لماذا تعادي البروقراطية من يقف في وجه السيستام ؟

أحمد الغيلوفي

من لم يفهم أن عركة الأساتذة هي نفسها عركة الكامور وجِمًنَة فهو لا يفهم. ومن لم يلاحظ أن الذين كانوا ضد الكامور وجمنة هم أنفسهم الذين حاربوا الأساتذة فهو لا يرى. هم أنفسهم: الإئتلاف الحاكم + الإعلام + البيروقراطية النقابية.

1. البروقراطية عبر التاريخ ذراع للسيستام و 14 جانفي ليس بعيدا وإضرابات الترويكا ليست بعيدة أما في عهد السبسي فقد أمضى على الهدنة الإجتماعية. لماذا تعادي البروقراطية من يقف في وجه السيستام؟ لأن أي قوة منظمة فوق الأرض وخارجة عنها سيصبًُ خراجها في مكان آخر، لذلك يجب تركيعها أو تدميرها حتى لا تكون مثالا. (أنظر كتاب شكري لطيف حول دور الإتحاد في إفشال الثورة)
لو يقع القضاء على الغنائم لن تجد أي ندائي في الندء.
لو يقع إلغاء الإمتيازات لن تجد أي “مناضل” في بناية حشاد.
غير أن الدراويش لا ينقطعون أبدا سيقولون “المكتب التنفيذي يدافع عن الملك العام”…
طيب، لماذا باع تأمينات الإتحاد أليست ملكا عاما ؟

سعيد جدا بضعف إقبال الأمنيين والعسكريين على الإقتراع

سمير ساسي

أنا سعيد جدا بضعف إقبال الأمنيين والعسكريين على الإقتراع لأنه يدل في تقديري على أن التحزب داخل هذا القطاع الحساس ضعيف بصرف النظر عمن أخفى إنتماءه لأسباب تخصه وطالما أنه أخفاه فهذا يحسب لفائدة غير المتحزبين.

وضعف الإقبال هو رد مفحم لمن صدعوا آذاننا بالمزايدة على منح الأمن والجيش حق الإقتراع فالممتنعون يقولون لهم نحن نسير نحو تأسيس أمن جمهوري وجيش جمهوري وحساباتكم لا تعنينا (طبعا لا تعنيني هنا النوايا الخفية والحسابات الخاصة مادامت غير معلنة).
أنا واحد من المستبشرين بضعف هذا الإقبال وأقرأه على الوجه الإيجابي الذي قدمته وآمل من الذين صوتوا هذه المرة أن يمتنعوا في المرات القادمة فيقتلون القانون بفعل واقعي وحسبهم أن يمارسوا مدنيتهم في الحفاظ على القانون وحماية كل التونسيين بعيدا عن إنتماءاتهم الحزبية.
قد أنزعج إذا كانت النسبة في صفوف المدنيين ضعيفة وهذا هو المتوقع بالنظر إلى حملة التتفيه التي مارسها الإعلام النوفمبري ضد قيم الثورة وبالنظر أيضا للنموذج السلبي الذي قدمه ساسة الثورة وأعتقد أن نسبة الإقبال في أحسن الحالات لن تتجاوز الثلاثين بالمائة لكني أعتقد أن ذلك سيكون بمثابة بدء الحفر ضد رواسب الإستبداد لذا وجب الدفع بالأمر إلى منتهاه لعل شيئا بعد ذلك يقع.

شيطنة الأمنيين لا يمكن أن تصب إلا في خانة الإستبداد

عبد اللطيف علوي

ما الفرق بين من يسمّيهم “طواغيت”، ومن يعتبرهم أعداء أصليّين دائمين للشّعب، وكأنّهم آليّون شياطين نزلوا من كوكب آخر.
أنا أعرف ماذا يمكن أن يفعل البوليس في ظلّ الدّيكتاتورية، ومن قرأ لي “أسوار الجنّة” و”الثقب الأسود” سيجد من الحجج أكثر ممّا يحتاج.
لكنّ مشكلتنا الحقيقيّة والأصليّة مع الديكتاتوريّة وليست مع الأمنيّين، وحين تتغيّر الماكينة الّتي تتحكّم في رقابهم وظروف عملهم وعقيدتهم، سيتغيّر الفعل الأمنيّ في هذه البلاد ليصبح خدمة عموميّة وطنيّة مثل باقي الخدمات، كالنّقل والصّحّة والتّعليم وغيرها…

الكثيرون لا يرون إلاّ الذّبابة الّتي تحطّ فوق أنوفهم مباشرة، ويحكمون على المسار برمّته من خلال اللّحظة الرّاهنة. صحيح أنّ الجسم الأمنيّ مازال يعاني من أمراض الاستبداد والفساد، لأنّ العقيدة الّتي حكمته طيلة عقود عقيدة فاسدة تضعه فوق المجتمع ومتسلّطا عليه لا خادما له ومنتميا إليه.
الدّيموقراطيّة والحرّيّة هي وحدها الكفيلة بمعالجة هذه الأمراض، ولكنّها ستأخذ الوقت الّذي يجب أن تأخذه، فلا يجب أن نكتفي بالنّظر إلى ما تحت أقدامنا.
في البداية سيتعامل الكثير من الأمنيّين مع اللحظة الانتخابيّة بنفس العقليّة والثّقافة التي لم يعرفوا سواها، وربّما سينتخبون الفاسدين، لكنّهم مع الزّمن ومرّة تلو مرّة، سيتخلّصون بالتّدريج من سلطة النّظام عليهم ويدخلون إلى الخلوة مواطنين عاديّين يفكّرون في أبنائهم ومصيرهم ومستقبلهم.
المسألة هنا مرتبطة بالوقت وبالإنسان وليست مرتبطة بالملائكة ولا بالشّياطين.
مثلما جعلهم الاستبداد أداة للقمع والاضطهاد، الدّيموقراطيّة تستطيع أن تجعلهم أداة لحماية الحقوق وإنفاذ القانون وحماية الحرّيات.
متى يحدث هذا؟ عندما نؤمن بعامل الزّمن، ونتخلّص من القوالب الجاهزة والنّظرة العدائيّة تجاه الأمنيّين، ونصبر على أشواك الطّريق الطّويل.
#عبد_اللطيف_علوي

الوزير راحل والأساتذة وتلاميذهم باقون

سامي براهم

هل فشل الأساتذة ؟
هل أساؤوا التّقدير ؟
هل مطالبهم غير مشروعة ؟
هل مطالبهم تعجيزيّة ولم تراع مقدّرات الدّولة ؟
هل تحرّكهم في تعارض مع إكراهات المرحلة ؟
هل الوسيلة التي استعملوها أي حجب الأعداد غير مشروعة ؟

ما هي معايير الجواب الموضوعي عن هذه الأسئلة بعيدا عن الإنحيازات والإصطفافات والتّموقع مع أو ضدّ؟

لا بدّ من الإشارة أوّلا أنّ مشاركة الأساتذة في التحرّك كانت بنسب مرتفعة جدّا لم يثبت أنّ عددا معتبرا تخلّف عنها، وحتّى لو اعتبرنا وجود من شاركوا ضمن عقلية التّضامن أو الحرج من العزل أو الخوف من الوصم مع عدم الإقتناع فإنّ المشاركة الفاعلة التي تعبّر عن قناعة ذاتيّة كانت كثيفة وغالبة، ولا يمكن في كلّ الحالات اعتبار هذا العدد من الأساتذة على إمتداد البلد مجمعين على موقف فاقد للشرعية والمشروعيّة بالمعنى القانوني والنّقابي.

في فلسفة العمل النقابي التحرّكات والمطالب التي تعبّر عن الضّمير العامّ لقطاع من القطاعات هي مشروعة حتّى ولو كانت مصادمة لإرادة وانتظارات صاحب القرار السياسي وهذا ما يفتح على وضع التفاوض وإلا لا معنى للعمل النقابي إذا انطلق من تماه واندماج مسبق بين أرباب العمل والشغّالين أو الإدارة والموظّفين.

التناقض بين الطّرفين طبيعيّ وليس وضعا شاذّا ولا استثنائيّا ولا علاقة له بالوطنيّة وعدم الوطنيّة، بل يمكن لأصحاب التحرّك المطلبي رفع سقف المطالب لتحقيق ما هو دون السّقف المرتفع ويمكن لهم ممارسة أقدار من المساومة التي تتضرّر منها فئات أخرى بأقدار متفاوتة، هذا دارج في كلّ التحرّكات النّقابيّة في العالم بدون استثناء حيث تتعطّل مصالح فئات من المواطنين في إطار سياسة الشدّ والجذب للوصول إلى حلول وسطى من خلال التفاوض الذي يقرّب وجهات النّظر.

لذلك لا يمكن لوم الأساتذة على تحرّك أجمعوا عليه، ولا يمكن لوم الأولياء على الدّفاع عن مصالح أبنائهم، ولا يمكن لوم الإدارة التي تحرص على التخفّف من الأعباء والمسؤوليّات، كلّ هذه الأطراف لا لوم عليها عند هذا المستوى من التّحليل.

لكن اللوم على الوزير ممثّل الحكومة الذي أساء بخطابه للأساتذة واستهزأ بهم وحرص على ترذيلهم أمام الرّأي العامّ وتحريض الأولياء عليهم واستثارة مخاوفهم، كما أنّ عددا من الأولياء سواء بدافع الغيرة على أبنائهم أو بدافع سياسيّ لم يقصّروا في انتهاك حرمة أساتذة أبنائهم وشيطنتهم والتّشكيك في ذممهم في أجواء عدائيّة متشنّجة يمكن أن تجعل صورة الأساتذة تهتزّ في نظر تلاميذهم وما لذلك من تأثير على وضع المنظومة التربويّة والتّعليميّة، أمّا الأساتذة فلم يقدّروا بشكل جيّد مآلات الوسيلة التي استعملوها في السّياق الزّمني الرّاهن رغم أنّها ليست سابقة فقد التجأ إليها الجامعيّون قبل الثّورة من خلال ما سمّي بالإضراب الإداري.

في الأخير استقوت الوزارة بالإعلام الفاقد للمهنيّة وبعدد من الأولياء وبالضغط على المركزيّة النّقابيّة للدّخول في مفاوضات في وضع مريح ودون ضغط، ونجح الأساتذة في الظّهور كقوّة قطاعيّة موحّدة تختزن الكثير من الطّاقة على التّأطير والصّمود وإن برز هذا في الجانب المطلبي فهو رصيد قابل للتّفعيل في إصلاح المنظومة التربويّة والقضايا الوطنيّة.

أرضى الوزير نوازعه وربّما ثأره القديم زمن حراك الثّورة، لكنّه راحل والأساتذة وتلاميذهم باقون.

إنتخابات العسكريين والأمنيين: هل هي إنتخابات “بلا وجوه” ؟!

أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

مهما كان رأيك في إنتخابات العسكريين والأمنيين (قوات الأمن الداخلي)، فلا يمكن -في كل حال- أن ترضى أو تقتنع بأسلوب “التخفي” الذي طبع إقتراعهم في الإنتخابات البلدية الحالية !.

مجموعة الموانع التي ضربت على هذا الإقتراع لا تبعث فقط على التساؤل بل تدعو إلى الإندهاش! رئيس الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات قال في تصريح لوكالة الأنياء الرسمية “إنتخابات الأمنيين والعسكريين تميزها “اللاءات الثلاث”:
1. لا لتعليق سجل الناخبين في مركز الإقتراع.
2. لا للحبر الإنتخابي (لضرورات أمنية).
3. لا للفرز يوم 29 أفريل الجاري (وذلك حماية لفحوى توجهاتهم).

ويبدو أن قائمة اللاءات -التي تستند في أغلبها إلى موانع قانونية- لم تقتصر فقط على ذلك ويمكن أن نضيف إليها:
4. لا للإقتراع أو الترشح للإنتخابات الرئاسية والتشريعية.
5. لا للترشح للإنتخابات البلدية والجهوية.
6. لا للمشاركة في الحملات الإنتخابية.
7. لا للمشاركة في الإجتماعات الحزبية.
8. لا للمشاركة في كل نشاط له علاقة بالإنتخابات.
9. لا لإجراء الإنتخابات في الموعد العادي للإقتراع.
10. لا لتصوير العسكريين والأمنيين بمكاتب الإقتراع بوجوه مكشوفة.
11. لا لسؤالهم من قبل مؤسسات سبر الآراء عن القائمة التي صوتوا لها.
12. لا لفرز أصوات العسكريين أو الأمنيين مع المدنيين أو قبلهم (حتى لا يستشف أي توجه سياسي معين).

ويظهر من هذه القائمة الطويلة (ذات الإثني عشر تحجيرا !) أن حق الإنتخاب المقرر للمواطن/العسكري والأمنى قد غرق (بامتياز) في جملة الإستثناءات والإحتياطات العسكرية والأمنية !.
وبالمناسبة فإن وجوه العسكريين والأمنيين (وحتى أصواتهم !) قد غابت في تغطية التلفزة الوطنية ليوم الإنتخاب. ويبدو أن تصوير الوجوه المكشوفة قد منع -لا فقط في مكاتب الإقتراع- بل في ساحات المراكز وما حولها !.
فهل من المعقول أن تبرز كل هذه القيود في أول ممارسة لحق الإنتخاب ؟! وأن يظهر إقتراع العسكريين والأمنيين بهذا الشكل (وبنسبة إقبال متدنية) في أول إنتخابات “بلا وجوه”؟!

من “يسار الدولة” إلى “يسار التاريخ”

زهير إسماعيل

[هذا تعقيب مني على مقال بجريدة لوموند بتاريخ أربعة أفريل 2018 عن مجمعة بريسبكتيف اليسارية التونسية وكيف أنّٰ “Mars 68” التونسي سبق “Mai 68” الفرنسي: Quand le Mars 68 de Tunis devançait le printemps de Paris]

تحيّة إلى شبيبة يسارية مناضلة كان لها فضل في “تسييس الفضاء العام” بخطاب جديد في مواجهة خطاب رثّ لدولة الاستقلال التي “أممت السياسة” وحصرتها في خلاف سياسي اليوسفيين شخصنت جوهره، وجسدتها في زبونية عمقت الانقسام الهووي والاجتماعي وأنشأت طبقة حاكمة سكنت الدولة دون أن تكون لها (إلى اليوم) ثقافة الدولة.
عيب بورقيبة القاتل أنه جعل من رفاقه “خدّامة عنده” وليس “خدّامة معاه”، أمّا بن علي فقد صيّر جانبا مهما من النخبة :”لجان يقظة” (من الدساترة) و”لجان تفكير (من اليسار الثقافي) و”أمن إيديولوجي” (من الوطد)، ومن ثمّ أساسا لاستبداد هجين “ما دون – مافيوزي” نعاني من قوته التدميرية إلى اليوم.

شباب بريسبكتيف كان سباقا (مارس 68 التونسي سابق ماي – الفرنسي)، ولم يكن صدى لليسار الأوروبي، رغم الوشائج المرجعية، ونجح في نحت معجم وعي سياسي جديد، لم تكن قبل عبارات “النظام” ” و”الوعي الثوري” و”الصراع الاجتماعي” و”النضال الطبقي”، من المفكر فيه. وتعدّ هذه التجربة أنجح التجارب في “تعريب الماركسيّة (بعبارة عبد الله العروي)، لأنّ الحزب الشيوعي التونسي كان في معظم تجربته صدى للحزب الأم في فرنسا، وكان انتباهه إلى المسألة الوطنيّة ضعيفا حتّى لم يفصله عن “تونس الفرنسيّة” إلاّ صياغات مرتبكة وخاصّة عند المتأخّرين.

تجربة بريسبكتيف اقتربت من أن تبني يسارا جديدا، ولكن لملابسات يضيق بها هذا المجال لم تخرج عن أن تكون “يسارا بورقيبيّا، وأفضّل أن أسميه “يسار الدولة”، ولو ركّزت في مسألة الثقافة الوطنيّة والسياق الذي تتحرّك فيه (الشعب التونسي العربي المسلم” لكانت سبّاقة في بناء “يسار التاريخ” وهو اليسار الذي يجعل من “خط الجماهير” بوصلة توصله إلى معادلة خلاقة تجعل من الثقافة الوطنية وعقائد الناس أساسا للعدل الاجتماعي ومقدمات للسيادة والاستقلال، وهو ما نجحت فيه تجربة مغمورة في حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي “تجربة الكتيبة الطلابيّة” في جنوب لبنان (بنت جبيل، ومارون الراس، وجبشيت ومن رموزها وأبطالها: معين الطاهر، منير شفيق، علي أبو طوق، شفيق الغبرة…الخ.

في بلادنا لا اليسار استطاع ترجمة “العدالة الاجتماعيّة” إلى ثقافة الناس، ولا الإسلاميون نجحوا في ترجمة الأخلاقيّة الإسلامية إلى قيم عدل وسيادة واستقلال وطني… تجربة الحراك المهدورة كان هذا هو جوهرها وأفقها في آن: أن يعيش الناس العدل والرفاه والكرامة من خلال ثقافتهم وقيمهم الجامعة… وتبقى هذه المساحة منطقة فراغ في مشهدنا السياسي…
تحية إلى شخصيات عندما يذكر اليسار لا أستحضر سواها… شخصيتان أثيرتان: نور الدين بن خذر رحمه الله، وجيلبار نقّاش أمدّ الله في أنفاسه…

ويبقى “يسار التاريخ” الذي خطّ الأنبياء الكرام عليهم السلام مساره أفقا نتقدّم نحوه… وثورتنا تتحسّس هذا النهج رغم كثرة العقبات وفداحة العثرات… فالإنسانيّة سائرة كلها نحو بارئها، ونأمل أن تكون ثورة الألفيّة الثالثة خطوة في “السير الإيجابي نحو الله” بتحقيق إنسانية الإنسان، بعبارة الشهيد محمد باقر الصدر، وذلك هو جوهر “إدارة التعارف”.

سالم لبيض يبدي شراهة للإستبداد

صالح التيزاوي

فاجأنا الأستاذ الجامعي والباحث في علم الإجتماع والمعارض السّابق والحالي ووزير التّربية الأسبق في حكومة التّرويكا، بمقال آتٍ من زمن نحسبه قد مضى… زمن التّخويف من الدّيمقراطيّة والتّبرير للإستبداد بذريعة الخوف من اكتساح محتمل للإسلاميين للمشهد السّياسي أو ما سمّاه باحث علم الإجتماع والمعارض السّياسي “شراهة النّهضة للحكم”.

وهنا يستدعي الأكاديمي والمناضل الدّيمقراطي كلّ التّجارب الإستبداديّة في العالم العربي: إنقلاب الجيش الجزائري على نتائج الإنتخابات التي كان الإسلاميّون قاب قوسين أو أدنى من الفوز بها، وانقلاب السّيسي على نتائج الثّورة المصريّة بالكامل. الأستاذ الجامعي، إذ يذكر تلك التّجارب الإنقلابيّة لا يذكرها ليدينها ولا ليحمّلها مسؤوليّة ماجرى ولكنّه وبشكل سخيف ومخجل يحمّل المسؤوليّة لمن آمنوا بحقّهم في التّعبير وفي المشاركة السّياسيّة وحلموا بالحرّيّة لهم ولغيرهم.

سالم لبيض المعارض السّياسي بدا متخوّفا من شراهة النّهضة للحكم وهي شراهة تفنّدها تجربتها القصيرة في الحكم، ويفنّدها القانون الإنتخابي الذي لا يسمح لأيّ من الأحزاب بالهيمنة والتّغوّل. وفي الوقت نفسه يبدي شراهة للإستبداد عندما يخوّف شعبه من تبعات “اكتساح محتمل” لحزب بعينه للمحلّيات ولا يخشى على شعبه من عودة المنظومة القديمة. نتفهّم مخاوف الباحث في علم الإجتماع من تغوّل حزب ما ولكن هل الحلّ في تحجيم مشاركته؟ أم في بناء المؤسّسات الدّيمقراطيّة التي لا يعير لها سالم لبيض وزنا بحكم الأيديولوجيا التي يعتنقها ومازال وفيّا لتفاصيلها.  فهو يؤمن بالتّغيير الفوقي و”البيان الأوّل” الذي تفوح رائحته ولا يخطئه ذكاء القارئ لمقاله.

إنّ الشّعوب العربيّة التي عاشت تحت أنظمة حكم استبداديّة لم تكن أرحم بها من الإستعمار تحتاج إلى من يبدّد مخاوفها من عودة الإستبداد واستمراره وليس من المشاركة الواسعة للأحزاب وانخراطها في العمل السّياسي… المخاوف الحقيقيّة، مبعثها تمجيد الإنقلابات العسكريّة ومباركة أنظمة تقتل الأطفال وتستبيح الأوطان للغزاة وتصادر الحرّيّات العامّة والخاصّة وتغتال آمال شعوبها في الحرّيّة وتلغي سيادتها تحت عناوين “التّحرير” و”الطّريق إلى الوحدة” و”الطّريق إلى الإشتراكيّة”… أنظمة كانت تقدّم نفسها على أنّها عروبيّة وقوميّة، وها هي ارتدّت إلى طائفيّة مقيتة… تلك هي المخاوف الحقيقيّة. كنّا ننتظر من عالم الإجتماع أن يبدّدها.

نصائح بعد انقشاع الغبار

حسن الصغير

الآن وقد انقشع غبار معركة رجال التعليم مع سلطة إشرافهم والتي انتهت بهزيمة موجعة للأساتذة واتحادهم إثر التراجع عن قرار حجب الأعداد وتعليق الإضراب دون تحقيق أي مطلب، أنصح الأساتذة الأجلاء بوقفة تأمل لتقييم الاستراتيجيات المتبعة ومراجعة الأولويات استعدادا للمعارك المهنية القادمة وأقترح عليهم الإستفادة من الملاحظات التالية.

1. مشروعية المطالب وعدالة القضايا لا تعني بالضرورة قبولها من الجميع دون نقاش، فكم من قضية عادلة خسرها محامون فاشلون وكم من قضية غير عادلة كسبها محامون خبراء.

2. حيازة سلاح قوي وفتاك لا تكفي وحدها لكسب المعركة فالأهم اختيار نوع السلاح بدقة وفق طبيعة المعركة وزمن ومكان وقوعها وميدانها وجميع أطرافها وإلا ارتد السلاح على أصحابه وكان وبالا عليهم.

3. لا تنخرطوا في المعارك الجانبية التي يجركم لها الخصم فيتشتت جهدكم وتنتقلون من موقع الهجوم لموقع الدفاع وهي تضعف أيضا قضيتكم الجوهرية ومعركتكم الأصلية وتضعكم بمواجهة خصوم جدد.

4. النجاح الاتصالي والإعلامي ركن أساسي في كسب أي معركة وإذا تعرضتم لحملة إعلامية لشيطنتكم يكون الحل في حملة مضادة لكشف الحقائق وإنارة الرأي العام بصبر وثبات ومرونة أما الاكتفاء باتهام جميع وسائل الإعلام بالخداع والتضليل وعدم إيلاء المسألة ما تستحق من اهتمام فنتيجته كارثية.

5. من شروط النصر في المعارك السعي لكسب الرأي العام وعزل الخصم ما أمكن عبر تجريده من حلفائه وكذلك حشد المحايدين وطمأنة المتضامنين أما مهاجمة الجميع فسيؤدي حتما إلى خسارة الحلفاء لفائدة الخصم وذلك أبلغ مثال على سوء إدارة المعركة الذي يعود بالوبال.

6. لا تضعوا جميع من يعارضكم في نفس الخانة فمنهم من يؤمن بعدالة مطالبكم لكنه يعارض طريقة الاحتجاج فقط لكنكم بتصنيفكم كل من عارضوكم تجمعيين وفلولا أجبرتموهم على الانحياز للخصم بشكل كامل ليصبحوا معارضين حتى للمطالب وليس فقط للمنهج.

7. لا تسقطوا في فخ الاستفزاز والسباب والشتم فتفقدوا أخلاقيات المعركة لأن زلة العاقل بألف والناس لن تحاسب المربي على أخلاقه بنفس ميزان محاسبة الولي الذي قد يكون أميا أو محدود التعليم ولأن المعارك تنتهي لكن ما يذهب من رصيد المربي الأخلاقي لن يعود أبدا.

8. لا تكابروا وترفضوا النصائح أيا كان مأتاها فكم من معركة كسبت بفضل مشورة شخص مغمور والقادة العظام لا يأنفون من التراجع إذا استدعى الأمر ذلك وتغيير الخطط والأسلحة إذا تبين عدم جدواها.

9. لا تبرروا تعليمات قياداتكم إلا إذا كنتم مقتنعين ومؤمنين بها فعلا لأن القيادة لها حسابتها وقد تتراجع في أي لحظة وعندها تسقطون في فخ تبرير الموقف ونقيضه.

10. لا تدخلوا أبدا قدسية الرسالة التربوية ودور المربي الإنساني في القضايا المهنية لأن هذه القضايا خلافية ونبل رسالة المربي مسألة ثابتة وإقحام هذه الرمزية السامية في المعارك النقابية يفقدها قيمتها ويخرجها من مرتبة الحقيقة المسلمة إلى مرتبة الفكرة القابلة للنقاش والتي تحتمل الرفض أو القبول.

والله من وراء القصد

وزير التربية ما ضرّ لو كان سكت ؟

نور الدين الغيلوفي

1. لست، حين أكتب، أصدر عن غير نفسي ولا أقول سوى قناعتي ولا أحد يملي عليّ قولا وليس لأيّ جهة أن تحملَني على رأي لا أراه.. كلّ الذي أبتغيه أن أكون منسجما مع قناعاتي وفيّا لما أريد بعيدا عن كلّ وصاية.. هذا، حتّى لا يستسهل أيّ قارئ نسبتي إلى جهة بعينها وحتى لا يذهب أحد إلى عَدِّي في حكماء قبيلة من القبائل أو ضمن عامّتها.. فجميع القبائل ما عادت تسعني وأظنّ أنّ لي سهما في كلّ قبيلة منها.. هذه مواقفي كما تنفعل بها نفسي يوافقنيها البعض ويردّها عليّ البعض الآخر ولا أجد في ذلك ضيرًا.. لا أدّعي لها العصمة ولا أُكْرِهُ عليها أحدًا.. والإختلاف عندي مهما كانت درجته أوسع من مضائق الإتفاق…

2. السيد حاتم بن سالم وزير عائد.. عُيّن في سنة 2008 وزيرًا للتربية، وظلّ في منصبه حتى أطاحت به الثورة، كما أطاحت بغيره من جميع مفردات طاقم الرئيس المخلوع من الوزراء حتّى الخفراء.. ظلّ الرجل، وقد داهمته سيول الثورة، مختفيا عن الأنظار حتّى بلغت وزارة التربية من أزماتها التي لا تنتهي حدّا لجأت فيه إليه ليعود إليها من الباب الكبير محفوفا برضا الكافّة إذ لم يعترض عليه من “القوى المعتَبَرة” أحد فيما أعلم…

3. لك أن تقول ما شئت في أداء قيادة جامعة التعليم الثانويّ العامّة، ولكن ليس لعاقل أن يقارن باستبداد السلطة السياسية شيئا.. ومهما “تغطرست” منظّمات المجتمع المدني فإنّها تظلّ مضادّا حيويا ضروريا يحول دون عودة السلطة السياسية إلى تغوّلها.. لأنّ تغوُّلها من المُهلكات.. ومهما فعلت القيادات النقابية ومهما كان من أخطائها فإنها تبقى عينا ساهرة على حقوق الناس بالقوّة إن لم تكن بالفعل.. إذن فلا خوف من أن يكون الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل، بمختلف هياكله وقياداته، قوّةً ضاربةً في البلاد تفاوض من موقع الندِّية، دفاعا عن حقوق الكادحين، ما دامت تسيّره عقول راجحة لا تستهدف غير مصلحة الوطن والذود عن كرامة الناس.. وحتّى إن استوطنه سياسيون تركوا خيامهم لضيقها وجعلوه درعًا لهم يبقى هو الخيمة الجامعة المانعة التي تجير كلّ من استجارها، وهؤلاء في جوارها.. لذلك ليس من المعقول أن نُستَدرج إلى تشويه منظّمة هي مكسب وطنيّ لا نظير له مهما كانت أخطاء القائمين عليها…

4. لقد حملت بعض شبكات التواصل الاجتماعيّ تدوينة نُسبت إلى السيد وزير التربية جاء فيها: (الدولة لم ولن تركع ولأي كان… عاشت الجمهورية.. عاشت تونس).. ولمّا وردتني التدوينة فزعت فيها بآمالي إلى الكذب خاصّة لمّا علمت بأنّ السيد الوزير العائد حائز على درجة الدكتوراه في القانون يعرف مفهوم الدولة ويحسن تدوير الكلام.. ولا يرمي، إذ يرمي، إلّا وهو يعي ما يقول.. بحثت فلم أجد للقولة أثرا على الصفحة التي تحمل إسم الوزير.. ولكنّ لي عندها وقفة نَصًّا مات مؤلِّفُهُ.. والنصّ يحمل على التفاعل معه حتّى متى نُظر إليه في ذاته…

5. (الدولة لم ولن تركع ولأي كان… عاشت الجمهورية.. عاشت تونس).. لقد أخطأ الرجل ثلاث مرّات في تدوينته.. الأولى أنّه لَحَنَ في لغته لَحْنَيْنِ إثنين، وهو على رأس وزارة تربية في دولةٍ “العربيةُ لغتُها” (الدولة لم ولن تركع ولأي كان).. ولكنّنا قد نقبل أن نتجاوز عن لحن في العربية يأتيه رجل تعليمُهُ فرانكفونيٌّ، وقد لا ننقم عليه ضعف كفاياته العربيّة، فالعربية في هذه البلاد معطوبة إلى حدّ بعيد.. وأنصارها يحتاجون لأجلها عناية مركَّزة طويلة المدى لتستردّ عافيتها.. ولست أرى لها تعافيا في منظور المدى…

6. أمّا الثانية فتحملنا على التساؤل عن الدولة ما هي؟ ومن الذي يحقّ له أن يتحدّث باسمها؟ وهل يحتكرها وزير تابع لجهاز تنفيذي في نظام جمهوريّ قرّر القطع مع عقلية “الدولة أنا” وجعلها قسمة بين سلط ثلاث تنفيذية وتشريعية وقضائية يراقبها شعبٌ بغثِّه وسمينِه، في سياق ديمقراطيّ بشّرت به ثورة رأس شعاراتها “الشعب يريد إسقاط النظام”.. وحتّى في ظلّ ذاك النظام ما كان للوزير أن يتحدّث باسم الدولة، لأنّه لم يكن سوى موظّف يقف عند أوامر رئيسه ونواهيه ولا يتجاوزها.. ثمّ إنّ الدولة لا تُختَزلُ في أجهزة الحكم منها بل تتّسع لكلّ شعبها.. وما الدولة إن لم تكن دولة الشعب؟ أوَ ليس الاتحاد العام التونسيّ للشغل جزءا من الدولة؟ وهل هو خصم لها أو عدوٌّ يقف في دائرة تهديدها؟ إنّه لئن كان الإتحاد معدّلا للموازين حتّى لا تقلبها السلطة السياسية فإنّه يظلّ عنصرا مساعدا يقيها (السلطة السياسية) عثراتٍ تُكْرِهُهَا عليها إملاءات لا وطنية قد لا ترى منها بُدًّا.. وقتها يكون الاتحاد هو البُدُّ..

7. وأمّا الثالثة فإنّ مقام الوزير يقتضي منه أن يكون جامعا لا محاربا.. ولن يفهم ذلك إلّا متى علم أنّ ما جدّ بين نقابة التعليم الثانويّ وبين الوزارة لم يكن، على الإطلاق، صراعا بين عدوّين نهايته نصر وهزيمة.. فالصراع يستدعي إرادتين تتنازعان الوجود.. ولا أظنّ ذلك يصدق بين وزارة ترعى التربية ونقابة تبتغي حماية المُرَبّين الذين يقومون على تعليم أبنائنا وتنميتهم حتّى ينجحوا في رسم ملامح غدنا الذي نريده ونتجاوز فيه أعطابنا…

8. بقي العمل القوليّ الذي ختم به الوزير تدوينته (عاشت الجمهورية.. عاشت تونس).. عند هذا المستوى من الكلام لا أملك إلّا أن أقول: “ما ضرّر لو كان سكت”…