دُرَّةُ البَهاءِ وعقدها الفريد

بشير العبيدي

#رقصةُ_اليراع

كانت الأميرةُ دُرَّةُ البَهاءِ تخدمُ شعبها الوديع الذي استوطن منذ آلاف السّنين ناحية من الأرض تقع على ضفّة نهرٍ عظيمٍ. وكان النّهر يجتاز غابةً مترامية كثيفة الشّجر وكثيرة الثّمر، تغطّي الرّوابي المحيطة والسّهول، حيث تعيش كلّ أنواع الحيوانات، تتغذّى ممّا تنبته الأرض أو من لحوم بعضها دون إسرافٍ.

وكان قصر الأميرة دُرَّةُ البَهاءِ يقع على أعلى ربوة في تلك المملكة، ويسمى قصر الخورنق، وفيه تجمع الأميرة كل جمعة مستشاريها ووزرائها وحكمائها لتدبير شأن المملكة، ولم تكن تقطع برأي أبدًا حتّى تقلّبه على كلّ الوجوه وتعرضه على شتّى المتناقضات، إلى أن تطمئنّ بأنّ قرارها يطابق شروط العدل وقواعد الإنصاف.

ولقد ورثت الأميرةُ دُرَّةُ البَهاءِ عن جدّها هذه الأمانة العظيمة التي هي خدمة الشعب، بعد أن تقاتل وتذابح إخوانها وأعمامها من أجل التّخطيط لافتكاك السّلطة، حتّى قبل وفاة الأمير الجدّ. ففكّر الجدّ مليًّا واستشار واستخار، ثم عزم على قرار خطير كاد أن يهزّ أركان المملكة، وهو التنحّي عن الحكم لفائدة حفيدته فائقة الذّكاء والفطنة واسمها “رحاب”، بعد أن منع ولاية العهد عن جميع الذكور من أبنائه وأحفاده بسبب تكالبهم على السّلطة والملذّات والشّهوات. وقام الأمير الجدّ بجمع أعيان المملكة وكبارها، وخطب فيهم خطبة عصماء، وأقنع أغلبهم بوجهة نظره، فقبلوا على مضض طاعة الأميرة فائقة الحسن، لأنهم لم يتعوّدوا أبدا أن تحكمهم امرأة، وخافوا من ضعف عقلها. ثم خطبت فيهم الأميرةُ الجميلة الفاتنة بلغة فصيحة مليحة فسمعوا منها كلاما حكيما منتظما ساحرا، كأنه الدرّ المبثوث على بساط الاستبرق، فاقتنع من كان متردّدا، وقبل كبار البلد إمارة الحفيدة رحاب.

وفي موكب التتويج، اجتمع أهل المملكة في صعيد واحد، وضُربت الخيام وأقيمت الولائم وتكلّم كبار القوم وممثّلوهم، وجاء الأمير الجدّ بالتّاج المُرصّع ووضعه على رأس حفيدته، ثم أمر بعقد فريد من نوعه كان قد أحضره الأمير الجدّ بمثابة مفاجأة لحفيدته، جمع فيه من قطع الألماس واللؤلؤ واليشب والزّمرّد وكريم الأحجار ما استطاع إليه سبيلا، وطلب من كلّ واحد من جواهريّ مملكته أن يعتني بقطعتين متماثلتين على انفراد ويصنع منهما شكلا لم يسبق صنعه أبدا، إلا جواهريّ واحد أمره بعمل قطعة وحيدة هي درّة من الألماس الخالص. فكان للأمير الجدّ ما أراد واجتمعت له القطع كاملة. وأمر الجد بصناعة أقوى خيط وأجوده، ووجّه بعمل العقد قطعة قطعة، وثبّت درّة الألماس في الوسط، فتمّ له عِقد من أبدع البديع وأرفع الرفيع. وبعد التتويج، قلّد الأمير الجدّ حفيدته بذلك العقد الفريد فسحرت بجمالها وبهائه الأعين، وسلبت بجلالها وإتقانه العقول، فلما رأى الجد روعة العقد على جيد الأميرة الحفيدة، أمرها ألا تقطع برأي حتّى تنظر لعقدها في المرآة وتشعر بالرضا، ثمّ أطلق عليها لقب “الأميرة درّة البهاء”، فصار اسمها الرّسميّ في المملكة.

ثمّ لم تمض أشهر، حتّى انتقل الأمير الجدّ إلى رحمة الله، فدفنوا جثمانه في موكب مهيب، وانصرفت الأميرة درّة البهاء لإدارة شؤون المملكة وتسهيل عيش رعاياها، والذبّ عن المملكة لدفع شرور الخونة والأعداء، فأبدعت في حسن الحوكمة ورشد الطريقة وإحكام السّياسة، وذلك أنّها كانت لا تقرّر قرارًا حتى تقف أمام مرآتها الكبيرة في قصرها وتنظر إلى جلال عقدها المتلألئ على صدرها، كأنّه الجمر المتوهّج في الدُّجَى، فتشعر بالغبطة والسّرور يملأ كيانها، وتقرّر القرار الأنسب فيصيب عينَ الحّق، حتى اطمأنّ لها الناس ونالت أوسع الأماكن في شغاف القلوب.

وكم تمنّت الأميرة درّة البهاء أن تتزوّج بشاب جميل الخَلق والخُلق، لكنّها خافت على شعبها تبدّل حالها وانشغالها بأميرها، فدافعت رغبتها، وغالبت شهوتها في سبيل راحة رعاياها. ثمّ عاودها الحنين حين تقدمت بها السّنوات وخشيت أن يفوتها موسم الإنجاب، فتحرم المملكة من نسلها ويأتي من بعدها من لا يعرف قدر شعبها فيخرب بيوتهم بظلمه. وفكرت مليًّا واستشارت، ثمّ قرّرت أن تتزوّج برجل صالح على أن يكون به صمّ وبكمٌ، تلافيا لأن يخوض في شؤون المملكة معها ويفسد حكمها، فبعثت في الآفاق باحثة عن كلّ شاب صالح به صمم وبكم، حتى عثروا لها على فتى فاتن الحسن، فائق العقل، قد فقد النطق صغيرا بسبب صدمة ناتجة عن اعتداء آثم عليه، لكنّه يسمع ويفهم القول. فلما علم بطلب الأميرة تمنّاها وانتحل نقيصة الصّمم طمعا في تحقّق المراد فكان له ما أراد، وحُمل إلى الأميرة درّة البهاء، ووقع حبّه في قلبها، واختبرته زمنا حتى استيقنت من صلاحه، فاشترطت عليه بالإشارة الامتناع عن أمور السياسة، فقبل بالإشارة ووقّع العهود، وتزوّجته في موكب عظيم بحضور شعبها، وخلعت عليه لقب الأمير الزّوج، وعاشت معه في رغد وتفاهم، وكان يسمع ويعي كل ما يدور في القصر الملكي ويتظاهر بالصّمم، حتى فهم جميع الأمور، ثم رزق الله الأميرة والأمير بالإناث والذّكور، وانبسطت الأميرة وفرحت وذهب غمّها، وخصّصت وقتا معتبرًا لتأديب أولادها وتعليمهم دربة الحكم العادل، وتدريبهم على العيش مع البسطاء لكي يدركوا حقيقة عيش رعاياهم ويفهموا ما يخفى من الأمور عند الناس.

وفي يوم من الأيام، شعرت الأميرة درّة البهاء بالضجر والملل نظرا لكونها لا تستطيع الكلام مع زوجها الأمير. ولا تتبادل معه سوى الإشارات البسيطة، ولا يمكنه أن يفعل شيئا يحتاج فيه إلى الكلام والسمع، فخرجت من قصرها تريد التجوّل في بستانها الكبير المحاذي للنّهر العظيم، ولم تنظر إلى عقدها في جيدها كما تعوّدت، وذلك بسبب القلق والضّجر من التكرار، فخرجت مع الخدم تريد الفسحة، وجلست تحت شجرة وارفة الظلال، تتأمل الحيوانات الجميلة من طواويس وبطّ وإوزّ وديكة ودجاج وغزلان وغيرها، ووتحتها النهر يجري بماء عذب، فبينما هي كذلك، إذ رأت على الشّجرة قردًا أفطس، أحمر المؤخرة، يفلي فروة قردة ويأكل قملها، فنظرت مليًّا وقهقهت بأعلى صوتها، لغرابة المنظر وسوء فعل القرد وشكله. فسمعها القرد، وقام بحركات بهلوانية لمزيد شدّ انتباه الأميرة، وانتقل من غصن إلى غصن، وعمل رقصات موغلة في الغرابة والدّهشة، فازدادت الأميرة درّة البهاء به اهتماماً، وأمرت بالموز، فرمت له بالموزة تلو الموزة، حتى شبع، ثم اقترب القرد الوقح من الأميرة يلاعبها ويداعبها، وازداد اقترابا بشكل خطير، وعمل حركات قبيحة، وتدلّى كأنه شريحة لحم من غصن الشجرة التي كان يستمسك بتلابيبها، ومدّ القرد الأفطس يده بسرعة البرق إلى جيد الأميرة يلمس عقدها الفريد… ولشدّة الغيرة والخوف على الأميرة، حين رأى الأمير الزوج ذلك المشهد المرعب، خشي على زوجته الأميرة درّة البهاء من أن يلمسها هذا القرد الأفطس الدّنيء ويلاعبها. وبلغ الغضب من الزوج الأمير مبلغا خطيرًا نظرا لعدم قدرته على النّطق، ولشدّة ما شعر به في صدّره انفجر بالصّياح ونطق بصوت مزمجر غير مفهوم، فخاف القرد وجذب بيده عقد الأميرة درّة البهاء، فبقيت في يده الألماسة العجيبة وتقطّع الخيط الناظم للأحجار الكريمة، وتناثرت الجواهر الثمينة الأخرى في كلّ مكان، وتدحرج أكثرها في ماء النّهر، أمام ذهول الأميرة التي صاحت مستنجدة بالجند للقبض على القرد وافتكاك الألماسة، وعمّ الهلع حاشية القصر.

تمّ القبض على القرد وافتكاك الألماسة العجيبة، ولكن الأميرة بقيت بين نارين، هل تفرح لزوجها الذي نطق وصار يتكلّم بعد سنين من البكم بفضل القرد، أم تحزن لفقد العِقد من جيدها وضياع الأحجار في ماء النّهر. ثمّ أمرت الأميرة درّة البهاء بنقل جميع القردة من بستان القصر، وطردها إلى غابة الوحوش، وبعثت في أثر كلّ سبّاح وغوّاص تعرض الأموال لمن يستخرج لها كل قطعة من قطع العقد الضائع، فحضر الشّباب المهرة، وتسابقوا للغوص كأنهم أسماك الدلافين، حتى وجدوا جميع الأحجار التي سقطت في الماء، إلا واحدة فقط، لم يعثروا لها على أثر، فقررت الأميرة عمل حجارة شبيهة في الشكل، وأرسلت في طلب الجواهريّين، تريد إعادة العقد الذي عمله جدّها الأمير، واشترطت أن يعود العقد كما كان بالتمام والكمال.

فانهمك الصّنّاع في العمل، وحاولوا مراراً وتكراراً أن يعيدوا العقد إلى حالته الأولى، وفي كلّ مرة، تحزن الأميرة وتذبل عينها الجميلة وتقول : إن العقد الجديد لا يشبه العقد الأصلي فاحتار الصّنّاع أشدّ الحيرة، وطلبوا من الأميرة أن تصف العقد الذي كان في رقبتها كيف كان، فما استطاعت وصفه، لأنها كانت كلّما نظرت إلى المرآة، كانت لا تنظر إلا لجمال العقد وأثره على بهائها، ولم تنظر إلى ما خلف ذلك الجمال من صنعة وتنسيق وألوان وأشكال. ولما سألوا زوجها الأمير، عجز هو أيضا عن وصف العقد، لأنه كان حين يشاهده على جيد الأميرة ينصرف تفكيره إلى نفسه كم هو سعيد بأميرته الحسناء وعقدها المتفرّد، ولم يكن يفكر أبدا في سبب جمال العقد. وساد جوّ من الكآبة في المملكة بسبب العجز عن حل مشكلة العقد، وأصبحت الأميرة في حالة يرثى لها من الحزن، وذهب ما كان بها من سرور وفرح، وصارت تغضب لأتفه الأسباب، وأمست تتخذ القرارات دون الاستشارة، ونال الرّعية من قراراتها الجديدة الكثير من الضيق والتبرّم، وصار أمر المملكة إلى الانحدار، وبدأ وجهاء المملكة في التململ، وكثر الحديث عن الحلّ الممكن، حتى تجرّأ صغار القوم على الأميرة، وصاروا يطمعون علنا في افتكاك السلطة من يدها بتعلّة عجز الأميرة درّة البهاء.

وفي يوم من الأيام، بينما كانت الأميرة جالسة تتأمل وتفكر وهي حزينة على عقدها الفريد وتنظر من نافذة القصر، رأت شيخا كبيرا طاعنا في السنّ يجلس تحت شجرة، وتبدو عليه علامات الفقر والفاقة، يحمل بين يديه أليافًا من أغصان الشجر، يفتلها بشكل عجيب ويصنع منها السّلال والأشكال، فتعجبت لإتقان الصّنعة وقدرته على فتل وخرز وتشبيك الأغصان بشكل مدهش غريب، فيصنع منه ما يريد. فأمرت بإدخاله إلى القصر، وسألته إن كان قادرًا على إعادة عقدها الفريد كما كان، بعد أن عجز الصنّاع في المملكة عن إيجاد شكله الأول. فأمر الشيخ بإحضار القطع جميعها، ونثرها على منضدة وتأمّلها مليّا مدّة ساعة، ثم رفع رأسه تجاه الأميرة وقال لها : لو أمرتْني الأميرة بالانصراف اليوم، سأعود إليها غدًا وأعيد ترتيبه على ما كان. فقبلت الأميرة درة البهاء ذلك، وانصرف الشيخ.

ومن الغد، عاد الشيخ إلى قصر الأميرة درّة البهاء بعد صلاة الصبح، وطلب مواصلة العمل، فما هي إلا سويعات حتى أعاد العقد على هيأته الأولى، أمام ذهول جميع الجواهرييّن، والحاشية والأمير الزوج والأميرة درّة البهاء. فكافأته الأميرة بأموال، لكنه رفضها، وآثر أن يعيش من كدّ يده. فرجته الأميرة درّة البهاء أن يكشف لها سرّ العقد الفريد، فجلس الرجل، وحمد الله وخطب في الحاشية والحجاب أمام الأميرة قائلا :

أيها النّاس، لقد نظرتُ في شكل عقد أميرتنا الفريد، فوجدت جماله أشبه شيء بحياتنا كلها في هذه المملكة الآمنة. وما كان الأمير الجد ليصنع مثل هذا العقد من دون تأويل لكل قطعة فيه. ولقد نظرت في تأويل شكل لؤلؤ الألماسة الوحيدة الواسطة، فوجدته أشبه شيء بالعدل الذي هو أساس الحكم. ونظرت في حجارتي الفريد، فوجدتهما أشبه شيء بقوّتين هما اجتماع الناس واجتماع الجند وبهما مناعة الحكم. ونظرت في حجارتي الزّبرجد، فوجدتهما الأخلاق والقيم وهما يحفظان القوة من الجور، ونظرت في حجارتي الجُمان، فوجدتهما العلم والفهم، وبهما النّفاذ إلى المعاني، ونظرت في حجارتي المرجان، فوجدتها الخطاب والتواصل، وبهما الإفهام للغير وترتيب الصورة عند الآخرين، ونظرت في الياقوتتين، فوجدتهما الأدب واللسان وبهما العقل والبيان، ونظرت في الجوهرتين، فوجدتهما القضاء والتّعليم وبهما الاستقرار والاستمرار، ونظرت في الزّمرّدتين، فوجدهما الإيمان والعمل، وعليهما يقوم الإنجاز، ونظرت في الدرّتين، فوجدتهما الحكمة والإتقان، وبهما يتّسق القول مع الفعل، ونظرت في العسجدتين، فوجدتهما الفنّ والإبداع، وبهما التميّز والتفاضل. غير أنه يا أيّتها الأميرة، فإن مرجانة التّواصل ليس بالأصلية بل هي مقلّدة، لقد ضاعت إحدى المرجانتين بسبب القرد الأفطس.

فسألت الأميرة درّة البهاء عن سبب ضياع مرجانة التّواصل الأصليّة، فأجاب الشيخ : “ذلك يا مولاتي تأويل التّواصل مع السّفهاء من الكائنات. فإنّ مخالطة السّفهاء تورث فساد العقل، لأنّ السّفيه دأبه توريث الرّداءة التي هي ديدنه، فلمّا رأت الأميرة أن تتواصل مع قرد أفطس لمجرد التسلية، انتقل القرد سريعا من التسلية إلى تجاوز الحد لأنه لا عقل يحبسه. وانتهى أمره المنكر أن قطع عقد الأميرة، وجرّأته السّفاهة على غشيان الرّداءة. وقد قالوا : إنّ الرّداءة هي سرطان الحكم”.

وكم تمنّت الأميرة درّة البهاء أن يقبل الشيخ العمل في حاشيتها، تستشيره في مستغلق الأمور، لكنّه آثر العودة إلى عمله الأول في صناعة السّلال من ألياف الشّجر وقال : إنّ الحكمة تقتضي الحرّية. ووعد بخدمة الأميرة عند الحاجة الطارئة، وخرج الشيخ الحكيم خفيفا كما دخل، بلا مكافأة على عمله عدا زيادة التقدير والإجلال، وهما عنده ممّا لا يشترى بالمال ولا بالعيال.

رمضان 1438
كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا .. وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا

الفساد خدعة الخلط بين القانوني والخلقي

أبو يعرب المرزوقي

الخلط بين مفهوم الفساد الخلقي، وحتى الديني، ومفهومه القانوني، يميع القضية ويحول دون العلاج القانوني الذي هو الوحيد الممكن سياسيا وبصورة شفافة.

هذه رابع مرة أكتب في الفساد. بدأتها قبل الحملة الزائفة على الفساد فتكلمت على نوعيه البنيوي والظرفي، أو الجوهري والعرضي، وهي الأصل في القضية.

ثم كتبت يوم أعلنوا عن بداية الحملة بالخطف الذي ليس للقضاء به علم، وبينت أن الأمر لا يتعلق بالحرب على الفساد بل بمعركة بين بارونات الفساد.
وعبرت عن خوفي من معركة المافيات لأنها أكثر خطرا من الفساد، وخاصة إذا تدثرت بزعم التصدي للفساد. لأنها حينها تكون معركة التغطية على ما أخطر منه.
ثم كتبت عن الفساد الرسمي، وهو تحويل الدولة إلى بقرة حلوب للنافذين الذين يتقاسمون خدمات الدولة للارتزاق حكما ومعارضة ونقابات أعراف وعمال.

والآن أريد أن اميز بين المفهومين:
– الفساد القابل للعلاج القانوني،
– الفساد القابل للعلاج الخلقي.
الأول يبدأ بعلاج جذره، أي فساد منظومة الحكم والمعارضة. ذلك أن هذا الجذر لا يقتصر على الفساد بمعنى استغلال ثروة الشعب، بل هو يتعداه إلى طريقتين في التخلي عن السيادة. فاستغلال الدولة يفلسها وقد فعل، وإفلاسها يؤدي إلى رهن إرادتها بالتداين، وهو قد حصل. وقد بينت أن كل الشركات الوطنية أفلست بسبب تحميلها ما لا طاقة لها به: توظف أضعاف حاجتها.
ثم إن الدولة نفسها وأحزابها الحاكمة والمعارضة كلها، تتمعش من الدولة بخلق وظائف وهمية، ويكفي رمزا لذلك كله أن عشرة مليون وزراؤهم أكثر من الصين، فوزراء ستين سنة من الحكم يجازيهم الضمان الاجتماعي تقاعدا وزاريا، وأن لتونس الآن حوالي ستة وزراء أول، وثلاث رؤساء جمهورية، فافهم كلفة “الدولة”.

لكن الأخطر هو ما أريد عرضه اليوم: الخلط بين المفهوم القانوني والمفهوم الخلقي يؤدي إلى كل الانحرافات السياسية التي تحول دون العلاج السوي.
وأولى نتائج هذا الخلط، امتناع تحقيق طرق المصالحات بين الدولة والمخالفين للقانون: فمشروع المصالحة الذي يقترحه رئيس الدولة يخلط بين المفهومين.
ذلك أن جل الذين يتعلق بهم ملف الفساد، يمكن علاج قضاياهم بمجرد تطبيق القانون عليهم، ولا حاجة لنقل المسألة إلى ما يوهم بقلب الصفحة بشبه عفو.
ولهذه العلة، استعملت مبررات خلقية سياسية، وذلك بضم الإداريين والمسؤولين السياسيين في ملف من المفروض ألا يوجد أصلا، ويكفي فيه تطبيق القانون.
يكفي تصنيف التعديات عليه: إما إزاء الجباية أو الجمارك أو لعدم الوفاء بالعقود مع الدولة فيما يتعلق بالخدمات التي عهد بها لأرباب الأعمال.

وما بقي من المخالفات هو بدوره قابل للتصنيف، إما إلى ما ينتسب إلى خيانة الأمانة السياسية أو القانونية.
والخيانة الأولى أشد وطأة وعقابها أكبر.
أما محاولة التبرير بحاجة الاقتصاد لتمويل الاستثمار، وبحاجة الإدارة للمبادرة، فهما كذبة تحاول أن تضفي على الأمر بعدا خلقيا وسياسيا: حاجة الإنقاذ.
وهنا يأتي الرد على التبرير الخلقي المقابل، وهو أن حاجة الإنقاذ لا تكون بتبييض الفساد في شكل عفو مقنع، مفاده الإفلات من العقاب.
وفي الحقيقة، فإن ملف مكافحة الفساد أصبح شهادة على أن الفاسدين هم الذين يريدون قلب الصفحة بالتضحية بالفساد الأصغر حتى يبقى الفساد الأكبر.
والفساد الأكبر، هو تحريف القانون تحريفا صورته المثلى هي المصالحة، ليس بين الشعب ودولته وبينه ونخبته، بل العفو على المجرمين ليواصلوا إجرامهم.

لن يكون مستقلا ولو خرج من جلده

سمير ساسي

كانت والدتي رحمها الله تردد مثلا شعبيا يقول ولا قعدانك في بر تونس كل يوم تسمع غريبة

وانا أقف اياما قليلة قبل ذكرى وفاتها على هذا القول الحكيم وغريبة الْيَوْمَ ما يروج من حديث عن مرشحين للمحكمة الدستورية وفيهم ان احمد صواب مرشح مستقل وهو الذي ابطل قرارا للمحكمة الإدارية في زمن المخلوع قضت به قاضية شريفة منحت بموجبه لمواطنة حرية اللباس لكنه رأى ان الحرية لا يستحقها من كان على غير ملته من المواطنين الأغيار مثلما هو شان موضة الاستقلالية المشروطة لعضوية المحكمة. فكل يساري يمكن ان يكون مستقلا كعياض وسناء وآل عاشور جميعا ومن والاهم وحتى صالح الزغيدي ويمكن أيضا حمة الهمامي اما كل عروبي أو إسلامي أو من وقف على جهة غير جهة اليسار فلن -وهي هنا زمخشرية عندهم. اَي نفي التأبيد- لن يكون مستقلا ولو خرج من جلده فهو يبقى من الأغيار والاغيار لا مكان لهم في هذا الوطن.

رحم الله والدتي وتعست غريبة بر تونس فقد كانت كغريبة مقاومة الفساد.

العياشي الهمامي فارس الحرية

الأمين البوعزيزي

أن يلتقي على نهش الأستاذ العياشي الهمامي حثالات الشُّعَبْ التجمعية المنحلة وبعض “يسار” الخمارات المُفوّت؛ مضافا لهم قاضي مرتشي (تمّ طرده منذ سنوات لخيانته شرف المهنة) يعترض على ترشيحه لرئاسة المحكمة الدستورية بتعلة أنه دعم المنصف المرزوقي للرئاسة مرشحا للشعب العميق في مواجهة السبسي مرشح عصابة السراق !!!
هذه الهجمة المركبة تأكيد على طهر هذا المناضل النبيل الذي يحظى بإحترام شعبه؛ وتأكيد على حقارة ناهشيه…
العياشي الهمامي عنوان أمثل لليساري الحق بعيدا عن نماذج الكمبرادور الثقافي الرث الذي احترف التزييف الأيديولوجي وقطع الطريق في وجه شعبه المضطهد.

——- أحيي بعمق أي طرف سياسي يرشح ويدعم الأستاذ #العياشي_الهمامي.
ساندوا فارس الحرية في تونس.

أطلق كلابه لتنهش واليوم لا نباح لها

سيف بن سالم

بالأمس القريب أطلق كلابه لتنهش في عرضنا واليوم لا عويل ولا نباح لتلك الكلاب وسيدها مقيد والكل ينهشه…

أين هي الهدايا والسيارات والمنازل الفاخرة التي أهداها للسفلة وعديمي الضمير؟؟؟ تصوروا تلك المليارات التي أنفقها عليهم ليستقوى بهم في مثل هذه الظروف فغدروا به، تصوروا لو إعتذر للشعب بعد الثورة وأعادها له في شكل مشاريع خيرية في المناطق المهمشة هل كان سيتجرأ ممثل بنك النقد الدولي على تنفيذ قراراته؟؟؟ طبعا لا والمؤكد أنه كان سيجد شعبا متسامحا محبا لا مكان للحقد عنده… لكنه أبى واستكبر و راح ينفق الرشاوي و يشتري الضمائر فهل نفعه ماله اليوم؟؟؟ أنه التكبر والحقد وسواد القلب ما يجعل صاحبه لا يفكر أصلا في الصلح والتسامح والإعتذار فيكون مصيره الهلاك بما أعد…

لا أذكر ذلك من باب الشماتة إنما فقط لإستخلاص العبر والدروس… “زيتونة مباركة ما مكر بها أحد إلا و مكر به الله والله خير الماكرين”…

من أوهام العاجزين

محمد بن نصر

تحركت منظومة الفساد حول نفسها فأحدتث أصواتا حاكت فيها أصوات الثورة الجريحة، ظنّها بعض نخبتنا أنّها من تعاويذ التوابين فرفعوا شارات النصر مُهلّلين مكبّرين فرحا بعودة الإبن الضال.

وتنادوا إلى حفل التعميد ولكن الإبن التائب تاه في دروب المنظومة يتقاذفه كبراؤها فعلم بعد صولته الركحية أن طقوس الإرتقاء فيها لم يكن سبيلها يوما من الأيام لا الصوت العالي ولا الخبط العشوائي، فسكن في انتطار من يرفعه عاليا أو من يدوسه أرضا لا حول له ولا قوة.

ما فات الواهمين أن منظومة الفساد حين تحركت، تحركت لتعديل جلستها وترتيب بيتها الذي تعددت فيه الرؤوس بعد أن كان تحت إمرة رجل واحد، لا يُعصى له أمر ولا يُرفض له نهي. زادتها هذه الحالة إرهاقا حين لم تعد أقلامها المأجورة تعزف على نغم واحد فقد عبثت بأوتارها رياح الثورة التي هبّت من الكامور. كان إذا لزاما عليها أن تضع على رأس إمارة الإفساد والفساد أحد جنرالاتها الأكثر حنكة والأوفر مالا ودهاء فالتفت على أطرافها رافعة شعار محاربة الفساد ولكن الحيلة لم تنطلي على شعبنا الذي خبر كنهها بحكم تراكم تجاربه المؤلمة فتبيّن له ما خفي عن نخبة لم تعد قادرة على قراءة الأحداث إلاّ بمفردات الدولة العميقة.

بلاغ حركة النهضة وكشف حقيقة “الحرب على الفساد”…

عبد السلام الزبيدي

أعتقد أنّ تفكيك أبرز ما جاء في بلاغ حركة النهضة حول لقاء وفد منها برئيس الجمهورية يسمح بفهم حقيقة ما يسمى اليوم بالحرب على الفساد…

فحسب ما جاء في البلاغ :
– رئيس الجمهورية : حملة الحكومة على الفساد تجري بعلمي ومشورتي.
ومشروع قانون المصالحة الاقتصادية مفتوح على التعديل.

– رئس حركة النهضة : مقاومة التهريب لا تكفي في الحرب على الفساد.
ونحن بصدد دراسة مشروع قانون المصالحة. لإجراء تعديلات جوهرية حتى لا يتعارض مع الدستور وقانون العدالة الإنتقالية.

– عبد الفتاح مورو : الأجواء العامة ليست في صالح المشروع.

التعليق :
– الحرب على الفساد هي حربٌ على التهريب… نقطة إلى السطر.
– النهضة شريك الحكومة فهمت طبيعة الحرب على الفساد بشكل متأخر، وهنا يأتي التساؤل عن طبيعة الإئتلاف الحكومي وآليات اشتغاله…
– مورو كان الأقرب إلى نبض الشارع التونسي بتلميحه إلى ضرورة تأجيل النظر في مشروع قانون المصالحة.

الإستثمار في الحرب على الفساد

نور الدين الختروشي

الإستثمار في الحرب على الفساد استثمار مبارك لانه في حاجة وطن… ساهموا ولو بشق تمرة.
لا يتخلف عن هذه الحرب الا قاصر سياسي لم يكتمل نموه او جبان يصعد جبنه بالذكاء او متواطىء يخاف على ما كسب.
اذا كانت خطوة الشاهد لامتصاص غضب الكاموريين.. فشكرا للكامور الذي انتهى فصله الاول على حسنة سقوط ثلة من بارونات الفساد والتهريب، ودفع الشاهد الى خطوة لن يتراجع عنها الا اذا قبل المقامرة بمستقبله السياسي.
الشاهد الان اما ان يمضي الى اخر السرداب او فليتبوأ مقعده من التقاعد.

ليس مطلوبا من الشاهد ان يقضي على الفساد فهو لن يقدر وان أراد…
المطلوب فقط ان يواصل الالتزام بوثيقة قرطاج…
مقاومة الفساد لا تعني بالضروره اعتقال المتورطين فهذا فاصل قانوني صغير وضروري ومهم سياسيا في رسائله للداخل والخارج، ولكنه يبقى فاصلا صغيرا مهما كانت أسماء المورطين
الحرب على الفساد استراتيجيا وخطة طويلة الامد عنوانها الاساسي الحوكمه الرشيدة.
#رقمنة_الادارة_استحقاق

السياسة جوهرها مناورة على ارضية المصلحة العامة ومن اجلها في غالب الاحيان يكون المشكل في نقدير المصلحة العامة وفي بعض ادوات المناورة واساليبها الي قد تقفز للضرورة على الاخلاق…
اليوم محاربة الفساد مصلحة عامة ولا تقدير فيها ولا اجتهاد ولا يختلف حولها وطنيان.. المشكل في المناورة بهذه المصلحة او عليها وهذا قد يكون حاصلا بهذا القدر او ذاك في خطوة الحكومة.. غير مهم هذا وغير مهم بالمرة.. المهم والهام هو مدى قدرة حاستنا السياسية على التقاط ممكن المناورة لحساب حربنا ضد الفساد ممكن المناورة النبيلة التي تنطلق من أم حقائق خطوة الشاهد: الدولة من اجل الدولة في مربع الحرب بعشر و او خمس خطوة… اما ان نتركها مترددة او خائفة او ملتفة او ان نحاصرها باجماع الارادة العامة في ان نبقى الدولة في المربع، وان تواصل حربها المشروعة معززة بالتحام وطني تاريخي بين الموقف الرسمي الذي قد يكون مناورا حدّ الخديعة، وبين الموقف الشعبي المبدئي والمبدئي حد  ّالطهارة…
أرى المعادلة بسيطة فلماذا التعقيد والتلبيس ؟؟؟
بسيط حد السذاجة من يدعوني الى عدم الحماسة والتخلي عن العاطفة فما يلومه عليا من يقرأ لي منذ سنوات هو تحديدا غياب الحماسة والبرودة الزائدة في التعامل مع شطحات الشاطحين على كل نغم ومزمار.
المليونيه ضد الفساد استحقاق..

النهضة الباهتة بعد مؤتمرها العاشر يمكن الان وهنا ان تتحول الى النهضة المتألقة لو مارست بحجمها ونظمت تجمعا وطنيا للحرب على الفساد تستجمع فيه مقومات قوتها السياسية والميدانية.. الشاهد وبقطع النظر عن حساباته ومدى جديته أهداكم فرصة الخروج من اخاديد المناورة والحيله الى حديقة المبدأ والقيمة وهو جوهر ومقوم شرعيتكم.
السياسة فرص والمتردد قل ان يستمتع بثمار الفرصة…

اذا اتفقنا ان ببساطة ان مقاومة الفساد حرب فواجب الوطن يدعونا للتخندق في خنادقها وليس مساندتها فقط…
لا يتخلف عن الواجب زمن الحروب الا خائن او جبان.
الجنرال مهما كانت كفاءته او شجاعته اذا دخل بجيشه الحرب فلن يعود للوراء فان عاد فقد استباح دمه.. حاصروا الجنرال وسدوا عليه المنافذ ان رأيتم منه ترددا او جبنا او تولي عن عهد الوطن.
ادخلوا هذه الحرب بسلام آمنين فرمضان شهر الملاحم.

ألعابنا في رمضان

الطيب الجوادي

بمجرد أن ينتهي الأهل من إفطارهم، وبعد أن يسرع الوالد إلى “الحانوت” للعب الورق، وبعد ان تجتمع النساء في منزل يحدّدنه سلفا مصطحبات جميع أطفالهنّ، تخلو لنا الأجواء نحن الصغار وتبدأ ليالينا الرمضانية التي لا تُنسى:

نهرع جميعا لنلعب ألعابنا التي نتوارثها جيلا بعد جيل دون أن يغيّر أحد من قواعدها المرسومة بدقة ولعلّ أشهر تلك الألعاب هي لعبة “عظيم السارية”، التي لا يمكن ممارستها إلا تحت ضوء القمر. ويشترك فيها الأولاد والبنات.

كان أحدنا يقوم برمي عظم أبعد مسافة ممكنة وعلى الجميع البحث عنه في جنبات النهر المليء بالأعشاب والأشواك، وعلى كل من يعثر على العظم أن يوصله إلى نقطة متّفق عليها سلفا دون أن يتفطن إليه أحد ولا يُوفّق في ذلك إلا إذا كان يتقن فنّ ضبط الأعصاب، لأنه لو تفطّن أحد أنه عثر على العظم، فسيشبعه الجميع ضربا قبل ان يصل إلى هدفه، لذلك عليه، وبمجرد العثور على العظم ان يواصل البحث بهدوء وصبر، وهو يقترب شيئا فشيئا من النقطة التي يسرع فيها الخطو ليمرق من جموع الأطفال كالسهم، ويعلن أنه وجد العظم، فيزغرد البنات إعجابا وتشجيعا، وكان ذلك يثير غيرتي ويجعلني أحرص على العثور على العظم والوصول به إلى حيث أعلن بأعلى صوتي أنني هزمت الجميع، ولكنّني لم اوفّق في ذلك مطلقا فكان لا بدّ من حيلة ما.

أشارت عليّ نعيمة أن أحضر عظما احتياطيا، غير العظم الأصلي وأخبّئه تحت ثيابي لأجري به نحو الهدف عندما يكون الأطفال منهمكين في البحث وهو ما فعلته بدقّة، جريت نحو أعلى نقطة على ضفة النهر وصرخت بأعلى صوتي: “ها هو العظم، هاني لقيتو”!

وفي اللحظة التي انتظرتُ فيها ان تنطلق زغاريد الإعجاب، سمعتها بنت الحرام تصرخ بأعلى صوتها: “يكذب، يكذب، العظم هذاكا خباه تحتو، العظم الأصلاني، مازال ما لقاه حدّ”.

ولا يسألنّ أحد عن خيبتي وعن خجلي، خاصة بعد ان تمّ إقصائي من اللعبة “لخاطر غشّاش”.