مفتي العسكر في مصر يكذب ويزوّر التّاريخ في بيت الله

صالح التيزاوي

قال علي جمعة مفتي الديار المصرية في درس بأحد المساجد المصرية بأنّ قطري بن الفجاءة أحد زعماء الأزارقة (الخوارج) كان قد فرّ من العراق إلى قطر واستوطنها فتسمّت باسمه. فهو حسب مفتي الموت وكاهن العسكر أصل القطريين، بما يعني حسب استخلاصاته، أن القطرين خوارج. ولو أنّ قطر أغلقت قناة الجزيرة (المزعجة لنظم القمع والإستبداد) ووضعت يدها في يد السيسي وباركت انقلابه، وأوقفت دعمها للمقاومة الفلسطينية لأصبحت حتما وبموجب صكّ من مفتي العسكر دولة سنية ومعتدلة لا تنتسب إلى قطري بن الفجاءة.

واصل مفتي الإعدامات كذبه وهو في بيت الله ليقول بأنّ المهلب بن أبي صفرة والي الأمويين على بلاد خراسان الذي قاتل قطري بن الفجاءة أصله من الإمارات، بما يعني ودائما حسب استخلاصات مفتي الموت أن مشايخ النفط في الإمارات على حقّ في محاصرة شقيقتهم قطر لأنّ اهلها “خوارج”.

هكذا ينتقل الكاهن الأعظم من تزوير التاريخ إلى تشويه الواقع، فالخلاف مع قطر ليس بسبب قناة الجزيرة الدّاعمة لمنظومة الحقوق الكونية وللربيع العربي، وإنّما بسبب عقيدة أهلها التي تصلهم بأجدادهم الخوارج.

تناسى مفتي العسكر أنّ فرعون الذي استعبد النّاس وقتل أبناءهم واستحيى نساءهم وادّعى الربوبيّة، وأطلق سحرته يزيّفون وعي النّاس، حتى أهلكه الله غرقا، ونجّاه ببدنه ليكون عبرة لكلّ حاكم يخون أمانة الحكم ويضيع مصالح العباد ويشيع بينهم الخوف والرّعب. ذلك الفرعون كان حاكم مصر. فهل انتقلت خصائصه الجينية إلى حكام مصر حتّى وصلت السيسي المنقلب، قاتل شعبه وبائع الوطن بحفنات من الرّزّ؟ ويبدو أنّ الخصائص الجينية لعبدة فرعون الذين نشؤوا على العبودية قد انتقلت إلى علي جمعة وأمثاله.

وبنفس منطقه المعوجّ ومنهجه العقيم لا شكّ أنّ حكّام السعودية الحاليين الذين يحاصرون أشقّاءهم برا وبحرا وجوّا يحملون نفس الخصائص الجينية لأبي لهب وأبي جهل اللذين تزعما حملة مقاطعة الرسول الأكرم وأصحابه في شعب أبي طالب حتى كادوا يهلكون من الجوع. ودائما بحسب منهج مفتي العسكر، يبدو أنّه قد ورث من كهنة الأوثان: دجلهم وجهلهم وتزلفهم للحكّام وقلّة مروءتهم. ولم يتعلّم من القرآن الكريم أنّ الإصلاح بين المتخاصمين واجب إسلامي وإنساني “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا”.

سيناريو الانقلاب العسكري وارد بعد تجاوز النظام الحالي كل الخطوط الحمراء..

د. حسن نافعة

القاهرة – “رأي اليوم” حاوره محمود القيعي:

قال د. حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة إن مصر تقف الآن أمام سيناريوهات عدة: منها سيناريو الهبة الشعبية التي قد تأخذ هذه المرة شكل ثورة الجياع والغضب، لكنها إن حدثت ستفاقم الأوضاع وتزيدها سوءا ولن تحل أي شيء، مشيرا الى أن احتمال الانقلاب العسكري من داخل المؤسسة العسكرية نفسها ليس ببعيد، حيث رأى قادة بارزون من داخلها “مجدي حتاتة، شفيق، عنان”، أن ما يحدث تجاوز كل الخطوط الوطنية الحمراء.

وأضاف نافعة في حوار مع “رأي اليوم” أن السيناريو الأهم -في رأيه- هو أن تنجح النخبة السياسية في تنظيم نفسها لخوض انتخابات الرئاسية القادمة، وفرض الشروط اللازمة على النظام لضمان نزاهتها.

ودعا نافعة كل القوى السياسية الوطنية الى أن تنسق مواقفها وأن تنظم صفوفها استعدادا لهذه الجولة والتي يمكن أن تُحدث التغيير بشكل سلمي، وبعيدا عن أي فوضى.

وقال نافعة إن هناك أصابع إسرائيلية خفية في قضية الجزيرتين، محذرا أنه إذا قام السيسي بتسليم تيران وصنافير للسعودية، دون غطاء قانوني من المحكمة الدستورية العليا، وتم رفع العلم السعودي فوق الجزيرتين، مشيرا الى أن الشعب المصري سيتعامل معه باعتباره رجلا فرط في التراب الوطني، وسيصبح سقوط نظامه مسألة وقت، نافيا أن يكون صمت المصريين دليلا على رضائهم بما حدث، أو تسليمهم بالأمر الواقع المرير !

وإلى نص الحوار:

• كيف ترى المشهد في مصر الآن ؟

المشهد الحالي هو مشهد انكشاف لحقائق كانت غائبة عن الناس خلال الفترة الماضية، ومن الواضح أن الناس أصبحت في حالة ذهول بعد انكشاف هذه الحقائق، لأنهم حين نزلوا إلى الشوارع في 30 يونيو 2013 لمطالبة الدكتور محمد مرسي بانتخابات رئاسية مبكرة لم يكونوا يتصورون إطلاقا أن تصل الأمور الى هذا الحد من التدهور. السنوات الثلاث الماضية كشفت أن تجريفا كامل للسياسة حدث مرة ثانية، بل أصبحت السياسة تمارس الآن، وبعد 6 سنوات من ثورة 25 يناير الكبرى على طريقة “بير السلم (تعبير شهير يطلق على المنتجات التي يتم تصنيعها من وراء ستار وبدون تصريح، ودون ضمان بسلامة المواصفات الصحية). فالسياسة تمارس الآن من وراء ستار وخلف الكواليس وبدون أي نوع من المشاركة أو الرقابة الشعبية وحتى في غياب الخبراء والمتخصصين ولا توجد مكاشفة من اي نوع، ويكفي أن ننظر الى الطريقة التي أدار بها النظام الحاكم في مصر مسألة “تيران” و “صنافير” لندرك الى أي مدى أن ينطبق تعبير “سياسة بير السلم” على الطريقة التي تدار بها مصر الآن. فهناك غموض وأسرارا كثيفة تحيط بموضوع تيران وصنافير ودفعت ولا أحد يعرف بالضبط لماذا اندفعت مصر والسعودية نحو هذا المنزلق الخطر. فالكل يشعر الآن أن وراء الأكمة ما وراءها، والتاريخ وحده هو الكفيل بهتك حجب وأسرار ما جرى. ومع ذلك يمكن تقديم اجتهادات ورؤى تحليلية في حدود ما هو متاح من معلومات، ومعظمها معلومات صحفية وليست موثقة.

• ما هي رؤيتكم التحليلية لما جرى وما اجتهادكم الشخصي في تفسير ما حدث ؟

اعتقادي الشخصي أن إسرائيل تقف وراء هذه المسألة لأنها الطرف الوحيد المستفيد. وأظن أنني كنت من أوائل من تحدثوا عن هذا الأمر ومنذ فترة ليست بالقصيرة. فأنا لم أقتنع أبدا بوجود دافع مصري حقيقي ومقنع أو دافع سعودي حقيقي ومقنع يمكن أن يفسر موقف أي من البلدين تجاه هذا الموضوع الذي تحول إلى أزمة كبيرة. فالكل يدرك أن المسألة لا تتعلق بجزيرتين صغيرتين يمكن التنازل عنهما أو بيعهما لأسباب اقتصادية أو ترفيهية أو لمجرد التظاهر بتحقيق مكسب مادي ما يمكن لهذا الطرف أو ذاك أن يتفاخر به. فالقضية تمس الأمن الوطني المصري في الصميم وتمس الأمن القومي العربي ولها علاقة مباشرة بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي وبالمحاولات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وفقا للرؤية الإسرائيلية. فتيران وصنافير هما الممر الطبيعي والمنفذ البحري الوحيد لخليج العقبة ومن يسيطر على مضيق تيران يستطيع أن يتحكم في الخليج برمته، وهذه مسألة شديدة الأهمية. ومضيق تيران كان وما زال وسيظل مضيقا يقع بالجغرافيا والتاريخ ضمن المياه الإقليمية المصرية ولا يعد بأي حال من الأحوال ممرا دوليا تنطبق عليه الاتفاقات الخاصة بالممرات البحرية الدولية. وقد تسبب هذا الممر في إشعال ليس فقط حرب 67، وإنما عدة حروب مع اسرائيل. ووجود معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل تلتزم فيها مصر بحرية مرور السفن المتجهة إلى إسرائيل لا يعني أبدا أن مضيق تيران أصبح مياها دولية أو أنه خرج عن نطاق السيادة المصرية. وبدون سيطرة مصر على هاتين الجزيرتين تصبح سيناء كلها مكشوفة، وتصبح تحت سيطرة الأهواء والتقلبات المزاجية الاسرائيلية. اختزال المسألة كلها في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر وتبرير التصرف المصري من خلال هذه الرؤية الضيقة ينطوي على قصور وخلل شديدين. وفي تقديري أن هناك أصابع إسرائيلية حركت هذه الأزمة.

• السؤال الذي يتعين أن يطرح إذن : كيف يمكن تتبع هذه الأصابع ؟

أظن أن خيوط المؤامرة المتعلقة بنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية غزلت في إسرائيل. فإسرائيل هي التي أوحت إلى كل من مصر والسعودية بأن هذا النقل يحقق مصلحة مؤكدة للبلدين. فهو يمكن السعودية من الحصول على جائزة كبرى ويظهرها بمظهر الدولة الكبيرة والمؤهلة لقيادة المنطقة، وإذا تم إسناد هذا الإنجاز إلى الأمير محمد بن سلمان وليس إلى اي شخص آخر فسوف يسهل تقديمه للرأي العام وكأنه الشاب المؤهل لقيادة السعودية بل والمنطقة كلها في المستقبل. وكان لافتا للنظر ان يوقع محمد بن سلمان بنفسه على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وقعها رئيس الوزراء عن الجانب المصري، وذلك بدلا من ولي العهد الأمير محمد بن نايف وكان هذا شيئا غريبا. الإخراج إذن كان يستهدف أن وضع محمد بن سلمان في الواجهة كجزء من التحركات التي تستهدف نقل السلطة في السعودية تدريجيا إلى محمد بن سلمان ليصبح هو الملك المتوج للسعودية خلال فترة وجيزة، خصوصا وأن هناك أحاديث متواترة عن سوء حالة الملك سلمان الصحية ورغبته في أن يسلم السلطة لابنه من بعده وفي حياته وليس بعد مماته، تجنبا للصراع الكبير المتوقع بين الأجنحة المتنافسة على السلطة داخل الأسرة الحاكمة.

جائزة مسمومة

غير أن النخبة الحاكمة في السعودية لم تنتبه بما فيه الكفاية إلى حقيقة أن هذه جائزة مسمومة أو قنبلة موقوتة. فحين تتسلم السعودية السيادة على جزيرتي ”تيران” و ”صنافير” سيطلب منها على الفور أن تتعهد لإسرائيل في وثيقة مكتوبة بسريان نفس الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في معاهدة السلام مع مصر. فالجزيرتان يقعان ضمن المنطقة “ج” المنزوعة السلاح. وإدراجهما في معاهدة “كامب ديفيد يعد دليلا إضافيا قاطعا على مصريتهما. فلو كان لدى إسرائيل ذرة من شك بأن هاتين الجزيرتين ليستا مصريتين ما كانت سلمتهما إطلاقا لمصر وهذا يعني أن إسرائيل منذ لحظة التوقيع على معاهدة السلام كانت على يقين بمصرية الجزيرتين..

• مرة أخرى السؤال إذن: ما اسباب تلهف إسرائيل لهذه الدرجة على تسليم الجزيرتين للسعودية ؟

لأسباب عديدة:

أولها: أن إسرائيل ستطلب من السعودية ورقة مكتوبة تلتزم فيها بنفس الترتيبات الأمنية المتعلقة بالجزيرتين في معاهدة السلام مع مصر، سواء في شكل معاهدة أو اتفاق أو مذكرة تفاهم. ان تسليم الجزيرتين للسعودية سيتبعه على الفور توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام بين السعودية وإسرائيل، وهذه ربما تكون الخطوة الأولى على طريق يسمى “صفقة القرن”. فتطبيع علاقة إسرائيل بالسعودية سيكون مجرد بداية لتطبيع العلاقة مع كل الأقطار العربية. خصوصا تلك التي ترى أن إيران وليس إسرائيل أصبحت هي العدو الأخطر على المنطقة.

وثانيها: أن انتزاع الجزيرتين من السيادة المصرية وفرض السيادة السعودية عليهما في ظروف تمر فيه مصر بأزمة اقتصادية طاحنة سيضع بذورا لخلافات سعودية مصرية على المستوى الشعبي يمكن لإسرائيل استغلالها في المستقبل.

وثالثها: وربما أهمها، أن مضيق تيران سيتحول في هذه الحالة إلى ممر مائي دولي، لأنه يبعد عن السعودية مسافة لا تسمح لها بالادعاء بأنه يدخل ضمن نطاق الأراضي الإقليمية للسعودية، بعكس الوضع حين تكون الجزيرتين، خاصة تيران، تحت السيادة المصرية. وبهذا يصبح الطريق ممهدا أمام إسرائيل لإقامة أي مشروعات تنافس بها قناة السويس، وهي مشروعات جاهزة بالفعل.

• بالمناسبة هل تعتقد أن هناك علاقة ما بين أزمة حصار قطر وأزمة الجزيرتين ؟

بالقطع لكنها علاقة غير مباشرة ناجمة عن علاقة الأزمتين بما يسمى “صفقة القرن”. فلكي تمر هذه الصفقة لا بد أولا من تدمير كل اشكال المقاومة للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة أي تدمير منظتي حماس والجهاد الفلسطينيتين وحزب الله اللبناني والنظام السوري ونظام ولاية الفقيه في إيران. لكن قبل الشروع في هذا الأمر يتعين تسوية الأرض وتهيئة المكان، وهنا تأتي أهمية حصار قطر والتي كان يسمح لها في الماضي بهامش من الحركة لكي يكون لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل علاقات غير مباشرة بمحور المقاومة من خلال قطر. هذا الهامش لم يعد مرغوبا فيه اليوم، خصوصا وأن قطر حاولت في الماضي توظيفه لحسابها وللقيام بدور تجاوز أحيانا الخطوط الحمراء المسموح بها. فقد كان لقطر علاقات صريحة بحماس وعلاقات تحت الطاولة بإيران وبحزب الله، وعلاقات كثيرة بعضها غير مشروع بمنظمات يتم تصنيفها اليوم “إرهابية”، وفي ظل التحالف الوثيق القائم اليوم بين ترامب ونتانياهو أصبحت قطر صوتا مزعجا يراد إسكاته. لم تكن قطر في يوم من الأيام دولة مقاومة دولة ثورية وإنما كانت دوما دولة قادرة بحكم ما تملكه من فوائض مالية هائلة قادرة على أن تلعب لعبتها الصغيرة، مستغلة كل التناقضات الموجودة في المنطقة، كي تفسح لنفسها مكان ولتقوم بدور أكبر بكثير من حجمها. الآن هذا الدور لم يعد مطلوبا لا أمريكيا ولا إسرائيليا، خصوصا أن إدارة ترامب تختلف مع إدارة أوباما.

• هناك تحذيرات من خطة تعد لتهجير أهل غزة الى شمال سيناء ؟

هذا أحد المشروعات أو البدائل الإسرائيلية المطروحة، وهناك مشروعات وبدائل إسرائيلية كثيرة جدا، ويجب أن ندرك أن استراتيجية الحركة الصهيونية، منذ نشأتها وحتى من قبل إنشاء إسرائيل، قامت على فكرة التدرج وقضم كل ما تستطيع قضمه وفق ما تسمح به قدراتها الذاتية وموازين القوى الإقليمية والدولية. لذا كان لديها مخططات وبدائل جاهزة تتحرك عليها بالتوازي. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل يمكن أن تتنازل مصر عن 700 كيلو متر من أرضها لتساعد على تسوية النزاع العربي – االسرائيلي ؟ أنا شخصيا أشك في مثل هذا السيناريو، طبعا أنا لا أستبعد أن يكون هذا هو أحد أهداف أو أحد مخططات إسرائيل التي لن تتردد في وضعها موضع التنفيذ إن استطاعت. فإسرائيل لن تقبل بحل الدولتين قولا واحدا، وكل المؤشرات الصادرة عن الولايات المتحدة، خاصة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، تقطع أنها لم تعد هي ايضا متمسكة بحل الدولتين. موازين القوى بين الدول العربية وإسرائيل مختلة تماما لمصلحة إسرائيل في هذه اللحظة، وهي مرشحة لمزيد من الخلل. والمنطقة حبلى بتغييرات هائلة، فهناك ايضا بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي قضايا أخرى تبدو أكثر إلحاحا في المرحلة الراهنة. فهناك مثلا طموح الأكراد في إقامة دولة كبرى خاصة بهم، وهذه مسألة تقلق تركيا جدا كما تقلق ايران وسورية. وهناك حرب بين الشيعة والسنة مستعرة في مناطق عديدة باتساع الشرق الأوسط كله. وإسرائيل تعتقد أن الوقت أصبح ملائما لتحقيق حلمها بدولة كبرى في الشرق الأوسط تمتد من النيل إلى الفرات. لكني أعتقد في الوقت نفسه أن جذوة المقاومة في العالم العربي لم تنطفئ بالكامل. لذا أن تتصادم الأحلام والمشروعات الكبرى للمنطقة تصادما عنيفا في هذه اللحظة. فالطموحات والأحلام الإيرانية والتركية والإسرائيلية والكردية والفلسطينية تتقاطع في أمور وتتوازى في أمور أخرى لكنها لا تتطابق.

الجهل والغرور

• هل تتوقع أن يصدق السيسي على اتفاقية تيران وصنافير ؟

يصعب التنبؤ بسلوك وتصرفات السيسي. ومع ذلك يمكن القول بثقة أن الأمور أصبحت تدار في مصر بمزيج من الجهل والغرور، وعندما يجتمع الجهل والغرور في مكان واحد فمن الطبيعي أن تقرع كل أجراس الخطر، وبعنف. ولا علم لدي بما إذا كانت أجراس الخطر قد وصلت الآن إلى مسامع السيسي وأنه بدأ يتبينها؟ لكن من المؤكد أنه إذا قام بتسليم تيران وصنافير للسعودية، دون غطاء قانوني من المحكمة الدستورية العليا، وتم رفع العلم السعودي فوق الجزيرتين، فسيتعامل معه الشعب المصري باعتباره رجلا فرط في التراب الوطني، وسيصبح سقوط نظامه مسألة وقت. فرؤية الشعب المصري للنظام الحالي أصبحت أسوأ كثيرا من رؤيته لنظام مبارك قبل 25 يناير.

• بم تعلل صمت المصريين على التفريط في ”تيران” و ”صنافير” ؟

لم يصمت الشعب ولا أتوقع أبدا أن يصمت.

• لكن الميادين بدت خاوية على عروشها بعد موافقة البرلمان على الاتفاقية المشبوهة ؟

الناس خائفة والشوارع ساكنة لأن سطوة أجهزة الأمن شديدة، لكن الخوف ليس معناه الإقرار أو الرضى أو الاستسلام للأمر الواقع. الحكومة تحاول إظهار عدم تحرك الشعب وكأنه نوع من القبول الضمني بسعودية الجزيرتين، وهذا ليس صحيحا على الاطالق، بدليل استطلاع مركز “بصيرة” وهو مركز شبه حكومي، والذي أكد أن غالبية المصريين مقتنعون تمام الاقتناع بمصرية الجزيرتين. والنخبة السياسية وكل رموز 25 يناير، بما فيها الرموز التي نزلت في 30 يونيو ووقفت ضد الإخوان، كلها دون استثناء أعلنت تمسكها بمصرية تيران وصنافير. الأمر الأكثر دلالة في هذا السياق أن العديد من الرموز العسكرية المصرية أكدت مصرية الجزيرتين، وبالذات سامي عنان، الذي كتب في تغريدة له قائلا: “مصرية تيران وصنافير ليس مشكوكا فيها، المشكوك فيه هو مصرية من لا يؤمنون بمصرية تيران وصنافير” مجدي حتاتة أيضا، وكان بدوره رئيسا سابقا للأركان، وأحمد شفيق، وكل الرموز العسكرية أكدت مصرية الجزيرتين، ألا يعطينا كل هذا مؤشرا على أن الرفض قوي وقاطع وشامل، وأن هناك تململا داخل جميع الأوساط بما في ذلك القوات المسلحة؟!

• المعارضة المصرية بأسها بينها شديد، هل هي مخترقة ؟

المسألة لا تتعلق بالاختراق. النظام نجح تماما في القضاء على ما تبقى من المعارضة المصرية المنظمة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن مصر ليس بها أحزاب سياسية منذ 52 باستثناء لحظات قصيرة جدا جرت فيها محاولات لتشكيل أحزاب قوية، لكنها أجهضت على الفور. هذا معناه أنه لا توجد في مصر قوى سياسية منظمة. المعارضة المنظمة الوحيدة التي كانت موجودة في الشارع هي جماعة الإخوان المسلمين وقياداتها الآن موجودة في السجون أو محاصرة. الباقي كله صالونات فكرية نخبوية، أو أحزاب ورقية. للألسف لم يُعط الشعب المصري في أي مرحلة من تاريخه فرصة لممارسة السياسة التي تتطلب توافر الحريات ووجود مجتمع مدني قوي. لكن هناك دائما جزء غاطس من جبل الثلج الذي لا نرى إلا قمته، فلم يتوقع أحد أن تتحول مظاهرة أو وقفة 25 يناير الى ثورة شعبية عارمة. لذا لا أستبعد أن تحدث أي شرارة فيشتعل الحطب الجاف الذي يغطي كل الساحات ويحدث الحريق الكبير ! الهدوء الظاهر على الساحة ليس علامة رضا أو تسليم بالأمر الواقع.

•  لماذا يا دكتور -وأنت ليبرالي- لم نسمع لك صوتا في الدفاع عن مرسي وإخوانه الذين يسامون سوء العذاب ؟

أنا ممنوع من الكتابة في الصحف المصرية ومن الظهور في الفضائيات المصرية، ومرسي بالنسبة لي هو رمز سياسي شأنه شأن عشرات الآلاف من الرموز السياسية الملقاة في غياهب السجون. لماذا ننسى دائما أو نتجاهل مواقفي السابقة والتي تصب كلها في خانة الدفاع عن حقوق الإنسان ورفض كل مطالب الاستبداد؟! عندما طلب السيسي تفويضا لمحاربة الإرهاب، ورغم موافقتي على ضرورة محاربة الإرهاب، إلا أنني كتبت بعد فض رابعة مقالا كان عنوانه ليس تفويضا بالقتل ؟! ويجب أن تتذكر أيضا أنني توقفت عن الكتابة في ”المصري اليوم” احتجاجا على تلاعب الصحيفة في مقال كتبته عن محمد رفاعة الطهطاوي بعنوان “خواطر عن صديق معتقل (كان رفاعة صديقي قبل أن يصبح مديرا للديوان في عهد محمد مرسي رغم أنه لم يكن حسب علمي عضوا في جماعة الإخوان).

• هل انقطعت كل الخيوط بين من يحكم ومن يعارض، ألا توجد مبادرات جديدة لإنقاذ مصر ؟

العقلية التي تحكم مصر اليوم ليست عقلية سياسية على الإطلاق، وقد تسببت الورقة التي قدمتها للواء محمد العصار حين كان مساعدا لوزير الدفاع وعنوانها ”الأزمة والمخرج” لم تفهم ولم تستوعب لا من النظام ولا من بقية أطراف النخبة السياسية، وتسببت في منعي تماما من الظهور في وسائل الإعلام بعد الضجة التي أثارتها. وقد تم تقديم عشرات المبادرات قبل وبعد هذه المبادرة، المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات أو الأفكار المتعلقة بكيفية وشروط إعادة دمج الإخوان في العملية السياسية أو تحقيق المصالحة الوطنية، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في افتقار النظام الحاكم إلى رؤية سياسية وعجزة عن تشخيص واستيعاب الواقع. للأسف النظام الحالي يؤمن بشيء واحد: الحل الأمني وليس لديه أي تصور لحل سياسي. القضية إذن ليست نقص مبادرات أو قصور أفكار، ولكن تكلس العقلية التي تحكم مصر وعدم قدرتها على قراءة ما يجري ليس فقط في مصر وإنما أيضا في الإقليم وفي العالم.

• من يمكنه تغيير تلك العقلية أو استئصالها ؟

لست قائدا أو زعيما سياسيا، وعليك توجيه هذا السؤال للنشطاء السياسيين وزعماء الأحزب أو للمجلس الاعلى للقوات المسلحة، وفي رأيي أن هناك سيناريوهات عدة :

هناك سيناريو الهبة الشعبية التي قد تأخذ هذه المرة شكل ثورة الجياع والغضب، لكنها إن حدثت ستفاقم الأوضاع وتزيدها سوءا ولن تحل أي شيء.

وهناك احتمال الانقلاب العسكري من داخل المؤسسة العسكرية نفسها التي ترى أن ما يحدث تجاوز كل الخطوط الوطنية الحمراء. وهناك السيناريو الأهم وهو أن تنجح النخبة السياسية في تنظيم نفسها لخوض انتخابات الرئاسية القادمة، وأنا أراهن على هذا السيناريو، وأدعو كل القوى السياسية الوطنية أن تنسق مواقفها وأن تنظم صفوفها استعدادا لهذه الجولة والتي يمكن أن تحدث التغيير بشكل سلمي إذا استطاعت هذه القوى أن تفرض على النظام اجراء انتخابات حرة ونزيهة، فهذه ستكون المعركة الحقيقية التي أتمنى أن يقتنع الجميع بضرورة خوضها وتنظيم صفوفهم لكسبها.

انها ماساة العصر: انقلاب القيم في الاعلام العربي الرديء

إسماعيل بوسروال

في العلاقات الانسانية، يحدث في زمن ما ان يختلف الناس وان يتبادلوا عبارات اللوم… ولكن يتركون مساحة لإمكانية الصلح ورأب الصدع. بل يحدث أكثر من اللوم والعتاب ولكن تبقى الروابط (تحت السيطرة) اي انها لا تصل إلى نقطة اللاعودة.

لكن في وضعنا العربي الراهن يقوم جزء هام من الاعلام المرئي بدق الاسفين واقامة الحواجز من الجبال والبحار بين الجيران والأخوة والاهل وذلك بانقلاب كامل القيم التي تربت عليها الأمة العربية والاسلامية… عندما تقدم الشعب الفلسطيني ومنظمات المقاومة ومنها حماس الفلسطينية ارهابا وفي المقابل يقال عن الكيان الصهيوني الغاصب انه شعب مسالم مظلوم (!). انه الاعلام العربي الرديء في ابشع صوره.

مستوطن يهودي يغني اغنية جوليا بطرس وين الملايين‬

صائم سابق في الخمس الأواخر من رمضان…

إمحمد ضيف الله

ظل الكرسي البنّي اللون شاغرا خلال الأيام الخمس الأخيرة من شهر رمضان فقد كنت أشغله على طاولة الإفطار الرمضاني التي تجمعني بعائلتي لسنوات طويلة ولكن المرض والأوجاع الحادة أخذتني منه ومن الحلقة اليومية الجميلة حول الإفطار فوجدت نفسي على سرير المستشفى مع مرضى آخرين ألزمتهم الحالة الصحية بالتواجد معي بدون سابق معرفة او مواعيد وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي ارقد فيها على سرير المرض بالمستشفى او المصحة لكن هذه المرة كانت مختلفة ومؤلمة نفسيا بكل المقاييس حيث لم يسبق لي وأنا الرجل المسلم الذي يصوم رمضان منذ 40 عاما ان وجدتني بتعليمات صارمة من الأطباء المباشرين لحالتي متوقفا عن الصوم ومفطرا بالنهار مع توصية بعدم الصوم وأداء الفريضة في سنوات قادمة ان كان للعمر بقية.

كانت صعبة للغاية وليس مايقال كما يعاش أن يصوم الآخرون وتفطر أنت بل إن الطعام المقدم خلال اليوم برغم تنوعه كان طعمه مرا ولم يرق لي إطلاقا برغم أني كنت مجبرا على تناوله طوال تلكم الأيام الخمس.

في لحظات أذان المغرب أتعمد فتح النافذة نافذة الغرفة التي ارقد فيها وهي تفتح على حديقة تؤدي إلى الباب الرئيسي للخروج والدخول يخيم صمت مطبق وهدوء على المكان لحظة الأذان فالأعوان والممرضات يستأذنون للذهاب إلى طاولة الإفطار في غرفتهم المغلقة أما الشارع الذي يصلنا صدى ضجيجه خلال النهار فيخلو تماما من الحركة لان الجميع تحلّق حول وجبة المغرب في بيوتهم او في بيوت الله.

تمر تلك اللحظات ثقيلة جدا ويشعر الإنسان وكأنه داخل زنزانة انفرادية بأحد السجون ويذهب الخيال بعيدا حيث ذلك الكرسي البني اللون الشاغر والأسرة التي بصدد تناول الإفطار بدوني وفي حضرة الغياب القسري الذي لم اعتده ولم يألفوه توشك الدمعة أن تنزل بل هي تنزل أحيانا وانأ خلف النافذة كل يوم بل كل مغرب… تكلمت بصوت مسموع دون شعور مني فقلتها وبعفوية… “صحة ليهم” فجاءني السؤال من الخلف “شكون” صحة ليهم “انه مراد الشاب الثلاثيني في الغرفة المجاورة الذي فاجأته الآلام في رمضان في صدره فأظهرت التحاليل والفحوصات انه يعاتي من اضطراب بدقات القلب وحكم عليه بالبقاء في المستشفى والتوقف عن الصوم لقد دخل الغرفة ولم اشعر به قلت له : الصائمون اقصد فقال: أرجوك يا صديقي لا تزيدني وجعا فانا أريد أن انسي الأمر كله ثم انسكبت دموعه وخرج.

خلال اليوم بل الأيام الخمس كنت استمع الى مفردات رمضان التونسية من قبيل “شاهية طيبة” يقولها الأعوان لبعضهم عند المغادرة وإنهاء حصة العمل او الزوار للأعوان وأخرى من نوع “صحة شريبتكم” أو تقبل الله صومكم.

في غرفتي ارقد منفردا فافتح الراديو من هاتفي الجوال لأسمع المذيع يقول: صوما مقبولا وإفطارا شهيا فأغلق الراديو، كلمات ومصطلحات لم اعد ارغب في سماعها لأنها تذكرني باني لست صائما وتزيد من ألمي ووجعي النفسي.

كانت الخمس الأواخر من رمضان هذا العام بطعم الألم والمرض الموجب للإفطار إنها تجربة لا يفقه سرها سوى من مر بها او عاشها… اسأل الله أن لا يعيشها حبيب او صديق.

ما بعد داعش

سامي براهم

اندحار داعش في عقر “عاصمتها” وفي المسجد الذي خطب فيه “خليفتها” كان أمرا متوقّعا، هذا كيان سياسيّ هجين مشوّه يحمل بذور فنائه لحظة قيامه، انتهى دوره سواء بغباء منه أو بتوظيف مخطّط في تخريب الثورة السّوريّة وإرباك الحراك الثوري العربي.

لكن هذا الاندحار يطرح سؤالين :

السّؤال الأوّل : هل انتهت داعش ؟
وهو سؤال يحيل على الأسباب والشّروط التي أنشأت داعش سواء في الدّول التي ظهرت فيها أو في العراق المركز الذي اختارته منذ الغزو الأمريكي للعراق.
هل تنقرض داعش إذا لم تتوقّف السياقات والسياسات التي أنتجتها ؟

السّؤال الثّاني : ما هو بديل داعش ؟
هل البديل عن داعش مختلف من حيث المرجعيّة والأيديولوجيا والسّلوك السياسي ؟ هل النظام السياسي الطائفي المليشيوي الدّموي بديل نوعيّ و نقيض للإرهاب الدّاعشي ؟

أسئلة سيجيب عنها الواقع

قرار النجاح الآلي يخيم على نهاية كل سنة دراسية

لطفي الراجحي

تواجه مدرسة اليوم في تونس التحدّي الكيفي بامتياز ولا يسعها أن تتجاهله أكثر مما تجاهلته لأنه بات من صميم اخلالات المنظومة التربوية ويبرز في شاكلة الارتقاء الآلي للمتعلمين تحصيلهم العلمى والمعرفى يقفز من نهاية سداسية إلى أخرى بطريقة تثير الاستغراب فمن درجة انعدام التملك ينتقل المتعلم إلى أعلى درجات التحصيل بقدرة “عزيز مقتدر” وكيف لمتعلم إن يستقبل مستوى أعلى في حين إن مكتسباته لا ترتقى إلى ذلك ؟ فالمنظومة التربوية هي عبارة عن سلسلة من المعارف يتم اكتسابها بالتدرج من دون الأدنى فالحد الأدنى فالمتوسط ثم إن قرارا كهذا لم يراع استحقاق النجاح إلا إذا اخل بشروط التقييم النزيه ما يخلف عدم ثقة لدى المتعلمين بجدوى انجاز الاختبارات والإعداد لها مسبقا.

فما هي إذن محكّات التّقييـم المتّصلة بكفايـات التّميّز وما هي مؤشّـرات الأداء المتميّـز من عدمه ؟ و هل تعكس نتائج المتعلمين بالضرورة تمكنهم من الـزّاد الـمعرفي والمهاري ؟ إن هذه ليست سوى عينة على انهيار مستوى التعليم في المؤسسات التربوية العمومية جراء عدم الإحساس بالواجب المهني الذي يمكَّن من تطوير المدارك والمعارف للمتعلمين لتوفير تكافؤ الفرص للجميع دون تمييز وفرز الطاقات الذهنية والعقلية والنفسية وصقلها وتكوينها حسب أهليتها وذلك ليفرز الامتحان في النهاية نُخَبا تتمتع بالكفاءة وتتحلى بالثقافة الواسعة. لكن منظومة التقييم تراجع دورها ودور الحاملين لرسالتها إلى الفرز المادي للمتعلمين وإيهامهم عبر أعداد متضخمة بمستوى افتراضي يتم شراؤه للأسف الشديد بثمن وبلا ثمن.

إن الامتحان هو المحك والمقياس لتمييز قدرات المتعلم وخلق روح من المنافسة الايجابية مع رفقائه لذلك يفاقم قرار الارتقاء الآلي وعلى هذه الشاكلة تردي مستوى الناشئة ووضعية المدرسة العمومية ولن يخلف سوى فجوة في التكوين والتحصيل العلمي والمعرفي لديهم ويؤثر كثيرا على نوعية التعليم ومستوى التحصيل.

لقد غاب اليوم لدى اغلب الناشئة التميز والإبداع وسيطر عليهم نوع من الذكاء المحدود والخمول والتكلس الفكري الذي هو نتيجة حتمية لمجموعة الأخطاء البيداغوجية التي طبعت المنظومة التربوية الوطنية وغياب الجدية في التكوين والتقييم والمتابعة. كل ذلك يشكل عوامل جعلت التعليم في تونس يسير إلى الوراء ما يضرب في العمق وظيفة المدرسة في تربية الناشئة على الاجتهاد وحب العمل والتبصر بقيمته الأخلاقية باعتباره عاملا فاعلا في الترشيد الذاتي ونحت الشخصية وغرس الطموح إلى التفوق. بالمحصلة فإننا لا نستغرب البتة من انهيار مؤشرات التقييم والقدرات الاستيعابية للمتعلمين والتراجع المدوي لمستوى التعليم لذلك تراجع ترتيب تونس العالمي لنوعية وجودة التعليم وذلك بتحصّلها على المرتبة 84 عالميا والسابعة عربيا وقد تكون في المستقبل غير البعيد مهددة بان يسقطها جدول الترتيب. ان هذا الترتيب مخجل ومحبط وبات مقززا للتعليم التونسي بسبب غياب البيداغوجيا التعليمية اللازمة وتكريس سياسة الجهل المقدس.

إن تدهور المستوى التعليمي جاء نتيجة سياسة دخلت فيها تونس منذ بداية تسعينات القرن الماضي عندما وقعت اتفاقية مع البنك الدولي والتي تقضي بالرفع التدريجي في الأرقام الإحصائية للتمدرس والارتقاء ولو بصورة كاذبة للحصول على المنح والقروض من صندوق النقد والبنك العالمي، نظريا لبناء المزيد من المؤسسات وتجهيزها ومن ناحية أخرى تهميش الناشئة لضرب الوعي وخوصصة كل شيء وهو ما دمر التعليم لأنها سياسة عملت على إفراغ التعليم من محتواه قصد خلق أجيال من المواطنين «الفارغين» فكريا واجتماعيا وثقافيا وغير المتزنين ما افقد القائمين على القطاع الجدية اللازمة والكفاءة الضرورية فضلا عن تدني مستوى الشهائد والامتحانات وزيادة منسوب الأخطاء العلمية فيها والاستهتار بمحتوياتها وبمراقتها وانتشار ظاهرة الغش ليتحول استحقاقا ما يجعل المتعلمين ينجحون باستمرار من قسم إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى وهم لا يجيدون حتى كتابة أسمائهم. وبذلك تم تقريبا إلغاء مبدأ النجاح المستحق واجتياز الصفوف حسب معايير صارمة وموضوعية تضمن جودة الشهادات وقيمتها بحيث لا يرتقي إلى المستوى الأرقى إلا من تحصل على الكفاءات اللازمة حسب التقييم العلمي والموضوعي حيث لا مكان إلا الكفاءة والجدارة والعمل المُتقن.

هذه هي إحدى أوجه العلل التي تصيب نظامنا التربوي ولا بد لتجاوزها وضع مقاربة منظومية تأخذ بعين الاعتبار كل أجزاء المنظومة التربوية وتتدخل في مستوى نقاطها الحساسة (منظومة التقييم تحديدا) قصد إيقاف اشتغالها على النمط الحالي.

عن حالة عاطفية مفرطة: لست بغلا، في كل الحالات 

كمال الشارني

على هذه الأرض، على ضفة هذا الوادي ما يستحق الذكر، ذكرى الكلب الضال الذي هاجمني وأنا أتدرب على العودة بعد المدرسة إلى غير بيتنا، فلم أستطع الجري مذهولا بأني طفل غير قابل للأكل، لكنه لم يعضني من بطني كما كانت تخشى أمي، بل عض محفظتي المدرسية المصنوعة من بقايا شكائر الأمونيتر فبعثر أقلامي الملونة وكراساتي العذراء بأغلفتها البلاستيك وأجج أشواقي الطفولية البكر إلى بيتنا في دير الكاف، بعد يومين من الدراسة بعيدا عن أمي، عندما سلمني أبي إلى خالته بضربة قاضية من القسوة: “اقتليه وحاسبيني بجلده”، إنما خدعني قبل ذلك بأن همس في أذني: “لا تكن بغلا مثل أبيك”، أقف على نفس المكان، متهيئا لي أنه لم يبق مني سوى الجلد، لكني لست بغلا في كل الحالات. 

على طريق هذا الوادي، وعلى مدى عامين من البعد عن بيتنا، عشت الخوف وتورطت في محنة التلعثم، بعد ذلك عرفت أن ذلك بسبب ارتباك الروح الطفولية المنعزلة، عرفت الشوق المبرح في أواسط الأسابيع وليالي الشتاء التي لا تنتهي، انتهيت إلى التبول على نفسي ليلا وحتى نهارا شكلا من أشكال الدفاع المبكر على النفس.

كنت قد بلغت على هذه الطريق، وفق التقويم الذي لا يخطئ لأمي: “ست سنوات وبضعة أيام فقط من الفراق، لأنك ولدت عند العاشرة ليلا من مساء الثلاثاء، الثاني عشر من سبتمبر 1965، كانت ليلة ممطرة وباردة، كنت ابني البكر ولم يكن بيني وبينك سوى خمسة عشر عاما، حتى أني لم أعرف كيف ألدك ولا ماذا أفعل بك”، ومن وقتها، كان علي أن أتعلم كيف أخاتل الشوق في نهايات الأسابيع المضنية، أحتال على العبارات العاطفية، أشيح بوجهي حين يشتاق لي أحد، لأن “الرجال لا يبكون”، وليست لهم حالات عاطفية، فأنا لا أشتاق إلى أحد. أحببت فقط السماءات الرمادية الغائمة لهذا المكان والأمطار الفيضانية التي لا تنتهي لبداية السبعينات، وهدير الــ”وزينة”، التسمية البدوية الأولى للسد الذي يصنع الكهرباء من الماء وسط دوي كوني علي أن أتعود عليه حتى مراهقتي.

على ضفة هذا الوادي لهوت، جريت وحدي، محتفلا دون أي أحلام بنجاحي: كنت الأول في المعتمدية كلها في امتحان السادسة ابتدائي، في هذا الوادي، تدربت على إضرام نيران صيد سمك الباربو ذيء الطعم البائس، سمك بوري المياه الحلوة في أيام الفيضانات والطين، من هذا الوادي حملت سمكة بوري حية تقاربني طولا إلى البيت وأنا أصرخ طلبا للمساعدة، داخلني الغرور حين أفتخر أحدهم بأن فيها لحما أكثر من برشني جيد.

عدت صيفا إلى الوادي، بعد قرابة أربعين عاما، ماذا لو بقيت هنا ؟ ماذا لو أكل الكلب الضال بطني ؟ ماذا لو لم أحقق أمنية أبي في أن لا أكون بغلا ؟

الله لا تربٌح اللي جاب فكرة النموذجي هذه

الطيب الجوادي

هي اولا حرمتنا نحن مدرّسي الكولاجات والمعاهد العادية من التلامذة المتفوقين الذين يمنحون الدرس لمساتهم المميزة، ويجعلوننا نتعلم منهم أحيانا، ونكلفهم بإنجاز بحوث او أعمال يعجز عنها بقية التلاميذ،

ثانيا هذه الغربلة هي شكل من أشكال التمييز الذي يشعر التلميذ منذ سنّ مبكرة أنه فاشل وغبي ولا مكان له بين الموهوبين، ويعلم الله كم تأثرت اليوم لمرأى الامهات الباكيات النائحات وابنائهم الحزاني المكتئبين لعدم تمكنهم من الالتحاق بالنموذجي، رغم معدلاتهم الممتازة!

إن فكرة “فرز” التلاميذ بين أذكياء موهوبين وأغبياء بلا موهبة، فكرة مدمرة جدا، لن نجني منها الا العقد النفسية والنقمة والاحباط.
ولا حول ولا قوة الا بالله

جبهة الإنقاذ في مهبّ الريح

صالح التيزاوي

أعلن مؤخرا عن تجميد أموال سليم الرياحي مؤسس الحزب الوطني الحر، وأحد مؤسسي جبهة الإنقاذ التي تشكلت مطلع العام الحالي. وكان محسن مرزوق الطرف الآخر في جبهة ما سمي بالإنقاذ قد أعلن انسلاخه من الجبهة. فهل كان على علم مسبق بمآل سليم الرياحي، وأنّ رياح الحرب على الفساد ستعصف بالرجل وبامواله فقرر النجاة بجلده قبل أن تنال منه شظايا الحرب على الفساد؟

يذكر أن جبهة الإنقاذ تشكلت من حزب سليم الرياحي صاحب الأموال الطائلة والذي لاحقته شبهة الفساد وتبييض الأموال منذ حكم الترويكا، وحزب مشروع تونس لمالكه محسن مرزوق المعروف بتقلباته، وكلما ضاقت عليه جبهة فتح أخرى، إلى جانب هذين الحزبين انضمت إلى جبهة الإنقاذ أحزاب أخرى غير وازنة في الحياة السياسية. وقد أعلنت الجبهة في بيانها الأوّل أنها قامت ضد حركة النهضة، وقد اعتبر ذلك في حينه حدثا سياسيا غير مسبوق، إذ من عادة الأحزاب السياسية أن تتشكل على قاعدة البرامج وليس على أساس نفي الآخر. لقد كان ميلاد الجبهة بمثابة توتير الأجواء في البلاد وإفراغ الحياة السياسية من مضامينها الأخلاقية. لقد كان التقاء محسن مرزوق وسليم الرياحي في جبهة الإنقاذ بمثابة زواج المتعة الذي لم يكتب له ان يعمّر طويلا ولا حتى أن يدك المحطة الإنتخابية القادمة (الإنتخابات البلدية).

لا شكّ أن سليم الرياحي كان متخوّفا من التّهم التي لاحقته مبكّرا فوجد في البداية في رئاسة فريق عريق وصاحب الشعبية الأولى في تونس (النادي الإفريقي) إطارا مناسبة للإختباء ولحماية أمواله والإستفادة من جماهره العريضة للوصول إلى السلطة، إما عن طريق التشريعية أو الرئاسية، بما يعني أن الرجل كان في سباق محموم مع الزمن لحماية أمواله من الملاحقة والمتابعة. ولمّا لم يفلح في مسعاه للوصول إلى السلطة وجد في محسن مرزوق ضالّته المنشودة. محسن مرزوق هو الآخر يشكو من حظه العاثر حيث إنه لم يحظ بعد فوز نداء تونس في التشريعية والرّئاسية بالمكانة السياسية التي يمكن أن ترضي طموحه وغروره اللذين لا حدّ لهما.

يذكر أن “صاحب المشروع” كان أحد الوجوه البارزة التي قادت الثورة المضادة ضد حكومة الترويكا الأولى والثانية، إعلاميا وساسيا: إعلاميا كان له حضور مكثف في وسائل الإعلام التي قررت بدافع من الجبن والطمع أن تقف إلى جانب الثورة المضادة، وأما سياسيا فلعب دورا بارزا في التقريب بين النظام النوفمبري ويساره (اليسار الراديكالي) في إطار ما سمي بجبهة الإنقاذ الأولى التي عبرت عن نفسها فيما يعرف عند التونسيين باعتصام “الروز بالفاكية” والتي كانت استنتساخا للتجربة الإنقلابية في مصر. لقد وجد سليم الرياحي في محسن مرزوق المزروب على السلطة حصانا جديدا يراهن عليه دائما بنفس الهواجس التي تطارده (الخوف على مصيره ومصير أمواله)، كما وجد محسن مرزوق في سليم الرياحي الكنز الذي يحتاجه في الإستحقاقات الإنتخابية القادمة.

لقد علق كل منهما بالآخر وكل منهما له أهدافه من الجبهة، صاحب الثروة يبحث عن ملاذ آمن لثروته والمزروب على السلطة يبحث عن المال لتمويل حملاته الإنتخابية القادمة.
فهل بالإنسلاخ المبكّر لمحسن مرزوق من الجبهة استشعارا لمآل سليم الرياحي وبتجميد أموال الأخير يمكن القول بانّ جبهة الإنقاذ أصبحت من الماضي؟