التدين الشعبي و”مقاومة الإستعمار”

فهد شاهين

تحاول أحزاب اليسار العربي مستميتين إلصاق صفة المقاومة بنظام الأسد وبالتالي إلصاقها بأنفسهم.. لسبب جوهري وهو أن الشعوب العربية المتدينة هي التي تقاوم وهي التي قاومت الإستعمار.. والأحزاب اليسارية هي آخر من قاومته.
هذه هي القاعدة في الـ 100 عام الماضية.. تقول أن (المتدين) هو من يقاوم الإستعمار
ومن يحمل الفكر الماركسي واليساري والعلماني في الدول العربية وأفريقيا وأسيا يضعه الإستعمار في الحكم بعد أن يطرد أبناء الشعب الفقراء المتدينين تدينا شعبيا.

لنعود للتاريخ القريب…
ولنقوم بعملية جردة حساب في الـ 100 عام الماضية وسنلاحظ:
1. من قاوم الإحتلال الإسباني في الريف المغربي هو عبد الكريم الخطابي قائد متدين التف معه الشعب المتدين بفطرته.. نفس الأمر ينطبق على من قاوم الإستعمار الفرنسي في المغرب فجل من قاتل الإحتلال هم المتدينون والمتدينون شعبيا.
2. بدأ عبد القادر الجزائري مقاومة الغزو الفرنسي مستندا لقاعدة شعبية جماهيرية متدينة تدينا شعبيا صوفيا.. أما ثورة التحرير الجزائري فمن المعروف أن جمعية علماء المسلمين بقيادة عبد الحميد بن باديس هي مشعل الثورة الجزائرية.
3. في ليبيا انطلق عمر المختار أيضا بجماهير ليبية متدينة تدينا شعبيا.. قاتل واستشهد هو والالاف أمثاله دون أن يحظى بدعم مما يسمى تيار علماني أو يساري عربي.
4. في سوريا.. نفس المدن التي انتفضت ضد فرنسا هي نفسها التي تنتفض الآن ضد آل الأسد.. وهي مدن تحمل ومالزالت سمات التدين الشعبي.. فالغوطة وإدلب التي قاتلت فرنسا متئكة على جمهور عريض متدينة تدينا شعبيا هي من تقاتل الإستعمار والاستبداد.
5. يمثل الشيخ عز الدين قاسم حالة أكثر تطورا في التدين الشعبي لأنه امتلك نوعا من الايديولوجيا حينما قاتل الإستعمار البريطاني.. لأنه قد خرج من بيئة سورية متدينة تدينا شعبيا والتحق به عشرات السوريين والفلسطيين من نفس هذه الفئة وأورثوا الراية لمن بعدهم من الفلسطينين وبإسناد من الغوطة ودرعا والأردن بفئات شعبية متدينة تدينا شعبيا لم تسمع ولم تنتم يوما لايديولوجيا إسلامية أو ماركسية أو علمانية.
6. قاتلت أيضا الموصل والأنبار والفلوجة القوات الأمريكية منذ العام 2003 بشريحة مجتمعية عريضة متدينة تدينا شعبيا.. وهنا يمكن أن نرصد أن هناك من قاتل بلا ايديولوجيا دينية وهناك من انضوى تحت أحزاب الجهادية السلفية.
7. يمكن ضرب مثال أندونيسا وتونس على ثورات قادها علماء الدين ضد المستعمر (في أندونيسيا حركه علماء المسلمين هي من قادت الجهاد ضد المحتل (البريطاني والهولندي).. ولكن في تلك الحالتين سنجد أن الإحتلال قد أسس أحزابا شيوعية ووضعها في الحكم (أندونيسا) كمثال… وفي تونس تم تصنيع البرقيبية بشلكها الحداثي على أنها المكافئ السياسي للمقاومة المتدينة شعبيا التي وصفت فيما بعد بالرجعية والتخلف بل وقتلت معظم رموزها.
8. ما قبل زحف الايديولوجيا إلى عالم العرب سنجد أيضا أن من قاتل الانجليز في مصر وعدن والهند في أواخر القرن التاسع عشر ومن قاتل الاستعمار الروسي لجمهوريات اوراسيا الإسلامية جلها بل كلها قادها وشارك فبها المتديون شعبيا.
9. اشتراك فصائل فلسطينية ماركسية ويسارية في الثورة الفلسطينية منذ العام 1960 كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بنهوض اليسار العالمي ومناوئته لدول امبريالية بعينها في فرنسا كمثال (مظاهرات الطلاب) وكامتداد للإتحاد السوفيني أو كمقاومة متناغمة مع المقاومة اليسارية في أمريكا الجنوبية وفيتنام وعندما خفت أوار اليسار العالمي خاصة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي فقد اليسار قوته المحركة (الخارجية)… وانتقل من الكتف الروسي إلى الكتف الغربي كنشطاء جمعيات حقوق مرأة وطفل وإنسان وحيوان.
10. التدين الشعبي كان وما زال عاملا حاسما في أي معركة ضد الإستعمار… فدول إفريقيا جنوب الصحراء وقعت بسهولة تحت وطأة الإحتلال الفرنسي والبرطياني… وأينما وجد مسلمون في إفريقيا وآسيا جوبه بقوة أما الإستعمار الفرنسي تحديدا فقد أدام وجوده بتنصيب حركات يسارية في الحكم… هذا الكلام تكلم عنه بتوسع فرنتز فانون بكثرة في كتابه معذبو الأرض
لذلك شبيحة اليسار العربي في حقيقتهم هم من يخدم الإستعمار حاليا ليس فقط لأنهم لا يمكلون قاعدة شعبية لمواجهة بل لأنهم الآن من يحمي استثماراته لنهب ثروات الأرض العربية خاصة في أفريقيا.

نظرة الغرب للمسلمين عموما والعرب خصوصا

أحمد فال ولد الدين

كثيراً ما نستغرب الطريقة الذي ينظر بها الغرب إلى المسلمين عموماً والعرب خصوصا، وكثيراً ما نستغرب كذلك مناعة هذه النظرة وعدم قابليتها للتغيير، لذلك في كثير من الأحيان، اختصاراً للوقت وفتورا عن التحليل، نرجعها إلى «الإعلام» المعاصر وجهوده في إظهارنا بمظهر غير لائق نتيجة لخلافات سياسيةٍ ناتجةٍ عن قضايا معاصرة كثيرة من أبرزها قضية العصر: قضية فلسطين. لكن قضية فلسطين في الحقيقة نتيجة وليست سبباً. فقضية فلسطين (ومثلها قضية الاستعمار) سبقها الكثير من الكتابات التي تَشِي بوجود هذه النظرة منذ عهد بعيد.

فما الذي يجعل الإنسان الغربي بالطبيعة مستعداً لأن يظن كل الظنون بالإنسان المسلم أو العربي؟ وما الذي يجعل هذه النظرة هي الأصل وغيرها الشاذ؟

كوَّنَ الغربيون في وقت مبكر من تاريخنا صورة ذهنية ثابتة للإنسان المسلم (تاريخيا، هم لا يستخدمون كلمة «مسلم»، وإنما «الإسماعليي» أو «الوثني» أو «المحمدي»)، وتتجلى هذه الصورة في كثير من أدبياتهم التي كتبت في وقت مبكر من ظهور الإسلام من طرف بعض الرحالة والقسس والحجاج الذين كانوا يطوفون بلاد الإسلام لزيارة فلسطين. والغريب أنك عندما تقرأ ما كتبوه في تلك الفترة عن المسلمين ستندهش، لكأنك تقرأ لكاتب غربي معاصر نتيجة تشابه المصطلحات المستخدمة في وصف المسلمين. فالنظرة الغربية إلينا قديمة ضاربة في أعماق التاريخ لم تتغير رغم أنهم تغيروا، بل ظلت تتطور من سيء إلى أسوأ حتى وصلت ذروتها في أيام الحروب الصليبية والاحتكاك الذي وقع في شبه الجزيرة الإبيرية والذي انتهى بطرد المسلمين منها.

بعد أن تم طرد المسلمين من أوربا بفترة ليست بالطويلة بدأ عصر النهضة والانفتاح العلمي الذي ساهم في قلب المفاهيم في العالم الغربي رأسا على عقب. ولكن الأغرب هو أن عصر النهضة هذا عندما جاء غيَّر كل شيء، وقلب كل الموازين، إلا النظرة والصورة النموذجية للإسلام والمسلمين فإنها لم تتغير، أو كما تقول مؤلفة كتاب: (Muhammad in Europe) (محمد في أوروبا) تقول: «الملاحظ أن عصر التنوير والعقل فشل في تغيير هذه النظرة» (ص 4). وذلك ما يدعونا إلى التساؤل أولاً عن خصائص هذه النظرة وماهيتها ويدعونا بعد إلى استكشاف أسبابها.

نستطيع أن نوجز صفات الإنسان المسلم أو العربي في الذهنية الغربية في الخصائص التالية: هم دائماً يؤمنون أن الإنسان المسلم لا بد أن يكون:
1. متوحشاً
2. لا يحب الناس ولا يحبونه
3. عنيفاً بطبعه
4. غير متحضر
هذه الصفات أو المصطلحات تتراءى للقارئ البسيط وكأنها مفردات جديدة من قاموس القرنين الماضيين ُتوَصف بها الشعوب غير المتقدمة في العالم الثالث. من طرف العالم «المتحضر» بعد عصر النهضة. لكن القضية لا تبدو كذلك، فهذه النظرة وتلك الأوصاف قديمة متجذرة في النفس الغربية المسحية!

لعل السر الذي يكشف هذا اللغز ويفسر هذه النظرة العصية على التغيير يكمن في وجود نصوص من التوراة تتحدث عن إسماعيل وتصفه بهذه الأوصاف (باعتبار أن العرب هم «الإسماعليون»). ففي سفر التكوين (17-21) يتحدث الرب: «وسيكون إسماعيل إنساناً وحشياً، يعادي الجميع والجميع يعادونه، ويعيش في خلاف مع إخوته» (سفر التكوين 16-13). فالنبوءة التوراتية إذاً تفترض أن يكون إسماعيل وبنوه متوحشين وغير متحضرين، يعادون الجميع والجميع يعاديهم. لذلك لا يجد الإنسان الغربي صعوبة في الميل إلى أي متحدث يصف المسلمين بالتطرف ومعاداة الحضارة، بل إن هذه المصطلحات ستجد طريقها بسهولة ويسر مداعبة ذهنيته عن طريق لغة توراتية مفهومة، وسيجد الصعوبة كل الصعوبة في استساغة العكس. فإذا قام اليهود مثلا يشكون الإرهاب العربي الإسلامي يجدون التربة ممهدة أمامهم والتهم جاهزة. أو كما يقول الكاتب البريطاني ريتشارد افلتشرفي كتابه: (The Cross and the Crescent) (الصليب والهلال) متحدثاً عن النظرة المسيحية للعرب: «كان كل شيء هناك! إنهم (يعني العرب) كما وصفهم الكتاب المقدس» (ص 10).

فما دام الكتاب المقدس تحدث عن هؤلاء «الإسماعليين» ووصفهم بهذه الأوصاف وتنبأ كذلك بأنهم «سيُعادون الجميع» فالمشكلة إذاً فيهم وليست فينا! أو حسب العبارة المفضلة الآن لدى كثير من المسؤلين والإعلاميين في الغرب: “They hate us for who we are!”. «إنهم يكرهوننا لذاتنا».

ولكن الأغرب في المسألة هو وجود نبوءات توراتية في نفس السفر من الكتاب المقدس تتحدث عن إسماعيل حديثاً إيجابياً. فعلى سبيل المثال يقول الرب في التوراة متحدثا عن إسماعيل: «سأباركه وأجعله مثمّراً وأكثّره جداً… ويصبح أمة عظيمة» (التكوين 17-20). ويخاطب الرب كذلك إبراهيم ويبشره أنه سيبارك نسله من بعده. ومن الطبيعي أن إسماعيل ابن لإبراهيم وأن هذه النبوءة تنطبق على ذريته. لكن من أجل إعلاء العنصر اليهودي فقد وضعت نصوص أخرى تقيد «البنوة» لإبراهيم و«تخصصها» وُتخرج إسماعيل منها، إذ أن الله عندما يقول لإبراهيم “«ذريتك» فإنما يعني ذرية إسحاق. ففي سفر التكوين (18- 22) يقول الرب مخاطبا إبراهيم: «لكن عهدي أعقده مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت من العام القادم». وفي موضع آخر نجد: (التكوين21-13) «لا تنزعج بشأن الولد وبشأن جاريتك.(يعني إسماعيل وأمه) اعمل كما تقول سارة، لأنه عن طريق إسحاق يكون نسلك» (التكوين 18-19) فعبارة «النسل» احتكرها إسحاق وبنوه، وباحتكارهم لها فقد احتكرو كذلك «مباركة أهل الأرض بهم». إذ نجد في سفر التكوين أن الرب يقول: (19-18) «أنا لا أخفي عن إبراهيم ما سأفعله، فإنه سيكون أمة عظيمة وقوية، وبواسطته أبارك كل شعوب الأرض».

فإذا كان هذا هو قول الرب فإن المسلمين أو الإسماعليين لا يستحقون البنوة لإبراهيم. صحيح أنهم أباءه بيولوجياً، ولكنهم ليسوا أبناءه روحيا ولا معنوياً نتيجة للشر الذي فيهم والناتج عن بنوتهم لإسماعيل. فهذه النظرة وهذه النصوص التوراتية تفسر الكثير من العنصرية التي يعامل الغرب بها المسلمين، فهم دائماً في موقع «المستثنى». وهم تاريخياً وتوراتياً مستثنون من بنوة أبيهم لما هو كامن فيهم، ونتيجة لذلك نجدهم في هذا العصر مستثنون كذلك من القوانين الدولية والاتفاقيات لأنهم إرهابيون وقتلة و«أعداء للجميع»، لذلك لا تنطبق عليهم اتفاقيات حقوق الإنسان في كثير من الأحيان. أو كما يوضح ريتشارد فلاتشر: «من الممكن أن يوصف العرب بناء على هذه النظرة على أنهم أعداء للبشر بسبب نسبهم» (الصليب والهلال ص 10).

هذه النصوص وتلك النبوءات في رأيي سبب من أهم أسباب النظرة الغربية إلينا إن لم تكن السبب الرئيس أو الوحيد.

لكن السؤال المطروح هو: ما هي مسؤليتنا تجاه هذه المعلومات الخاطئة؟ وكيف نقدم أنفسنا بطريقة تدحض هذه الادعاءات؟ مسؤليتنا كعرب ومسلمين تتمثل في نقطتين:

الأولى: فهم تراث الإنسان الغربي، خصوصاً تاريخه قبل النهضة وعدم اختزاله، والنظر إلى العبء التاريخي الذي ينوء به كاهله، بداية بالنصوص التوراتية «الموضوعة» والمفسرة بطريق مُعوجة، مروراً بتقليص رقعة الدولة البزنطية على أيدي المسلمين و الحروبِ الصليبية فالغزواتِ التركية داخل قلب أوروبا، وفوق هذا وذاك التراث المسيحي المكتوب في هذ الفترة الطويلة الممتدة منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم وتأثيره على طريقة نظرة القوم إلينا، مروراً بالقضية الفلسطينة التي ساهمنا بطريقة أو بأخرى من خلالها على إثبات بعض هذه النظريات.

الثانية: إثبات زور هذه «النظرية» وعنصريتها، لا تأكيدها وتقديم الأدلة الميدانية عليها وتعميقها عن طريق تقديم القضايا العادلة بواسطة محامين فاشلين. علينا أن نثبت للعالم أننا أبناء لإبراهيم جديرون ببنوته، بل إننا ورثته الشرعيون الوحيدون.

وبعد، فقد آن الأوان أن نلغي فكرة «الإنسان المحايد» التي دائما ما ننظر بها إلى الأكاديمي الغربي باعتباره إنساناً قد تخلص من ماضيه وتجرد للحقيقة المجردة دون أي يكون للهوية أو التاريخ أو الدين عليه من سبيل.

كاتب أديب وصحفي موريتاني

الإسلام السياسي… من يحاربونه ؟ ولماذا ؟

إسماعيل بوسروال

1. تونس و التحولات الاستراتيجية العميقة
ما إن وضعت الأحزاب قائماتها للإنتخابات البلدية 2018 في تونس حتى انطلقت الحناجر الإعلامية المأجورة بالمال والعطايا والهدايا تصرخ وتولول تنوح من الصباح إلى المساء وطوال الليل… تندب الحظ العاثر الذي منع الأحزاب الحداثية الثورية التقدمية أن تكتسح الدوائر الإنتخابية تحت مفعول (القانون الإنتخابي)… كما صمم بعض القادة المنتدبين في النداء والمرسكلين إيديولوجيا على استعادة مشهد الحملة الإنتخابية 2014 بالتقابل (نداء/نهضة) استخداما للتصويت المفيد “la vote utile” من يريد معارضة (الإسلام السياسي) فعليه بمساندة نداء تونس… ورغم أن النهضة تصف نفسها بأنها (الإسلام الديمقراطي) -وفق قانونها الأساسي 2011 ووفق ممارساتها السياسية- فإن سيناريو المنافسة لدى بعض رموز نداء تونس (القطي – بسيس – حتيرة – …) يصر على استخدام مصطلح “الإسلام السياسي” معتقدين أنها (وصمة) فما هو الإسلام السياسي.

2. الإسلام السياسي
يتم استخدام مصطلح الإسلام السياسي حاليا للإشارة إلى الحركات التي (توظف الدين الإسلامي لأغراض سياسية) وفق المخابرات الغربية (أمريكا – أوروبا – إسرائيل) والدول العربية المحافظة.
لكن أصل المصطلح ظهر أثناء الحقبة الإستعمارية في القرن 19 للتمييز بين (الصوفية) وما تنغمس فيه من عبادات وهو إيجابي ثم تنتقل إلى الدروشة والموالد والإستعراض الفلكلوري باسم الأولياء الصالحين وبين تيارات المفكرين المصلحين الذين ينادون بأن الإسلام ليس (عبادات) فقط بل (معاملات) و (نظام حياة).
ويقصد بنظام حياة أي أنه صالح أن يكون أساسا لبناء مؤسسات تنظم الدولة والمجتمع -كما في أوروبا وأامريكا- لكن اعتمادا على مكونات الهوية المحلية والثقافة لوطنية إلى جانب القيم الكونية.
حارب الإستعمار البريطاني والفرنسي الحركات السياسية الإسلامية وكذلك القومية العربية وصنف الإصلاحية منها (بالإسلام السياسي) لافتا إلى ما تمثله من تهديد على الأنظمة العربية القائمة والتي أساسها العرش والملك وحكم العائلة.
كانت الحركات الإسلامية تنشد الإصلاح السياسي كمدخل لإصلاح المجتمع وكانت مزعجة للإستعمار كما أنها مزعجة لعملاء الإستعمار.
نشير هنا إلى الأدوار الإيجابية التي قام بها المفكرون جمال الدين الإفغاني ومحمد عبده ومالك بن نبي وإلى ما خطه عبد الرحمان الكواكبي في كتابه المرجعي (طبائع الإستبداد).

3. النهضة والتحديث
أمام الموطن التونسي فرصة تاريخية ليفصل بين مرحلتين: مرحلة ما بعد الإحتلال (1956) ومرحلة (التحديث والنهضة 2018)، حيث تتوفر في الساحة السياسية والثقافية كفاءات قادرة على بناء مجتمعي واقتصادي وسياسي متطور وحديت (التحديث) ويحافظ على نهضة في إطار الخصائص التونسية (الأسرة، العائلة، الأهل، الجيران) وقيم الأجداد (الصدق، الوفاء، الإتقان، الإيثار، التعاون…).

4. صراع الإنتخابات البلدية
من الآن عادت بعض الحناجر المبحوحة والمريضة إلى المربع الأول وهو (صراع الهوية) وهو موقف يدل على تصنيفهم بدقة هؤلاء هم (عملاء الإستعمار) علموا بذلك أو لم يعلموا لأنهم يتبنون مقولاته ومصطلحاته… إن المنافسة الإنتخابية تقوم أساسا على البرامج وهي السبيل إلى بناء دولة تونسية حديثة في إطار الهوية الوطنية.

في يومي الأول كرئيس للجمهورية

نضال السالمي

سأصدر أمرا بحلّ النقابات الأمنيّة.. فإذا آعترض الإعلام سأصدر أمرا بحلّ جميع المؤسسات الإعلامية.. فإذا رفض الإتحاد.. إذن، لا مفرّ: سأقوم بحلّ الإتّحاد.. وسأصدر قرارا نهائيّا بحلّ جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيّات الوطنية الرّافضة للقرار.. فإذا تظاهر الشّعب هو أيضا ضدّ القرار..

حينها، لا مناص.. سأُعلنُ حلّ الدولة.. وتسليح عموم الشّعب.. وأُلقي خطابا تاريخيّا أحرّض فيه الجميع ضدّ الجميع.. ثمّ أتسلّل لطائرتي الخاصّة تحت جنح الظّلام.. وفورا على الموزمبيق بلدي المُفضّل.

الغوطة.. مسؤولية من ؟ وما العلاج ؟

أبو يعرب المرزوقي

قد يعجب الكثير من قولي إن من يهدم مدننا ويقتل أطفالنا ويشرد نساءنا ويقطع أرزاقنا ويعتدي على حرماتنا أقل مسؤولية من الأجيال المتوالية منذ الفتنة الكبرى إلى الفتنة الصغرى ممن ساسنا ومنا لأننا قبلنا أن يسوسنا بمعنى أن يحكم وأن يربي دون أن يكون أهلا للحكم والتربية.
لذلك فأكثر شيء يؤلمني هو هذا التباكي والاحتجاج على الآخرين لعدم تحركهم من أجل حماية أبنائنا في الغوطة والكلام على النظام الدولي الظالم وتكالب الأعداء على السنة من كل مليشيات العالم وجيوشه التي تتناهش جسدا فسدت في أصحابه “معاني الإنسانية” فصاروا عالة على الغير.

يقول بن خلدون مفسرا “فساد معاني الإنسانية”: “وفسدت معاني الإنسانية التي له -من سيس بالعنف تربية حكما- من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين” (المقدمة الباب 6 الفصل 40).
هذا هو ما ينبغي أن يتهم وليس الأعداء لأن الله حذرنا في قرآنه الكريم بما لو احترمناه لما حصل ما نراه: الأنفال 60. ما يحزنني أكثر مما يجري رغم كونه يقطع القلوب هو ما أوصلنا إلى أن نكون كما يصفنا ابن خلدون: عيالا على الغير بإطلاق.
وحتى لو افترضنا أن بعض حكام العرب وبعض نخبهم كانوا صادقين فلن يستطيعوا النفير -وهو أمر مستحيل لأنه لا يوجد حاكم عربي واحد ذا سيادة تمكنه من أن يتحرك بما قد تمليه عليه الحمية- لأنهم جميعا ليسوا إلا حراس محميات حركاتهم مقيدة حتى في شؤونهم الداخلية فضلا عن السياسة خارج حدود محمياتهم.
ولو كان لهم ذرة من سيادة لما احتاجوا إلى النفير: كان يكفي مد الثوار بسلاح بسيط ضد الطيران وهو ما به أسقطت أمريكا السوفيات في إفغانستان لما أمدت به المجاهدين. وها نحن نراها تمد به ماركسيي الأكراد حتى تفجر الإقليم كله بتخريب أربعة دول محيطة فتستكمل مشروع الحرب العالمية الأولى.

قد لا يصدقني القارئ لو سمعني أقول إن ما أراه من رفع للأكف ودعاء ونداء واحتجاج على العالم اللامبالي بما يجري للسنة عربهم وأتراكهم وأكرادهم (من غير العلمانيين منهم) وأمازيغهم (من غير العلمانيين منهم) يؤلمني أكثر مما يجري للمسلمين بسبب هذه اللامبالاة التي لا أحمل العالم مسؤوليتها.
فاللامبالاة المسؤولة بحق هي لا مبالاة الأجيال الإسلامية المتوالية من الفتنة الكبرى إلى اليوم لأنها كلها وبلا استثناء أهملت شروط الإستعمار في الأرض والإستخلاف فيها بشروط الحريتين الروحية والسياسية فأصبحت علاقتهم بالطبيعة وبالتاريخ محكومة بما وصف ابن خلدون من فساد لمعاني الإنسانية.
ولست أقول ذلك لأخفف المسؤولية عن الجيل الحالي ولا حتى على الإنسانية من حولنا بل لأن الحاضر كما سبق أن بينت ليس هو إلى ثمرة التقاء أحداث الماضي وأحاديثها مع أحاديث المستقبل وأحداثه. فأحداث الماضي وأحاديثه أوصلتني إلى ما نحن فيه ولا ينبغي أن تبقى أحاديث المستقبل وأحداثه من جنسها.
رفع الأكف بالدعاء والتباكي والتنديد بالظلم في العالم كل ذلك ليس مما يمكن أن يفيد أننا اتعظنا بمآل ماض لم يكن له من دور إلى ما ينتج عن هذا الموقف الرافع للأكف بالدعاء والمتباكي والمندد بالظلم بلا نظر ولا عمل يعالجان أسبابه العميقة والتي حاولت وصفها عند الكلام على تعطيل الدستورين.

ومن الرجولة أن نعترف بأننا ننال ما نستحق. فمن لم يحقق شروط حمايته ورعايته فهو المذنب إزاء ذاته والمجرم إزاء أطفاله والخائن إزاء وطنه والكافر بقيم دينه والخانع للطاغوت التربوي الذي ألغى الحرية الروحية والطاغوت السياسي الذي ألغى الحرية السياسية وهما دستورا القرآن.
طبعا لا أقصد الأطفال والشيوخ ولا حتى الكهول من القادرين: فالقدرة ليست فردية في الأزمات الوجودية التي من جنس ما تعاني منه الأمة الإسلامية. إنها حصيلة كل التاريخ في مجالات شروط الحماية والرعاية. ولهذه العلة وجدت الدول التي هي صورة العمران بلغة ابن خلدون: أي وعي الجماعة بظرفها.
ولما كان من المستحيل أن نحاسب الأجيال السابقة على ما فرطت فيه فإن كلامي لا يتعلق بهم لمحاسبتهم أو لتحميلهم المسؤولية بل هو متعلق بأن الجيل الحالي بموقفه المتباكي والمحتج ورافع الأكف بالدعاء ما يزال في نفس الموقف وبنفس اللامبالاة بشروط السيادة التي هي شروط الحماية والرعاية.
لست ألوم حكام العرب ونخبهم عن عدم الفزعة لحماية أبنائنا في سوريا وفي اليمن وفي ليبيا وفي كل أرجاء دار الإسلام من مندناو إلى المغرب فهم لا حول لهم ولا قوة حتى لو تحركت فيهم النخوة -إن افترضنا أن لهم شيئا منها- لأنهم جميعا مقيدون ليس بإرادة المستعمر بل بتجاهل شروط السيادة الفعلية.
ومن يريد أن يفهم القصد بشروط السيادة الفعلية فليراقب أي قمة عربية. سيرى فيها نقائضها كلها. تراهم في انتفاشهم وكأنهم يمثلون إمبراطوريات وهم في الحقيقة مجرد غفراء في محميات صنعتها بريطانيا وفرنسا وحافظت عليها أمريكا من بعدها. فجملتهم حتى لو توحدت لا تساوي دويلة بمنطق العصر الحالي.

وفي الحقيقة ففي كل عصر الدولة هي قدرة الجماعة الواعية بنفسها التي تستطيع أن تحقق شرطي السيادة أي الحماية والرعاية. لكنها في هذا العصر خاصة باتت الحماية والرعاية مشروطة بعلاج العلاقتين العمودية مع الطبيعة بالنظر وتطبيقاته ومع التاريخ بالعمل وتطبيقاته: بعدا السياسة الواعية بالشروط.
الشروط إذن هي شروط النظر وتطبيقاته وشروط العمل وتطبيقاته أو السياسة ذات الاستراتيجية التي تهدف إلى توفير شروط السيادة أو الحماية والرعاية. والثانية شرط الأولى. فيكون شرط كيان الدولة التي تحقق ذلك أن يكون لها الحجم المناسب للعصر. لذلك سعت أوروبا لأن تتجاوز عداواتها الماضية لتتحد.
هذه دول أوروبا أصغرها دخله القومي الخام يفوق دخل المحميات العربية مجتمعة ومع ذلك فهي -رغم ما بين دولها من حروب آخرها حربان عالميتان- فهمت أن حجوم العصر -الصين الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي سابقا ثم الهند والبرازيل إلخ..- تفرض عليهم أن يحققوا هذا الشرط للبقاء.
وما قد يدفع المرء إلى حنق لا يقدر عندما يرى طراطير العرب يتفاخر بعضهم على بعضهم بأتفه الانجازات التي هي للبهرج ولخداع النفس وليس لها أدنى دلالة حضارية لأن الجميع يعلم اليوم أن دخولها الخام مجموعة دون الشرط الأول (النظر وتطبيقاته) فضلا عن الشرط الثاني (العمل وتطبيقاته).

ثم يحدثونك عن الحوار الاستراتيجي بين زيد أو عمرو منهم مع حاميه الذي هو غني عنه لأن ما بيده ليس بيده بل هو تحت حمايته هو ما يظن نفسها صاحبه. وأكثر من ذلك تجد من بينهم من يتفرعن فيهدم حتى الوحدات الهشة لمناطق عربية متجانسة وهي خمسة: الهلال والخليج والقرنان والنيل والمغرب العربي.
والأدهى أن هذا التمزيق لم يكفهم: ففي كل بلد عربي تجد نخبه بأصنافها الخمسة (السياسية والمعرفية والاقتصادية والفنية والرؤيوية) منقسمة إلى نوعين من المليشيات التقليدي منها يغلب عليه السيف والحداثي يغلب عليه القلم لكنهما كلاهما مليشيا يوظفها الأعداء لمزيد التمزيق لحد ما دون القبيلة.
والله لا يقبل الدعاء ممن لا يعمل بالتذكير الأخير أو الرسالة الخاتمة: لذلك فلا شيء يستفزني أكثر من سفهاء الدعاة الذين يؤيدون الطغاة ثم يرفعون الأكف للدعاء على الأعداء وهم مع طغاتهم أعدى أعداء الإسلام لأنه هم الذين عطلوا الدستورين وفرضوا التربية والحكم المفسدين لمعاني الإنسانية.

لست ناقصا أعداء من بين الصفين صفي المليشيات التي تدعي الأصالة والتي تدعي الحداثة. لكني لا أبالي بموقفهم مني. ما يعنيني هو أن يفهم الشباب بجنسيه أن ثورته إذا كانوا بحق مؤمنين بما طلبوا في الموجة الأولى ينبغي أن تتجاوز المباشر إلى غير المباشر من الشروط: لا حرية من دون شروط السيادة.
ولا سيادة للأقزام بين العماليق. لذلك فالشباب ينبغي أن يكون له نفس الطموح الذي كان لأجداده في النشأة الاولى: لا يمكن للاستئناف أن ينجح إذا لم يكن بمقياس النشأة الأولى. وهذا هو معنى الاستئناف. هدف الثورة تحقيق الحرية والكرامة وشرطهما هو إطلاق الدستورين والحجم المناسب للعصر.
وليس ذلك بالأمر الذي يتجاوز مستطاع شباب الأمة بجنسيه: فمثلهم من دون ما يوفره العصر لهم من تكوين وأدوات استطاعوا وهم قلة أن يغيروا تاريخ العالم فيحرروا الإقليم وما حوله مما كان يحول دون الحرية الروحية (الكنسية) والحرية السياسية (الحق الإلهي): الثورة استعادة هذين الحريتين بشروطهما.

الميليشيات المارقة عدوان على تونس

الأمين البوعزيزي

ما فعلته ميليشيات التعذيب المسلحة في محكمة بن عروس؛ إعلان انقلاب على دولة القانون (التي ينضبط فيها الجميع للقانون حكاما ومحكومين) حنينا منهم إلى منطق الدولة القانونية التي يتفصى فيها الحكام وأذرعهم المسلحة من الخضوع للقانون).

الشكل ممارسة متخلفة تحيل على الدول الفاشلة. – المضمون ممارسة من جنس عصابات الشبيحة التي يخطط عملاؤها في تونس إلى فرضها في تونس.
هذه الميليشيات المارقة عدوان على تونس؛ شعبا ودولة ووطنا ودستورا و ثورة.
هذه الميليشيات تم تسمينها بإسم مدنية الدولة على أيدي كهنوت العلمانجية.
العلمانية في تونس تعني أولا وأخيرا: تصفيد الميليشيات المسلحة.

✍الأمين.

الجميع سيصبحون رهائن

عبد اللطيف علوي

لن نتبارى مثل كلّ مرّة في توصيف ما حدث يوم أمس داخل محكمة بن عروس.

لا هي فضيحة ولا تمرّد ولا بونديتيزم ولا أيّ شيء.
هذا إعلان رسميّ عن دخولنا في عصر الميليشيات المسلّحة.
هذه الدّولة مطالبة أن تثبت أنّها دولة قبل كلّ شيء، وبعدها نتحدّث عن السّياسة أو الاقتصاد أو السّمّ الهاري…
مالم تقع محاسبة كلّ المتورّطين في غزوة المحكمة، وحلّ النقابات الأمنيّة، وتحميل المسؤولية الكاملة لوزير الداخلية رأسا، فإنّ الجميع سيصبحون رهائن لكلّ الغزوات القادمة.
لعن الله من صمتوا ومن صفّقوا يوم رفع الأمنيّون “ديقاج” في وجه المرزوقي والعريّض.
لعنهم الله وأخزاهم إلى يوم يبعثون!

#عبد_اللطيف_علوي

غير قابل للنشر: بيان المجلس أو “اللعب في الوقت الضائع” !

أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

لا أشك لحظة في أن البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقضاء حول أحداث المحكمة الإبتدائية ببن عروس لا يمكن أن ينطلي حتى على الذين أصدروه !

ومثلما تحول أعضاء المجلس على عجل إلى المحكمة المذكورة -على حسب ما قالوا- من الواضح أن البيان نفسه قد كتب على عجل !. الوقائع في دلالتها (أو رمزيتها) أخطر مما تصور المجلس وأفدح مما يحتويه البيان: لا أدري ماذا يقصدون بقولهم “وبعد معاينتهم لانتهاك حرمة المحكمة” فهل كانت “الحرمة” شيئا حتى يعاينوه أو جسما حتى يحرزوه ؟!
وحتى يستفيق المجلس من غيبوبته لابد أن يشرب “دواء الحقيقة” لكي يعترف وينطق بالحقيقة كاملة ! هناك فرق كبير بين تمثيلية القضاة في تشتتهم (وهو ما تفعله هياكلنا الخمسة على أحسن وجه!) وتمثيلية السلطة القضائية (وهو ما يحاول مجلسنا الموقر ان يؤديه!).
هل انتظرنا دهرا ودفعنا من دمائنا حتى يصدر لنا المجلس -دفاعا عن حرمتنا- بيانا بمثل هذا الضعف والقوة المتهاوية ؟!

أولا. ماذا قال المجلس في الأخير: هو مسؤول عن حسن سير القضاء واستقلاله والمجموعات الأمنية (التي رآها تحمل السلاح!) غير مسؤولة والسلطة التنفيذية هي المسؤولة عن تدهور الوضع الأمني وأن تلك الممارسات (التي لم يذكر منها غير حمل السلاح والتنقل بالسيارات) ضرب لاستقلالية السلطة القضائية وأسس النظام الجمهوري الديمقراطي.
والأهم من ذلك هو دعوته للقضاة (المحاصرين) حتى يتمسكوا باستقلاليتهم واتخاذ قراراتهم بمعزل عن مجموعات الضغظ والنفوذ (هكذا وردت وهي تعني اللوبيات في سياق سياسي!).
وسؤالنا الأكثر بداهة: هل كنا نحتاج إلى مجلس (يعد 45 عضوا) حتى يقول لنا ذلك ؟! وهل قدر الأعضاء الممثلون للسلطة أن تحولهم على عين الأحداث يزن بقدر موقع السلطة القضائية في ذلك النظام الجمهوري الديمقراطي ؟!
وماذا بقي -بعد هذا البيان- لجمعية القضاة ونقابتهم وجمعيات المجتمع المدني حتى تقول؟! هل يفكر المجلس بذهنية الشريك في الدولة وممثل السلطة الثالثة (في مواجهة أعوان الدولة المتمردين) أم بعقلية الناصح والمدافع عن القضاة (المساكين!) في مواجهة السلطة التنفيذية ؟!

• ثانيا. المجلس -الذي تحفظ عن ذكر التجاوزات- لم يسم الأشياء بأسمائها وأبرز فقط وفي صيغة عامة مسؤولية “مجموعات من الأمنيين” فضلا عن مسؤولية السلطة التنفيذية وكيانات أخرى سماها مجموعات الضغط. في حين دعت نقابات بعينها (نقابة موظفي الإدارة العامة للأمن العمومي) في بيانات منشورة إلى الإستنفار والتمرد و”عدم مغادرة أسوار قصر العدالة إلى حين الإفراج عن المتهمين وإلى عدم المثول مستقبلا أمام الجهات القضائية بخصوص القضايا المرتبطة بممارستهم لمهامهم الأمنية”!.

• ثالثا. نلاحظ بدهشة أن المجلس قد أسقط أي اعتبار للتعامل الواقعي مع تلك الأحداث الخطيرة عندما اختزل موقفه في بيان هو أقرب للمواعظ الأخلاقية !. فهل كان من المتاح لممثل السلطة القضائية أن يقتحم دائرة السلطات الأخرى وأن يستدرج -في تحرك فاعل- وزير الداخلية ووزير العدل ورئيس الحكومة ورأس الدولة وحتى رئيس البرلمان ؟!

رابعا. لابد أن الجميع قد لاحظ تشبث المجلس (ربما أراد انتهاز الفرصة!) بمقترحين إثنين رآى من المناسب عرضهما على السلطة التنفيذية في “قلب الأحداث” وهما تعزيز أمن المحاكم وإخضاع هذا الأمن للسلطة المباشرة للمشرفين على إدارة المحاكم”.
فهل يبدو هذا ملائما لدور سريع كان على المجلس أن يؤديه والمحكمة ترزخ تحت حصار مطبق؟!

• خامسا. لا شك أن القضاة وقاضي التحقيق بالذات كانوا في أشد الحاجة إلى حضور المجلس. فهل كان قاضي التحقيق المتعهد بالملف -وهو ينظر في جوف الليل وتحت الحصار الأمني في تلك القضية ويطلق سراح المحتفظ بهم- على وعي بقوة ذلك البيان وحتى بوجود المجلس أصلا ؟!

لماذا هذا التردّد ؟

زهير إسماعيل

اجتمعت في سيرة بعض النقابات الأمنية منذ تكوينها الأسباب الكافية لتجعل من إعادة النظر في فكرة النقابات الأمنية مطلبا حزبيّا وشعبيّا ومن فكرة حلّها ملفّا سياسيا وقضية قانونية من نظر الحكومة (المؤسسة الأمنية) والقضاء، على صلة بما حصل من تجاوزات.

لماذا لا تبادر الأحزاب والمنظمات وقوى المجتمع المدني في هذا الإتجاه وتكتفي في بياناتها بتوصيف الحالة مشفوعة بتنديد واستنكار وهلم جرًّا ؟
لماذا لا تبادر كتل نيابية في مجلس النواب بطلب جلسة تقيّم فيها تجربة النقابات الأمنية منذ نشأتها وبالتوثيق المطلوب، ويُدعى لها كل المعنيين، في جلسة علنية لتوضح الصورة؟
لماذا لا تبادر كتل نيابية في مجلس النواب بعرض مشروع قانون في الغرض، بعد كل هذه التجاوزات الخطيرة، انتصارا للدولة ولمؤسساتها وللأمن الجمهوري بمرجعيّة الدستور ؟
لماذا كل هذا التردّد؟
فإمَّا أمن جمهوري يحمي الأفراد والممتلكات والمؤسسات ويسهر على تطبيق القانون، في إطار ظروف عمل توفّر للأمنيين شروط العمل الجيّدة والحياة الكريمة والدخل المجزي للنجاح في هذه المهمة الشاقة والنبيلة، أو لتعمّ البلطجة والعربدة والمظاهر الميليشياوية ويتفاقم التطاول على الدولة وافتكاك دورها وتهديد وجودها، لكي ترفع عن نفسها تهمة أنّٰ بنيتها قد تكون منتجة للبلطجة… إذا لم يتم هذا لا عبرة، حينئذ، بالعناوين والمسميات، ولا معنى للجدل والمناكفات.