طاعون أبغض الحلال..

نور الدين العويديدي

يعاني مجتمعنا بشدة من العنوسة وتأخر سن الزواج.. ومن يتجاوز تلك العقبة الكؤود بنجاح، قد لا يصمد كثيرا، ولا يحافظ على نجاحه لأطول فترة ممكنة، فالكثير من المتزوجين الجدد يجد نفسه بعد فترة وجيزة عرضة للطلاق.
الطلاق أبغض الحلال إلى الله.. لكنه صار واقعا مخيفا في تونس اليوم. فالأرقام تتحدث عن نحو 1000 حالة طلاق كل شهر، ما يعني 12 ألف حالة طلاق كل سنة، وبمعدل يومي في حدود 33 حالة طلاق كل يوم.
هذه الأرقام المفزعة تقول أيضا إن 27٪ من إجمالي عدد المطلقين لا يتجاوز سنهم 36 عاما، وأن أغلب حالات الطلاق أي 59٪ من الحالات تتم خلال السنوات العشر الأولى من الزواج.

الطلاق يعني:
تفكك أسرة، وضرر بالغ يطال المرأة، التي تحرم في الأغلب الأعم من الزواج ثانية، وضرر أشد يطال الأطفال، الذين ييتمون ووالديهما أحياء. وكثير منهم ربما ينقطع عن دراسته أو يسقط في هاوية الجريمة والإدمان بجميع أشكاله.
معاناة لأسرة المرأة بشكل خاص، التي ينظر إليها اجتماعيا نظرة تحقيرية، باعتبارها لم تحسن تربية ابنتها، ما جعلها تنتهي علاقتها بزوجها إلى الطلاق.
ضرر أقل يطال الرجل. وهو عادة ضرر مادي مالي (نفقة ومصاريف محاكم.. الخ، وضرر نفسي بدرجة أقل)، لكن الرجل عادة ما يكون قادرا على الزواج ثانية إذا أراد.

مما يلفت النظر أن نسب الطلاق في جيل أجدادنا وآبائنا كانت أقل بكثير مما هو حاصل اليوم في جيلنا والجيل الأصغر سنا، إذ تنتهي الكثير من الزيجات في وقتنا إلى الهدم لأسباب جادة وحتى لأسباب تافهة أحيانا. وأهم أسباب الطلاق، إلى جانب تدخل عائلة الزوج والزوجة وإلى جانب الخيانة الزوجية، وهي متعلقة باختيار الشريك في مرحلة الخطوبة، اعتمادا فقط على مقاييس جمالية أو مادية.. أهم أسباب الطلاق عدم صبر الشريكين أحدهما على الآخر، وعجز كليهما عن تحمل الضغط والديون الكثيرة التي يتورط فيها الزوج حتى يتم الزواج.
وهكذا فالتونسي ينفق مالا كثيرا ويتداين في أغلب الأحيان من أجل مشروع كثيرا ما ينتهي إلى الفشل والإخفاق الذريع.

مجتمعنا في مخاض وفوضى انتقالية، فلا هو مجتمع عربي مسلم، له طريقته في التعامل مع مشاكل الزواج وما ينتج عنه، ولا هو مجتمع غربي له طرقه في التعامل مع تلك المشاكل والقضايا الجنسية وما يترتب عنها..
مجتمعنا مجتمع هجين معقد مركب، المرأة ترى لها حقوقا لا يراها لها الرجل، والقوانين تتدخل في العلاقة بينهما فتزيد طينها بلة.. قوانين البلد لم تأت نتيجة تطور طبيعي للمجتمع، وإنما جاءت بالقوة والإكراه والفرض من أعلى، ولذلك فهي قوانين محل جدل، مقبولة من طرف ومرفوضة من آخر.. والنتيجة تدمير الأسرة بقوانين وضعت أساسا لحمايتها.. والعنوسة والطلاق وتدمير الأطفال نتيجة من نتائجها.

هل يحل إلغاء مجلة الأحوال مشكل العنوسة؟؟

لمعالجة مشكلة العنوسة يقترح كثير من الرجال إلغاء مجلة الأحوال الشخصية وإباحة التعدد.. وقد رأيت في استطلاع رأي فايسبوكي إجماعا رجاليا على اعتبار التعدد حلا لمشكل العنوسة.

شخصيا لا أرى هذا حلا للمشكل المعقد للاسباب التالية:
التعدد محدود في أغلب المجتمعات الإسلامية وفي تونس بالذات حتى قبل منع التعدد.. فهو في أكثر الأحيان يتراوح بين 3 و5 في المائة من الزيجات قبل الاستقلال، وبالتالي فهو لا يصلح حلا لمشكل العنوسة، التي تطال أكثر من 60 في المائة من النساء في سن الزواج في تونس.
هناك دول عربية وإسلامية كثيرة تبيح التعدد لكنها تعاني كثيرا من مشكل العنوسة مثل دول الخليج العربي.
حتى لو أبيح التعدد فإنه لن يحل المشكل إلا في صفوف الاغنياء والمقتدرين، وهؤلاء أقلية صغيرة، ومن ثم فهو لا يصلح حلا لمشكل عام مستفحل.. هو في أحسن الحالات حل جزئي لا غير.

الحل لمشكل العنوسة حل مركب او لا يكون..

حل لمشكل البطالة والفقر؛ وهذا تلعب فيه الدولة والافراد والمجتمع المدني مسؤولية لحله او تخفيفه على الاقل.
حل ثقافي ديني يقوم على الاقتناع بأولوية الزواج على أي شيء سواه.. فالزواج نصف الدين.. والزواج الحقيقي والناجح لا يمنع الطالبة او التلميذة من مواصلة التعليم ولا النجاح في العمل.. المهم ان يتفق الزوج وزوجته على تأجيل الحمل والانجاب قليلا، حتى تتمكن المرأة من بلوغ مراميها.
حل ثقافي اجتماعي ان يتخلى الاباء والامهات عن المغالاة في المهور والطلبات وان يساعدوا بناتهم وأبناءهم على العفة والطهارة والقناعة.

أنا أعرف أن كثيرين قد يقولون لي ماذا تقول يا رجل.. نحن نتجه أكثر فأكثر للإفراط في التباهي والطلبات والمهور وانت تطالب بتخفيفها.. أنا أعرف هذا، ولهذا أطالب الاباء والامهات بتغيير هذه العقلية.. وأدعو الى تأسيس جمعيات للدفاع على هذه الافكار حتى نوقف تيار الانهيار قبل بلوغ حافة الجرف المخيف.

نقابيون في حضرة الجزار

خليل كلاعي

طريف… ما يفعله الاتحاد العام التونسي للشغل وطريف خطاب قياداته التي انتبهت فجأة لضرورة دعم الشعب السوري… طريف أمرهم اذ تنادت القيادات وتداعت لتقديم واجب النصرة… فاتجهت مباشرة صوب النظام.

حسنا… يتشابه نظام البعث في سوريا ونظام التجمّع في تونس في أمور عدة فالنسخة الحالية من نظام البعث بشكلها الأسدي إصدار مُحيّنٌ من النسخة الحافظية وقد أكسبها هذا التحيين طرقا أكثر ابتكارا في البطش بالسوريين أما في الجانب التونسي فيبدو نظام التجمع هو الآخر نسخة محينة من سلفه البورقيبي وطبعا فقد جعل هذا الانتقال من الطور البورقيبي إلى الطور التجمّعي النظام أكثر ضراوة وقمعا ولنظام البعث كما لنظام التجمّع شبكة أمنية رهيبة تحصي على المواطنين أنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم وللنظامين سجون مهيبة تغتصب فيها النساء والرجال على حد سواء وتُهرس فيها الكرامة الآدمية وتطحن بل إن نظام البعث قد تفوق على نظام التجمّع اذ استحدث أفرانا في السجون ليتخلّص من الجثث التي أنهكها الجوع والتعذيب أما جثث المعتقلين التونسيين فهي قطعا أكثر حظا إذ (على الأقل) دفنت إما في خرسانة الجسور أو في مقابر جماعية…

للنظامان كذلك شبكة من كبار اللصوص وشبكات أخرى كثيرة من صغارها وللنظامان انجازات راسخة ومشهودة في التزييف والكذب والافتراء ولهما كذلك انتخابات الـ 99 بالمائة ولهما أيضا جوقة مطبلين ومناشدين وكتبة وصحفيون وإعلاميون وأيضا… قناصة وقتلة وكثير من الرصاص وزعه النظامان بشكل عادل على صدور الثائرين وجماجمهم بيد أن نظام الأسد كان ولا شك أكثر تفوقا وتميزا… في الدموية طبعا حين أضاف إلى الرصاص البراميل والغازات السامة والكيمياوي.

لم يذهب وفد اتحاد الشغل لمساندة الشعب السوري حين جاعت مضايا ولا حين ضربت خان شيخون ولا حين قُتل أطفال غوطة دمشق خنقا لم يذهب النقابيون حين جاءت أنباء صيدنايا ولا حين سربت صور الموتى جوعا ذات 2013… لم يذهب النقابيون في تلك الأثناء ولما يذهبون أصلا والحالُ أن الثائرين في أغلبهم لا يقاسمونهم الهوى ولا يشتركون معهم في الايديولوجيا
والإيديولوجيا هداك الله عروض الخيمة النقابية وحولها تدور رحى المواقف والقناعات وربما (والعهدة على من روى) هي من دجنت الاتحاد وطوعته طوال الحقبة النوفمبرية وربما هي نفسها من جعلت بعضا من النقابيين الراسخين يقبلون هدايا النظام وإغراءاته وربما هي أيضا من بنت لهم قصورا وشيدت لهم أعمالا وربما هي الأخرى التي أطرت وغطت وافتعلت ألاف الإضرابات والاعتصامات حين كانت البلاد في أمس الحاجة الى الاستقرار وعلى ما يبدو فإنها هي نفسها من ذهبت بهم للقاء جزار جعل من اسم سوريا مرادفا للدماء والأشلاء.

عجيبة هذه الايديولوجيا وغريبة أفاعيلها حين تنقلنا من فريق الدفاع عن المقموعين والمستضعفين والكادحين إلى فريق القتلة والجزارين… عجيبة فعلا !

سجن صيدنايا – سوريا
سجن صيدنايا – سوريا

النقابات منصات دفاع عن المجتمع وليست خلايا شبيحة

الأمين البوعزيزي

نشأت النقابات في ظل الرأسمالية نضالا إصلاحيا يفتك بعض حقوق العمال. واضطُر الرأسماليون إلى القبول بذلك سقفا للحؤول دون تجذر النضالات العمالية، ثورةً تُطيح بالرأسمالية، علاقات إنتاج.
ولقيت النقابات حتفها في ظل رأسمالية الدولة التسلطية المسماة “اشتراكية” بزعم انتفاء الإستغلال!!!
الأوباش الشبه شبه والقومجيين الذين يغتصبون منظمة حشاد / شهيد الكفاح الإجتماعي الوطني؛ هم عدوان على النضال النقابي وعدوان على حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها المواطني الإجتماعي السيادي المقاوم للإذلال والإستباحة.

• لن ينسى الشعب السوري أنه ذُبح على أيدي عصابة شبيحة محلية مدعومة بشركات أمنية (بلاك ووتر) إسلاموية أعرابية نفطية وعصابات تزييف أيديولوجي متقومجون ويسارجيون حقراء…
• القومجي = إنقلاب عسكري؛ فتوريث؛ فتحطيم وطن…
• النقابات لما تسلط عليها التجمعيون حوّلوها إلى شُعَب مهنية مناشدة؛ وكذا حالها لما تسلط عليها القومجيون.
• القومجيون والتجمعيون طائفتان اختلفتا فاتفقتا.

————– النقابات منصات دفاع عن المجتمع في مواجهة قمع الدولة وهمجية رأس. وليست خلايا شبيحة هناك تجمعيون هنا.

#وطنيون_عرب مواطنيون مقاومون.

آل البيت في عرسال

سمير ساسي

لم يجد حسن نصرالله في خطابه عن معركة جرود عرسال غير أرواح آل البيت تحل في أجساد جنوده المنهكين بوزر الدم السوري، ليرفع بها من معنوياتهم، ولَم يكن لجوء نصر الله لأرواح آل البيت الطاهرين غير إقرار ضمني، لنجاسة المعركة التي يخوضها منذ اندلاع الثورة السورية وولوغ ميليشا حزبه في دم الأبرياء.

لم نسمع من كان سيدا للمقاومة من قبل أسهب في حضور آل البيت في المعارك ضد الصهاينة مثلما أسهب في خطاب معركة عرسال، كانت خطاباته القديمة في نصره القديم تمتح بعضا من سيرة آل البيت أو حصرا من الحسين رضي الله عنه، لكنه الْيَوْمَ جاء بالسيدة زينب والعباس وكل رموز السردية الشيعية التقليدية المقدسة يستنجد بها على حياء بدا واضحا في خطابه وقسمات وجهه ونبرات صوته، فالصورة كانت فاضحة واضحة كاشفة لعمق التمزق في نفس من كان صوته يجلجل مرتجلا خطاب النصر على العدو الصهيوني، وكان الناس يسمعون له متجاوزين عما قد يشوب الخطاب من أخطاء أو غمزات في غير محلها، لأنهم كانوا يشعرون بأن الخطاب يمثلهم وهو خطاب لم يدنس بدم بريء.

إن الاستحضار المكثف للرموز المقدسة في السردية الشيعية في خطاب عرسال، يستهدف ملء الفراغ المضموني الذي بحث عنه نصر الله قبل أن يلقي الخطاب، وقد أقر هو بذلك حين أكد أنه كان مترددا كيف سيكون خطابه، هل يكون كلمتين لعموم الناس أم يخص به “المقاومين”، لم يكن هذا السؤال موجودا في قاموس خطابات نصر الله القديمة، فلم يكن عنده فصل بين عامة الناس وبين “مقاوميه” بل كان يستغل ما يحققه جنوده من نصر على الصهاينة ليخاطب الأمة وليس اللبنانيين فقط ولا جنوده فقط، أما خطاب عرسال، فقد ألغى الناس من القاموس، فسماكة الدم السوري على بنادق مقاوميه كانت تحتاج تكثيفا رهيبا واستدعاء مركزا لكل ما يمكن أن يساعده في إقناعهم أنهم يخوضون معركة شريفة طاهرة كطهارة أرواح آل البيت.

لقد بدا تذبذب الزعيم في لجوئه إلى قراءة نص التعويذة المقدسة التي يقولها الشيعة حين زيارتهم لمراقد الأئمة كما قال، فهل يعقل أن يقرأ زعيم طائفة تعويذته المقدسة من الورق ولا يرتجلها ثم يخطئ حتى في قراءتها مكتوبة؟! التحليل النفسي لتلك اللقطة يؤكد يقين الرجل أنه غير واثق من هذا الاستدعاء المقدس في غير محله، وأنه عبث آخر يحاول به نصرالله أن يملأ جنوده بوهم أنهم ورثة الأئمة من آل البيت وأنهم هم من أنقذوه من الذلة كما قال مستعيرا الوصف من تعويذتهم المقدسة. قد نجد مبررا لهذا الاستدعاء المقدس لأرواح آل البيت في طأطأة رئيس سماحته في أغلب فترات الخطاب، فما كانت تلك عادة “سيد المقاومة” لكنه في خطاب عرسال ما يفتأ أن يطأطئ الرأس، كأن به حياء عذراء بكر سئلت في شأن عريس لها. لكن لم يكن سماحته بكرا فقد مضى الآن ست سنوات على انفجار الدم من بين رشاشات سلاح جنوده تساند براميل بشار تتنزل على الأطفال والشيوخ وتحاصر مخيمات اللاجئين ومدن كثيرة لعزل سوريين بداعي أنهم دواعش.

كان هذا موجبا للطأطأة والذلة والخجل، لكن “سماحته” كان يجحد الحقيقة ظلما وعلوا، وقد استيقنها في نفسه فلم يجد ما يبرر به هذه الطأطأة إلا ادعاء السكينة والخشوع والتذلل في حضرة الأرواح الطاهرة لآل بيت النبي رضوان الله عليهم، لذلك دعاهم وزعم أنهم يسكنون في أرواح جنوده بعد أن أضاعوا البوصلة الحقيقية، بوصلة مقاومة العدو التي تجمع الناس ولا تفرقهم وتذهب ريح الطائفية التي انبجست من كلمات حزب الله وميلشيات إيران وهي تعلن اصطفافها إلى جانب النظام السوري ضد شعبه بداعي أن ما يجري في سورية يستهدف المقاومة. المقاومة التي لم تحضر كثيرا في خطاب عرسال ولم نسمع غير إشارات خافتة شبه خفية لما يجري في بيت المقدس، ولم نر سماحته يطلق وعودا بالمساعدة ووقوف حزبه إلى جانب الفلسطينيين المنتفضين في الأقصى، أشار إليهم بكلمات خفيفة على اللسان غير ثقيلة في الميزان مثلما كان يفعل، فحتى العدو وقد سمعها منه لن يبالي بها ما دام هو نفسه -أي العدو- قد انزاح من معجم العدو الصهيوني إلى معجم العدو الإسرائيلي كما قال سماحته على غير عادته.

هل هي أرواح آل البيت الطاهرة التي فرضت على من كان سيدا للمقاومة أن يتطهر من قواميسه القديمة الساطعة الجامعة الرامزة إلى قواميس خاوية خالية فارغة محايدة، عملا بالقاعدة اللغوية مع بعض التعديل إذا التقى طاهران يحذف ما سبق، لكن آل البيت لا يرضون من أتباعهم الحقيقيين والمفترضين أن ينجسوا ذكراهم ولا مراقدهم ولا تاريخهم ولا أي شيء من ميراثهم. آل البيت وعلى رأسهم الحسين رضي الله عنه يؤمنون بأن الدم ينتصر على السيف وقد كان “سماحته” يردد هذا الشعار في معاركه الطاهرة القديمة قبل أن تتنجس بالدم السوري، لكنه الآن صار “سمحا” مع السيف، وقد صار السيف في يده مسلولا على غيره من الأبرياء الذين لم يحتلوا له أرضا ولا هاجموا له دارا ولا غدروا به، ولم يسلموه ولم يخذلوه في معاركه القديمة، ولم يبن منهم ما يشير إلى خيانة متوقعة في قابل الزمن لو آل الأمر إليهم بعد رحيل بشار.

لكن السيد القديم كان يصادر على المطلوب وكان عجولا وقد أعمى السيف بصيرته فلم ير الدم الطاهر البريء يردد مقولة أبي عبدالله الحسين كما يحلو للسيد أن ينادي الإمام، أن الدم سينتصر على السيف مهما أوغل السيف في الجسد.. لقد خشي سماحته أن تتحقق النبوءة وأن يكون للرؤيا تأويل حقيقي بعد حين وإن طال هذا الحين، فلم يجد غير استدعاء الحسين وزينب والعباس على غير موعدة وبسوء أدب ظاهر مع آل البيت الطاهرين، ليضفي على نجاسة سيفه طهارة مزعومة ويستجدي منهم مشروعية وهمية ترفع أسهمه كما كانت ذات زمن مقاوم.

لكن هيهات.. ولهيهات هذه أيضا قصة في السردية الشيعية وقصة مع “سماحته” خصيصا فقد كان لسانه يجلجل بها ولا يتتعتع مرددا قول الحسين “هيهات منا الذلة”، لكنه رغم ما قال؛ إنه نصر في عرسال لم يكرر “هيهات” القديمة؛ فقد أدرك أنها انزاحت عنه إلى غير رجعة في اتجاه مختلف انزاحت حاملة قميص الجوعى في مضايا أولئك الذين ماتوا جوعا بعد أن حبسهم الحزب ومنع عنهم الطعام ولم يترك لهم حتى خشاش الأرض يأكلون منه، لقد حملت هذا القميص وصوت ذلك الطفل السوري البريء، وهو يستعد لمغادرة العالم المتنجس بسيف ميلشيا السيد، وقد ردد: سأخبر الله بكل شيء. نعم سيخبره وهو السميع العليم بكل شيء، وقد يرفعه الله إلى مقام آل البيت الطاهرين ليحدثهم عن الدم النجس الذي مزج به سماحته أرواحهم ساعتها، لن يكون هنا إلا مقعد واحد قرب آل البيت حتما لن يكون للسيد القديم فيه نصيب.

مدونات الجزيرة

يا حكام العرب: أطعموا شعوبكم قبل أن يأكلوكم

إحسان الفقيه

حورب الإنسان في مبادئه فوجد من يقول له «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، وحورب في قوت يومه، فلم يجد من يقول نيابة عنه: «بغير الخبز لا يحيا الإنسان». عندما وضع عالم النفس ماسلو هرمه لبيان الدوافع الأساسية للسلوك البشري، رتب احتياجات الإنسان بحسب أهميتها، وجعل في قاعدة الهرم الحاجات الفسيولوجية، كالحاجة إلى الطعام والشراب والمسكن. القرآن سبق ماسلو في تقرير أهمية الأمن الغذائي في معرض بيان منة الله على عباده: «فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطمعهم من جوعٍ وآمنهم من خوف».

تشير دراسة بريطانية لمجلة «ذا لانسيت» إلى أن مليارين ومئة مليون شخصٍ يعانون من البدانة، بينما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة «فاو» أن ثمانمئة مليون شخصٍ في العالم يواجهون خطر الجوع. البعض يقال لهم «جوعوا تصحوا»، والبعض الآخر يقال لهم: «جوعوا لتموتوا». عندها يفقد الإنسان ارتباطه بالآخرين، ويصبح كما قال غاندي «قد تغدو كسرة خبزٍ لجائعٍ كل ما يؤمن به من معتقدات». شعارات حقوق الإنسان خانت أصحاب البطون الخاوية، بعد أن هدم سادة الحروب بئر الماء واقتلعوا النخيل، فربما تنشق أحدهم رغيفاً على طريقة بطلة سوزان كولنز في روايتها «مباريات الجوع» لتقول بعدها: «يتعين علينا الاحتفاظ بهذا الرغيف «جيد الصنع» للمناسبات الخاصة». حتى الرغيف قد غاب عن مخيمات السوريين التي حاصرتها قوات الأسد، ليسجل التاريخ المعاصر أن أهلها اقتاتوا على لحم الكلاب والقطط والحمير».

«خصب دار، تتسع النفوس به في الأحوال، ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال». هي القاعدة الخامسة التي وضعها «الماوردي لصلاح الدنيا، لكنها لا تجد لها صدىً لدى صناع الجوع، الذين يبتزون الشعوب بخرافة الندرة، ما دفع فرانسيس مور لابيه، وجوزيف كولينز للقول في كتاب «صناعة الجوع»، «سنزداد تعرضاً للابتزاز يوماً بعد يوم، لأن قدرتنا على إنتاج ما يكفي لغذاء أعدادنا المتزايدة تقل يوماً بعد يوم، على الرغم من أننا نملك المال والأرض الصالحة للزراعة». ولئن كان بحسب الإنسان لقيماتٍ يقمن صلبه، فإن من حقه أن يمتلك تلك اللقيمات.

إن المجتمع الدولي الذي يترنم بشعارات حقوق الإنسان، ينكشف عواره وتسقط قيمه البالية، عندما يحرم الإنسان، الذي كرمه ربه، من أبسط مقومات الحياة، من لقيمات تبقيه على قيد الحياة، وتحفظ له الحد الأدنى من الشعور بآدميته.
صدقت يا عمرو بن الأهتم في ما نظمت:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق.

فما كانت خيرات الأرض في قلة، لكنها سياسات الدول التي أوهمتنا بأن للإنسانية وزنا، بينما تتخذ من الجوع سلاحا لإخضاع الشعوب وسلب إرادتها.
حدثونا عن أصوات ستة ملايين جائع عاطل عن العمل في ألمانيا، كيف ذهبت لتأييد النازيين؟ لقد استغل النازيون الأزمة الاقتصادية الطاحنة في مطلع الثلاثينيات، واستهدفوا العمال العاطلين بالدعاية ملوحين بالغذاء والوعود البراقة بتوفير العمالة المستديمة. وحدثونا عن أمريكا حاضنة تمثال الحرية والراعي الرسمي للقيم الإنسانية، عن شحنات القمح التي هددت بمنعها عن اليونان وتعريضها للهلاك، ما إذا تم انتخاب حكومة اشتراكية، ألم يكن لهذا الإجراء اللاآدمي تأثير على اتجاهات معظم الناخبين؟ ثم حدثونا عن جريمة العصر التي ارتكبتها أمريكا تجاه الشعب العراقي، عن استخدامها سياسة التجويع بفرض الحصار، في ما يعتبر أكبر عملية قتل غير مباشر في هذا العصر. عن تدمير البنى التحتية للعراق، عن سحق منشآت النفط ومحطات ضخ المياه ومحطات الكهرباء والاتصال، عن إفناء السوق المركزية ومستودعات الحبوب والغذاء، عن ضرب الثروة السمكية بتلويث المياه. ذلك الإنسان الذي فضله ربه على كثير ممن خلق، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخّر له قوى الكون العتيد، هو ذاته الإنسان الذي يعيش ميتا على ظهر الأرض، كضحية لسياسات الدول التخريبية (لا الاستعمارية).

الإنسان العربي خاصة، جاع على يد الأنظمة القمعية الديكتاتورية التي لا تعرف مع شعوبها سوى لغة الحديد والنار والضرب في (المليان) بحسب مصطلح أحد العمائم التي تشرعن الباطل في بعض الدول العربية. تبا لها من أنظمة لا ترى ترويض الشعوب إلا بالتجويع، فأشهرت في وجهها سلاح الجوع، فالكد ليل نهار للبحث عن القوت كفيل بقتل التطلعات إلى التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، ووأد كل فكرة رامية إلى الحصول على الحقوق المشروعة.

في معظم الدول العربية، قُهر الإنسان وقُتل فيه الإبداع، وتشوهت معالم شخصيته، وغُرست فيه الأنانية والدونية من حيث لا يشعر، عندما تعرض للإفقار الممنهج. أليس من حق المواطن العربي أن يتنعم بما خلق الله له من نعم وأرزاق؟ أليس من حقه أن يعيش في ظل الأمن الغذائي والنفسي؟
يا حكام العرب، كفاكم ما نهبتم من ثروات الشعوب ومقدرات البلاد، ودعوا الناس يعيشون، دونكم هؤلاء البسطاء الذين يعيشون على هامش الحياة، أنقذوا أنفسكم قبل فوات الأوان، قبل أن تندلع في وجوهكم ثورات جياع لا تبقي ولا تذر، أطعموهم قبل أن يأكلوكم.

“الوظيفيّة الشاملة” وخراب العمران

زهير إسماعيل

في تاريخ النظام العربي المعاصر عشنا النصر والهزيمة. وحين نتأمّل فيما حدث نكتشف أنّ الانتصار كان حالة عاشها النظام وسُجِّلت باسم الشعب أو الأمّة وعنوان هذه الانتصارات الوحيد هو الانقلاب العسكري الذي سمّي ثورة. كان هذا في مصر وسوريا والعراق وبعض الأقطار الأخرى. وكان الأمر تعبيرا عن دور المؤسسة العسكريّة، بعد مرحلة ما سمّي بالاستقلال وبناء الدولة الوطنيّة.

هذه الانتصارات التي سجّلت باسم الشعب وقواه الحيّة لم يستفد منها غير العسكر (أو من بقي منهم بعد صراعات بينية دامية) والفئات والمصالح التي نمت حول السلطة الجديدة.
والهزائم كانت هزائم هذه القيادات العسكريّة ونظامها السياسي في مواجهة الكيان الصهيوني. وهي أيضا هزائم في مواجهة الفقر والمرض والجهل، هزائم أمام تحديات التنمية والحريّة والكرامة الوطنيّة التي لم تخرج عن “أناشيد وطنيّة” ميّتة غير قابلة لأن يُستمع إليها يرددها إعلام خشبي.
هزائم الأنظمة هذه تمّ تحميلها للأمّة التي لم تشارك لا في “الانتصارات الموهومة” (الانقلابات) ولا في الهزائم المدوية، ولا سيما الهزيمة في مواجهة الكيان الصهيوني المحتل. فشاع الحديث عن الزمن العربي الرديء، وهو في حقيقته زمن النظام الاستبدادي المقرف رداءةً.
هذا النوع من “الانتصارات” تكفّلت الأيّام بكشف حقيقته. حقيقة نظام الاستبداد العربي. ومثّلت ثورة الحريّة والكرامة الحلقة الأخيرة من مسار التعرية هذا. لذلك كان موقف النظام العربي من الثورة واحدا في تونس ومصر واليمن وسوريا، ولا عبرة باختلاف الظاهر فالعمق واحد: هو حقيقة هذا النظام المعادي للإنسان والحريّة.
غير أنّ تعقيدا طرأ في خضمّ مسار الثورة في المجال العربي. وتمثّل في متغيّرين جديدين انضافا إلى متغيّر سباق أشرنا إليه (وظيفيّة نظام الاستبداد العربي) وهما “وظيفيّة المقاومة” و”وظيفيّة الإرهاب”. فصرنا أمام ثلاث قوى وظيفيّة فاعلة في المجال العربي الواقع تحت تأثير ثورة الحريّة والكرامة، وهذا ما عقّد المشهد، وأهم بتكافؤ الأدلة في أكثر من مناظرة، ولا تكافؤ.

1. المقاومة الوظيفية : وقد كنّا انتبهنا إلى هذا في مقالات لنا والمقاومة في لبنان تحرّر الجنوب بالبندقيّة في 2000 وتكسر جيش الاحتلال في 2006 باعتراف الاحتلال نفسه (تقرير فينوغراد). وتأكّد هذا الأمر مع ما سمّي بتعارض المقاومة والثورة في السياق السوري. وتجلّى الامر في تغيير وجهة البندقيّة من بنت جبيل ومارون الرأس إلى ببرود والقصير ثم ليصل إلى حلب وحمص وحماه عواصم الثقافية الإنسانية التي لاتهزم فيضطرّ غزاتها إلى تغيير ديمغرافيتها بتقتيل اَهلها وتشريدهم وتعويضهم بهمج طائفي هو خليط من “الحشد الشعبي” و”فقراء خراسان” و”بقايا العلويين”. وهو ما تفعله الخمينية في سوريا، بعد أن نجحت في تطييف ثلاث أقطار عربيّة: العراق واليمن وسوريا.
بندقيّة المقاومة الوظيفيّة، قد تعود إلى بنت جبيل والجنوب المحتلّ، ولكنّها لن تكون إلاّ امتدادا للاستراتيجيا الإيرانيّة ومصلحة دولتها. وقد يخدم فعل المقاومة الوظيفيّة مصلحة المجال العربي، وقد حصل هذا فيما أشرنا إليه من بطولات هذه المقاومة في الجنوب اللبناني، ولكن كلّ ذلك من باب التقاطع الموضوعي (تقاطع المصالح) وليس من باب اللقاء الاستراتيجي. فحين اختلفت مصالح إيران مع “المقاومة الوطنيّة العراقيّة” في اوّل عهدها ومع الثورة في السياق السوري، دارت المقاومة الوظيفيّة مع الموقف الإيراني، فشككت في المقاومة العراقيّة، وتورطت في تقتيل السوريين وإجهاض ثورتهم، وتقاطعت موضوعيًّا مع دور القوى التكفيري المدفوعة بوهابيّة آل سعود المتصهينة.

2. الإرهاب الوظيفي : والأصل أنّ كل إرهاب وظيفي، غير أنّ المقصود هنا هو أنّ الإرهاب يتحوّل إلى صناعة. وقد شارك في هذه الصناعة ثلاثة أطراف التقت مصلحتها على بعثه وتوظيفه:
أ – أنظمة البترودولار التابعة للاستراتيجيا الأمريكية والمتحالفة مع الكيان الصهيوني وعلى رأسها آل سعود وآل نهيان، فهم من سلّح الثورة السوريّة وطيّفها وأتى بقطعان الإرهاب من كلّ أنحاء العالم والتقى موضوعيا مع إيران على تطييف السياق السوري وترسيخ الخطاب الشريعي التكفيري.
الموالين لإيران ومن أرهقتهم ثنائيّة لمقاومة الوظيفيّة/المقاومة العضويّة وقوّة إجرائيتها، يضطرّون إلى حشر من آمن بالثورة السوريّة مبتدى ومنتهى ضمن القوى التكفيريّة والتخندق مع آل سعود ودوّل البترودولار، ويعرّجون على قطر. ولئن لم يكونوا مجانبين للصواب في تذكيرهم بأنّ قطر لا تخرج عن الاستراتيجيا الأمريكية في المنطقة ولكنّهم لا يجدون الشجاعة للإجابة على سؤال: لماذا تقف قطر إلى جانب الثورة والمقاومة ماليا وإعلاميّا؟ ولاسيّما حزب الله في الجنوب في مواجهة إسرائيل، وقد كان الدعم بوجه مكشوف، واستقبل أمير قطر رسميا وشعبيا بطلا عربيًّا داعما للمقاومة في 2006، وكانت قطر شاركت في إعمار الجنوب ودعم صموده بإعادة بناء 12 ألف وحدة سكنية في الجنوب اللبناني كانت إسرائيل قد دمرتها خلال الحرب التي شنتها في يوليو/تموز عام 2006.
ب – النظام السوري، وقد كان يدرك أنّه لا منجاة له إلاّ بإدخال معطى الإرهاب إلى العادلة السوريّة، وتشير تقارير إلى عمد نظام بشار إلى إطلاق سراح أكثر من خمسة آلاف تكفيري من سجونه، وزرع عناصر مخابراتيّة فيهم. وكانت كثير من العمليات الإرهابيّة موجهة من قبل مخابراته. ولقد غدت التنظيمات التكفيرية مسرحا لتأثير أجهزة مخابرات فاعلة في العالم. وفِي بلادنا كان أنصار الشريعة الذراع المخابراتيّة والأداة التنفيذية لبعض من هذه الأجهزة في جريمتي الاغتيال بغاية الإطاحة بالمسار التأسيسي.
ج – الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكيّة وأصحاب المصالح التقليدية في المجال العربي ولاسيما في “الشرق الأوسط”: وهم يعرفون أنّ عنصر الإرهاب سيكون حاسما في تشويه الثورة وحرفها عن أهدافها الحقيقيّة.

3. الاستبدادي الوظيفي : ونعتبر أنّ نظام الاستبداد العربي كله وظيفي، التقدّمي منه والرجعي. بل إنّ الأنظمة المسماة ثوريّة خدمت الاستراتيجيا الاستعمارية أكثر من أنظمة العمالة في الأردن ومصر والسعوديّة والخليج العربي. وقد لعب النظام السوري منذ حافظ الأسد بامتياز هذا الدور. وكان له الدور الرئيسي لضرب حركة التحرر الفلسطيني في لبنان : تل الزعتر، حرب الجبل، حرب طرابلس 84 وإخراج منظمة التحرير وحركة فتح من طرابلس بعد ان أخرجتها إسرائيل من بيروت في 82. ويعرف اللبنانيون والقوى الوطنيّة جرائم نظام الأسد في ضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانيّة (حركة التوحيد بطرابلس/ سعيد شعبان، وبدايات المقاومة بالجنوب قبل ظهور حزب الله). ثم كانت مشاركته في حرب الخليج الأولى في 91. وبعد احتلال بغداد في 2003 اختار نظام الأسد اللجوء عند المقاومة اللبنانيّة، وهو يعرف ارتباطها بإيران، ومن ثم يعرف وظيفيّتها. إنّ النظام الذي قدّم أجَلَّ الخدمات للكيان الصهيوني في لبنان لا يمكن أن يخدم مقاومة عضويّة (حتى مساندته لحماس كانت من زاوية المقاومة الوظيفيّة الموالية لإيران لأنّ جذور حماس الإخوانيّة كانت تكفي لمعاداتها) وكان حافظ الأسد يعرف أنّ لإيران استراتيجيا في المنطقة وأنّ النظام العربي انتهى، ولابدّ من البحث عن حليف وقوة داعمة ويعرف أنّ الولايات المتحدة لا يمكن أن تعطيه الأولويّة فتقدّمه على الكيان الصهيوني. وأنّ الصراع القادم مرشّح لأن يكون بين إيران والكيان الصهيوني. وهو يدرك أنّ إيران لن تعبّر عن “طموح المجال العربي في الوحدة والقوة” بقدر ما ستعبّر عن طموح فارس القومي ووسواسها الإمبراطوري.
لذلك لم يربح “حافظ الأسد القومي” ولا “حافظ الأسد النصيري”، فسوريا محتلّة من ثلاث جهات: الكيان الصهيوني وإيران وروسيا. فيصبح الحديث عن انتصارات من باب “الضحك الذي كالبكاء”، وقد يكون للموالين للاستراتيجيا الإيرانيّة بعض عزاء، بشرط أن ينسوا لوبانة “الأمّة” و”المشروع الرسالي” “وثورة المستضعفين العالميّة” فقاسم سليماني إيراني على مذهب ولاية الفقيه قبل أن يكون مسلما، وهو يدرك أنّ الذي يبرِّر قيادته لـ”جيش القدس” لفتح المفتوح ليس الإسلام وَإنّما المذهب والجغرافيا.

وأمّا الشبيحة من التيار القومي وبعض فلول اليسار وبعض دعاة التقدمية فلا عزاء لهم أمام “ثقافة اللطم” الزاحفة و”الأساطير المؤسسة لأحزان البسطاء والمستضعفين” باسم آل البيت ومظلوميتهم التاريخيّة، و”الدولة الدينيّة” باسم الثأر المذهبي، لا عزاء لهم بتواطئهم باحتلال “سورية العربيّة”.
النظام الاستبدادي الوظيفي والمقاومة الوظيفيّة والإرهاب الوظيفي لا يمكّن حتّى من الاستحضار الذهني لمدلول الانتصار. لا يكون مع التقاء هذا الثلاثي إلا نتيجة واحدة: سقوط عواصم وخراب مدن وذهاب أوطان ومقتل مئات الألاف وتشريد الملايين في العراق وسورية واليمن. فعن أيّ انتصار يتحدّثون؟!!!
جهة واحدة، في ظل هذا الخراب الشامل، يحق لأنصارها وكَتَبتِها الحديث عن انتصار هي إيران، وهو “انتصار” في مواجهة حق السوريين في تأسيس الحرية والمجال العربي في الانتظام قوّةً اقتصايّة وسياسية وازنة، “انتصار” بتدخل عسكري روسي (بموافقة صهيونية) وتواطؤ أمريكي (قتال مشترك لداعش في العراق). “انتصار” باسم دولة إيران ومصالحها التي لم تستطع أن تعدّلها في ظل ثقافة الإسلام الجامعة الموحّدة للأمّة ومعادلة أطرافها: المجال العربي، والمجال الإيراني، والمجال التركي. فارتدت إلى أشواقها الصفويّة وأحلام يزدجرد ووصيّة أردشير. وهذا من حقها، ولكن لا حقّ لها في ان تتكلّم باسم الإسلام وأن تجتهد لكي تكون بديلا عن الأمّة…

نؤمن بثورة الشعب السوري إيماننا بالمدينة السوريّة… حتى غزاتها يؤمنون بعظمتها، لذلك يخافون الحل السياسي..
دعوا ما بقي من هذا الشعب يختار بحرّيّة وستعرفون إن كانت هناك ثورة سلمية شعبية أم لا.

 

من حق الإتحاد العام أن تكون له مواقفه تجاه سوريا

إسماعيل بوسروال

1. سوريا الحبيبة

هكذا سماها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر عند اعلان قيام الوحدة بين مصر وسوريا في صيغة (الجمهورية العربية المتحدة) تلك التجربة الحالمة الطامحة الى العلا دون الاخذ بالأسباب… تجربة قامت على العواطف وتجلى ذلك في اسناد تسيير الاقليم السوري الى من تنقصه الخبرة والكفاءة وهو المشير عبد الحكيم عامر.
سوريا الحبيبة عبارة يتردد صداها في مسمعي وانا اشاهد الدمار الشامل الذي تنزله القوى العظمى على الشعب السوري فتهلك الزرع والضرع وتصيب البشر والحجر والشجر.
سوريا الحبيبة اليوم في حاجة الى من يساعدها على وقف المأساة… ومن تعز عليه (سوريا الحبيبة) عليه ان يسعى لإنقاذها.

2. التعامل مع نظام بشار ليست جريمة

بغض النظر عن موقف الاطراف التونسية من النظام القائم في سوريا فان واقع الحال يقتضي التعامل مع النظام السوري ولا فائدة في التركيز على نظام البراميل المتفجرة لانه رقم مهم في “المعادلة السورية” واستعادته لقواه تعود لقوى عالمية تمنع سقوطه وهي “الطيران الروسي” و “الحرس الثوري الايراني” و “حزب الله اللبناني”.

3. افق سوريا الحبيبة اليوم

يصعب الحديث عن تصور حل للمسألة السورية يتم فيه تحقيق انتصار ساحق لاحد الاطراف مما يجعل من تقسيم سوريا حقيقة واقعة اليوم وتجسدت في تفاهمات دولية عملت على تغيير ديمغرافي للمناطق والمدن بدءا بحمص، القريبة من دمشق، مرورا بحلب وادلب وصولا الى عين العرب شمالا والى الرقة شرقا… حيث تغيرت التركيبة السكانية فتم تجميع السوريين طبق الانتماء المذهبي او العرقي.

4. بعد انهيار القومية… نحلم بالقطرية

تناثرت الدول العربية كقطع الشطرنج وتبخر حلم (القومية العربية)… فالنظام السوري يسيطر على اجزاء محددة من الارض… وبامكاننا ان نحلم بدولة سورية موحدة… فهل يقدر “الاتحاد العام” على اعادة توحيد القطر السوري ؟ و انها مهمة نبيلة.

القضاء على العنف ضد المرأة

مالك بن عمر

قانون جديد وحماية متجددة ومشدّدة

تجدر الإشارة بداية إلى انه بالرغم من أن القانون الأساسي الجديد المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، يهمّ حماية المرأة وذلك حسب عنوانه، فإن المشرّع، وفي عدّة مواضع من هذا القانون، وسّع هذه الحماية لتشمل الطفل وذلك بالترفيع في عقوبات العديد من الجرائم المرتكبة من عنف وهتك أعراض بالفاحشة أو الاغتصاب كلما كانت الضحية طفلا. كذلك الأمر في ما يتعلق يجرائم العنف، حيث شملت الحماية أيضا الشهود والمتضررين والقائمين بالحق الشخصي.

أمّا عن مواطن التجديد في هذا القانون فيمكن ان تتلخص في ستّة نقاط مهمة :

أولا : إبطال المفعول التوقيفي للمحاكمة أو التتبع أو تنفيذ العقوبات لإسقاط الحق في التتبع في جرائم العنف التي يكون ضحيتها السلف أو القرين. وقد كان الفصل 218 القديم من المجلة الجزائية ينص على أن مجرد إسقاط السلف أو الزوج المعتدى عليه حقه يوقف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. ويبقى هذا التجديد مهمّا ليقلّص من ظاهرة العنف داخل العائلة.

ثانيا : الترفيع في عقوبة التحرش الجنسي من السجن لمدة عام واحد وألفي دينار خطية إلى عامين وخمسة آلاف دينار كخطية.

ثالثا : في الفصل 227 جديد تدارك المشرع نقائص النص القديم ليضيف الإمكانية أن يكون الذكر ضحية للاغتصاب. ومن جهة أخرى، تخلى المشرع عن عقوبة الإعدام بالنسبة لجريمة الاغتصاب المرتكبة في إطار ظروف التشديد (كاستعمال السلاح وغيرها) بعقوبة السجن بقية العمر. وفي نفس الإطار نزل بالعقوبة من السجن بقية العمر إلى عشرين عاما في باقي حالات الاغتصاب.

رابعا : كان الفصل 227 مكرر قديم يعاقب بخمس سنوات سجنا كل من واقع فتاة برضاها فوق الخمسة عشر عاما ودون العشرين عاما. الفصل 227 مكرر جديد حافظ على نفس العقوبة مع الترفيع في السن الأدنى ليصبح ستة عشر عاما والتقليص من السن القصوى إلى ثمانية عشر عاما. وهو تجديد أكثر تناغما مع واقع المجتمع اليوم.

خامسا : إحداث جرائم جديدة كجريمة التمييز الاقتصادي بسبب الجنس وجريمة مضايقة إمرأة في فضاء عمومي بكل فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها وعقوبتها الخطية المالية.

سادسا : إحداث فضاءات خاصة بالمحاكم الابتدائية تختص بالنظر في قضايا العنف ضد المرأة، وكذلك إحداث وحدات أمنية مختصة بالبحث في ذات الموضوع.

في المحصّلة، فإن هذا القانون الجديد رغم معالجته الجدية للعديد من ظواهر العنف المسلّط ضد المرأة في مجتمعنا، فإنه قد سقط في الإسهاب في عدّة مواضع، هذا إلى جانب تشريع جرائم جديدة يبقى مضمونها فضفاضا و غير قابل للإثبات.

ليس من حق النهضة الرد على المرزوقي

عبد القادر الونيسي

لا أدعي صداقة حميمية بالرئيس السابق منصف المرزوقي ولكن معرفة قديمة بنيت على التقدير والاحترام. لكن هذا لا يمنعني من القول أن مشكلة الرئيس السابق نرجسيته المفرطة ودورانه حول شخصه.

كنت شاهدا على تأسيس حزب المؤتمر (أول حزب تونسي يتأسس في المهجر).
النواة الأولى استجلبها شكري الحمروني من أبناء النهضة في المهجر وهي دائرة كانت تحيط به تتكون من عماد الدائمي وسليم بن حميدان وعماد بن محمد وسامي…
فريق تونس المتكون أساسا من محمد عبو وعبد الرؤوف العيادي وأم زياد وعبد الوهاب معطر وسمير بن عمر التحق بعد التأسيس المهجري (انسحب الجميع لاحقا من الحزب).
كل الأسماء الأخرى كعدنان منصر والكحلاوي وغيرهما التحقوا بعد الثورة والسواد الأعظم بعد أن وصل الحزب للحكم.

لم تبد النهضة اعتراضا على التحاق أبنائها بالحزب الجديد بل صدرت أوامر بعدم التعرض لهم بعد أن أتهمهم البعض بالخيانة وهم الذين أسسوا وضعهم المهجري بإسم النهضة (اللجوء السياسي والوضع الإجتماعي) وانسحبوا منها وهي في أشد حالات الضعف.
بعد الثورة وعند أول امتحان انتخابي استفاد الحزب من نظام أكبر البواقي الذي فرضه عياض بن عاشور لتمكين اليسار من الدخول إلى المجلس التأسيسي.
ساعدت النهضة المؤتمر في كثير من الجهات للفوز بالكسور لقطع الطريق على اليسار الإستئصالي.
بعد ظهور نتائج الإنتخابات لم يكن المرزوقي مرشح الحركة للرئاسة بل مصطفى بن جعفر وذلك في حركة ذكية منها لإتقاء ردة فعل فرنسا ومن والاها.
أصر المرزوقي على طلب الرئاسة وداوم الزيارة لبيت الشيخ راشد حتى وعده بذلك وكل زاده خمسة آلاف صوت في دائرة تعد أكثر من خمسمائة ألف صوت.
رغم تاريخ المرزوقي الحقوقي والنضالي إلا أن جلباب الرئاسة ظهر أكبر منه بكثير وكان من نتائجه إرتباك كبير في تسيير دواليب الحكم وعجزه الفادح في اكتساب صفة رجل الدولة الجامع لكل أطياف المجتمع.

ظهر أخيرا في برنامج “شاهد على العصر” في مشهد درامي فضيع: توتر طفولي. اهتزاز في الشخصية. إفشاء لأسرار الدولة. تهجم على حلفاء الأمس…
لست من أنصار الباجي ولم أصوت له وكغالبية أبناء النهضة صوتنا للمرزوقي الذي يلعن الآن اليد التي أحسنت إليه بينما يحرص الأول على التوافق من أجل مصلحة البلاد وهذا وحده ينبئ بالفارق بين الرجلين.
في الختام وقد أصبحت إستراتيجية حزب المرزوقي الجديدة بعد أن التحقت به رهوط من التجمعيين والإستئصاليين وانسحب منه عموم رجاله المؤسسين الهجوم على النهضة والإفتراء عليها في تسابق محموم في الوضاعة مع حزب المفتاح ليس أمام النهضة إلا الصمت وعدم الرد على المرزوقي وحزبه لأنها بعبارة مختصرة “تستاهل”.