كلنا سعوديون

عبد الرزاق الحاج مسعود

على هامش “حدث” انتباه السعودية المفاجئ لباب الحداثة الكبير

يعرّف كانط التنوير بأنه القدرة على الخروج من العجز عن التفكير.
لذلك لا تثير فيّ الخطوة السعودية (السماح للمرأة بقيادة السيارة) السخيفة أكثر من ضحكة مرّة وأفّ ساخطة.
ولكن هل يحقّ لبقية العرب أن يفاخروا السعوديين بفائض حداثة وتقدّم؟
لا أظنّ.

حتى معاقل التحديث العربي الأول (مصر ولبنان وتونس) انتهت إلى شلل حركة التفكير الحرّ وهيمنة مرجعيات “فكرية” قديمة اتباعية مغلقة تختلف عن التكلّس السعودي الرسمي في الدرجة لا في النوع.
لن يدخل العرب كون الفكرة الحرة الجديدة عبر الثقوب الصغيرة التي أحدثها في تاريخهم بعض نبغائهم أو فرضتها عليهم الضرورة التكنولوجية المعولمة.
سيدخلون فقط من باب الحرية الذي واربته طفرة حلم أطلقته الغريزة وتحميه العقلانية.
عقلانية تختنق تحت وطأة الخوف من التفكير.

عاشوراء.. شكْرٌ ؟ أم نِياحةٌ ولَطْمٌ !؟

عبد القادر عبار

عاشوراء هو اليوم العاشِر من شهر المُحَرَّم وهو يوم من أيام الله التي صدق الله فيها وعده، لعبده موسى، بإهلاك فرعون وجنده غرقا، وهو بذلك يومٌ من أيام موسى عليه السلام.
وهو من الأيام المقدسة التي أمر الله موسى بأن يذكر بها بني إسرائيل “وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ”
فعاشوراء في الذاكرة اليهودية هو يوم نجاة موسى ومن معه من فرعون..

وقد وثق القران مشهد عاشوراء “المُوسَوِي” ان صح التعبير.. في سورة يونس وبأكثر تفصيلا في سورة الشعراء حيث قال فيها: “وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ. فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ. وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ. فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ”.
فقد جعل الله ذلك المشهد آية بالإشارة حيث قال “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً” لأنه مشهد أزهق فيه الباطل وظهر فيه الحق كمثل يوم بدر للمسلمين.. وقد عرف موسى قدر ذلك اليوم فصامه شكرا لله اعترافا بفضل الله عليه وعلى المستضعفين معه.

وعاشوراء عند المسلمين السنة هو يوم من أيام الله يصومه المسلمون اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وفرصة لتكفير ذنوب سنة ماضية كما جاء عن أبي قتادة فيما رواه مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية”.
وعاشوراء عند الشيعة هو يوم كربلائي متجهّم يذكّرهم باستشهاد الحسين.. يملئونه دماء ولطمًا. ونياحة.. تعبيرا عن نوع من التكفير لذنبهم الأبدي المتمثل في شعورهم بالتقصير في نصرة الحسين رضي الله عنه.. ؟

وكنّا إلى حدود الستينات من القرن الماضي، ونحن صبيان، في كل صبيحة يوم عاشوراء، نعيد أحداث كربلاء، فنتهيأ للمعركة بإشعال النار ليلا وفي الصباح نلبس الليف ونتقلد العصيّ سيوفا ورماحا ونبارز بعضنا.. نعيد بذلك مشهد الصراع الأموي الشيعي.. وكان ذلك من رواسب الدولة الفاطمية.
ولعاشوراء دلالات وإيحاءات نستلهمها من المشهد العاشورائي الموسوي لعل أهمها:
أهمية عبادة الشكر لله التي نحن مقصّرون في ممارستها رغم شعورنا بتفضّل الله علينا بواسع النعم ولهذا نرى الله سبحانه قد لمّح إلى هذا التقصير بقوله “وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” وقوله “قليلا ما تشكرون”.. والشكر لفضله وأهميته يسمونه “الحافظ” لأنه يحفظ النعم كما يسمونه “الجالب” لأنه يجلب النعم المفقودة، قال تعالى “لئن شكرتم لأزيدنّكم”.
أن الباطل منهزمٌ لا محالة ولو بعد حين، مهما تدجّج بالقوة والإعلام والسلطة والتحالفات ففرعون كان في جبروته الدولي في زمانه بمثابة أمريكا وفي رعب قوته العسكرية بمثابة “حلف الناتو” وفي ماكينته الإعلامية بمثابة الفضائيات المرتزقة.
أن الله مٌظهرٌ للحق ومُمكّن للمستضعفين مهما طال أمد الظلم ومهما تحرّش بهم الاستكبار وتنوع الأذى واشتد الحصار “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ”
أن للنصر أسبابه البشرية وخططه الإستراتيجية التي يجب أن يعدّها أصحاب الحق.. “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..” وموسى قد حث قومه وجمعهم وسرى بهم وضرب بعصاه وذلك ما هو متاح له.
أن الأسباب المادية وحدها لا تكفي إذ لا بد من استحضار المؤمنين لمعيّة الله سبحانه معهم، دليل ذلك قول موسى عليه السلام “قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” وقول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تحزن إن الله معنا”.
وعاشوراء، لأصحاب القضم والبلع والهضم، هو طبقٌ من الحلوى يُتَّخذ من قشور القمح واللَّبن والزَّبيب.

عاشوراء يوم لم تعرف له البشرية مثيلا

عبد القادر الونيسي

يحتفل المسلمون في عاشوراء بالصيام طاعة وشكرا لله الذي أنقذ موسى وقومه من عدوهم في مثل هذا اليوم.
نعظم هذا اليوم لأن شعبا انتصر على جلاده وعانق الحرية.
كل الشعوب في العالم تحتفل بحريتها وانتصاراتها إلا محمد صلى الله عليه وسلم وقومه يعظمون ويشكرون الله على نجاة وحرية غيرهم.
أي سماحة وأي رفعة وأي عظمة لهذا الدين.
إن كانت الأمم تحتفل بالأكل والشرب وهذا ما تميل له النفس فنحن نعظم هذا اليوم بالصوم وهو الصبر على الجوع والعطش إمتنانا لله على نعمة الحرية لطائفة من البشرية وحتى نغنم كذلك عاما من تكفير خطايانا. (صوم عاشوراء كفارة لسنة ماضية).
أمة تحتفل بالحرية يريدون تكبيلها وتكميم أفواهها وقهرها.
أفهم الآن لماذا داعش وأخواتها ولماذا فقهاء الخراب لسان الظلمة والمستبدين الذين يقبحون جمال وروعة هذا الدين.
نجحتم ولكن إلى حين.

“إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”

المنظومة التّربويّة: أسباب الفشل وآفاق التّجاوز (2)

صالح التيزاوي

تكشّفت مساوئ ونقائص الإصلاح التّربوي الذي قاده محمّد الشّرفي بوجوه يساريّة وتحت إمرة تجمّع الفساد والإستبداد في أوّل اختبار فعلي للمنظومة التّربويّة بعد تسع سنوات على انطلاقها، حيث كشف اختبار “النّوفيام” على تردّي المستوى التّحصيلي والمعرفي للتّلاميذ. ويرى خبراء وباحثون في علوم التّربية أنّ فشل الإصلاح التّربوي الذي قاده الشّرفي كان من أسباب فشله:

1. إنّ الإصلاح المذكور تمّ في أجواء استبداديّة خانقة، هي بداية سنوات الجمر، ففي الوقت الذي كان الشّرفي وأعوانه من اليسار الإستئصالي “يهندسون” الإصلاح التّربوي، كانت حملة بن علي الإسلاميين على أشدّها، لا تتوقّف.
2. إنّ الإصلاح وما رافقه من شعارات مثل “المواطنة” و”حقوق الإنسان”، كان الهدف منها إضفاء الشّرعيّة على نظام الإجرام النّوفمبري وتلميع صورته في الدّاخل والخارج. ولم تكن هناك إرادة حقيقيّة لتثبيتها في الواقع.
3. فشل الإصلاح لأنهّ لم يكن يهدف إلى تنمية الملكات النّقديّة للتّلميذ وإكسابه المهارات والخبرات الكافية التي تهيّئه ليكون على قدر من الفاعليّة والإيجابيّة في محيطه، وإنّما كان الهدف،
التّشويش على الهويّة العربيّة الإسلاميّة وتجفيف منابع التّديّن. يبرّر “يسار النّظام النّفمبري” مسلكه في الإصلاح بأنّ المدرسة ليس من مهامّها تعليم القيم الدّينيّة. ويردّ آخرون بأنّه ليس من مهامّ المدرسة أيضا تعليم النّاشئة ما يناقض قيمهم وهويّتهم وإكراههم على ذلك. وليس من مهامّ المدرسة أيضا الدّعاية للزّعيم وحزبه وتبييضه، فهذا تدنيس للمدرسة.

وحتّى لا تتكرّر أخطاء الماضي، ومن أجل تجاوز المخلّفات الكارثيّة للتّجربتين السّابقتين (إصلاح الشّرفي، وإصلاح ما بعد الشّرفي الذي انطلق سنة 2002، ولكنّه زاد الوضع سوءا لكونه خضع لابتزاز الجهات المانحة). ومن أجل النّهوض بمنظومتنا التّربويّة التي أصابها التّرهّل حتّى تستجيب لمقتضيات سوق الشّغل وانتظارات الشّعب التّونسي وجب التّفكير في توفير الشروط الموضوعيّة لإنجاح الإصلاح التّربوي الذي فرضته الثّورة.

ومن هذه الشّروط:
1. ضرورة الإنفتاح على التّجارب النّاجحة في العالم مثل: الصّين، فنلندا، سنغافورة، ماليزيا، ألمانيا، بعيدا عن وصاية الدّول الإستعماريّة وابتزازها.
2. ضرورة البحث عن نموذج تونسي يأخذ بعين الإعتبار أسباب الثّورة واستحقاقاتها، وفي هذا المجال يرى بعض الخبراء وجود تلازم بين منوال التّنمية والإصلاح التّربوي، إذ ليس من المتوقّع أن تزدهر المنظومة التّربويّة وتنجح في ظلّ منوال تنموي فاشل. هذا الأمر يستدعي الإسراع بتغيير منوال التّنمية، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون انتخابات محلّية وجهويّة. وبالتّأجيل غير المبرّر للإنتخابات المحليّة فإنّنا في حقيقة الأمر أجّلنا تغيير منوال التّنمية وأجّلنا أيّ نجاح نرجوه لمنظومتنا التّربويّة.
3. إنّ الإصلاح المنشود يجب أن يتّجه إلى “الكيف” وليس إلى “الكم”، وهذا يحتّم توجيه الإصلاح إلى إبراز الملكات والمواهب للتّلميذ بعيدا عن التّوظيف السّياسي والمتاجرة بمستقبل أبنائنا من خلال تضخيم نسب النّجاح بحثا عن شعبيّة زائفة، دون ملاءمة بين مخرجات العمليّة التّربويّة واحتياجات سوق الشّغل، كما حدث في حقبة المخلوع.
4. التّوجّه إلى الإصلاح في مناخ من الثّقة وعدم الرّيبة في أنّ طرفا ما يريد أن ينفرد بالإصلاح التّربوي، ويمضي فيه خدمة لمصالح حزبيّة أو أيديولوجيّة أو جهات مانحة.
5. اعتماد الشّفافيّة المطلقة في عمل اللّجان من حيث تركيبتها، ومحاور عملها، وأن تضع نفسها في تواصل دائم مع المربّين وعموم المهتمّين بالشّأن التّربوي لتفادي “إصلاح الغرف المغلقة” التي تذكّر بالمحافل الماسونيّة وبحكم الحزب الواحد.

القديم الذي لم يتغيّر… رأي للنّقاش

زهير إسماعيل

منسوب الحريّة المعمّد بدماء الشهداء غيّٰر حياتنا في مستوياتها المختلفة، ولا يهمّ إن كان بعض ما تغيّر لم يكن نحو الأفضل. حتّى القديم تبدّل وتأقلم مع مستجدّ الحريّة، وفي كثير من الأحيان كان هو الأكثر استفادة منه (عاجلا)، دون أن يضمن ذلك عدم تأثيره على طبيعة القديم ووجوده (آجلا).

لكن هذا لم يمنع بقاء بعض مكونات القديم في العتمة، ومنها اتحاد الشغل -قيادةً وسياسةً- فهو أحد أهمّ مكوّنات القديم التي لم تتغيّر. ولسنا في حاجة إلى التذكير بالمواقف والسياسات، إذ تكفي الإشارة إلى درجة الحذر والخوف والمداورة والنفاق في تعامل الأحزاب والشخصيات…الخ مع اتحاد الشغل وسياسته: تعامل هذه الجهات مع الاتحاد اليوم، صورة من تعاملها مع بن علي بالأمس. فهل يكون الاتحاد هو أحد مكونات النظام السياسي التي لم تتغيّر ؟
المهم هو أنّ طريقة التعامل هذه لا تنتمي إلى المشهد السياسي الحالي ولا إلى الحياة السياسيّة الجديدة ولا إلى المنظومة الديمقراطيّة. هي صورة من مشهد وحياة ومنظومة قد تتوفّر شروط عودتها،
ورغم ما تعرفه الحياة السياسيّة والحزبيّة من انهيار (سبر الآراء الأخير) ورغم الاتجاه الواضح إلى تقويض النظام السياسي وأساساته من هيئات دستورية وتعديلية، ورغم افتقاد منظومة الحكم لشرعيّتها، فإنّ المشهد السياسي مازال تحت سقف المنظومة الديمقراطيّة وتقاليد الحياة السياسية الجديدة ودستور الثورة.
المستقبل مفتوح على صمود المنظومة الديمقراطيّة كما انّه مفتوح على انهيارها، لكنّ وجود مكوّن من القديم خارج دائرة الضوء يمثّل نقطة الارتكاز حقيقيّة لاستعادة القديم، بعد ان كانت المهمة هي شطب شروط استمرار الجديد.

اتّحاد الشغل، منذ اغتيال فرحات حشّاد (1952) ومؤتمر صفاقس (1955)، اتجه لكي يكون جزءا من النظام السياسي ودولة الاستقلال المرتقبة، وحتّى الإضراب العام في 26 جانفي 1978 يمكن أن ينظر إليه من زواية صراع بين مراكز القوى داخل النّظام السياسي. وفي أحسن الحالات هو مواجهة بين الدولة ومجتمعها المدني الذي بنته. وهي مواجهة تختلف عن مواجهة الدولة مع “المجتمع الأهلي” (الهامش المفقّر المنتفض) والتي بلغت سقفها المواطني الاجتماعي ذات 17 ديسمبر. وفي مواجهة الدولة مع المجتمع الأهلي لا يمكن لـ”مجتمعها المدني” إلاّ أن يكون إلى جانبها، وقد تضطرّه السياقات إلى تغيير الأسلوب ولكن يبقى الجوهر هو الولاء لها ولنمطها المجتمعي (دور مهم للإيديولوجيات الشموليّة).

صرنا إلى شبه قانون يحكم علاقة الدولة بمجتمعها المدني: يظهر التناقض بين الجهتين عندما يكون المجتمع الأهلي ضعيفا (صدامات جانفي 78)، وحين يقوى المجتمع الأهلي وينتفض يكون المجتمع المدني أقرب إلى الدولة (تردد قيادة الاتحاد في الموقف من الانتفاض الاجتماعي الديسمبري، غير أن عنصر التسيس والوعي الاجتماعي قد يكونان من الأسباب التي تخرق جزئيا القانون المذكور: قطاع التعليم الثانوي كان متفاعلا مع الانتفاض ومطابه).

الانقسام ساحل/داخل، هو نفسه انقسام مجتمع مدني/مجتمع أهلي، وإنّ رأب الصدع يمثّل جوهر برنامج الجديد، في حين يمثّل استمرار الانقسام بمعادلاته التي استمرت ستين سنة، رغم الهزات، جوهر برنامج القديم. وهذه هي حقيقة الصراع الذي نعيش. لذلك فإنّ الفرز الأساسي اليوم يقوم على قاعدة رأب الصدع الاجتماعي وتوحيد البلاد باتجاه “المواطنة الاجتماعيّة السياديّة”، وعلى ضوء الموقف من هذه المهمّة يتميّز القديم من الجديد.
وسيكون لتوحيد البلاد اجتماعيا أثرا مباشرا على العمل النقابي والنضال العمالي في الرؤية والأسلوب والهدف.

عزيزي اللطّام: من حقك ممارسة فولكلورك الحزين

الأمين البوعزيزي

منذ البارحة يكاد حائط الفايسبوك أمامي يتحول إلى حائط مبكى ولطميات على الحسين!!!
بربكم من قتل الحسين ؟
أليس شيعته من خذلوه ووالده!!!
#أصل_الحكاية:
تعود مواكب الحزن الجماعي المنظم في بلاد العراق إلى زمن جلجامش فيما بين 3200 و3000 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. حيث كانت تجرى مواكب الندب والبكاء على إله الربيع تموز حيث كان الإعتقاد سائدا أنه ينزل في الخريف إلى العالم السفلي ويعود في فصل الربيع.
وكذا كان البابليون يبكون موت الإله مردوك الذي صعد إلى السماء فيبحثون عنه نائحين مولولين…
تغير المقدس وتواصلت طقوس اللطم والحزن الجماعي من تموز ومردوك وصولا إلى الحسين!!!
#عزيزي_اللطّام:
من حقك ممارسة فولكلورك الحزين؛ لكن ليس من حقك تحويله إلى جهل مقدس بإسم الإسلام.
ما معاوية ويزيد وعلي والحسين إلا مسلمين كانوا أقرب إلى روح زمانهم من جوهر القرآن.
اختلفوا في إدارة الشأن العام الذي سكت عنه الإسلام.
اكتفى القرآن بتقديم الثابت فيه (شروط الحكم) وسكت عن متغيراته (أشكال الحكم).
اشترط فقط العدل والمساواة أمام القانون وشورى الناس باعتبارها قيما في الحكم. وترك للمسلمين اجتراح أشكال الحكم المتغيرة وسيّجها بقيم خالدة.
كان الصحابة والتابعون أقرب إلى روح زمانهم (النماذج التفسيرية محكومة بالاطر الإجتماعية للمعرفة) واجترحوا أشكال حكم مشتقة من نظم الحكم في زمانهم (نظريات الحكم الإلهي والحكم بإسم العناية الإلهية) فقد احتج عثمان على الثائرين عليه قائلا “كيف تنزعوني قميصا ألبسنييه الله؟” وأعلن العباسيون أنهم ظل الله في الأرض…
المحتجون بإسم “الخلافة في قريش” كانوا يحكمون بإسم القبيلة؛ والمحتجون باسم الإمامة في آل بيت النبي كانوا يحكمون بإسم السلالة. في مخالفة صريحة لحكم القرآن “مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ”.
اعتقونا يرحمكم الله!!!
لا خليفة إلا الإنسان لتعمير الكون على قاعدة “لتعارفوا” وعلى قاعدة “فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”.
مواطنون مشتركيون متعارفون ذاك شرع الله في الأرض. إذ لا إله إلا الله.

تعديل نظام الحكم أم تخريب الإنتقال الديمقراطي ؟

عادل بن عبد الله

بعد النجاح “المؤقت” لرئيس الجمهورية وفريقه في تمرير قانون المصالحة الإدارية -هو نجاح مؤقت لأنّ من المتوقع سقوط هذا القانون بعد الطعن الذي قدمته المعارضة بتاريخ 19 سبتمبر 2017 أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين-، يبدو من تصريحات بعض قيادات نداء تونس ومستشاري ساكن قرطاج أنّ النية تتجه في الفترة القادمة إلى تغيير نظام الحكم من النظام البرلماني المعدّل إلى النظام الرئاسي. إنه أمر يحتاج إلى استفتاء شعبي عام، وهو ما يجعلنا على يقين من تجنّد الآلة الدعائية النيو-تجمعية لتشكيل رأي عام مساند لهذا “الانقلاب” السياسي وتسويقه بمفردات “الإصلاح” و”المصلحة الوطنية”.

لا شك في أن فكرة تعديل نظام الحكم تتأسس على حجج متفاوتة من حيث القيمة. ولكنها ترتد جميعا إلى حجة رئيسة هي ضرورة تجاوز الانسداد الذي يعاني منه الحقل السياسي بحكم التوازنات الهشة التي أفرزها النظام الانتخابي. وعوض تقديم مبادرة تشريعية تهدف إلى تعديل النظام الانتخابي المعتمد في الانتخابات البرلمانية والبلدية، فإن قوة الاقتراح التي تكاد تنحصر واقعيا في مؤسسة الرئاسة -وفي الناطقين باسمها داخل كتلة النداء وحلفائه- لم تر في القانون الانتخابي ما يستحق التعديل، اللهم إلا توسيع الصلاحيات المسندة إلى رئيس الجمهورية وتغيير نظام الحكم ذاته.

قد يكون من العسير على أي مراقب محايد للشأن التونسي أن ينفيَ هيمنة مؤسسة الرئاسة وتغوّلها واقعيا على رئاستي الحكومة والبرلمان. فرئيس الوزراء الذي هو الشخصية الأهم والأكثر نفوذا بحكم الدستور أصبح في عهد الرئيس الحالي مجرد موظف لا يختلف دوره عن دور الوزير الأول في عهد المخلوع بن علي، أما رئيس المجلس النيابي فإنه أقرب إلى التكنوقراط الفاقد لأي سند/مستقبل سياسي بعيدا عن رئيس الدولة وتوافقاته مع حركة النهضة ونفوذه الذي لا يُنكر داخل “العائلة الديمقراطية”. ولذلك من المنطقي أن نتساءل عن السبب الذي يجعل رئيس الدولة الذي يجلس واقعيا في أعلى هرم نظام رئاسوي -لا يختلف في شيء عن نظام المخلوع إن لم يكن أسوأ منه- يُصرّ على دسترة “واقع الحال” عبر تعديل نظام الحكم رغم ما يعنيه ذلك من توتّرات وتجاذبات هو في غنى عنها.

إن “شخصنة” الرغبة في تعديل نظام الحكم وربطها بالنوازع الاستبدادية لدى رئيس الجمهورية هو مسلك لا يمكن أن ينفعنا كثيرا في فهم الواقع السياسي التونسي. فحتى لو افترضنا ترشح رئيس الجمهورية لعهدة رئاسية ثانية فإنه لن يكون محتاجا إلى دسترة سلطاته. وهو ما يعني ضرورة التفكير في هذه المسألة بمنطق احتياجات النظام لا بمنطق رغبات الأشخاص. فإذا ما استطاع الرئيس الحالي احتكار السلطة -بل إفساد مسار الانتقال الديمقراطي بضرب كل الهيئات الدستورية والهيئات العليا وتدجين الإعلام والنقابات وأغلب مكوّنات المجتمعين السياسي والمدني-، فإن من سيخلفه في قرطاج يحتاج إلى قاعدة دستورية تُكرس انفراده بالسلطة وتساعده على إعادة إنتاج المنظومة السابقة وحماية مصالحها المادية والرمزية -وهو ما يحتاج إلى الإبقاء على النظام الانتخابي الحالي على حاله لتشتيت الأحزاب وضرب أي إمكانية لانبثاق “حزب حاكم” لا يحتاج إلى غيره ليحكم-.

مثلَ أي نظام تابع ومتخلف، يحتاج النظام التونسي للاستمرار بعيدا عن أي تداول حقيقي على السلطة. ولمّا كان النظام البرلماني المعدّل معطّلا لمركزة السلطة بين يدي جهة واحدة “موثوقة”، فإن تعديل هذا النظام في اتجاه العودة للنظام الرئاسوي يصبح ضرورة “وجودية” للنظام كله بعد غلق “معقّفي” الثورة. إننا أمام استراتيجية نظامية واعية تهدف إلى ضرب أي توجّه جدي نحو تحرير المجتمع من نوازع الاستبداد التي ستنشأ لا محالة من مركزة السلطة بين يدي شخص واحد، كما أننا أمام استراتيجية مدروسة للانقلاب على اللامركزية والحكم المحلي من جهة أولى، ولضرب السلطة التشريعية من جهة ثانية. وهو توجه عام يهدف إلى منع انبثاق أي بديل جدي من خارج المنظومة الحاكمة.

لقد عملت مؤسسة الرئاسة منذ تولي السيد قائد السبسي الحكم في 2014 على إفساد الحياة الحزبية من خلال انحياز الرئيس لابنه وتفتت النداء إلى “شقوق” كثيرة”، كما عملت هذه المؤسسة على إفساد النظام البرلماني المعدّل ومنعه من الاشتغال بصورة طبيعية بعيدا عن تدخلات القصر والمستشارين. بل يمكننا القول بأنّ رئاسة الجمهورية قد تعمدت في أكثر من مناسبة تأزيم المشهد السياسي و”تسفيه” المجلس النيابي وتتفيهه -وهو تتفيه لا يدّخر النواب أنفسهم جهدا في ترسيخه أمام الرأي العام-. ولا شك في أنّ ذلك كله كان يهدف إلى إيجاد قابلية شعبية أو حتى مطالبة شعبية بتعديل نظام الحكم ودسترة النظام الرئاسي لمصلحة النظام كله لا لمصلحة الرئيس أو ابنه حافظ قائد السبسي. فمركزة السلطة تساعد على استمرار النظام بعيدا عن التداول الحقيقي للسلطة، وهو مطلب نظامي قبل أن يكون مطلبا شخصيا.

مما يُروى عن الفاروق عمر بن الخطاب (رض) أنه قال: “نصف العقل معرفة ما يكون بما قد كان”. وقد يكون على التونسيين إذا ما ذهبوا للاستفتاء على تعديل نظام الحكم أن يسألوا أنفسهم الأسئلة التالية: هل توجد تجربة واحدة لنظام رئاسي عربي لم يتحول إلى نظام رئاسوي استبدادي؟ هل رئيس الدولة الحالي -الذي قاله سنة 2011 أمام “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة” أنه “يحكم بمفرده ولا يقبل أن يشاركه أحد الحكم” رغم أنّ شرعيته مؤقتة وهشة- هل هذا الرئيس يمكن أن يكون رئيسا لكل التونسيين أم إنه فقط مجرد واجهة سياسية للمركّب المالي-الجهوي-الأمني الحاكم قبل الثورة وبعدها؟ لماذا لا يُعدّل النظام الانتخابي الذي وضعه المشرّعون وهم محكومون بفوبيا “تغوّل النهضة”، ولماذا يحرص الرئيس وحزبه على ضرب الهيئات القضائية كالمحكمة العليا والمحكمة الدستورية وغيرها إن لم يكن يريد تدجين باقي السلطات التشريعية والقضائية واستلحاقها بمؤسسة الرئاسة؟

إنها جملة من الأسئلة التي قد يكون على الطبقة السياسية كلها -قبل عامة المواطنين- التعاطي معها بجدية. فالسيد الباجي قائد السبسي وحزبه لم ينجحا إلا باللعب على تناقضات الشركاء والخصوم وتوظيفها من أجل عودة المنظومة التجمعية للحكم. وقد يكون تعديل نظام الحكم لحظة مفصلية من لحظات الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي والعودة به إلى مربّع 13 جانفي 2011، ولكنه قد يكون أيضا لحظة مفصلية من لحظات استعادة ذلك المسار ومنع الانقلاب عليه بصورة لا تقبل التدارك إلا بكلفة دموية كبيرة.

عربي21

إرحمــوا موظّف قومٍ ذًلّ

منجي باكير

كمـــا كثير من الجماليّات التي اغتصبت وشُوّهت في هذه البلاد، فإنّ الوظيفة العموميّة بعد أن كانت عنوانا للبريستيج، تضمن قدْرا من العفاف والتعفّف لصاحبها وتغطّي عليه السّتر وتضفي عليه بعض -القدَرْ- فإنّها أصبحت لعنة ووصمة وماركة مسجّلة للفقر والطّمع والذلّ و -طياحْ القدرْ-، نعم هي الوظيفة العموميّة في القطاع العامّ في هذه البلاد..!

في الوظيفة العموميّة هناك نوعان من الموظفين، هناك موظّف -حافْ- وموظّف مغموس مغمّس… ومعناها موظّف عايش ومكتفي بالرّاتب (المحنونْ) وليس له أيّ دخل إضافي ولا عقارات ولا منقولات (شهرْ ما يخلط على خوه) وهذا موظف حافْ، أمّا الموظّف المغمّس فهو الذي احترف وأدمن التعامل بالرّشوة سرّا وجهرا وهو لا ينجز عملا ولا معاملة كبرت أو صغرت إلاّ متى قبض الثمن عاجلا غير آجل (وكلّ خطوة بأجرها)، هذا النّوع من الموظّفين أوّلا يتعامل مع شبكة عميقة سواء داخل مؤسّسته أو حتى خارجها (زملاء) والهاتف شغّال، ثانيا منهم من دخل باب الإستثمار و(الأفاريات) حتّى حوّل مكتبه ووظيفته إلى -مركز نشاط يبيع ويشري ويصبّ اللاّيتْ زادة- وهو الأوّل عنده أمّا مقتضيات الوظيفة والشغل في المرتبة الثانية…

الوظيفة العموميّة يا سادة، تشبه كثيرا عسكر زواوة مقدّم في الحرب موخّر في الراتب، الوظيفة العموميّة هي -ركيزة- معظم وغالب الشؤون الإداريّة والخدميّة و-ضامن- المصالح العامّة والخاصّة و-عجلة- الإقتصاد التي يجب أن تبقى في دوران مهما كانت الظروف والأحوال،،، غير أنّ الوظيفة العموميّة هاته هي محطّ أنظار الرّقابة حتّى على ضعفها وهي شمّاعة المواطن يعلّق عليها كل سَخطه ونقمته ويوعز لها كل أسباب تعبه وربما تعاسته، الوظيفة العموميّة أيضا هي العمود الأساس في ضرائب ومكوس الخزينة العامّة (القصّان من غادي لْغادي) ولا حسيب ولا رقيب بينما أباطرة المال والأعمال ومُلاّك الهناشر والعمارات و-البلاوات الزّرقة- لا تظفر من أكثرهم الدولة إلاّ ربما بالفُتات وببعض المصالحات -الحوْلاء-…

هي الوظيفة يا سادة (الإسم العالي و…)، الموظّفون هم الأصل وهم حجرْ الوادْ وجملْ الخدمة لكن هم وأزواجهم وذُريّاتهم ومن تبعهم بالضّرورة، دوما -يشفقوا ما يلحقوا- يعيشون على هامش وطُرّ المجتمع أبدا ما بقُوا..!

عائد من كرُدستان: إصرار أهل الدّار وغضَب الجِوار

سليم الحكيمي

بعد حضورنا ممثّلا عن صحيفة “الراي العام” في مؤتمر دولي.
صوّت اقليم كردستان بنسبة فاقت 72 % متجاوزا الفدرالية الاتحادية التي اقرّها الدستور العراقي سنة 2005، واتفاقية الحكم الذاتي الممضاة سنة 1970. بينما تتالت التهديدات بالعقوبات من حكومة بغداد التي رات فيما جرى غير دستوري ودعت الى ضرورة الانظباط لنقطة وردت في ديباجة الدستور العراقي تحوي: “الالتزام بهذا الدستور هو ضمان العراق موحدة”. فردت كردستان بانه وقع انتهاك 50 مادة منه دون رد من حكومة بغداد.

المظلمة الكُردية
تقوم المقاربة الكردية ان حق تقرير المصير طبيعي ومن باب ازدواجية المعايير ان يقع قبوله لشعب ورفضه لاخر. فقد تغيرت الحدود 643 مرة في كل من اوروبا بعد مؤتمر للصّلح سنة 1648 ولا يمكن للاكراد ان يظلوا اسرى تقسيمات جغرافية قديمة وُعدوا فيها زمن الدولة العثمانية بتاسيس دولة بعد استفتاء 1920. في حين تكونت دول خليجية اقل سكانا مثل قطر والامارات والبحرين والكويت… والكرد ليسوا في الماضي “العصاة” كما يُروى في ادبيات السلطة، وليسوا في الحاضر معنيين بدولة العراق الطائفية منزوعة السيادة من امريكا وايران منذ سنة 2003. إذ يرى المُلاّ بختيار، مسؤول المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني ومشرف لجنة الاستفتاء “ان الكرد قد جرّبوا كل الحكومات في المنطقة لمدة 96 عاما، منها 37 من الحكومة الملكية، و5 سنوات مع حكومة عبد الكريم قاسم، وسنة 1968 بانقلاب البعثيين الذي ترك حكمهم تدميرا عمرانيا وهشيما انسانيا، كان فيه القمع والابادة الجماعية الكيمياوي لحلبجة، فقتل 5500 كردي سنة 1988، تلتها ابادة من الجيش في “الانفال” سنة 1991. ليصدر بعدها قرار من مجلس الامن عدد 668 بتحديد منطقة امنة للكرد الذين يتوزعون اشتاتا: 6 ملايين في العراق و2 ملايين في سوريا و12 مليون بتركيا و10 ملايين بايران. توترت الاجواء مع بغداد التي قطعت الرواتب وخفضت الميزانية وتجاهلت مشكلة النفط والغاز وتناست تنفيذ المادة 140 من الدستور من خلال منع الاقليم من حصته القانونية في الميزانية وانتهت المواجهة بقرار اقالة ببغداد محافظ كركوك الدكتور “نجم الدين كريم” من منصبه ولكن اصر الاقليم على الرفض.

رغم ان اقليم كردستان هو الوحيد الذي يتمتع بسلطة حكم ذاتي في المنطقة، تتفق احزاب كردية، على ضرورة الاستفتاء. فالانفصال ورومانسية الدولة حلم هدهد أهداب الاجيال، توارثت عبر عقود قصص قمع الوحشي الحقيقية على الاجداد. وبين محاولة توظيف الاستفتاء للضغط على حكومة بغداد لتحسين شروط التفاوض معها حول مسائل عالقة، وحقيقة الرغبة في الانفصال، تعاقد الجميع: الحزب الديمقراطي الكوردستاني لمسعود البارزاني علماني الطراز الذي يضم قيادات شيوعية، والاتحاد الوطني الكوردستاني لجلال الطالباني اليساري العلماني المنافس الايديولوجي الصريح للتيار الاسلامي، والاتحاد الإسلامي الكوردستاني، اكبر الجماعات الاسلامية بزعامة “صلاح الدين محمد بهاء الدين” المتحفز منذ تأسيسه لتاسيس دولة، فهو عضو في اللجنة العليا للاستفتاء والمفوضية المشرفة عليه. وكان قد شارك في مجلس الحكم العراقي أيام “بول بريمر”. لم يستطع مجاراة تركيا رغم انه يعد من حلفائها، ولم يستطع الوقوف ضد توجه شعبي عارم للحفاظ على ما تراه تركيا مساسا بامنها القومي، البلد الوحيد في المنطقة التي يعيش فيها الأكراد بحرية مواطنين كاملي الحقوق ممثلين بـ 60 نائبا في البرلمان.

استنفار دولي واقليمي
رغم اقتراح فرنسي بانشاء نظام كونفدرالي يمنح الاقليم سلطات اوسع وحرية بيع نفط كركوك، على الرفض، اجمعت اوروبا والامم المتحدة وامريكا التي لم يقسم يوما منطقة نفطية، إذ من يحسم امر التقسيم هي الشركات العملاقة. بينما دعمت الاستفتاء دول خليجية كالامارات نكاية في تركيا وترضية لاسرائيل المتحمسة للانفصال وليس تعاطفا مع الكرد، ولكن الحدث كان اكثر وقعا على دول الجوار المباشرة المعنية التي تضم القوميات الكردية وخاصة ايران وتركيا في صراع استراتيجيات كبرى في المنطقة. ترى تركيا ان انفصال الاقليم سيقوي شوكة حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تحارب تركيا نزعاته الارهابية والانفصالية منذ سنوات. وتخشى انقرة كما ايران الهدف النهائي للانفصال بإقامة دولة مستقلة تغطي فيها الجغرافيا كل شَتات الديمغرافيا الكردية في الأراضي التركية والإيرانية والعراقية والسورية. توتّرت علاقتها مع البرزاني الذي يعد حليفها، الذي تنقَّل بجواز سفر تركي لسنوات.. في المقابل تدعم اسرائيل الانفصال بقوة، فقد كتب الصحفي تسفي برئيل، في صحيفة هآرتس “ان الاستفتاء هو رسالة إسرائيلية تحمل أكثر من مجرد الدعم القيمي للأكراد. مادامت تركيا تدعم حماس، ولا تراها منظمة إرهابية، فستتلقى ضربة قوية في داخلها، وأن من يؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، يستعد لأن تشجيع إسرائيل إقامة دولة كردية مستقلة”.

ولكن ما وجب الاقرار به :
1. البطش الذي ناله الكرد وفضلهم على الامة حضارة وعمارة. فقد عكس الاستفتاء اخفاق الدولة الوطنية القاهرة للاعراق والقوميات مقابل نجاح الدّولة-الامّة في الغرب الصاهرة لها. فالحلم الكردي الحقيقي بتاسيس دولة تقاطع مع احلام البرزاني الذي يصدر المشاكل الداخلية المتعلقة برئاسته لتعديل وضعه، حسب مراقبين، بالاضافة الى استكشافات حديثة تبين وجود كميات نفط وغاز في منطقة كِفري وكرْيمان المحاذية لاقليم كركوك، وحيتان نفط بغداد ليست اقل نَهما من حيتان كردستان التي يمكن ان تتحمل مسؤولية تقسيم العراق.
2. لا يمكن ان تقوم دولة ناشئة دون موافقة دول الجوار. وقيام اسرئيل في محيط رافض جعلها جسما غريبا في توجس دائم. فليس الحل في بناء الانفصال بل في بناء شروط استمراره. فالفورة القومية في يوغسلافيا التي جاء بها “سلوبودان ميلوزفتش” المتعصب انتهت بمطالبة جمهوريات يوغسلافيا السبعة بحق تقرير مصيرها بعد ان حاول ان يهمين على الفدرالية وبقية الجمهوريات واحتل اجزاء من البوسنة وكرواتيا. ولكن بعد ان استقلت وانقشع غبار الحرب، وجدت نفسها امام صعوبات اقتصادية واستحقاقات دولة لا تملك الموراد الكافية للايفاء بها. فلم تستطع “المونتنغرو” ان تمتلك مقومات الدولة بـ 1.5 مليون ساكن، ومقدونيا بـ 2 مليون ساكن. وتجربة تقسيم جنوب السودان سنة 2005 لم تبين وجاهة القرار، وكذلك دولة تيمور الشرقية الناشئة سنة 2002 التي ترسف في المرتبة 162 في معدل التنمية عالميا.
3. حق تقرير المصير ليس مبدأ تجريديا صرفا بل محكوم بالعامل السياسي الحاسم، وقيام الدول ينشا عن رغبة دولية في تركيزها، وهو ما تم مع دولة تيمور الشرقية بـ 300 الف مسيحي فقط بعد ان اُتنزعت من اندونيسيا، وكذلك شُُجع السوادن.
4. قد تلجا الحكومة العراقية بالاتفاق مع الحكومة الايرانية الى احداث شرخ في الجسم الكردستاني بمنح حصة الاقلي من الميزانية 17% الى محافظة السليمانية فقط. ويمكن للنظام الفدرالي الحقيقي والدولة العادلة على اسس جديدة ومواطنة حقيقية ان تجنّب صراع المركز والاطراف كما تجنبت دولة كنَدا انفصال اقليم “الكيباك” عنها، و”توزع بالسويّة وتعدل بين الرعيّة”. والكرد أحد أهم مقومات المنطقة العربية ولكن الحصول على هذه الحقوق في إطار الأمة أفضل من تحقيقها بمزيد من التجزئة التي تشرّع الابواب للانفصال لكل القوميات المشكلّة لفسيفساء المنطقة.

صحيفة الراي العام (التونسية)