العدالة الإنتقالية بين إلتزام الدولة ونكران السياسيين

أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

تعتبر الإرادة السياسية ممثلة في السلطتين التنفيذية والتشريعية من الشروط الجوهرية لتحقيق العدالة الانتقالية وذلك بالنظر الى أنّ القوانين والتدابير والإجراءات لا يمكن تفعيلها وضمان تنفيذها خارج الإرادة السياسية التي تبقى المحرك الرئيسي لمسار العدالة الانتقالية.
وفضلا عن ذلك فإن علوية القانون -بمعنى الخضوع لأحكامه سواء من قبل الحكومة أو موظفيها- وكذلك استقلال القضاء -لدوره في ضمان معايير المحاكمة العادلة- يعتبران من الشروط المطلوبة في هذا السياق لتطبيق منظومة العدالة الانتقالية.

وقد ظهر في الأزمة الأخيرة -التي لازالت تطوق هيئة الحقيقة والكرامة- أن من أهم المعوقات التي تحد من فاعلية العدالة الانتقالية هو غياب الإرادة السياسية -في هذا المجال- لدى عدد من ممثلي السلطة التشريعية (إن لم يكن الأمر متعلقا بعداوة راسخة لدى بعض النواب!).
ولايخفى أن أزمة التمديد في أعمال الهيئة -التي افتعلها تحالف الأحزاب التي لا تنكر ارتباطها بالتجمع المنحل!- لم تكن إلا ذريعة “للإنقلاب” على المسار بأكمله والحيلولة دون إستكمال أعمال الهيئة وصياغة توصياتها.
ويمكن أن نتبين أن غالبية الفاعلين في تلك الأزمة البرلمانية قد ارتبطوا -إما فكرا وإما ممارسة- بالنظام القديم (هذا إن لم يكن بعضهم من المنتمين سابقا للتجمع والداعمين له).
ولعل الدور الذي لعبه السيد محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب في هذه الأزمة يبرز -لا فقط غياب الإرادة في دفع مسار العدالة الإنتقالية- بل يكشف تحاملا غير مبرر وتجردا عن الحياد والموضوعية في شأن مصيري وخطير.

ويجب التأكيد في هذا الخصوص على الحماية الضرورية لمسار العدالة الإنتقالية التي أقرها الدستور وما يقتضيه من أن الدولة تلتزم بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية (الفصل 148).
وفي ضوء ما قدمناه يرد التساؤل الأساسي هل أوفت الدولة بما التزمت به أم “أخلف” ممثلوها عهدا قطعه الدستور على نفسه !؟
لاشك أن ممثلي الدولة قد أظهروا -مع البداية الفعلية لمسار العدالة الإنتقالية سنة 2014- “اهتماما” يتراوح بين التخلي والعدائية والتجاهل! فضلا عن تأجيج الصراعات الداخلية لهيئة الحقيقة والكرامة التي ساهمت في إضعافها، من ذلك:
أن رئيس الدولة (السيد الباجي قائد السبسي) قد أطلق -حتى قبل انتخابه- تصريحات حادة ضد مسار العدالة الإنتقالية وتعهد بحل هيئة الحقيقة والكرامة بدعوى أنها تؤسس لمنطق الإنتقام والتشفي.
وبعد توليه تم منع الهيئة من قبل نقابة الأمن الرئاسي من دخول قصر قرطاج ونقل الأرشيف الخاص بالرئاسة.
كما قاطع الرئيس الحالي جميع الجلسات العلنية التي نظمتها تلك الهيئة ولم يسبق له أن كلف من ينوبه لحضور تظاهراتها.
كما لم يشرف على أي نشاط يرتبط بذلك، وهو يعتبر مسار العدالة الانتقالية مسيسا ومناقضا لتوجهاته ويساهم في تقسيم التونسيين.
وقد سعى إلى إقرار آليات موازية للمسار الذي تبناه القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة وتنظيمها. وقد اقترح لهذا الغرض مشروعا للمصالحة الإقتصادية إعتبره قطاع كبير مدخلا لتبييض الفساد وضرب العدالة الانتقالية. وقد كان إصرار رئيس الجمهورية على مشروع المصالحة -رغم المعارضة الواسعة- وراء المصادقة على قانون المصالحة في المجال الإداري.

أن رئيسي الحكومتين المتعاقبتين -السيدان الحبيب الصيد ويوسف الشاهد- قد إمتنعا من جهتهما عن حضور الجلسات العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة وتظاهراتها.
كما اصطدمت الهيئة بصعوبات كبيرة عند طلبها النفاذ إلى الأرشيف المحفوظ ببعض الوزارات (كوزارة الداخلية) أو بعدد من المؤسسات العمومية الراجعة بالنظر إلى المصالح الحكومية فضلا عن العراقيل وعدم التعاون من قبل بعض مصالح الدولة والهيئات العمومية (كالمكلف العام بنزاعات الدولة والأرشيف الوطني).

كما أن وزراء العدل في حكومات النداء لم يتحمسوا لإرساء الدوائر المتخصصة للعدالة الإنتقالية (بالمحكمة الإبتدائية المنتصبة بمقار محاكم الإستئناف) التي بقيت إلى الآن حبرا على ورق بل لم يساهموا بأي وجه في تكوين القضاة الملحقين بتلك الدوائر. وإضافة لذلك فإن بعض الهيئات القضائية (كالقطب القضائي المالي والمحكمة العسكرية) لم تظهر إستعدادها للتعاون مع هيئة الحقيقة والكرامة بشأن بعض الملفات المنظورة لديها.

فهل كان على الهيئة أن تشكو تقصير الدولة ونكران ممثليها وأن تتحمل فوق ذلك ضغوط الضحايا ووقاحة الجلادين؟!

لنتحدث عن ضحايا الإعلام العمومي

كمال الشارني

أنا الآن أكثر حرصا من أي وقت مضى على وجوب أن يتم التعيين على رأس مؤسسات الإعلام العمومي مقابل أهداف واضحة: “خويا هي غارقة، تفقد كل يوم المزيد من مصداقيتها وجمهورها”، على الأقل، تتعهد لنا أن لا تتركها في وضع أكثر سوءا مما وجدتها عليه. أوكي ؟

الأصل في التعيين في القيادة، أن يكون للمترشح خطة لتحسين ما هو حسن أو عادي، أعرف كثيرين بإمكانهم صنع ربيع الإعلام العمومي وعودته إلى الصدارة، لم يترشحوا، إذ لعدم الجدوى، الخطة يجب أن تكون ممن له الاختصاص والتجربة وأيضا مفصلة للمحاسبة والتدقيق كل ثلاثة أشهر: ماذا حققت من وعودك ؟ في المقابل تكون له حصانة لمدة عقد الأهداف ضد التدخلات والذين يستمدون قوتهم من خارج المؤسسة، وضد أذون التسخير الشفوية والهاتفية، غير ذلك، عقود الغرر بالمراكنة والولاء و”سماع التعليمات” المسماة “كفاءة البهامة” ستراكم الفشل والديون والخيبة على مؤسسات الإعلام العمومي، إلى أن يفقد أحدهم صبره يوما، فتصابون بالذهول بسبب حجم الفساد وسوء التصرف، وتستسلمون لبيع الإعلام العمومي قطعا، لنتحدث عن الضحايا من الآن إذن.

الخمينية والوهابية وجهان لبداية أفول العملة الثيوقراطية الواحدة

أبو يعرب المرزوقي

سأعود إلى المحاولة في «البنية الكونية لكل مقومات الإنسان الوظيفية». لكني الآن أريد بسرعة علاج مسألة محيرة وهي وحدة الخمينية والوهابية بالتعاكس في وظيفتي الديني والسياسي وهي تعاكس يمكن تسميته بنوعي الثيوقراطيا الشيطانية والحمارية في تاريخ البشرية.
وكلتاهما جمعت السلطتين المادية والروحية في السياسي لكنهما فعلاه بالتعاكس. فالشيطاني ضم القوة المادية الفعلية للدولة إلى الخدعة الروحية وخلق بجانبها خدعة سياسية لا سلطان فعلي لها وهي الحكومة التي تبدو ذات شرعية شعبية بالانتخابات التي يتحكم فيها بتعيين المشرحين وبالتزييف عند للزوم.
ولا أستعمل الشيطاني إلى بمعناها الشعبي أي الذكاء الخبيث ويقابلها الحماري. والحماري عمل العكس أبقى على القوة والسلطة المادية بيد ما أخضعه الخميني للخداع الروحي حتى تكون له شرعية شعبية في العقيدة الشيعية وهي شرعية الوسط والوصي وعكس فأفرغ الخداع الروحي من كل سلطة وجعله تابعا ذليلا.

وفي الحقيقة كلاهما قام بنفس العمل وإن بتعاكس: كلاهما أفقد أصل الشرعية السلطة الفعلية وضمنها إلى مافية تحكم باسم الاستعمال المافياوي للدين وللشرعية الشعبية. لكن الخميني غطى هذا التحيل بلعبة الديموقراطية الموزية إزاء جمعه بين السلطة السياسية الفعلية برقعها الديني في ولاية الفقيه.
أما الوهابية فعكست جعلت البرقع الديني في وضعية الخدعة الخمينية الديموقراطية لأنها تعتبر ممثلة للإرادة الشعبية بعد أن صارت مجرد خدعة لأنها في الحقيقة لا حول لها ولا قوة مثلها مثل «ديموقراطية» الخميني. الشيطان جمع بين المذهب والقوة والحمار أخرج المذهب من القوة.
وإذن فستكون غاية الخمينية التحول إلى وهابية لأن السلطان الذي بيد الولي الفقيه ليس تابعا له إلا في البداية وما أن يتمكن سيقلب العلاقة ويجعل الولي الفقيه تابعا له: مافية حرس الثورة هي التي ستحكم مثل مافية النظام السعودي. والديموقراطية لن تبقى موزية لأن الشعب سيسترد سلطانه.
وستكون غاية الوهابية التحول إلى خمينية لأن السلطان الروحي الذي بيد علمائها لن يبقى تابعا للمافية الحاكمة بل هو سيثور عليها وسيكون الشعب معها لأنه ذاق الامرين من المافية الحاكمة وهي بدأت تساعده بذلك بمحاربته ولما كانت لتفعل لو لم تكن قد شعرت ببداية الظاهرة: معنى الحرب الاخوان.
فالإخوان لا يختلفون عن علماء الوهابية الإصلاحيين في شيء لأنهم صاروا مثلهم يؤمنون بأن الإسلام لا يريد حصر دوره في العبادات وتأييد المستبدين والفاسدين من الحكام الأغبياء والأميين. وإذن فالحرب ليست على الإسلام دون تعيين بل على الإسلام الذي بدأ في السعودية يفهم طبيعة الثورة الإسلامية.

لكن التماثل العكسي يقف عند هذا الحد. ذلك أن من يفهم ثورة الإسلام يعلم أن الديني في السياسي ليس سلطة مضاعفة له بل هي قيم السياسي ذاتها. فالسياسي هو طرق تحقيق الديني عندما ندرك حقيقته: وحقيقته كما في القرآن والسنة هي الحرية الروحية (علاقة بالخالق) والحرية السياسية (علاقة بالآمر).
والعلاقة بالخالق هي النظر والعقد والعلاقة بالآمر هي العمل والشرع. وهذه الوظائف الاربع شخصية بإطلاق ومن فهي فالأولى نسبها الله إلى الفرد بإطلاق في سورة العصر لأنها شرط الإيمان والعمل الصالح والثانية نسبه إلى المشاركة بين الأفراد فيها لأنها شرط التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ولذلك فالحرية الروحية تلغي الوساطة والحرية السياسية تلغي الوصاية. فمادام الإنسان من حيث هو إنسان له قدرة النظر والعقد وقدرة العمل والشرع فلا يمكن أن يكون لاحد على أحد حق الوساطة أو حق الوصاية بل الجميع ينبغي أن يتصف بالإيمان والعمل الصالح وأن يشارك في التواصيين حقا وصبرا.
وإذن فاتجاه الخمينية نحو الوهابية ثم اتجاه الوهابية نحو الخمينية هو في النهاية اتجاه الجميع نحو الاخوانية التي هي المرحلة قبل الاخيرة نحو التحرر الروحي والسياسي من الخمينية والوهابية والعودة إلى قيم الإسلام التي وصفت والتي هي مضمون العصر والشورى 38وغايتها النساء 1 والحجرات 13.

وهذا يعني أمرين:
1. تحقق قيم القرآن أو الحريتين الروحية والسياسية والتحرر من التحيلين عليهما أي التحيل الشيعي والتحيل السني في علاج العلاقة بين الشرعية والشوكة.
2. تحقق الدليل التاريخي على أن الإسلام هو مستقبل الإٌنسانية لأن الغاية هي النساء 1 والحجرات 13.
فالإنسانية اتحدت ماديا لكنها ما تزال تعمل بغير النساء 1 والحجرات 13. فهي لم تعترف بعد بأن البشر اخوة (من نفس واحدة) وأنهم متساوون ولا يتفاضلون إلا بالتقوى (الحجرات 13) ما يعني أنها ما تزال غير مؤمنة بالحريتين الروحية والسياسية لأن الوساطة والوصاية ما تزالان موجودتين.
كانتا تعملان بتوظيف مفهوم الله أو الدين غطاء على مافيتين لا علاقة لهما بهما أنهما هما هامان وفرعون وصارتا تعملان بتوظيف الإنسان والطبيعة عطاء على مافيتين لا علاقة لهما بهما وهما صاحبا العجل خواره ومعدنه: والعمل الأول هو الفتنة الكبرى والعمل الثاني هو الفتنة الصغرى.

وكنت قد بينت أن الفتنة الكبرى هي تأسيس الثيوقراطيا والفتنة الصغرى هي تأسيس الانثروبوقراطيا وأن وحدتهما الخفية أو بنيتهما العميقة هي الأبيسيوقراطيا أو دين العجل. الخمينية والوهابية هما شكلا الثيوقراطيا وهما بصدد الاعتراف بأنهما أبيسيوقراطيا ويحاربان من أدرك هذه الحقيقة.
ما يسمى بالإسلام السياسي أو ما يختزل في الاخوان أدرك هذه الحقيقة في الحضارة الإسلامية لكنهم لم يتخلصوا من الوساطة الروحية والوصاية السياسية ومن ثم فهم لم يستفيدوا من ثورة الشباب بجنسيه وهي ثورة كونية أقرب إلى الحريتين بمعناها القرآني إذا يتجاوزان ما تردت إليه الحداثة والأصالة.
فالحداثة في جوهرها ليست ما تردت إليه عندما تحولت إلى إيديولوجيا استعمارية والأصالة في جوهرها ليست ما تردت إليه عندما تحولت إلى نكوص إلى الجاهلية. الإسلام هو الحريتان الروحية والسياسية للإنسان من حيث هو إنسان لتحقيق شروط الاخوة البشرية (النساء 1) بمعيار المساواة (الحجرات 13).

وعندي أن انتقال دور الشعب من الديموقراطية الموزية في إيران إلى الديموقراطية الفعلية ستلغي تحريف الإسلام الشيعي عامة والخميني خاصة وانتقال الشعب من الإسلام الموزي في السعودية إلى الإسلام الفعلي ستلغي تحريف الإسلام السلفي عامة. والإسلام يستعيد كونيته بالتحرر من التشيع والسلفية.
وفي ذلك حسب رأيي حسم للفتنتين. فعلاقة التطور الاخير للتشيع (الخمينية) بالفتنة الكبرى وحيلها الشيطانية التي ستنتهي بنهايتها وعلاقة بالتطور الأخير للسلفية (الوهابية) بالفتنة الصغرى وحيلها الحمارية التي ستنتهي بنهايتها واحدة: نهاية الفتنتين وعودة الحريتين الإسلاميتين للإنسانية.
وهذا ما أعنيه بكون الإسلام هو مستقبل الإنسانية. ما يجري في وضع المسلمين حاليا ليس ظاهرة خاصة بهم بل هي ظاهرة كونية تبين أن تحديد معاني الإنسانية وتحريرها من علل فسادها (ابن خلدون) لا يمكن أن يكون إلا في إطار الأزمات التي تتعلق بتحقق قيم الإسلام في التاريخ الفعلي بأيدي المسلمين.
وذلك هو ما أسميه الاستئناف الذي يكون بحجم النشأة الأولى وبنفس الطموح الكوني. ومعنى ذلك أن الإسلام اليوم يوجد أمام نفس التحدي الذي تصدى له في النشأة الأولى: فهو لم يقاوم إلى ما كان يحول دون الحرية الروحية (الوساطة الكنسية في فارس وبيزنطة خاصة) والوصاية السياسية (فيهما).
لكن قوة الشيطانية والحمارية تغلبت على الدستورين القرآنيين التربوي والسياسي مؤقتا لأن ضديديهما كانا مسيطرين على العالم الذي حاربهما وتلك هي حقيقة الصدام بين المسلمين والمسيحيين طيلة قرون وخرج المسيحيون منتصرين لأن العلاقة انعكست هم تحرروا بنحو ما مما عدنا إليه.
فعندمهم كان التحرر من الوساطة والوصاية بداية حداثتهم وعندنا كانت العودة إليهما بداية انحطاطنا. لكنهم هم بما توهموه تحررا كان تعويضا للثيوقراطيا بالانثروبوقراطيا وهم ما يغري المسلمين بفعل نفس الشيء ولا يدرون أن الانثروبوقراطيا والثيوقراطيا شيء واحد هو الابيسيوقراطيا.
الاستئناف الإسلامي لن يكون بالأبيسيوقراطيا التي تتبرقع بالثيوقراطيا الشيعية ولا بالانثروبوقراطيا السلفية بل هي ستتحقق بما يحرر الإنسانية منهما معا بعد أن بينا أنهما شيء واحد جوهره الأبيسيوقراطيا. ويكون التحرر بإزالة تحريف مفهوم الله ومفهوم الإنسان ليصبحا غاية لا أداة.

هيئة الحقيقة والكرامة: من أعداؤها ؟

أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

مهما قلنا حول أعداء هيئة الحقيقة والكرامة ومعارضيها فمن الواضح أن المناوئين لها منذ البداية هم في الغالب من الرافضين للعدالة الانتقالية بما تعنيه من كشف للحقائق الموؤودة ومحاسبة للمتورطين ممن ولغوا في دماء الناس وانتهكوا أعراضهم وسرقوا أموالهم وجبر لأضرار الضحايا ولما تجرعوه من آلام وتحملوه من عذاب.

وحتى لا أتباعد عن الصورة الحقيقية يظهر جليا أن المتشبثين بمسار العدالة الانتقالية هم آلاف من المساجين السياسيين والمعارضين للنظام السابق والمتضررين من ممارسات الظلم والاستبداد ومن جرحى الثورة ومصابيها وأهالي الشهداء فضلا عن عائلات وجهات بأكملها خضعت على مر الحكومات الظالمة لصنوف الإجرام والإهانة والتهميش.
وفي مقابل ذلك فإن غالبية من نراهم يشككون في مسار العدالة الانتقالية أو يشتمون الثورة أو يشجعون على الفساد أو يحنون لأيام الإستبداد أو برفضون محاسبة القتلة والمجرمين أو يروجون للإفلات من العقاب أو يسخرون من نضالات الناس وآلامهم أو ينكرون على شهدائنا شرف الشهادة وعلى جرحانا وسام البطولة هم في الغالب (مع استثناءات قليلة) ممن ارتبطوا -قولا وفعلا- بنظام الحكم السابق ودعموا أركانه واستفادوا من فساده وكانوا ذراعا لبطشه وصوتا لقهره وبوقا من أبواقه. يقتلون الأبرياء ويعذبون الناس ويمتهنون كرامتهم.

في نجاح هيئة الحقيقة والكرامة وفشل رئيس الجمهورية

عادل معيزي

من المفروض ان تنتهي عُهدة هيئة الحقيقة والكرامة بمصالحة وطنية بين التونسيين جميعا ضحايا وجلادين مواطنين ومؤسسات الدولة. 
ولكن هذا لم يتم إلى حد الآن بسبب تعنّت المذنبين في الاعتراف بما اقترفوه واعتذارهم للضحايا الذين يقبلون في الغالب ذلك الاعتذار بل وينتظرونه ويعتبرون أنّ الاعتراف بما تعرّضوا له من ظلم وقهر وانتهاكات في السابق كافيا ومنصفا لهم.

ومن المفروض من جهة أخرى أن تنتهي آخر جلسة استماع عمومية باعتراف الجلاد بما نسب إليه وبمشاهد مؤثرة تختلط فيها مشاعر الندم مع ما يصاحبها من التخلص بالشعور بالذنب وكذلك التخلص من الشعور بالقهر بالنسبة للضحية وتتعانق فيها الابتسامات وكلمات التسامح والتصالح والتعهد بعدم التكرار.

ومن المفروض أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وتتعهد بجبر الضرر للضحايا ابتداء بالإعتذار الرسمي على لسان رئيس الجمهورية إلى كل التونسيين على ما لاقوه زمن الإستبداد والتعهد بعدم تكرار ما حدث أبدا والتعهد بعدم إهدار كرامة التونسيات والتونسيين مستقبلا وانتهاء بالتعويضات المادية والرمزية.
وفي بعض الأحيان تحال ملفات معينة إلى القضاء المختص ليصدر حكمه فيها نظرا لرمزيتها أو لفضاعتها أو لكونها أحدثت أثرا بالغا في المجتمع.

من المفروض أن يلعب مسار العدالة الانتقالية دورا تاريخيا هاما بوضع الأحداث في سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي وحتّى الدولي وتُفتح الملفات الحارقة التي ظلت طيّ الكتمان (اتفاقيات الاستقلال نموذجا) ويتمّ تحميل المسؤوليات لأجهزة الدولة أو للأنظمة السياسية التي حكمت البلاد أو للأحزاب أو للمجموعات المنظمة أو للأفراد الذين تصرّفوا باسم الدولة أو تحت حمايتها حتى تتخلص الذاكرة الوطنية من الرؤية الأحادية ويتحرر الشعب من كوابيس الماضي وينطلق في بناء مستقبله بعيدا عن أحقاد وآلام وعذابات الماضي.
من المفروض أن ينتهي المسار بأن تُغلق جميع الملفات إلى الأبد إلاّ ما استقر عليه الرأي بإحالته إلى الدوائر القضائية المتخصّصة نظرا لحجم الفظاعات التي تمّ ارتكابها ضد الإنسانية..

لقد نجحت هيئة الحقيقة والكرامة في تلقي الشكاوى وفي الاستماع للضحايا وفي عقد الجلسات العلنية كشفا لحقيقة الانتهاكات التي حدثت في الماضي وبحثا عن المختفين قسريّا إلى اليوم وفي إعداد برنامج شامل لجبر الضرر للضحايا وفي التقصي والتحقيق في الاعتداءات الجسيمة على حقوق الانسان وفي الإحالة على الدوائر القضائية المتخصّصة وبالأخص في حفظ الذاكرة الوطنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان باعتماد نظام أرشيفي في عمل الهيئة يضمن سلامة الوثائق والمعلومات والمعطيات ومقروئيتها وحفظها لأمد طويل وإتاحتها واستغلالها وكذلك بإعداد التوصيات اللازمة لتخليد ذكرى الضحايا واستخلاص العبر وإصلاح المؤسسات..

نجحت الهيئة في أن تكون قدر ما استطاعت محايدة ومتجرّدة من كل النوازع وأدارت أعمالها بمنهجيّة واقتدار لا يتوفّر في الحكومات المتعاقبة منذ انتخاب الهيئة إلى اليوم رغم تسييس مسار العدالة الانتقالية منذ البداية ورغم تضخيم الخلافات الداخلية ورغم الصخب اليومي الذي يدور حول أعمال الهيئة والتجاذب السياسي الحاد ورغم الاستهداف الإعلامي وتظليل الرأي العام الممنهج والتحريض المستمر والتشويه المتتالي لرئيستها وأعضائها..
في حين أنّ أعمالها كان من المفروض أن تتمّ في أجواء هادئة تضفي عليها نوعا من السكينة والقداسة باعتبار أنّها تتناول عذابات الضحايا ومعاناتهم وتبحث في أكثر الأعمال البشرية إهدارا للكرامة الانسانية..

في مقابل نجاح الهيئة فشل رئيس الجمهورية في أن يكون رئيسا لكل التونسيين وفشل في أن يكون متعاليا عن الانتقام حين سحب جوازات سفر أعضائها وفشل حين تجاهلها ولم يستقبل أعضاءها ولو لبعض الدقائق وفشل في أن يكون ديمقراطيا حين غلّب رأيه وقدّم مبادرة تشريعية للمصالحة مع الفاسدين دون مقابل وفشل في احترام القسم الذي أدّاه حين لم يضمن احترام دستور الجمهورية وتشريعها رغم طلبنا له بالتدخل ومخاطبة مجلس نواب الشعب الذي قامت أغلبية غامضة داخله بدورها في عدم الالتزام بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية.

وفي مقابل نجاح الهيئة فشل رئيس مجلس نواب الشعب في احترام الدستور وفشل في احترام التشريع المتعلق بالعدالة الانتقالية وفشل حتّى في تطبيق النظام الداخلي للمجلس فتدخلت اللجان في عمل الهيئة وحاولت تنصيب نفسها رقيبا على أعمالها وامتنع مكتب المجلس عن إقرار سد الشغور لمدّة ثلاث سنوات ورفض الاعتراف بقرار سيادي للهيئة يتعلق بالتمديد.

وفي مقابل تحلي أعضاء الهيئة المنتخبين ورئيستها بالرفعة والمسؤولية أثناء نقاش قرار ليس من حقهم مناقشته قام بعض النواب بكيل التهم وهتك أعراض الأعضاء والتنكيل بهم في المجلس وأمام وسائل الاعلام بطرق وضيعة ودنيئة كشفت عن مستواهم الهابط وحجم الحقد والأنانية والبغضاء.

وفي مقابل نجاح الهيئة في تطبيق القانون الذي سنّه المشرّع فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذ التزاماتها مع الهيئة وعملت بعض الوزارات والمؤسسات ما في وسعها من أجل تعطيل أعمالها وخاضت ضدّها معارك بالوكالة حتّى لا تصل إلى كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة وإبرام اتفاقيات تحكيم ومصالحة وفوّتت على خزينة الدولة وعلى الشعب التونسي مئات المليارات.

لنترك ما حدث جانبا ولنبلّغ رسالتنا إلى الشعب التونسي: سيستكمل المسار مهامّه بجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة وتحقيق المصالحة الوطنية وستطوى صفحة الماضي إلى الأبد من أجل مستقبل مشرق لكل التونسيات والتونسيين..

عضو هيئة الحقيقة والكرامة

الناقــــــوس..

محمد ضيف الله

أولئك الذين انتقدوا سهام بن سدرين أنها قسمت التونسيين، نرى ما الذي فعلوه هم في تلك الجلسة التي اخترقوا فيها القانون طولا وعرضا، والتي انتهت إلى تقسيم فعلي بين مَن مع الجلادين ومَن مع الضحايا. دعنا بمن أعلنها من بينهم بأن التونسيين شعبان، بما أدى إلى ظهور غيمة هي كما هو واضح تزحف على المكان، مع الأسف. ستترجم بمزيد من التوترات وربما أكثر.

ومن هذه الزاوية فمجلس نواب الشعب، ما هو إلا مرآة، ينعكس عليها ذلك التوتر، ويزيد هو في تأجيجها. فهل ستدور أعماله من الآن فصاعدا مثلما كانت تدور في سلاسة الأشهر والسنوات الماضية؟ السؤال كاف لتصور مدى الجرح الغائر الذي أحدثوه دون أن تبلغ بهم الحكمة أن يتصوروا مداه عندما كانوا يغرسون سواطيرهم في الجراح التي لم تندمل، جراح لم يتصور حكماؤهم مدى غورها، وسقط محمد الناصر على هذا الصعيد سقوطا حرا، حتى ليصح السؤال: كيف يمكن له أن يعود إلى تصدّر المجلس في المرة القادمة؟ أولئك الذين عابوا على بن سدرين تقسيم الشعب التونسي هم الذين قسموه اليوم بالفعل. بما ينذر بما هو أسوأ لو لم يقع التراجع عما فعلوه. إنهم يسمعون الناقوس الآن..

إلى الجرابيع التكفيرية

بشير العبيدي

#بالفلفل_الحار
كنت في شغب إنجاز جملة من الواجبات أيامي الأخيرة، حين وصلتني رسالة من الجزائر عاجلة، يخبرني فيها أحد الأصدقاء بأن شخصا أثار فتنة في صفوف الشعب بإعلانه -دون أدنى قطرة من حياء- أن “الأشاعرة والماتريدية والصوفية والاباضية والإخوان المسلمين وجماعة التبليغ هم مع من أجمعت الأمة على ضلالهم من الشيعة والخوارج”… وبعث إلي بالرابط الذي يحيل إلى الخبر، فكان الأمر كما قال صديقي، والمكفّر شخص لم يبلغ عندي أن أتحفه بذكر اسمه ههنا، ولقد نشر ذاك العجب في غرة رجب 1439…، وكان في كلامه يصدر صكوك الكفران في راحة من البال غريبة، كأنّه جالس يستفرغ بطنه في الكنيف…

لا أحبّ -أصالة- طرح مثل هذه الموضوعات، فهي ملهاة وسخف وسقوط ولا طائل من ورائها، لأنها تجعل الموتى يحكمون في الأحياء، ولكنني أردّ على أمثال هؤلاء خشية أن تنطلي على بعض الشّباب مثل هذه الخزعبلات، فتجد طريقها إلى تلويث عقولهم الطاهرة بكفريات من اتخذ الدين طعما لإسقاط العامة في عماه.

أواه؟ يا مولانا، أعندك أن “الأشاعرة والماتريدية والصوفية والاباضية والإخوان المسلمين وجماعة التبليغ هم مع من أجمعت الأمة على ضلالهم من الشيعة والخوارج” ؟؟؟ أمتأكد أنت؟؟؟ ألا تكون أمّك قد ربطت سرّتك يوم ولادتك بعقال الحمار أو سقتك -يوم سابعك- حليبا من ضرع الضبعيات ؟ أم تراك قرصك الزنبور إذ مددت يدك إلى شهده تظنه شهد فيه عسل النحل؟ أم تراك أدخلت يدك في غار نمل تظنّه جمع لأجلك عولته؟ ماذا أنت تخرّف؟؟؟ هل ينقصنا معشر المسلمين واحد مثلك -لا أبا لك- لكي تكون زعيما في أمّة مستباحة تعاني من َالمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ؟؟؟

أنا لست من الأشاعرة ولا من الماتريدية ولا من الصوفية ولا من الأباضية ولا من الإخوان المسلمين ولا من جماعة التبليغ ولا من الشيعة ولا من الخوارج، ومع ذلك أخبرك: أنا من الكفّار بك وبرائحتك، وبأمثالك، وأتباع هرائك وهرفك… لا فائدة أبدا أن أناقشك بنصوص الدين، ففهمك للدين يكشف عنه تكفيرك الحطبي الخرب، وأي شيء مازال يصلح أن تناقش به أيها الأرمد وقد ذهبت بصيرتك، وصرت توزّع على الناس صكوك الخلاص، والخلاص لو تدري هو أن يغرب عن هذه الأمة أمثالك، وأن تنتهي محنتكم التي أرديتم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى جعلتموها أضحوكة.

أي بلد دخل فيه تفكيركم التكفيري ولم يخرب؟؟؟ ماذا أبقى تفكيركم التكفيري من بلد الصومال وأفغانستان وسائر بلاد المشرق والمغرب وفي بلاد الغرب والشرق على السواء؟ أي مشروع حقق هذا الغلوّ ؟ وأي حلّ قدمتم للناس؟ وأي إسلام كان قبلكم وأي إسلام صار بعد ظهوركم يا نابتة الجلد، وشؤم ما يشين الوجه، وخبث ما يخرّب البواطن، وقبح ما يبدو على الظواهر؟ إن كان للزمان عار، فهو تكفير الناس وتمزيق وحدتهم ونشر البغضاء بينهم، ولعمري، هذا هدف الأعداء وأراكم تقومون به على أكمل وجه، لا وجوه لكم ولأمثالكم من المتنطّعين المارقين.

جميع مدارس المسلمين من آمن منهم بفكرة أو برأي هو حرّ، في دار إسلام نريد لها أن تنعم بالحرّية للجميع، وبشعوب تقبل اختلافاتها ولا تجعل منها سببا لضعفها أمام خصومها وأعدائها.

خذها أيها التكفيري بفلفل الزفيطي الجزائري الذي لا يطيب إلا بيد المهراس: أمتنا الاسلامية بأطايفها قاطبة، لها حق الحفاظ على دينها من أمثالكم من التكفيريين المجرمين، الذين سببوا الويلات والأهوال وغلّبوا على أمة القرآن الأعداء والدويلات، بسبب تفكيركم التكفيري العقيم القبيح.

سيظل إسلامنا بكل أطيافه وأصنافه واعيا فاهما مستوعبا لما يجري، حتى يريح الله عباده من أمثالكم، كما خلّص الله الأجيال السابقة من الخوارج والقرامطة والحشاشين والصليبيين والمغوليين والاستعماريين…

ولكن عشاق القبح لا يفقهون.

رجب 1439 <<>> كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً <<>>

بشرط ألا يكون نهضاويا

الطيب الجوادي

الجبهة الشعبية لا تشارك في حكومة فيها النهضة،
ولا تشارك في مسيرة تشارك فيها النهضة،
ولا تصبر على حكومة نهضاوية منتخبة شرعيا،
ولا تتحالف مع معارضة فيها النهضة،
وترفض الوحدة الوطنية إذا شملت النهضة،
وترفض أن يطال العفو التشريعي منتسبي النهضة،
وترفض أن يكون أي وال أو مسؤول نهضاويا حتى والنهضة في الحكومة،
وقاطعت الرئيس المناضل المرزوقي لأنه تحالف مع النهضة، وقال الرحوي مرّة إنهم رفضوا التحالف مع حزب المؤتمر في المعارضة لأنه كان حليفا للنهضة،
والجبهة تقاطع الجزيرة وقطر وتركيا وكل من تتصل به من قريب أو بعيد شبهة التعامل مع النهضة،
وسمحت بنجاح أزلام التجمع في الإنتخابات نكاية في النهضة،

ولو كان ممكنا علميا استيراد هواء غير الذي تتنفسه النهضة لفعلت، إنه حقد أسطوري عبثي لا يمكن تبريره أو فهمه، فالفلسطينيون يتفاوضون مع الصهاينة والشيعة والسنة يتفاوضون،، والروس والأمريكان أذابوا الجليد بينهم من زمان، والسود والبيض في جنوب أفريقيا توصلوا لحلول فاعلة رغم أنهار الدم والدموع، إلا جبهتنا الشعبية، إنها مستعدة أن تتفاوض مع إبليس ومع الشيطان ومع الإمبريالية ومع كل عدو ممكن، بشرط ألا يكون نهضاويا.
المشكل أن هذا الرفض إذا تواصل لن يستفيد منه إلا أزلام التجمع، وأعداء الثورة.
فما الحل؟

أزمة التمديد للهيئة.. هل تنهي التوافق ؟

نور الدين الختروشي

أصبح من المألوف لدى من يتابع الجلسات العامة داخل قبة البرلمان أن يستمع للمباح وغير المباح من العنف اللفضي، الذي وصل حد البذاءة في العديد من المناسبات، حتى أن بعض النواب قد أنجز نجوميته وشهرته بالبذاءة وفحش القول. ومع هذا قلَّ أن تحول العنف اللفضي إلى عنف جسدي ونبادل اللكمات على ما جرى آخر الأسبوع الماضي في جلسة الاستماع لرئيس هيئة الحقيقة والكرامة السيده سهام بن سدرين.

ورغم ما أثاره ما وقع يوم السبت من قرف وإساءة لصورة النواب، تواصل التلاسن والشجار يوم الاثنين، وانقسم المجلس إلى قطبين، يمثل الأول محور الدفاع عن مسار العدالة الانتقالية والهيئة ورئيسها، ومحور مضاد يمثل الداعين إلى إسقاط المسار بدعوى عدم أهلية الرئيس كفاءةً واستقلالية ونزاهة.
هذا الانقسام في الموقف من التمديد للهيئة لتستكمل ما تبقى من عملها وإعداد تقريرها النهائي لتسليمه إلى الرئاسات الثلاثة، أعاد إلى المشهد العام التقابل أو التناقض الخالد في مراحل ما بعد الثورات بين الجديد والقديم أو بين “القوى الثورية” والقوى “المضادة للثوره” بتسميات قاموس الثورة التقليدي.
الخلافات الحادة بين نواب الشعب حول عنوان العدالة الانتقالية واكبها سجالا عموديا بين النخب أحال على المسكوت عنه في تلك الخلافات، وهو تحديدا الموقف من الثورة وما عمدته من نظام سياسي جديد من جهة، وتدشين الحملات الانتخابية للبلديات من جهة اخرى.
كما واكب تلك المشاحنات البرلمانية سجالا أفقيا عاما في وسائل التواصل الاجتماعي، وكان مدارها إدانة واسعة لقوى الجذب للوراء، وتشنيع على الرافضين للتمديد باعتبارهم “أزلاما” ممثلة للمنظومة القديمة وحالمة بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

ما يهمنا في هذا الصدد ليست حقيقة الموقف من العدالة الإنتقالية أو من هيئة الحقيقة والكرامة التي أنيط بعهدتها إنجازها، فحقيقة تلك المواقف معروفة منذ “حادث الأرشيف الرئاسي” في بداية العهدة الرئاسية في أكتوبر 2014.
فيومها فهم متوسط الذكاء أن النخب التي رشحها صندوق الإقتراع لإدارة البلاد منزعجة في الأدنى من العدالة الإنتقالية ومعادية لمسارها في الحد الأقصى. فلا جديد من هذه الزاوية في ما إستجد من خلاف حاد في الجلسة البرلمانية العامة المخصصة للتمديد لعمل الهيئة.
الجديد والمستجد هو التبشير المخاتل بنهاية التوافق بين النهضة والنداء بالاستناد لحدة مداخلات نواب الحزبين وما بدى من خطابهم من تصعيد لحقيقة ما “تخفيه الصدور”.
أكثر المتحمسين لاعلان موت التوافق هم الواقفون على أرضية “الخطاب الثوري” المطالب بالقطيعة الكاملة والحدية والفورية مع المنظومة القديمة من جهة، والواقفون على أرضية النظام القديم والمطالبون تصريحا لا تلميحا بعودة نصاب القمع بدعوى عدم أهليتنا للديمقراطية من جهة ثانية.
لا جديد من زاوية تحديد المواقع الصادرة عنها المواقف من ملف العدالة الإنتقالية، الجديد كل الجديد هو في التقاطع بين خطاب بعض نواب النهضة مع الخطاب الثوري، ولا جديد في منطوق نواب النداء سواء في الموقف من ملف العدالة الانتقالية أو في الموقف من المسار السياسي العام الذي أفرزته الثورة.
فالتقاطع بين خطاب “الثوريين” وخطاب بعض نواب النهضة هو المستجد الذي أغرى العديد من المتابعين والمحللين بالقول بنهاية التوافق وبداية مأزق سياسي حاد قد يعصف بالمركب وراكبيه ويفتح مستقبل البلاد على المجهول.

ما يغيب على المنحازين لفرضية نهاية التوافق أن هذا الإختراع التونسي الفريد ليس وليد اختيار ذاتي للمعنيين به بل هو ضرورة تاريخية اقتضته “الشبه ثورة” من ناحية، وضرورة سياسية فرضه النظام الإنتخابي الذي شرعت له هيئة بن عاشور بعيد الثورة من ناحية ثانية.
وقد راهن المنتصرون لخيار التوافق -وكاتب هذا المقال منهم- على أن تتحول الضرورة إلى قناعة ووعي وطني جامع يستجمع مقومات القوة الرمزية والبشرية والمادية، وصبها في مسار بناء وطني جامع، يتجاوز جراحات الماضي دون أن يقفز عليها، ويحقق الأدنى أو الأقصى من الإجماع الوطني على ضرورة تكاتف الجميع في ورشة البناء الوطني الجديد.

ما واكب التجاذبات والمناكفات حول ملف العدالة الإنتقالية، أحال على حقيقة مرة وهي أن القديم لم يستوعب الدرس التاريخي من وراء الثورة فقط، بل استغل رخوية ثورتنا وسرعة تحولها من عنوان الثورة إلى عنوان الإصلاح، ليفعّل إرادة التخريب والتقويض للمنجز التاريخي والسياسي للثورة بتجويفها والإلتفاف عليها، وبالتسويق لخطاب كارثي وترذيلي في مقاربة الموجود الإجتماعي والسياسي، والدعوة المكشوفة للعودة إلى نصاب الفساد والقمع.
لم يتحول التوافق إلى فلسفة تعمق فكرة التشاركية في إدارة الشأن العام، وبقي رهين إرادة “الشيخين”، وهذا ليس من إستثناءات الحالة التونسية، بل من شذوذها.
تونس اليوم تئن من أزمة إقتصادية واجتماعية خانقة ومنبئة بمستقبل مجهول، في ظل عجز حكومي خالد على اجتراح حلول جذرية، وعبث دائم ومستدام للنخب الجديدة/القديمة التي لم تحسن سوى تأجيج عناصر الإزمة والمزايدات الخطابية الإنشائية لأغراض سياسوية قد ترى فيها كل الهواجس والمصالح باستثناء المصلحة الوطنية.
يبدو مشهد المناكفات والصراخ والشتيمة المتبادلة بين نواب الشعب سوى فاصلا في “كتاب أسود”، كتاب عجز نخبنا الحاكمة منها والمعارضة على التصدي للتحديات الحقيقية التي تواجهنا في ظل تجربة ديمقراطية عربية وليدة وواعدة وملهمة لشعوب المنطقة، تبرز -وللأسف- في كل يوم أكثر عناصر هشاشتها وقابليتها للتحول إلى فوضى عامة قد تعصف بما كسبنا من منجز الثورة.

ومع هذا وفيه وحوله يبدو التوافق كنقطة ضوء وحيدة في عتمة عامة تخيم على تونس اليوم، ولعل لهذا إلتقى الشيخان يوم الثلاثاء 27 مارس 2018 ليعلنا للرأي العام أن بديل التوافق هو تجديد التمسك بالتوافق.
أو هكذا تأوّل فتكلم “ذاك” الحكيم وقد انتبذ من المدينة وضجيجها مكانا قصيا.

نشر في جريدة الرأي العام