في كفالة ارملة على 350 درهم وطال الاجراء اليوميين وشبه العاطلين الذي عمَدهم المرض، لتنكبّ الدولة على مشروع اصلاح التقاعد قبل ان تحل به كارثة الافلاس بحلول سنة 2025. واستطاع المغرب في عهده التقدم بـ 7 نقاط في مؤشر (Doing Business) حول ممارسة الأعمال 2017، وبـ 29 درجة منذ 2012، وأحرز المرتبة 68 عالميا من بين 190، حيث تصدر دول شمال إفريقيا، وحاز المرتبة الثالثة افريقيا والرابعة عربيا.

ولكن لم يكن يشفي قوى سياسية ويبرئ سقمها الاّ تقليم اظافر الاسلاميين وايقاف الربيع الديمقراطي المحرج للجوار الاقليمي والغربي ومنعا للتجربة من الترشح وان تمتلك نسقا ناعما في ربيع عربي عاصف انتهى بخطط التقسيم والانهاك المستمر للدولة والكيانات السياسية التي اندلعت فيها الثورات. فقد ورد على الصفحة الرسمية لحزب التقدم والاشتراكية الشّيوعي المغربي “هل باتت نهاية بن كيران وشيكة؟”. وكان السؤال الحقيق بالطرح: هل من صلاحية حزب ان يفرض على رئيس حكومة مكلّف من الملك بتشكيل الحكومة ان يدعو الى فرض احزاب وطرْد اخرى ؟ واي امتياز سيبقى لرئيس الحكومة اذا كان كل حزب يختار الاحزاب التي تشاركه في الحكم؟

فما ثبت ان لحظة انسحاب الرجل لم تكن بفضيحة مالية او أخلاقية، بل كانت بقرار واستراتيجية رُسمت للانهاك اوّلا والانهاء ثانيا، وتجنبا لاعادة التشريعية التي توقعت الاستخبارات الامريكية حصول “العدالة والتنمية” فيها على 160 صوتا، بدل 125 فوُضعت العراقيل في حذاء سيره وتخلصت منه الدولة العميقة التي صدَع بوجهها بكلمة “لا” الف مرّة حين بدت له المضرّة. ويكفيه شرفا ان لحظة خروجه كانت مدخلا الى الحل وليس للمشكل كما وصفته صحيفة “الايام” الاسبوعية المغربية واصفة الرجل “بالرهيب والاستثناء في تاريخ الحكومات في المغرب” في مقال لرئيسها بعنوان: “شكرا سي عبد الاله”. وانا اقول شكرا وذكرا يا جابر عثرات الفقراء… ورمزا ضحّى بنفسه من اجل وطنه وحزبه. ولازال التاريخ ينجب… ولن ينضُبْ. وبن كيران “لن ينتهي” كما قال عنه الريّسوني…

الحقيقة والكرامة وكتابة التّاريخ

سامي براهم

لم يفهم عدد ممّن تابعوا الجلسة الأخيرة لهيئة الحقيقة والكرامة بما في ذلك بعض المختصّين في التّاريخ أنّ هيئة الحقيقة والكرامة ليس من دورها كتابة التّاريخ وهي لا تختار الفاعلين التاريخيين الذين يدلون بشهاداتهم ولا تنتقي بعضا دون آخر وليس من دورها التّحقيق التّاريخي في الروايات التّاريخيّة.

هيئة الحقيقة والكرامة تتعامل مع الملفّات التي يتقدّم بها الضّحايا والتي تتوفّر فيها الشروط القانونيّة، دورها أن تتثبّت من صدقيّة الضحايا ما أمكن من خلال معايير ووسائل مقرّرة، ثمّ تترك المجال للضحيّة ليقدّم شهادته.

ودورها بعد كلّ جلسات الاستماع السريّة والعلنيّة أن تعدّ تقارير تأليفيّة عن كلّ هذه الشهادات توثّق الانتهاكات المُصَرَّح بها لتضعها على ذمّة المؤرّخين والمؤسسات البحثيّة ومختلف المصالح والهيئات المعنيّة بإصلاح مؤسسات الدّولة وإنصاف الضّحايا.

تحفّظ البعض وتشنّجهم بل إدانتهم للهيئة بسبب ما رأوه في هذه الجلسة من تداخل مع اختصاصهم وعدم حرفيّة الهيئة في تناول الشّهادات والتّعامل معها لا معنى له في ظلّ ما ذكر آنفا، إلا إذا كان المقصود الحرص على تكريس السرديّة الرسميّة أو احتكار النّطق باسم بالتّاريخ.

المواطن يا داعس يا مدعوس…

عايدة بن كريّم

ذهبت إلى الصندوق القومي للضمان الاجتماعي لتسوية وضعية أحد الحرفاء. (باش يدفع).
الموظفة المسئولة عن استخلاص الديون تعاملت معي وكأنّني جيت نساسي على باب دارها.

أعطت لنفسها صفة المُتكلّم باسم الصندوق، وحقّ ممارسة الإبتزاز لأنّ موقعها وَسْوَس لها بتخويف المواطن وهرسلته باستعمال تلك الجمل الجوفاء من قبيل “نبعث لك عدل مُنفّذ” و”نعملّك عُقلة على ممتلكاتك” و”وظّفنا عليك الدَيْن” و”بعثنا لك رسالة مضمومنة الوصول” و”أحنا مدلّلينكم” ولم تكتف بهذا بل تجاوزت المُعجم الذي وفّره لها “القانون” لتُقدّم دروسا في الأخلاق: “خلّصوا ديونكم في الدنيا قبل ما تخلّصوهم في الآخرة”… و”ادفعوا بالسياسة خير لكم”…

هذه الموظّفة (المواطنة) تخلص من فلوس contribuables وتأكل من الضريبة إلّي يدفع فيها المواطن وتكلّم في راجلها من تاليفون الإدارة وتتغطّى إجتماعيا بالمُساهمة الي يدفع فيها “الدغف” وفوق هذا تروّث على أقدامنا.
مُجرّد أنّي اعترضت على طريقة التعامل وقلت لها: “STOP ردّ بالك تتمادى القدّام” خَرْجت من عقلها وقالت لي كلام “دعستني” به.
عشرين سنة نتعامل مع الإدارة… ولم أشعر بوجع “الدعس” كما شعرت به اليوم.

اليوم فهمت أنّ “المواطن” يا داعس يا مدعوس وفهمت أنّ قوّة الدعس دفعت البوعزيزي نحو المحرقة. وفهمت أنّ وجع الدعس أكثر إيلاما من الموت غرقا في بحر لامبادوزا. وفهمت أنّ الدعس يُنتج الدواعش…
أمثال هذه الموظّفة (المواطنة) يجب أن تدعسهم ماكينة “الثورة” وتُعاد رسكلتهم ويقع تحويلهم إلى “كاغط” لتجميع الفحم الذي أنتجته مردومة العهد البائد.

شهود الزور من أدعياء الخبرة والإعلام

أبو يعرب المرزوقي

أعجب ممن يعجبون من حملات تأييد نظام المجرم بشار شارب دم شعبه:
فلو كان لهذا النظام ذرة من عقل أو فهم لما طلب المساعدة ممن هم أحوج إليها منه.
تابعت اصحاب الحملة فلم أجد بينهم من له وزن سياسي أو إعلامي يذكر بل إن جلهم يبحث عن ممول بعد أن يئس من الممولين ذوي الدراية بالساحة وقواها.
فالذين ذهبوا ليشهدوا لصالح حكم المليشيات الإيرانية في العراق وسوريا بحماية روسية أو أمريكية لا يصدقهم أهل البلدين ولا من له دراية بالأحداث.
سمعت اميين يدعون الخبرة في الحركات الإسلامية وفي الشماعة الجديدة لمن يريد أن يواصل الحكم بتخويف الشعوب وترهيبها فعجبت لاستغفالهم غيرهم.
لم يعد الزمان زمان صوت العرب الذي يمكن أن يخفي الأحداث بالحديث.
من ينكر أن مليشيات إيران تحتل العراق وسوريا ولبنان لا يمكن أن يصدقه أحد.
ومن ينكر أن إجرام الانظمة العميلة فاقت إجرام الاستعمار حتى الإسرائيلي لا يصدقه أحد.
فقتل نصف مليون وتهجير نصف الشعب لا يغيرها كذب الإعلاميين.

لجوء إيران وبشار والسيسي وحفتر وصالح والحوثي وكل من ماثلهم إلى سند أكاذيب من فقدوا كل مصداقية دليل على أنهم يطلبون النجاة من الغرق بقشة.
وكلما استمعت إلى الصياح والنباح في بلاتوهات التلفزات “أم دورو” لا يؤلمني إلا شيء واحد:
أن بعض الإعلاميين الذين احترمهم يقبلون المشاركة فيها.
ومن احترمهم من الإعلاميين قلة وهم المثقفون بحق منهم ويعدون على اصابع اليد الواحدة وكان يمكن لهم أن يكونوا قدوة في خدمة الحقيقة والشعب.
قد يكون لهم أعذارهم لكن التاريخ أمدهم بفرصة كان يمكن أن تجب ما قبلها كما جب الإسلام سلوك عتاة الجاهلية وسفهائها.
لكنهم اساؤوا قراءة الأحداث.
فالحلم بعودة الأنظمة التي زلزل شباب الثورة أركانها من الأوهام التي كان ينبغي ألا تنطلي على المثقف منهم:
فكل رستوراسيون قصيرة الاجل وبلا أمل.
وليس كل مثقف “تاليران” حتى يمشي على الحبال فيتجاهل أحكام التاريخ:
هل يعقل أن يصبح مثقفو الجيل كلهم حركيين بالمعنى الجزائري للكلمة بلا حياء؟

مجرمو العراق وسوريا ليسوا إلا أدوات إيران مباشرة وخدم إسرائيل مثلها بصورة غير مباشرة ومثلهم مجرمو مصر وليبيا وتونس.
وذلك كله آيل إلى السقوط.
وباقي أنظمة العرب الذين حاربوا ثورة الشباب بتمويل الثورة المضادة سيكون مآلهم مآل كل الذين حاربوا الثورة الفرنسية:
الشباب سيرميهم في المزبلة.
والتاريخ الذي يغير المناخ العام للأخلاق الموضوعية في الجماعات الكبرى ذات الدور الكوني في العالم مديد بالطبع لكن الفجر انبلج والطفرة حصلت.

ولا جدال في أن داعش إرهابية.
لكن مليشيات العراق وسوريا وعسكر مصر وحوثي اليمن وطالحه وكل من مول الثورة المضادة أكثر منها إرهابا وإجراما.
ومليشيات القلم من شهود الزور الذين يسمون خبراء وإعلاميين ممن يبيض هذا النوع الثاني من الإرهاب بدعوى مقاومة ذاك أكثر ارهابا منهما معا.

فالإرهاب الأصلي الذي منه ينبع الإرهاب الفرعي نوعان:
• إجرام داعش أساسه تحريف خطاب الأصالة
• وإجرام الحكام أساسه تحريف خطاب الحداثة:
وذلك هو إرهاب الرمز بنوعيه الذي يدعي التأصيل والذي يدعي التحديث.
فهما متضامنان ومتغاذيان وكلاهما من أدوات إرهاب مافيات العالم ونوابها في المحل والإقليم.
الإرهاب أصله الخطاب الذي يخلط بين الأصالة وكاريكاتورها الناتج عن الانحطاط الذاتي والخطاب الذي يخلط بين الحداثة وكاريكاتورها الاستعماري.
الصراع بين نخب التأصيل الكاريكاتوري ونخب التحديث الكاريكاتوري أنتج داعش التأصيل وداعش التحديث في حرب بين ممثلي الانحطاطين: ذلك هو الداء.

ضباط فرنسا

محمد العربي زيتوت

كلما إطلعت أكثر على تفاصيل تاريخ الجزائر، إبتداء من إندلاع الثورة التحريرية، كلما تكشف لي حجم الدمار الهائل الذي أحدثه بعض “ضباط فرنسا”، وأؤكد على عبارة بعض، ذلك أن من كانوا في الجيش الفرنسي من الجزائريين وإلتحقوا بالثورة لم يكونو سواء.

فكثير منهم كانوا صادقين في إلتحاقهم بالثورة، مخلصين لبلدهم، مدافعين عن شعبهم ومنهم من لقي ربه ويده على الزناد، وما بدلوا تبديلا.
هؤلاء في الغالب كانوا قد إنظموا إضطرارا لجيش فرنسا قبل نوفمبر 54، وبمجرد ما ذاع أمر “الجهاد المسلح” ضد فرنسا، فروا بأسلحتهم مجاهدين، حقا وصدقا.

ولكن كان هناك صنف آخر، والذي سيحدث خرابا هائلا على مدار أكثر من 50 عاما، ولايزال، فهم أولئك الذين إنضموا للثورة بطلب من جنرالات فرنسا في عملية إختراق واسعة، تكثفت مع وصول الماكر ديغول، في ماي 1958 بعد سقوط الجمهورية الرابعة تحت وقع ضربات ثوار الجزائر.

هؤلاء من أمثال إيدير وشابو والتواتي ونزار والعماري والعربي بالخير وبن شريف وقنازية… وغيرهم كثير سيقومون بثورة مضادة تعاظمت مخاطرها مع مرور الزمن.
في البدء لقوا رعاية كبيرة من وزير دفاع الثورة العقيد كريم بالقاسم، الذي أعدم ثوار كبار وعلى رأسهم العقيد “العموري”، الذي لم يكن يستسيغ ضباط فرنسا.

ثم من وزير دفاع الإستقلال العقيد هواري بومدين، الذي لم يتوان عن إعدام العقيد محمد شعباني، بتهمة مزعومة هي محاولة فصل الصحراء، وهو الذي مانفك يحذر من “المخاطر المحدقة بالجزائر وقد تولى هؤلاء الفارين مناصب مهمة في دولة الإستقلال”.

ومن بعد بومدين، سيلقى ضباط فرنسا رعاية خاصة من الرئيس ووزير الدفاع بدءا من 79 الشادلي بن جديد، الذي وصل به الأمر أن سلم أكثر شؤون الحكم للجنرال العربي بالخير.
الكاردينال العربي بلخير كما كان يسمى، وقد سيطر، في الخفاء، على مقاليد السلطة، سيقوم بعملية تصفية واسعة لكبار ضباط الثورة وعلى رأسهم الجنرال مصطفى بالوصيف، أحد أصغر ضباط الثورة، وقائد الأركان حتى 1986، الذي قال أثناء محاكمته بتهمة الفساد في صائفة 92 أنه “إذ أطيح بي في 86 وأحاكم اليوم فلأني لم أكن ممن رضعوا ثدي فرنسا”.

ثم إنتهى الأمر بضباط فرنسا، الأكثر إجراما وفسادا، وعلى رأسهم خالد نزار والتواتي والعماري، أن أطاحوا بالشادلي بن جديد، دون طلقة واحدة، ذات 11 يناير 92، وهو الذي أوصلهم إلى أرفع المراتب والمناصب في الثمانينات.

إني على يقين، أن جرائم أعظم ستتكشف في مستقبل الأيام، عندما ينهار نظام العصابات، الذي مازال، كابرانات فرنسا بعبارة أدق، يحركون خيوط أكثر ألاعيبه، من وراء الستار، كما تعودوا على مدار ما يزيد عن نصف قرن من الخيانة والتآمر ضد الوطن الذين قاتلوا، يوما، لكي يظل فرنسيا إلى الأبد.