على مرأى ومسمع من الحاكم

عبد اللطيف علوي

مازلت نفكّر، الموطون متاعي، نقتلو بيدي نهار العيد، ولاّ ننتدبلو قاتل مأجور محترف باش يقوم بالمهمّة هذي.
ثمّة برشه tueurs en serie يدورو نهار العيد مسلحين بالسكاكين والسواطير و، يقومو بالمهامّ هذي على مرأى ومسمع من الحاكم، وسي الباجي عامل مولى الدولة موش هوني…
ظهري يوجع فيّ، والسّليخة اتّعبني، لكن احنا جماعة دواعش العلالش نحبّو الأجر، وتعودنا ما نعيّدو كان بذبيحتنا…

ثمّة مرا جارتنا، راجلها ما يذبحش، نهار العيد بقاو حتى لماضي ساعة وهوما يلوّجو على قاتل محترف باش يقتللهم الموطون متاعهم، وصغارو يستنّاو كاليتامى قدام الدار، والمشوي عامل عجعاجي…
تيقرت مرتو وهبلت عليه وخرجتلو بالصّوت العالي في النهج تعيّط وتصيح:
ياخي آش بيك ماتذبحشي أنت كي خلق ربّي؟ ياخي ماكش مطهّر أنت كي الرّجال… ؟؟
نهار ضحك وفيلم بلاش كيما نرى عندكم…
عاد قلت نقتلو بيدي ونحفظ كرامتي قدّام مرتي، خير ملّي الواحد ترصّيلو والعياذ بالله شيحة قحّه، ضارب على سلوى الشّرفي، والعياذ بالله.

حـــال الذبابـــة

نور الدين الغيلوفي

إذا اقتحمت عليك غرفتَك ذبابةٌ، فأنت بين أمرين:

الأوّل: أن تتحفّز لها وتستجمع كلّ تركيزك لمحاربتها.. وقد تخوض معها حربا تستنزف منك الوقت والجهد ثمّ ينتهي بك الأمر إمّا إلى قتل ذبابة، وذلك لا يعني في منجَز الأعمال شيئا.. وإمّا أن تضيق هي بك فتخرج من حيث جاءت بجناح فارغ وثانٍ لا شيء فيه.. ولن يكون جزاء خروجها من جنس ما أسرفت من جهودك..

الأمر الثاني: أن تتغافل عن ذبابتك ولا تبذل فيها من الوقت ما لا تستحقّ.. وستخرج ما لم تجد منك ما تحطّ عليه أو سيزول بها عمرُها وهي ترقب منك ما لن تظفر به…
دعوا الذباب وشأنَه.. فلن يكون له منكم إلّا ما كان من سَقَطكم…

يتحيّنون مواعيد الناس لينغّصوا عليهم أفراحَهم وما أعدّوه وليقطعوا الطريق على ثقافتهم وما ورثوه…
الأعياد عند الناس مناسبات لجمع المتفرّق ولتوحيد المشتَّت ولتقريب الأباعد في كنف الاحترام.. أمّا عند هؤلاء فهي مناسبات للمفاصلة وفرص للمكابرة ومواعيد للمجاهرة بالعدوان..
يغيبون في سبات لا حدّ له ولا ينتبهون إلّا على المناسبات الدينية لينهشوا بلا حدّ.. وقتها فقط يشحذون عقولهم ليرموا بها شعبا لا ذنب له إلّا أنه ماضٍ في قناعات لا توافقهم.. فيمضون في كيل الأذى ويمعنون في التحقير..
المسلمون في كلّ بلاد الدنيا يمارسون تديّنهم في حماية المجتمعات الحاضنة ولا يجدون حرجا في التوافق مع القوانين المرعية.. أمّا في تونس فكلّما عادنا العيد توقع الناس الأذى ممّن يرى في نفسه وصيًّا على الجميع..
لك أن تعتنق من الأفكار ما تشاء وأن تعتقد ما تراه.. ولكن لستَ مخوَّلًا بأن تمارس وصايتك على الناس…
الحرية مشاعة بين الكافّة.. واحترام القانون هو الفيصل فما الذي يحملك على التنغيص؟

الهوان تجاه ثقافة “الآخر”

عايدة بن كريّم

حين يستبطن “المُثقّف” الشعور بالذلّ والهوان تجاه ثقافة “الآخر” ويُهيمن على عقله الباطن “الخواء” (اللاّإنتماء واللاّهوية)… لا غرابة أن يصدر عنه هذا الخُوار.

فيُصبح…
ذبح الخرفان ممارسة بربرية… وذبح الديك الرومي ممارسة حداثية.
والحج إلى بيت الله الحرام تكريسا للتخلّف بينما الحج إلى الفاتكان ممارسة حضارية والحج إلى الغريبة ممارسة راقية تعكس تسامح الأديان…
الأموال التي تُنفق في الحجّ التنمية أولى بها… أمّا الفلوس التي لهفها بوجناح ونانسي عجرم وراغب علامة والرابور الفرنسي والرقّاص التونسي وروحانيات آل رستم ومولدية بو سعدية فهي تأسيس لثقافة بديلة تُنمّي القدرات البشرية وتنشر الوعي وتؤسّس لمجتمع المعرفة.
فتوحات نابليون بونابارت “حملات تنويرية” وفتوحات طارق ابن زياد غزو واحتلال.

نُخب مُنبتّة مهمّتها تدنيس مُقدّسات شعوبها… يشتغلون مُقاولين عند السفارات ودهّانة لدى المنظّمات الدولية… ويستعملون معاول “التحديث” لهدم كلّ ما له علاقة بعناصر الهوية (العروبة والإسلام).
نعتوا شباب بلدانهم بالدواعش وطالبوا الإنتربول بذبحهم على مقاصل غوانتانامو… ووصفوا أعيادهم بالممارسات البربرية واستنجدوا بالسفير واستجاروا بالمُقيم العام… وهجّنوا اللغة وفرّخوا اللاّعلم وندبوا وجه تونس وروّجوا عنها أحاديث الإفك والبهتان…

عمليات اضطهاد مسيحيي المشرق

فهد شاهين

متى قتل وذبح وهجر مسيحيو المشرق ؟
1. تعرض مسيحيي المشرق تاريخيا لثلاث عمليات اضطهاد كبرى عبر التاريخ… وقد كانت جميعها قد نفذت على يد دول اوروبية مسيحية او غير مسيحية.
2. أما الاضطهاد الاول والأكبر فقد حصل لمسيحيي المشرق على يد البيزنطيين من 1- الى 312 م… وهنا يذكر اسم الاضطهادات العشرة التي أوقعها ملوك وأباطرة روما (العشرة) ضد مسيحيي المشرق.
3. أسباب هذا الاضطهاد الاوروبي لمسيحيي المشرق مزدوجا.. فهو اضطهاد ضد أقلية مسيحية (بالمجمل عرب) آمنوا بالمسيح وناصروه وجاؤوا بدين التوحيد المخالف لعقيدة التثليث ذات الموروث الاغريقي والروماني.
4. سنوات هذا الاضطهاد وان استمرت 312 عاما فقد تناوب عشرة من أباطرة روما على تعذيب واضطهاد وقتل المسيحيين (في مصر قتل مئات الاف من الاقباط) على رأسهم نيرون.. الا ان السنوات اللاحقة وهي من العام 312-632م.. فهي سنوات التبعية للمسيحية المشرقية كنيسة وكهانا للكنيسة والمسيحية الاوروبية.
5. المدقق لحقيقة الاضطهاد الكنسي الروماني لمسيحيي المشرق سيجد انه ايضا اضطهاد عرقي.. فهو اضطهاد روماني بيزنطي لعرق عربي بالمجمل هو من اعتنق عقيدة التوحيد التي اتى بها السيد المسيح.
6. من ذلك فإن عيسى المسيح قد نشر المسيحية اول الامر في الناصرة ذات بيئة عربية ثائرة ضد التسلط البيزنطي.. اما انتشارها في الاردن وحوران جنوب سوريا فقد كان في ممكلة الانباط العرب ودمشق نفسها كانت تحت حكم اسرة عربية وكان لبنان مجال امتداد اليطوريين العرب، وكانت مملكتا حمص وأفامية (قرب حماة اليوم) من الممالك العربية. وحتى مملكة الأباجرة في جنوب تركية، كانت مملكة عربية أيام السيد المسيح. اما فلسطين فقط كانت تحت حكم هيرودس فهو عربي متهود ووحدها ممكلة القدس كانت ذات اغلبية يهودية وهي من وقفت ضد المسيح وساندت روما لتتبعه وقتله فيما بعد كما سوثق مسيحيا.
7. في اليمن سنرى ان مسيحيي نجران في فترة لاحقة (من 400-500م) قد اضطهدوا من يهودها القادمين من يثرب والمدعومين من فارس لوقف الزحف الروماني الى اليمن عبر الحبشة والتبشير المسيحي (قصه الحرق بالاخدود).
8. الاضطهاد بل المقتلة الاكبر لمسيحي المشرق وقعت في العهد الصليبي.. فالمصادر الاسلامية والغربية تؤكد انه حتى القرن العاشر الميلادي كانت نسبة المسيحيين في بلاد الشام تترواح بين 60-80% لكنها انخفضت الى اقل من 5% مع انتهاء الحملات الصليبية.. فقد قتل صليبيو اوروبا من مسيحيي المشرق نفس القدر بل اكثر مما قتلوا من المسلمين في بعض المناطق فالمؤرخ الاسلامي ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق الكبير يقول إن سكان بلاد الشام كان أربعة أخماسهم نصارى قبيل بدء الحروب الصليبية.
9. اما حالة القتل الطائفي بين المسيحيين والطوائف الاخرى (الدروز) فلم تقع الا في القرن التاسع عشر حيث عملت القناصل الاوروبية السبع في اواخر العهد العثماني على دعم مباشر وكبير لمسيحي المشرق من اجل التدخل العسكري لحمياتهم واسقاط الدولة العثمانية وايضا دعمتهم كي يتمايزوا عن اقرانهم المسلمين عبر حصر الوكالات التجارية والتعليم بهم وحدهم مما أسس لفجوة اقتصادية وثقافية بينهم وبين عامة الشعب في محاولة (لأوربتهم) مما ادى الى فتنة العام 1860 التي قتل فيها اكثر من 250 الف مسيحي بين دمشق وبيروت وقد ساعدت هذه الفتنة الى تهجير الكثير من مسيحيي بلاد الشام الى امريكا اللاتينية حيث يبلغ عددهم الان حوالي 25 مليونا.
10. هنا نرى ان المسيحية اضطهدت مرتين بشكل مباشر عبر العنصر الاوروبي الابيض ومرة اخرى بشكل غير مباشر.. المرة الاولى في عهد الدولة البيزنطية واما الثانية على يد المسيحية الاوروبية (الحملات الصليبية). وكلا الاضطهادين بالاضافة الى انه تسبب بقتل المسيحيين الا انه وفر لهم الارضية الخصبة للانتقال الى الاسلام.. ففي الحالة الاولى قتل المسيحي لانه عربي مشرقي مؤمن بدين التوحيد الجديد ومنكر للتثليث الروماني والفلسفة اليونانية مما مهد الارضية للمسيحي المشرقي الى اعتناق الاسلام… اما في المرة الثانية فقد انتقل مسيحيو المشرق للاسلام بعد أن رأوا سيف المسيحية الاوروبي في الحملات الصليبية لا يفرق بينهم وبين المسلمين.

أن أتديّن … ماذا يعني ؟؟؟

بشير العبيدي

#أقولها_وأمضي 
أخبرني شابّ ليبيّ يحفظ من القرآن، ولي ثقة في صدقه قال: أنه ترعرع في أسرة محافظة، وكان له تِربٌ من الأقرباء يقاسمه أوقات الطفولة البريئة، ويشاركه اللعب والدّعابة والعبث، ويبادله المودّة والصفاء.

وفجأة، “تديّن” هذا القريب الحبيب فغيّر من هيأته وشكل لباسه، وبدّل طريقة كلامه، وانغلق في منطق طهوريّ استعلائيّ مخيف، وكان بادئ أمره يُضرب به المثل في حب العمل والاجتهاد والحيويّة، وكان يجني من عمله مردودا وفيرا، فترك كلّ ذلك لما تغير، وجعل نصب عينيه نصّ الحديث النبوي “وفتنة أمتي المال”، فترك عمله وتغيّرت حاله، وقلّ ما بيده، وتبدّل مع أترابه، فصار ينكر عليهم سماع الموسيقا أشدّ الإنكار، ويتكلّم في الشّركيات، وفي عقيدة الولاء والبراء، وتركهم وانعزل عنهم، وبالجملة، صارت الأيديولوجية الوهابية ديدنه، والغلوّ سمته، وصار يكفّر النّاس، ويضيق ذرعا باعوجاجهم، ولا يرى فيهم إلا منحرفين، خارجين عن سواء السّبيل. فترك ذلك أعظم الأثر في نفس صديقه الذي لم يفهم سبب كل هذا الانقلاب في السّلوك، ولم يهتد لمعرفة علّة كلّ ذلك، خصوصا والأسر التي عاشوا فيها أسر تحفظ القرآن، وتراعي الدين، وتتآلف مع محيطها، وتجمعها بالأرض والنّاس وشائج قويّة ومحبّة أصيلة.

ولقد صدق هذا الشّاب الليبي الذي لم يقع على وجه منطق يفسّر به هذا الانقلاب الكامل على المجتمع، ولم يستطع أن يفهم سببا لهذا العنف في القطيعة التي لا مبرّر لها. فكثير من شباب العرب خاصّة يعيشون أوضاعا من البؤس الفكري والقيمي والاجتماعي يجعلهم لقمة سهلة لأيديولوجية الوهابية التي توحي لأتباعها أنها تنسف كلّ شيء وتبدأ بناء الإسلام من الصّفر. إنه المنطق الصّفري الدّاعشي الذي تشكّل داخل المجتمعات العربية، وراجت سوقه عبر وسائل الإعلام وشبكة المعلومات، وذلك بسبب الفراغ الذي تركته المجتمعات في عقول شبابها: والفراغ تأباه الطبيعة، فلما تقاطعت سبيل هذا الشاب مع سبيل متطرّف مغال في الدين، تحرّكه وتوجّهه أجهزة المخابرات الموصولة بأنظمة استبدادية متصهينة، استطاعت اختراق العقول والقلوب، واستنبات أيديلوجية عدمية صفريّة، تزعم لأتباعها كذبا وبهتانا أنها تضمن لهم الجنّة إن هم اتبعوا سبيلها، وما هي بضامنة شيئا، ولكن الشّباب يقعون في حبائل حركات أكبر بكثير مما يمكن أن تفهمها عقولهم البريئة ونفوسهم الطيبة، إنّها حركات تتلقى تمويلا بالمليارات في العالم، هدفها الأول والأخير صيد الشباب المتحمّس وإسقاطه في البؤس الفكري والقيمي الذي يساهم في مزيد تخلف العرب والمسلمين، وكل ذلك تحت دعاية التديّن، وما هو والله بتديّن ذاك الذي يقطع مع الأهل والأسر والأتراب والمجتمع، إنّه ضلال في ضلال.

وليكن في علم الشّباب: أنّ أغلب الذين يروّجون هذا الخطاب الصفري والمغشوش والمزيّف في وسائل الإعلام، وفي الشبكات، وفي المواقع، ويكفّرون النّاس، مثلهم مثل الذين يروجون العلمنة والانبتات والانسلاخ عن القيم الروحية للمسلمين، هم أناس يتلقّون تمويلا كبيرا من الدول والمنظمات لأجل ترويج خطابهم العدمي هذا، لأن هذا النّمط من التديّن الحطبي أو التعلمن المتطرّف، هو الضّمانة الوحيدة التي تبقي على الاستبداد الصهيو-عربي في كراسيه، والضمانة الوحيدة التي تبقى الاستعمار الأجنبي آمنا من حصول نهضة علمية عربية اسلامية.
التديّن الحقّ علامته الحبّ والقرب والعطف والشفقة… وجوهره رؤية مبنية على الإتمام للكون والإنسان والألوهية تسير في سياق: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق…
ونشر العلم والتوعية والحوار العميق مع الشباب كفيلة بالحدّ من آثار هذا النّزيف الذي أنهك جسم الأمة. وليس من الصّعب الإقناع، فإن هذا الفكر الحطبي العدمي لم يؤسس مجتمعا ولا حضارة أبداً، ولم يدخل إلى بلد إلا وتركه خراباً وعذاباً.
#بشير_العبيدي | ذو الحجة 1438 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

قطط الصحافة الكبيرة لن تذهب إلى جماعة العوينة

كمال الشارني

عندي صعوبة في التصديق بأن منظومة الفساد في الإعلام أيا كان من يقف وراءها سوف تنهار وتنكشف كما يقول بعض الزملاء، الشراء الحقيقي للذمم لا يترك أثرا ملموسا عادة إنما يفطن به الناس بالغريزة في تلك الحروب المزيفة واللغة الخشبية في الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، الأرقام التي نسمعها عن حجم الرشاوي لا تكاد تصدق لكبرها مقارنة بأجور نمل الصحافة اليومي، وكم حلمنا بعدالة تعيد شيئا من الترتيب في عالم الصحافة الفوضوي، حيث تحتمي القطط الكبيرة بقوى خفية من القضاء والعدالة.

أنا لست متفائلا بتفكيك منظومة الفساد في الإعلام، لعدم توفر الوسائل الصحيحة ولا حتى مؤشرات النية الصادقة، وإلا لبدأت الحكومة ببعض المحسوبين عليها من فساد الصحفيين عبر العصور والحكومات، عندي أمل وحيد وهو ما أعرفه من جبن ونذالة الكثير من الفاسدين، حين يأتيه استدعاء من جماعة حرس العوينة، ويمشي تلك الكيلومترات المخيفة بين المباني وحيدا، يقرر من باب الجبن المتأصل فيه: “لا مش وحدي، تهبط الناس الكل تبحث”، إلا أنه أمل ضعيف، عادة يعتقد السياسيون الأغبياء أن الصحفيين الفاسدين قابلون للاستعمال مرارا رغم القذارة الفائحة حولهم، لأنهم ليس لهم سقف أخلاق ولا ولاء إلا للنذالة، والله أعلم.

حكّام يحكمون من “المهد إلى اللّحد”

صالح التيزاوي

عيد بأيّة حال عدت يا عيد ؟

سؤال يكرّر المسلمون طرحه على أنفسهم منذ أعوام عديدة، قد تكون قاربت القرن أو هي زادت عليه. كلّما خرجوا من محنة داهمتهم أخرى أشدّ وأنكى من سابقتها. رحل الإستعمار المباشر فقال أسلافنا: ها قد جاء الخلاص. ولكنّ الدولة الوطنيّة لم تكن أرحم بشعوبها من دولة الإحتلال. لا نستثني دولة عربيّة واحدة: حكم شمولي مطلق تغييب كامل لقيم المواطنة والحرّية، حكّام يحكمون من “المهد إلى اللّحد”.

استوت في ذلك الأنظمة الرّئاسيّة والأنظمة الملكيّة، الأنظمة اللّيبراليّة والأنظمة المحسوبة على الإشتراكيّة، الأنظمة المحافظة والأنظمة “الثّوريّة”. جميعها جارت على حقوق شعوبها وانتهكت كرامتها حتّى غدا الإستبداد “خصوصيّة عربيّة”. وكان حجم القهر من جهة الحكّام، وارتفاع وتيرة النّضال ضدّ الإستبداد من جهة المعارضين وأصحاب الرّاي وضحايا التّهميش، ينبئ بثورة قادمة. ظهرت إرهاصاتها في الجامعات وفي الإحتجاجات الشّعبيّة. وقد كان لتونس، هذا البلد الصّغير في مساحته وفي عدد سكّانه شرف تدشين عصر الثّورات العربيّة. وردّدت الجماهير العربيّة الغاضبة وراء الشّعب التّونسي في مصر وفي ليبيا وفي اليمن وفي سوريا شعار الثّورة الأبرز الذي يختزل عذابات الشّعوب العربيّة: “لا ظلم بعد اليوم”.

ويعبّر عن تطلّعها في أن تكون لها “الولاية” على حكّامها، وليس العكس. غير أنّ أعداء الأمس: قوى استعماريّة باغية وتوابعها من الأنظمة المسلّطة على رقاب الشّعوب العربيّة وزوابعها من
مثقّفي السّلطات والبلاطات، وكهنة “الأيديولوجيّات الثّوريّة” وأشباههم من “كهنة الدّين”، ممّن ارتبطت مصالحهم باستمرار الفساد، تكالبوا على ربيع العرب قمعا وقتلا وتشريدا كما في
الحالتين المصريّة والسّوريّة، وفجّروا حروبا أهليّة كما في الحالتين اليمنيّة واللّيبيّة. أمّا تونس، مهد الثّورة ومنطلقها ومفجّرة شتاء الغضب على العصابات الحاكمة فهي في “منزلة بين المنزلتين”، وفي وضع “شبه شبه” فها هي ثورة الحرّية والكرامة تقترب من طيّ عامها السّادس بنصف ثورة وبنصف نظام قديم، مازال يتحكّم في المسار. ومازال السّؤال مطروحا: عيد بأيّة حال عدت يا عيد” ؟

لماذا لا نعثر في برّ تونس اليوم على سياسيين “حقيقيين” ؟؟؟

عبد الرزاق الحاج مسعود

قبل الثورة كانت السياسة ممنوعة على كل من يدخل أجهزة الحكم،
وفي جهة مقابلة كانت السياسة مناكفة إيديولوجية لأجهزة الحكم المغلقة ومعارضة “برجوازية” تتحوّل في الغالب إلى “امتياز” يدلّ على وجاهة نضالية/ثقافية يحتكره “ثقفوت سياسي” حملته صدفة قدرية جامعية-نقابية إلى الاحتجاج على أصوله الاجتماعية الفقيرة. احتجاج لا يجوز ان يكون من خارج مرجعيات نظرية عتيدة تحدّد لصاحبها مواقف نهائية من قضايا المجتمع والكون والإنسان والماوراء.. وإلا أصبح تشويشا على الصراع الطبقي وتمييعا لقضايا الشعب…

أصول المناضلين الفقيرة وترساناتهم النظرية الصلبة سرعان ما تتحوّل إلى عقد نفسية مركبة مع أول “انسلاخ طبقي” بدخول أجهزة الدولة من باب الوظيفة الذي كان مشرعا وكريما. فكانت ممارسة السياسة تستمرّ لدى هؤلاء في شكل حروب “فكرية وسياسية” (كدليل صمود نضالي افتراضي) وهم منحنون على “كونتوار” حانة من حانات الشارع الرئيسي (التي لست بصدد تقييمها اخلاقيا هنا، فربما كان لها فضل ما في ولادة نصوص أدبية مهمة على هامش هذا الحراك النضالي الطريف).
هناك، كان المناضلون يراجعون يوميا التصنيفات التنظيمية والارصدة الثورية لبعضهم البعض، ويعدّلون تحديداتهم “العلمية” لطبيعة النظام والمجتمع على وقع ما يتساقط عليهم من شذرات أفكار تتيحها لهم “عادة” قراءة الصحف الفرنسية الناقلة لحروب اليسار في العالم.

في أواخر السبعينات استفاق “ثقفوت السياسة” من سكرتهم المطمئنة ومن حربهم “السوفت” مع النظام الذي كانت تتم في الغالب تحت سقف نقابي ضامن لحدود اللعبة النضالية أو داخل رابطة حقوق الانسان الناشطة في مربع حقوقي معلوم وآمن (ما عدا بعض الأزمات العابرة والمكلفة للبعض في الحقيقة) على زحف إسلام مسيّس “شعبن” السياسة وفتحها على “العامة”.. فكانت “الطامة”…
قبل أن ينتهي الأمر إلى “تأميم” و”تفجير” الشأن السياسي مع حدث الثورة وبعدها. طبعا اكتظّ المشهد وكثر المدلون بدلائهم في بئر السياسة حتى تكدّر و”تحرود” وأصبح وحلا يكاد يحجب ملامح السياسة والبلاد.

الآن…
انكشف فراغ أجهزة الحكم التي كانت مسوّرة بالخوف والجريمة،
وانكشف معها فراغ مخازن كل التنظيمات التبشيرية المسوّرة بالوهم،
وتمّ “تمييع” كل المعاني.

وحتى لا أكون عدميا،
لا أرى أفقا خارج الإفراط في الواقعية،
مواجهة الواقع في كثافته الحسية هي أعلى مراحل العقلانية المفضية لكل الحلول.
الحسّ هو بؤرة الحركة الخالقة للمعنى.

شعبنا المتوحش اللي يذبح في البعابيع

الطيب الجوادي

بونسوار، شعبنا المتخلف المتوحش اللي يذبح في البعابيع، بدون مراعاة أحاسيسها المرهفة
نحب نسألكم: انتم تحبوا أشكون يضحّي بيكم؟ علاش مالا تضحّيو باك الخروف المسكين، وتحرموه من عائلته وأصدقائه وزملائه في المدرسة؟
والله برابرة متوحشين، ما عندكمش ڤرام إنسانيّة، ما عندكمش قلوب، ما الفرق بينكم وبين الدواعش؟ ففف تتلذذون بذبح ذلك المخلوق اللطيف وتلتهمون لحمه بشراهة، متناسين أنه مخلوق مثلكم، وله مشاعر مثلكم، ويحب الحياة مثلكم !
من المفترض أن الحضارة قد ألانت قلوبكم القاسية وكسرت قشرتكم الصلبة وجعلت منكم بشرا بمشاعر وأحاسيس راقية!
يا برابرة العصر، اذبحوا بعضكم، ولا تذبحوا البعابيع.
وقتاش باش تولّيو حداثيين تقدميين، مستنيرين، وتسيبوا عليكم من العادات الهمجية ففف قداشكم mechants☠️?
وكتبه الطيب ولد هنيّة بربري متوحّش يموت على المشوي.