اليوم العالمي للاختفاء القسري ومصر

كارم يحيى

معكم ولن ننسى
في نوفمبر 2015 كتبت ونشرت المقال الأول لي عن الاختفاء القسري بعنوان :”النائب العام والاختفاء القسري “. والى الآن لم يرد النائب العام . ولعل الجديد انني لم اعد قادرا على استئناف الكتابة عن القضية في الاهرام بعدها. بل توقفت الجريدة كليا وتماما عن نشر مقالات الرأي للاقلام النادرة خارج السرب، ومنها قلمي المتواضع.
وفي ابريل 2016 عدت الى الاختفاء القسري على ضوء ماجري لباحث الدكتوراه الايطالي خوليو ريجيني التي مازالت قضيته مفتوحة ويبقى دمه يلاحق معذبيه وقاتليه .ونشره موقع “اورينت 21” بالعربية والفرنسية .واعتقد ان مواقع ايطالية ترجمته ونشرته.
وفي اغسطس 2016 ومنذ ثلاث سنوات بالتمام عدت وكتبت مقالا أطول وأكثر وضوحا .ونشرته في مدى مصر .والآن اصبحت مدى مصر من بين نحو خمسمائة موقعا اخباريا و لجمعيات ومنظمات حقوقية محجوبة في مصر ومنذ يونيو 2017 .كما صدر قانون معادى لحرية الانترنت يضفي المشروعية على الحجب والحبس.
وفي اغسطس 2017 اجتهدت وترجمت الى الانجليزية المقال الثاني المطول ونشرته على صفحتي بالفيس بوك.
وها أنا اعود للقضية / الجريمة الكبرى بعدما لمست منذ التاريخ الأول للكتابة عنها وعن قرب مدى خطورتها .وهذا لأن العديد من الزملاء والاصدقاء الذين اعرفهم بشكل شخصي ومباشر وبيننا تاريخ وعلاقات ممتدة تعرضوا للاختفاء القسري .حقا هي جريمة كبرى ولو جرت ليوم واحد. و يتعين النشر عنها مرارا وتكرارا. ودائما وبكل الوسائل واللغات.
و هنا استعادة للنصوص الأربعة مع ثلاثة روابط :

•••

(1)
النائب العام والاختفاء القسري 
كارم يحيى 

انفطر القلب عندما استمعت الى أم أخبرتني انها تتصل بابنها المختفي منذ اكثر من عامين على رقم هاتفه المحمول لتقول له في كل عيد بما في ذلك عيد ميلاده: كل سنة وانت طيب. تصمم على قول التهنئة وهي تغالب الدموع واليأس وصوت الرسالة المسجلة : هذا الرقم مغلق أو غير متاح . وكانت الأم وهي والدة المهندس حديث التخرج محمد خضر على محمد (24 سنة) قد جاءت الأربعاء الماضي من بورسعيد لتنضم الى قائمة من الأمهات والآباء تقدمت الى مكتب النائب العام الجديد المستشار نبيل صادق بما أعتقد انه أول بلاغ جماعي بشأن ظاهرة الاختفاء القسري.
لم يكن من حظ هؤلاء الآباء والأمهات لقاء النائب العام ليستمع اليهم بنفسه. لكن اصبح هناك بلاغ يحمل رقم 19763 بتاريخ 18 نوفمبر 2015 يتضمن ان مقدميه وقع عليهم أشد الآلام والاضرار من اختفاء فلذات أكبادهم وقرة عيونهم فاصابهم ذلك بالأمراض ولقي ربه من امهاتهم وابائهم من لقي وعاش في الحزن والمرض والآلام منهم من بقي . وهذا البلاغ الجماعي يضم عشرة حالات إختفي أولها في 8 يوليو 2013 ومعظمها في 14 أغسطس من نفس العام وآخرها في 13 يناير 2014 . وبين هذه الحالات 3 طلاب وخريجان جامعيان وطبيب جراح ومحامي وترزي ومحاسب ومبيض محارة. وتترواح اعمارهم بين 58 و 22 سنة. ووفق ماورد من بيانات في البلاغ فان الأهالي يعتقدون بأن ذويهم المختفين جرى القبض عليهم في شوارع مدينة نصر باستثناء حالتين: واحدة امام منزل المختفي في الزقازيق والأخرى من مدرسة خاصة بناهيا في الجيزة.
ولقد علمت من المحامي إبراهيم متولي رئيس رابطة ذوي المختفين قسريا وهو أيضا والد احدهم أن لديه قائمة تزيد على الألف مواطن وبها معلومات مفصلة عن أهليهم وتاريخ الاختفاء وربما مكانه ومناسبته. ولكنني اعلم شخصيا بأن العديد من الاشخاص قد اختفوا حتى قبيل أحداث الحرس الجمهوري ورابعة. فالظاهرة حاضرة بالشهادات والشواهد منذ يناير وفبراير 2011. وخلف كل اسم اختفي شبكة من العلاقات الأسرية والانسانية من جيران واصدقاء وزملاء ومعارف. والأهم قصص معاناة طويلة في التنقل والبحث عبثا بين المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة والسجون والنيابات.
ولا نملك الا التشبث بالأمل مع كل هؤلاء ثقة بان النائب العام الجديد سيهتم لأنه انسان و أب ورجل قانون ولأنه تولي في محكمة النقض مسئولية العلاقات الدولية وقام بتمثيل مصر في محافل خارجية عدة سمحت له بالاطلاع على خطورة وحساسية ملف الاختفاء القسري من واقع العديد من الخبرات التاريخية المهمة ،بما في ذلك تجارب دول أمريكا اللاتينية وبخاصة الأرجنتين وشيلي . وهذا حتى لو لم تكن مصر وقعت بعد على اتفاقية الأمم المتحدة لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2010. وهو أمر على خلاف حال دول افريقية منها بوركينا فاسو والسنغال و عربية كتونس . وقد نصت الاتفاقية على ان هذه الجريمة تنتهك جملة حقوق للانسان منها الحق في الحياة والأمن الشخصي و المحاكمة العادلة وعدم التعرض للتعذيب واساءة المعاملة. كما قررت انه لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان ولو بحالة الحرب او انعدام الاستقرار السياسي لتبرير الاختفاء القسري.
وليس من مصلحة عاقل أو وطني في مصر ألا نفتح هذا الملف ونحققه ونعالجه بأنفسنا وان نسرع بالانضمام الى هذه الاتفاقية الدولية . ولأن انكار الظاهرة لم يعد ممكنا أو مقبولا بعدما شكل المجلس القومي لحقوق الانسان لجنة خصيصا اصبحت تدرس 57 شكوي تقدمت بها عائلات وفق ما ابلغني به الصديق جورج اسحق رئيس لجنة الحقوق المدنية والسياسية بالمجلس . وقد تفضل مشكورا بأن أخطرني كذلك بان تقريرا بهذا الشأن سيصدر في غضون أسبوعين أو ثلاثة. و يقينا فان ماجرى هذا الصيف مع اختفاء الفتاة إسراء الطويل من كورنيش المعادي الى سجن القناطر علم به العالم بأسره. ولقد كنت لا أعرف هل يمكن ان نطلق على ماكان مع زميلنا الصحفي بأخبار اليوم محمد البطاوي اختفاءا قسريا أم لا؟ . فقد ظل أهله ونقابته لأيام بعد القبض عليه في منزله فجر يوم 17 يونيو الماضي لا يعرفان أين هو الى أن تقدم الزميل يحيى قلاش نقيب الصحفيين ببلاغ الى النائب العام السابق استخدم فيه مصطلح الاختفاء القسري (بحسب بيان صدر عن النقابة في 22 يونيو الماضي). وربما لهذا السبب أو لحسن حظ الزميل الصحفي صدر بعدها تصريح من مصدر أمني لوكالة انباء الشرق الأوسط يحدد مكان احتجازه.
البلاغ الجماعي أمام النائب العام الاسبوع الماضي ينضم الى عديد البلاغات الفردية السابقة. وليس أمامنا إلا ان نأمل مع ذوي المختفين قسريا أو من يشتبه في اختفائهم على هذا النحو في أن ينحاز ضمير الأب والقاضي المستشار نبيل صادق الى كل هذه المعاني .وأيضا الى ممارسة صلاحياته بمقتضي الدستور والقانون. وربما يتطلب الأمر من سيادته تخصيص قاضي تحقيق لاستجلاء هذا الملف برمته. ولأنه هو المحامي العام الأول عن عموم المجتمع المصري بأسره.

نشر في الاهرام بتاريخ 23 نوفمبر 2015
رابط المقال :
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/455817.aspx

•••

(2)
اخفاء الاختفاء القسري في مصر
كارم يحيى 

في 22 يونيو 2015 استخدمت بيانات نقابة الصحفيين المصريين مصطلح “الاختفاء القسري” لتصف حال “محمد البطاوي” الصحفي بمؤسسة “أخبار اليوم” المملوكة للدولة بعد ان قبضت عليه الشرطة من مسكنه بمدينة طوخ شمالي القاهرة فجر 17 يونيو . وبعد الجهر على هذا النحو بكلمة “الاختفاء القسري” نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية تصريحا لمصدر أمني يحدد مكان احتجازة بأحد السجون .”البطاوي ” يعد محظوظا إذ استغرق اختفاؤه نحو أسبوع واحد فقط .هذا مع انه مازال رهن الاحتجاز متهما بالانضمام الى جماعة غير قانونية وبتهم اخرى، فيما كان بالأصل قد نشر مقالا ساخرا على موقع الكتروني عن جزيرة نائية بالمحيط الهادي تدعي “جيسي ستان” ليقارن بين الدبابة و سيارة الأسعاف ، ملمحا الى قمع الجيش للمدنيين .وهوتماما ماكان قد جرى قبلها للتو في إضراب مصنع للأسمنت بسيناء (1).
لكن حال أسرة “البطاوي” أفضل كثيرا من أسرة “صبري أنور ” الصحفي بموقع جريدة ” البديل ” الذي قبضت عليه الشرطة من منزله أيضا مدينة ” كفر البطيخ ” بدمياط فجرا يوم 21 فبراير 2016 .في البداية ولحسن حظ زوجته فقد مكنتها الأقدار ” وفاعل خير ” من رؤيته في قسم شرطة المدينة بعدها بيومين إثنين .وأبلغها انه تعرض للتعذيب بما في ذلك الصعق بالكهرباء. ووفق اصدقاء ” أنور ” فقد اختفى بعد التقدم ببلاغ الى النائب العام .والى حين كتابة هذا المقال في منتصف مارس لا تفيد وزارة الداخلية أو أي من سلطات الدولة أين هو ؟(2).
وفي أوساط الصحفيين ـ رغم القيود المفروضة على تناول الإعلام وبخاصة اعلام الدولة لظاهرة الاختفاء القسري ـ ثمة حساسية ما ازاء هذا الاختفاء . ففي ذاكرة المهنة هناك حالة “رضا هلال” الصحفي بـ”الأهرام” المختفي منذ شهر يوليو 2003 . وهناك بين الحقوقيين من يذهب الى ان “هلال” هو احد حالتي اختفاء قسرى اثنتين فقط في زمن الرئيس المخلوع “مبارك” الذي استمر ثلاثين عاما . لكن هناك أيضا من يقول بأن لديه توثيقا بسبعة وخمسين حالة اختفاء قسري في هذا العهد (3).

أرقام كبيرة لكنها متضاربة
الفارق بين الاختفاء القسرى في زمن “هلال” وبين زمن “البطاوي” و “أنور” يتمثل في تزايد اعداد المختفين على نحو أصبح يثير قلق منظمات حقوقية ودولية والرأي العام حتى داخل مصر . لكن السلطات تنكر الظاهرة وتتهم التنظيم الدولي للإخوان في خارج مصر بشن حملة تشويه. إلا انه في 22 ديسمبر 2015 اصدرت منظمة حقوقية لا يمكن وصفها بالإسلامية أو الإخوانية تقريرا يرصد 430 حالة اختفاء قسري بين أغسطس ونوفمبر من هذا العام بواقع ثلاث حالات يوميا (4) . وعند “رابطة ذوي المختفين قسريا” بيانات بمائة وثمانية حالة منذ تأسيسها في صيف 2013 كما أبلغني رئيسها المحامي ووالد أحد الضحايا ” ابراهيم متولي “.وهي بالأصل رابطة بلا مقر ولا إمكانات وتعتمد على جهد فردي (5) .
ولعل مايفيد شمول الظاهرة جغرافيا وعمريا واجتماعيا تحليل بيانات بلاغ جماعي تقدمت به عائلات عشر حالات للنائب العام في 18 نوفمبر 2015 أن أولها إختفي في 8 يوليو 2013 ومعظمها في 14 أغسطس من نفس العام ( تاريخ فض اعتصام رابعة ) وآخرها في 13 يناير 2014 . وبين هذه الحالات 3 طلاب و خريجان جامعيان و طبيب جراح و محامي وترزي ومحاسب ومبيض محارة . وتترواح اعمارهم بين 58 و 22 سنة . ووفق ماورد من بيانات في البلاغ أيضا فان الأهالي يعتقدون بأن ذويهم المختفين جرى القبض عليهم في شوارع مدينة نصر باستثناء حالتين :واحدة امام منزل المختفي في الزقازيق والأخرى من مدرسة خاصة بناهيا في الجيزة (6). ولقد عدت وسألت “متولي ” محامي مقدمي البلاغ الجماعي هذا في منتصف مارس 2016 عن مصيرماتقدم به فأبلغني بانه كغيره من مئات البلاغات الفردية لم يجر التحقيق فيه . وعلما بان التقدم ببلاغات عبثا الى النائب العام وشكاوى الى وزارة الداخلية ورئيس الجمهورية هي واحدة من رحلة معاناة طويلة لأهالي الضحايا . تبدأ بالسؤال والبحث في اقسام الشرطة والمستشفيات والمشارح ومحاولة زيارة السجون عبثا بما في ذلك سجن “العازولي” العسكري على طريق الاسماعيلية البعيد عن اي رقابة (7).

استمارات المجلس القومي 
ومن تردد على ميدان التحرير بعد هروب مبارك في 11 فبراير 2011 كان بامكانه ان يلتقي بعائلات تشكو اختفاء ذويها مع احداث الثورة . وبالطبع لا أحد يملك في بلد كمصر ارقاما موثقة عن ظاهرة بهذه الخطورة . لكن بعد اطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي 3 يوليو هناك شواهد عدة على طفرة في اعداد المختفين قسريا ،كما أشرت سابقا. والكثير من بينهم على خلفية الصراع السياسي . ومنذ ان فتح المجلس القومي لحقوق الانسان أبوابه في خريف عام 2015 لملأ استمارات تقديم بلاغات بشأن المختفين قسريا وفق معايير اتفاقية الامم المتحدة لعام 2006 فقد أصبح وفق ما ابلغني به عضو المجلس “جورج اسحاق” لديه في مطلع مارس 2016 نحو 300 استمارة خاطب بها وزارة الداخلية .وردت الى حينه على 193 حالة كاشفة بأن هؤلاء عندها في المحابس والسجون وعلى ذمة قضايا او في انتظار توجيه تهم ،وباستثناء ثلاث حالات قالت بأنهم سافروا الى خارج البلاد (8). ومع هذا فان هذه العملية التي اطلقها المجلس لا تحظي بالكثير من الثقة. لا من ذوي الضحايا ولا من اعضاء في المجلس نفسة (9). وعلى اي حال فان المجلس وعد انه سيعلن تقريره عن الاختفاء القسري منذ نوفمبر الماضي مرارا وقريبا دون ان يفي بتعهده. بل استبق رئيسه القطب السياسي الناصري المعروف “محمد فائق ” التقرير وأدلى بتصريحات تقلل من كون الاختفاء القسرى في مصر ظاهرة (10).

في تفسير الظاهرة 
الفارق بين زمن”هلال” وكل من “البطاوي” و”أنور” لا يتمثل فقط في الطفرة في اعداد المختفين . لكن الواضح أيضا بلا لبس أو خلاف أن العديد من حالات الاختفاء الموثقة جرت بعد اعتقال الضحايا بواسطة قوات الشرطة وايداعهم رهن الاستجواب والاحتجاز في مقارات جهاز الأمن الوطني ( أمن الدولة والبوليس السياسي سابقا) . وبالقطع هناك من ظهروا مقتولين في مناطق نائية رغم ثبوت القاء الشرطة القبض عليهم كحال طالب الهندسة بكلية عين شمس اسلام عطيطو الذي شهد زملاؤه بالقاء القبض عليه من لجنة الامتحانات، أو من يحيط الغموض ببداية رحلتهم الى النهاية كالطالب الإيطالي جوليو ريجيني . وهناك أيضا اعداد لا نستطيع تقديرها يعود اختفاؤها الى توقيتات مذابح الحرس الجمهوري وفض اعتصام رابعة العدوية و مسجد الفتح .
لكن الكثير من الحالات تظهر لاحقا متهمة في قضايا بخلفيات سياسية ،كما هو حال ضحايا الاختفاء في قضية كفر الشيخ العسكرية (11) . وليست المشكلة فقط في عدم توقيع مصر على الاتفاقية الدولية للاختفاء القسرى .ولكن أيضا في ان لا الدستور ولا القانون ترد فيه كلمة الاختفاء القسرى . فقط تنص المادة 54 بالدستور على تمكين من تقيد حريته بالاتصال بذويه ومحاميه خلال اربع وعشرين ساعة .ويعاقب القانون على الاحتجاز بدون وجه حق أي خارج القانون بالحبس لمدة اقصاها ثلاث سنوات . ومع هذا فان المصريين لم يعرفوا بعد تفعيلا لهذه النصوص . والأكثر مدعاة للدهشة ان وزير الداخلية ـ وهو مدير سابق لجهاز الأمن الوطني ـ عاد لينكر وجود حالة اختفاء قسرى واحدة (12).
وكأنه يمكن بعد كل هذه الشواهد والشهود اخفاء الاختفاء القسري في مصر.

_____

1. http://rassd.com/145306.htm )
2. رواية صديقه للكاتب في لقاء بالقاهرة معتصم عماد يوم 5 مارس 2016 . وقد تعذر الاتصال بزوجته السيدة لتأكيد الرواية من جانبها .
3. ذكر المحامي والحقوقي “ناصر أمين ” عضو المجلس القومي لحقوق الانسان رقم الحالتين الاثنين في حواره مع صحيفة ” المصري اليوم” بعنوان :” الأمم المتحدة اعتمدت 13 حالة اختفاء قسري بـ 25 يناير ” ، عدد 29 ديسمبر 2015. ومن جانبه ابلغ المحامي والحقوقي رئيس المنظمة المصرية لحقوق الانسان حافظ أبو سعدة في لقاء معه بالقاهرة يوم 9 مارس 2016 ان لدي مجموعة الاختفاء القسرى بالأمم المتحدة توثيقا واعتمادا بسبعة وخمسين حالة من زمن الرئيس حسني مبارك .
4. http://www.ec-rf.org/?p=1194
5. مقابلة للكاتب معه بالقاهرة يوم 6 مارس 2016.
6. من مقال للكاتب في جريدة الأهرام بعنوان ” النائب العام والاختفاء القسري، منشور يوم 24 نوفمبر 2015
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/455817.aspx
7. لقاءات اجراها الكاتب مع عدد من ذوي المختفين قسريا بمقر نقابة الصحفيين بالقاهرة خلال شهر نوفمبر 2016.
8. لقاء للكاتب معه بالقاهرة يوم 6 مارس 2016.
9. هناك كالمحامي ابراهيم متولي من يوجه انتقادات الى صعوبات ملأ الأهالي لاستمارة تنطوي على اسئلة عدة معقدة من دون مساعدة من جهاز المجلس نفسه .فضلا عن اشتراط المجلس ان يقوم الاهالي بعمل محضر عن الاختفاء لدي شرطة تمانع عادة في ممارسة المواطنين هذا الحق في قضايا ” حساسة” . ناهيك عن خوف العديد من ذوي الضحايا من التقدم بشكاوى او بلاغات .
10. حوار اجرته صحيفة ” المصري اليوم ” مع الاستاذ محمد فائق بعدد 13 فبراير 2016 بعنوان :” لايوجد اختفاء قسري واعداد المعتقلين لايتجاوز 8 آلاف”.
http://www.almasryalyoum.com/news/details/891571
11. شهدت هذه القضية اختفاءا قسريا لنحو ثمانين شخصا بين 76 و90 يوما . وانتهت الى توجيه الاتهام الى 16 امام المحكمة العسكرية التي حكمت عليهم في اتهامات بتفجير استاد كفر الشيخ والانتماء لتنظيم الإخوان بسبعة أحكام اعدام فضلا عن احكام اخرى بالسجن والسجن المؤبد .
12. حوار لوزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار لوكالة انباء الشرق الأوسط الرسمية في 6 مارس2016
http://www.shorouknews.com/news/view.aspx…
_____

نشر في موقع أورينت 21 بتاريخ 12 ابريل 2016
رابط المقال :
https://orientxxi.info/magazine/article1287
https://orientxxi.info/…/enquete-sur-les-disparitions-force…

•••

(3)
اخفاء الاختفاء القسري.. واستثماره أيضا
كارم يحيى 

قبل نحو تسع سنوات ابلغني “جويل كمبانا”مسئول قسم الشرق الأوسط وشمال افريقيا بلجنة حماية الصحفيين الدولية وقتها بدهشته للصمت الذي يحكم قبضته على زملاء رضا هلال في “الأهرام” إزاء اختفائه في 11 أغسطس 2003،وحتى بعد مضي أربع سنوات على الحادث . كان يشكو من عدم التعاون مع التحقيق الذي جاء خصيصا الى القاهرة لينجزه.وهو موقف سلبي ومريب شارك فيه رئيس تحرير الأهرام آنذاك .ويبدو أنني ـ وللأسف ـ كنت الوحيد من داخل “الأهرام” الذي جرؤ على التحدث اليه عن هلال ومصرحا بنشر اسمي، مع انني طالما لم أكن أوافق زميلي ـ الذي أصبح مختفيا ـ في آرائه أو تتوافق نظرتنا للسلطة وعلاقتنا بها داخل المؤسسة الصحفية وفي الدولة . وما يعلق بذاكرتي عندما استعيد اللقاء مع “كمبانا ” بمكتبي المتواضع القصي المنعزل في الجريدة أنني كنت أقاوم خوفا. بل فزعا أشاعه الاختفاء القسري بيننا . وأيضا لأن الصمت الذي غمر “الأهرام” كأمواج من الرمال بعد اكتشاف هذا الاختفاء لزميل عمل ومهنة أسهم أيضا في تعظيم الشعور بالخوف . ويحفظ نص التحقيق ما قلت على استفهام “كمبانا” وحيرته : ” أعتقد ان الناس هنا خائفون خصوصا بسبب الظروف الغامضة للقضية ” (1) .
وعشية اليوم العالمي لمناهضة الاختفاء القسري انعقدت بنقابة الصحفيين ( مساء الاثنين 29 أغسطس 2016) حلقة نقاشية بهذه المناسبة . والحقيقة أن مكان الانعقاد في ذاته جاء بمثابة مقاومة للخوف ، مع ان أيا من اعضاء مجلس النقابة لم يحضر الحلقة ويشارك بها . ولنأخذ في الاعتبار الحملة القمعية غير المسبوقة على النقابة واقتحامها في الأول من مايو الماضي واختطاف اثنين من الصحفيين (2) من داخلها وصولا الى المحاكمة الجارية للنقيب والوكيل والسكرتير العام . وعلى أي حال فقد ورد ذكر للخوف في سياقين إثنين على لسان المتحدثين بالحلقة النقاشية أو الندوة المصغرة هذه .فأشار أحد المحامين في معرض تضارب الاحصاءات عن المختفين قسريا في السنوات الأخيرة الى خوف ذويهم من الإبلاغ ويأسهم من التحرك لدى سلطات ،هي بالأصل متجاهلة منكرة . وجاء السياق الثاني على لسان أحد الزملاء الصحفيين حين أكد على سبب مهم في استفحال ظاهرة الاختفاء القسري بعد 3 يوليو 2013 وفي عهد الرئيس السيسي . وعلى نحو خاص يتمثل في تعمد اشاعة الخوف بين المصريين لاجهاض الاعتراض والرغبة في التغيير.
ومع هذه الندوة أو وحلقة النقاش أضيف احصاء جديد من “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” بشأن المختفين قسريا (912 ) .. أي بمعدل 3حالات يوميا . وهي حصيلة تلقي شكاوى ورصد على مدار نحو العام بين اغسطس 15 و 2016. لكنها تغطي حالات اختفاء تعود الى أغسطس 2013. كما لدينا تقديرات أضخم صادرة عن “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات” والتي رصدت خلال النصف الأول من عام 2015 وحده 1023 وقال ممثلها في الندوة ان المتوسط هو 5 حالات يوميا . وبالطبع ثمة هناك تقديرات محافظة وباحصاءات أقل عددا صدرت عن “المجلس القومي لحقوق الانسان” . وقد رصد 266 حالة بناء على التقدم باستمارات اختفاء قسرى وفق المعايير الدولية الى المجلس بين إبريل 2015 ونهاية مارس 2016 . وقال أن تعاون وزارة الداخلية بالرد على مخاطبات المجلس أسهم في استجلاء مصير 238 منها . ولقد اثبت هذا التقرير ـ دون أن يدين او يدعو للملاحقة والمحاسبة ـ اخفاء الوزارة للعديد من هذه الحالات لأيام وأشهر وسنوات .وحتي لو حاولت لغة التقرير التستر بتجنب استخدام “الاختفاء القسري” واستبداله بمصطلح ملطف اقل وقعا وخطورة.و هو ” الاحتجاز خارج القانون ” .وأيضا بتجنب المطالبة بملاحقة ومحاكمة الجناة والمسئولين عن هذه الجريمة . ولعل عنوان التقرير ” الاختفاء القسري بين الحقيقة والإدعاء ” يترجم التصريحات التي أخذ يطلقها رئيس المجلس وحتى قبل ان يصدر التقرير وينتهي عمل اللجنة المشكلة بهذا الشأن .وقد ذهب الى اعتبار ان مايثار عن الاختفاء القسري الآن هو مجرد ” تهويل” و” لايمثل ظاهرة ” فضلا عن اتهامه للتنظيم الدولي للإخوان بالخارج باثارة القضية (3).
لكن على أي حال ، ينتهي تقرير المجلس ـ المعين من رأس السلطة التنفيذية والذي يضم سياسيين لهم ميولهم وخصوماتهم ـ بتوصيات تتفق مع العديد من المنظمات والجماعات الحقوقية وأيضا رابطة “أسر المختفين قسريا” . ومن بينها المصادقة على الإتفاقية الدولية لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري ( الجمعية العامة للأمم المتحدة 2006 ودخلت حيز النفاذ عام 2010 ووقعت عليها عديد الدول الأفريقية والعربية ) و بأن يجرم التشريع المصري الاختفاء القسري ، وحيث لا يرد أي ذكر للمصطلح في القوانين مع الاقتصار على عقوبة في حدها الاقصي 3 سنوات نظير الاحتجاز خارج القانون . وأيضا التوصية بحق الضحايا في جبر الضرر .
وإذا ما تجاوزنا عن الانقسام الذي يضرب الحقوقيين بين “التهوين والتبرير” من جانب و” التهويل والمبالغة ” من جانب آخر و نحينا جانبا تحديد المسئولية و المسئولين عن الاختفاء القسري أو انكارها والتغطية عليهم ، يمكننا القول أنه أصبح من الصعب ـ و بالاحصاءات في حديها الأدني والأعلى ـ نكران توحش الاختفاء القسري على نحو غير مسبوق في تاريخ البلد . وأيضا كون أنه لم يعد يقتصر على تلك الحالات الشهيرة لشخصات عامة كوزير الخارجية الليبي “منصور الكخيا” ديسمبر 1993 ,وكذا الكاتب الصحفي “رضا هلال” (4) . الآن يتمدد جسم الجريمة طافيا فوق النهر بطول البلاد وعرضها . يدخل العديد من أحياء المدن والقرى .ويطال طلابا ومهنيين وعمال وعاطلين وحتى نساء وأطفال . وبالقطع تتواضع إحصاءات ما كان في ماضي البلاد عن الاختفاء القسري . وعلى سبيل المثال فإن مركز حقوق الانسان لمساعدة السجناء وثق 28 حالة اختفاء قسري ـ و فقط ـ بين ديسمبر 1989 و يونيو 2000 .. أي على مدي أكثر من عشرية كاملة . أما الحقوقي “حافظ أبوسعدة” فقد أبلغني بأن المنظمة المصرية لحقوق الانسان كانت قد وثقت 57 حالة اختفاء قسرى في عهد مبارك بكامله ،و الذي امتد لنحو ثلاثين عاما . وأبو سعدة لايمكن ان يحسب الآن بأي حال على ” المبالغين المهيجين المشوهين لسمعة النظام “.
وبالنسبة لي وشخصيا فقد التقيت أهالى يشكون اختفاء ذويهم قسريا منذ ثورة يناير 2011. كانوا يأتون الى الميدان يبحثون عنهم ويطلبون العون .لكن لنعترف أننا لم نهتم بما فيه الكفاية مع كل هذا الفوران السياسي الذي كنا نعيشه يوما بعد يوما وجمعة في الميدان بعد جمعة . لكن الضربات المفزعة سرعان ما توالت الى جواري . وأقصد اختفاء الزميلن الصحفيين “محمد البطاوي ” و ” صبري أنور”، وحتى قبل ان تثار الضجة حول الباحث الأكاديمي ريجيني مطلع هذا العام . عشت وقائع اختطاف قوات الأمن زميلنا “البطاوي” من منزله في “طوخ” بالقليوبية لنحو أسبوع خلال يونيو 2015 ,ولو بالحضور والمتابعة بنقابة الصحفيين مع أسرته واعضاء مجلس النقابة . وقد لجأت النقابة الى استخدام مصطلح ” الاختفاء القسري ” في بياناتها . فاضطرت الداخلية للكشف عن مكان احتجازه . لكنها زجت به في قضية مازال محبوسا على ذمتها الى الآن . وعايشت ولو عن بعد ومن خلال أصدقاء مشتركين اختفاء “صبري أنور” زميلنا الصحفي بموقع ” البديل “بعد أن أخذوه من منزله في ” كفر البطيخ ” بدمياط. ولقد علمت انه ظهر محبوسا على ذمة قضية هو الآخر . لكنه كان أسوأ حظا من زميله ” البطاوي ” ، حيث غاب الى المجهول لنحو أربع أشهر اعتبارا من 23 فبراير 2016.
وبين هذا وذاك التقيت واستمعت مباشرة الى أسر من ذوي المختفين قسريا كانوا قد تقدموا ببلاغ جماعي الى النائب العام بتاريخ 18 نوفمبر 2016 يحمل رقم (19763). ويتضمن عشر حالات . ولذا كان بالامكان ان استند الى البلاغ وأتوجه النائب العام والمجلس القومي لحقوق الانسان بمقال في الأهرام بعدها بأيام معدودة (5) . ولاأعرف هل كان النائب العام والمجلس حيلة في الكتابة كي يمر الى نشر نادر سرعان ما علقت عليه قنوات فضائية أم أنني تقمصت دور “الساذج”. لكن ما ـ والى الآن ـ أن النائب العام لم يحرك ساكنا ويرد على البلاغ أو المقال . كما أن ما استندت اليه من بدء تحرك المجلس القومي انتهى الى هكذا تقرير ونتيجة.
وأخيرا وقبل أسابيع معدودة التقيت بأهالي المحاكمين عسكريا في انفجار استاد كفر الشيخ .وتوثقت منهم بشأن اختفاء ذويهم المتهمين وتعذيبهم وانتزاع اعترافات منهم .وهذا قبل ان يظهروا أمام النيابة والقضاء العسكريين. وقد صدرت بالفعل احكام بالادانة والإعدام دون النظر في ادعاءات الاختفاء القسري والتعذيب (6). وهم الآن ينتظرون النقض .لكن أمام القضاء العسكري مرة أخرى . وفي مثل هذه الحالة وغيرها، أجدني عاجزا عن الاقتراب بالنشر مرة أخرى في ” الأهرام ” . لعلني لم أحاول . لكن ثمة مؤشرات وسوابق اختبرتها بنفسي تفيد الاستحالة.
وكنت قد انتهيت في مقال نشرته خارج الأهرام (7) الى انه من الواضح بلا لبس أو خلاف أن العديد من حالات الاختفاء الموثقة جرت بعد اعتقال الضحايا بواسطة قوات الشرطة وايداعهم رهن الاستجواب والاحتجاز في مقارات جهاز الأمن الوطني . وبالقطع هناك من ظهروا مقتولين في مناطق نائية رغم ثبوت القاء الشرطة القبض عليهم ، كحال طالب الهندسة بكلية عين شمس “إسلام عطيطو” الذي شهد زملاؤه بالقاء القبض عليه من لجنة الامتحانات، أو من يحيط الغموض ببداية رحلتهم الى النهاية كالطالب الإيطالي “ريجيني”. وهناك أيضا اعداد لا نستطيع تقديرها يعود اختفاؤها الى توقيتات مذابح الحرس الجمهوري وفض اعتصام رابعة العدوية و مسجد الفتح . لكن الكثير من الحالات تظهر لاحقا متهمة في قضايا بخلفيات سياسية ،كما هو حال ضحايا الاختفاء في قضية كفر الشيخ العسكرية . وليست المشكلة فقط في عدم توقيع مصر على الاتفاقية الدولية للاختفاء القسرى .ولكن أيضا في أن لا الدستور ولا القانون ترد فيه كلمة الاختفاء القسرى . فقط تنص المادة 54 بالدستور على تمكين من تقيد حريته بالاتصال بذويه ومحاميه خلال اربع وعشرين ساعة .ويعاقب القانون على الاحتجاز بدون وجه حق أي خارج القانون بالحبس لمدة اقصاها ثلاث سنوات. ومع هذا فان المصريين لم يعرفوا بعد تفعيلا لهذه النصوص. والأكثر مدعاة للدهشة ان وزير الداخلية -وهو مدير سابق لجهاز الأمن الوطني- يعود لينكر وجود حالة اختفاء قسرى واحدة (8).
والآن يمكنني وبمناسبة حلول اليوم العالمي لمكافحة الاختفاء القسري والندوة التي انعقدت بنقابة الصحفيين ودعيت للحديث أمامها أن ألاحظ جانبا من قواعد اللعبة . فالمئات وربما الآلاف من حالات الاختفاء القسري من شأنها أن تشيع أجواء خوف وصمت بين مجتمعاتهم . سواء عند الجيران وأهالي الحي والمنطقة والمدينة والقرية أو في أماكن الدراسة والعمل وغيرها . وهو خوف برائحة هذا الذي اشتمه ” جويل كامبانا ” في ” الأهرام ” حين زارها عام 2007 . لكنه بالقطع هذه المرة يتسع الى حدود أكبر وأخطر . ولعل قواعد اللعبة تقتضي في الوقت نفسه أن ينكر الخاطفون والمسئولون عن هذه الجريمة ( هي ضد الانسانية ولاتسقط بالتقادم بأي حال ) الظاهرة ،وان يتواطأ معهم المزيد من المسئولين في الانكار في خطاب مكرور موجه الى الداخل والخارج. ..وهكذا هي قواعد لعبة مزدوجة بوجهين متناقضين .
على المستوى اللصيق والشخصي مؤلم ومحبط أن لا يجرى الكشف عن مصير زميلك “هلال” بعد كل هذه السنوات وتقديم الجناة للعدالة . ومؤلم ومحبط كذلك ان يظل زميلاك ” البطاوي ” و “أنور” رهن الاحتجاز والغياب،و حتى بعدما خرجا من ظلام اختفاء القسري دام لأيام أو لشهور وأنت تسمع كل ساعة عن معاناتهما وأسرتيهما .. ومازلت.
لكن ليس علينا إلا أن نواصل طرق جدار الخوف هذا.. وبضمائرنا.

ـــــ
1. التحقيق بعنوان ” الرجل المنسي ” وقد نشر بتاريخ 17 أكتوبر 2007.
https://www.cpj.org/fo…/forgottenman_ar/forgottenman_ar.html
2. الزميلان الأستاذان عمرو بدر ومحمود السقا .وهما رئيس تحرير و محرر صحفي بموقع “بوابة يناير” .
3. أنظر على سبيل المثال لا الحصر : حوار اجرته صحيفة ” المصري اليوم ” مع الاستاذ محمد فائق بعدد 13 فبراير 2016 بعنوان :” لايوجد اختفاء قسري واعداد المعتقلين لايتجاوز 8 آلاف”.
http://www.almasryalyoum.com/news/details/891571
4. يظل اختفاء رضا هلال دون إجلاء الى حينه أما الكخيا فبعد 18 عاما من الانكار في القاهرة وطرابلس الغرب جرى الإعلان من جانب النائب العام الليبي في 11 سبتمبر 2012 أن آخر مدير مخابرات في عهد العقيد القذافي ويدعي عبد الله السنوسي قد اعترف باختطافه من مصر الى ليبيا وبدفنه هناك . وبالفعل جرى الاعلان عن العثور على جثته.
5. المقال بعنوان النائب العام والاختفاء القسري منشور في 24 نوفمبر 2015.
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/455817.aspx
6. حكمت جنايات عسكرية الاسكندرية في 2 مارس 2016 حضوريا على لطفي ابراهيم اسماعيل خليل و واحمد عبد المنعم سلامة واحمد عبد الهادي محمد السحيمي وسامح عبد الله محمد يوسف بالاعدام فضلا عن آخرين بالمؤبد والسجن .وعلما بان محاميهم وذويهم اثبتوا حالات اختفاء قسري وتعذيب لانتزاع اعترافات يقولون بانها متناقضة .وعلى سبيل المثال فان المتهم الأول القي عليه القبض بتاريخ 19 ابريل 2015 فيما يذكر محضر ضبطه ان القبض جرى في 30 يونيو 2015.
7. بعنوان تحقيق حول الاختفاء القسري في مصر بموقع أورينت 21 اللغتين العربية والفرنسية بتاريخ 12 إبريل 2016 :
http://orientxxi.info/…/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8…
8. حوار لوزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار لوكالة انباء الشرق الأوسط الرسمية في 6 مارس2016
http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?
cdate=06032016&id=08b1106b-a225-4913-ae8a-975c5b4b5e7c

نشر في مدى مصر بتاريخ 30 اغسطس 2016
رابط المقال :
https://www.madamasr.com/…/%D8%A5%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%A1-%…

ليست فلسطين وحدها تحت الاحتلال..

محمد ضيف الله

فرغت للتو من قراءة أطروحة لم تناقش بعد، الاستنتاج الأهم التي خرجت به، بعيدا عن اختصاص الأطروحة، أن الدول العربية هي التي تعطي شرعية للكيان الصهيوني،

ليس لأنها لا تحاربه أو لا تقاومه أو لا تقاطعه أو تتعامل معه سرا أو حتى علنا، وإنما أكثر من ذلك، فالأمر يتعلق بطبيعتها. نعم الدول الاستبدادية هي شكل آخر من أشكال الاحتلال، حيث الشعوب لا رأي لها، ولا موقف ولا مبادرة يمكن أن تصدر منها، وحيث الحاكم العربي الفرد الصمد، الآمر والناهي، الدول الاستبدادية هذه تفتقد إلى أن تتحرّر، ولا ينتظر منها أن تحرّر فلسطين. وفيما عدا ذلك فكلام المستبدين عن تحرير فلسطين، لا يكون إلا أجوف، الهدف منها استمرار احتلالهم هم لشعوبهم.

أمِنَ اللصوص فبرعوا

نور الدين الغيلوفي

سيناريو:
شبّان قرّرا أن يقيموا مشروعا يأكلون منه الخبز.. اكتروا بيتا في بعض أحياء مدينة لا يعرفهم بها أحد… يتفرّقون بالنهار بين الأحياء الأخرى حيث لم يرهم أحد.. يتعرّفون إلى الطرقات والمسالك.. يجوس كلّ واحد منهم بمفرده خلال الديار.. يكتشف.. ينظر في أشكال البيوت ويتفحّص أحوالها ويقدّر علوّ أسوارها ويبحث عن أيسر المسالك للدخول إليها.. يبدأ بجولة يرصد خلالها بيوتا مختلفة يجعلها في مرماه لينتخب من بينها ميدان مغامرة الليل… هذا بيت معمور بأهله.. خرج منه صبيّ عاد برغيف… يُسقطه من برنامجه.. هذا البيت خرجت منه سيارة ترك سائقها الباب مفتوحا ليغلقه غيرُه من بعده.. لا مطمع فيه..
هذا تنبعث منه أصوات صخب.. عراك نشب بين الزوجين أبكى الرضيع النائم.. ثمّ حلّ السكون وانبعث أصوات موسيقى..
أمّا هذا فتقف في شرفته فتاة تتفحّص هاتفها المحمول ولا تريد أن تنتبه كأنّها مشتبكة مع صديق لها في عراك افتراضي.. فهي تتمنّع عليه وهو يجاهد لإرضائها بمدامع الأشكال ويستعطفها بما لا يقول برفقته أخرى يحادثها بما لا تعلم الأولى..

أهه.. هذا هو .. بيت تبدو عليه سكينة الهجران.. يركّز عليه عدسته الراصدة.. وقد يلتقط أكثر من صورة له من جوانبه الممكنة…
يهاتف صديقه ليعلمه بالمكان.. وتسترخي حركته في الطريق بعيني لصّ ذابلتين.. حتّى إذا ظهر الثاني نظر حيث الهدف.. ثمّ تقاطعا في الطريق ليعودا إلى وكرهما من تعب النهار.. ويبدأ التخطيط لجهود الليل…
بعد منتصف الليل يبدأ التنفيذ.. يقف أحدهم عند منعطف الطريق على اليمين ويقف الثاني على اليسار ويقبل البطل الرئيس.. يقفز من جدار الأجوار فهو أسهل للقفز ثمّ ينطّ داخل البيت بخفّة قطّ ويبحث عن منفذ للدخول.. السكون مشتمل والطريق آمنة ولا شيء يستدعي الخوف.. وبينما هو يعالج الباب تشتعل الأضواء دفعة واحدة كأنّ الراصد كان مرصودا.. يهرع للخلاص.. نسي خطّة الفرار.. سمع أصواتا تنبعث من داخل البيت.. وصل السور قفز وفي الطريق وقعت قبّعته.. لا وقت لالتقاطها… فشلت جهود الليل والنهار…

جاء دور الشرطة.. يأكلون الخبز من أمن الناس على أرواحهم وأرزاقهم وأهليهم.. سلوك آلي ينجزونه داخل مكاتبهم الكئيبة.. تقييدات كثيرة على ورقات لا تُحصى.. أسئلة وإجابات.. برود غريب يعمّ المكان ولا ينذر بحلّ.. ثمّ تمضي.. يُطلَق سراحك من بحث ثقيل تعلم أنّك لن يجديَك شيئا.. “تو نتّصلو بيك”.. وتمرّ الأيّام والأسابيع والأشهر والأعوام.. وينقضي العمر ولم تتّصل شرطة الجوار.. والخبز مأكول…
بعد أيّام تسمع برجل أمن سطا على فرع بنك في واضحة النهار وسط المدينة والناس تسعى.. وتسمع برجل أمن ثانٍ ضُبط يسرق سيّارة لمواطن أمن شرَّه فركنها قربه.. ثمّ يأتيك خبر ثالث اغتصب قاصرا وقتل جدّتها وبدأ مشرع قتل أمّها صحبة عصابةمجرمين جاء ليقبض عليهم…
شيء رهيب…

قبلاط.. وضباع “ناسيونال جيوغرافيك”

عبد القادر عبار

هل شاهدتم ضباع “ناسيونال جيوغرافيك” كيف يسيل لعاب الوحشية الحاقدة من أشداقها وهي تجري لاهثة وراء فرائسها، تمزقها بكل صلف وتنهش لحمها بكل بربرية وهي حيّة تستغيث ولا مغيث..

هي خاصية مقرفة ومفزعة تنفرد بها هذه الفئة من السباع دون غيرها.. لقد خيّل إليّ أن ما رأيته من أثار التوحش والقسوة على وجه جدّة ضحايا “قبلاط” هو من أعمال ضباع ناسيونال جيوغرافيك
أ يكون في هذ الركن الجغرافي من الوطن العربي و في هذه القبضة الترابية من الشمال الافريقي نسخ رديئة من الضباع البشرية تفوق في وحشيتها وفضاعتها وبشاعة سلوكياتها ضباع ناسيونال جيوغرافيك.. وأنا لا أعلم !؟ والتي لا تختار فرائسها إلا من المستضعفين ومن فاقدي السند الوطني.
إن فاجعة “قبلاط” وجريمة الخمس ضباع قد أخرست وأفزعت وروّعت وزلزلت أكثر من أي جريمة أخرى ولهذا يجب أن لا تمرّ بصمت ولامبلاة وأن لا تطوى بلا ردع ولا عقاب.
اعدموهم ولو تعلّقوا بأستار الكعبة حتى لا تنتشر عن طريقهم ثقافة الضباع الناهشة وحتى لا يُروّع مرة أخرى فاقدو السند ومستضعفو هذا الوطن.
وتبًّا ثم تبًّا للناعقين في الشرفات والمحافل الكاذبة والبلوتوات الخادعة.. بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والمساواة.. حيث لم نسمع لهم ركزا.. رغم فضاعة الحدث وبشاعة المشهد.

أربع دقائق مع محكوم بالإعدام

كمال الشارني

بالنسبة لجريمة قبلاط، المشكل ليس في عقوبة الإعدام في حد ذاتها، بل في ضمان المحاكمة العادلة بكل مراحلها لأي مشتبه به، وأن يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته في نهاية المحاكمة العادلة، وذلك لتحقيق الانتقال من حالة المناداة بالسحل والحرق في ساحة عامة بتحريض شعبوي أو من السلطة إلى القضاء المستقل العادل الباحث عن الحقيقة، بالنسبة لمن لا يعرفون تأثير النطق بعقوبة الإعدام، أدعوكم إلى قراءة هذا المذكرات الشخصية من سجن الكاف: أربع دقائق مع محكوم بالإعدام:

عندما رموا بي في سجن الكاف في جانفي 1986، كان هناك في غرف العزل الرهيبة العائدة إلى زمن الاستعمار الفرنسي شاب محكوم بالإعدام لأنه قتل زوجته الحبلى من غيره وأمها من باب التشفي ولم ينجح في قتل أبيها، ولأني كنت في تلك الأيام الشاقة أصغر سجين فقد طلبوا مني أن أحمل إليه قفة أمه الأخيرة، قبل نقله إلى محكمة تونس على ذمة طلب تعقيب آلي تقوم به النيابة العمومية دون أمل في تخفيف العقاب، لأن الجميع كان يعتقد أنهم يذهبون به إلى “الخروبة” في تونس، حيث يتم الإعدام شنقا.
لم تكن لنا به أية علاقة إلا جوار غرفة المساجين الصغار بغرفة العزل في سجن الكاف، قال لي “كبران السنترة”، وهو سجين من أهلي، قاطع طريق حقيقي لا يتوب عن العنف محذرا: “الرائحة هناك لا تحتمل، إنه يتبول على نفسه”، وجدته مربوطا من يديه وساقيه مثل العبيد في أفلام السينما إلى حلقات معدنية في الجدار في غرفة طويلة تأكل الطحالب والخز جدرانها بسبب الماء المتسرب من الجدران، وقد برر لي أحد ضباط الصف في السجن بعدها بأنهم يفعلون ذلك لمنعه من قتل نفسه. وقفت في الباب، دفعني حارس السجن إلى الأمام، قال لي: لا تخف، لم ينجح في قطع السلاسل رغم أنه يحاول منذ أكثر من شهرين، إنها سلاسل فرنسية عمرها نصف قرن”، تصورت أنه في وضع من ليس لديه ما يخاف فقده، وقلت إنه قد يقترف أية حماقة: قد يعضني مثلا، لذلك فكرت في المسافة الضرورية في التعامل معه، قد يكون اكتسب شراسة كلب مربوط مثلا،
أول ما أثارني فيه، هو أنه لا يتوقف عن البكاء دون صوت، رأيت عينيه المعذبتين بالخوف والرجاء المفقود، رأيت بياض الجلد في حزاز الحديد في يديه وساقيه المحاط بسواد الوسخ، وحالة القذارة التي لا تحتمل في جسده،
كان يرتعش ويردد بصوت خافت دون أن ينظر إلي: “يا لطيف يا لطيف”، وضعت القفة قريبا منه، حيث كانت السلاسل تسمح له بفتحها وتناول محتوياتها، لكنه لم يهتم لها، لم ينظر لي أصلا، لم أجده شريرا ولا خطيرا، بل بدا لي تعيسا في أقسى الأوضاع التي يتخلى فيها عنه العالم كله، حتى أمه التي تموت في كل زيارة إلى السجن دون أن تراه منذ صدر حكم الإعدام، تحولت كل أمومتها إلى قفة أسبوعية، كان فيها صحفة مقرونة، صحفة سلاطة، تفاحة ومنديل من القطن الأبيض الناصع المزين بالورد في أطرافه، لا أدري إن كانت أرسلت له شيئا آخر، وفكرت في أن الأم، عندما يكون ابنها في السجن قد تخترع طرقا سرية لإرسال أشياء لا يراها السجان، مثلا، طرقا سحرية تمكنه من اختراق جدران السجن، إنما لم يكن هناك شيء من ذلك، لأنه لم ينظر إلى القفة أصلا، صرخت فيه:
– عبد النبي، قفة أمك،
لم ينظر إلي، استمر يكرر “يا لطيف ويا لطيف”، وقتها انتبهت إلى أن بوله يجري بلا توقف وأنه لا يبدو معنيا بقذارته حيث تفوح رائحة بذيئة ونفاذة من بين ساقيه، حتى أنه لا يعرف كيف يستعد للإعدام، وأن رائحته فعلا لا تحتمل بسبب القذارة، همهم، حاول أن يتكلم، نظر لي بانكسار، عندها نظرت إليه في عينيه، كانتا حزينتين، إنما بلا معنى، كانتا عينين فارغتين، (بعد ذلك بما يقارب ثلاثين عاما، رأيت نفس العينين الفارغتين في وجه رجل قضى ساعتين لكي يموت في مظاهرات ميدان التحرير بالقاهرة)، مد يده نحو القفة فأصدرت السلسلة رنينا لا يمكن أن يكون إلا جنائزيا لرجل يواجه شيئا نهائيا: الموت، لم يأخذ سوى منديل الأكل، وضعه على فمه، سحب الهواء من أنفه طويلا ليشبع روحه بشم آخر عطر يديها في المنديل، حاول أن يبتسم، وقال لي بصوت واضح بلا تردد:
– إنها رائحة يدي أمي، الشيء الوحيد الذي بقي لي،
كانت أربع دقائق، قياسية بقيت محفورة في ذاكرتي، مع رجل محكوم بالإعدام، قضى أكثر من نصف عام من عذابات انتظار القتل الشرعي المعلن، بعدها، عرفت شخصا حكم عليه بالإعدام من أجل جريمة قتل شنيعة في مدينة الكاف، كنا نحرسه ليلا من نفسه لكي لا ينتحر، بيد أنه كان يعجز عن النوم، بسبب خوفه من أن يتعرض للشنق في نومه، كان يقوم بعد لحظات من تناول الدواء المنوم يمسك رقبته بكلتا يديه ويندفع هاربا من فراشه نحو باب الغرفة حتى يصطدم رأسه بالباب المعدني الضخم، يحمي رقبته بأصابع كلتا يديه من مشنقة وهمية،
يضحك كثيرون، كان أشرار المساجين يتركون له على فراشه ورقة فيها صورة مشنقة، أو يكتبون كلمة “كوردة”، التي تعني مشنقة بالفرنسية المحورة حيثما يمر، عانى ذلك الولد طيلة عام ونصف حكم الإعدام المؤيد من محكمتين جنائيتين قبل أن يتم تحويل الحكم إلى السجن المؤبد، وقد التقيته في سجون وطنية أخرى، حيث قال لي بوثوق وألم مفاجئين: “لو تركتموني أقتل نفسي، لكان خيرا لي ولكم”، لن تقدر أبدا على تخيل عذابات انتظار القتل المعلوم، لن تقدر أبدا”.

ولكم في القصاص حياة

سامي براهم

القصاص ليس هو العقوبة المعادلة للجريمة وإلا ما عدل عنه إلى العفو. 
بل هو إجراء لإيقاف سلسلة القتل والتّكايل في الدّماء التي يكرّسها السلوك الثّأري في المجتمعات الثّأريّة.

في المجتمعات التي تسيطر عليها ثقافة الثّأر القصاص هو الذي يضمن الحياة بإيقاف القتل عند حدود القاتل والمقتول مع إمكان العفو من طرف أولياء الدّم لتسقط العقوبة.

في المجتمعات التي تجاوزت ثقافة الثّأر لا يصبح لعقوبة القتل باسم القصاص معنى متعلّق بقوله تعالى ولكم في القصاص حياة إلا معنى ضمنيّ بعيد هو الارتداع عن القتل.

الجرائم التي تستحقّ عقوبة القتل في كثير من الحالات تتوزّع مسؤوليّتها بين المنفّذ والسياقات الدّافعة أو المهيّئة للتنفيذ، وخاصّة مسّؤوليّة العائلة والدّولة.

تطبيق عقوبة الإعدام يشترط أن تكون الجريمة ارتكبت عمدا مع سابقيّة الإصرار والترصّد، وإن كان الإصرار والترصّد يمكن الاستدلال عليهما بقرائن ماديّة، فإنّ العمد كما ورد لدى أهل القانون هو وجود نيّة وإرادة كاملة للقتل امتلأ بهما ضمير القاتل وهي مسألة قلبيّة باطنيّة الاستدلال عليها على وجه القطع يعسر حتّى في حالات الاعتراف.

•••

بشاعة الجرائم تحيي ثقافة الثّأر والانتقام ولكنّها كذلك تغطّي على شركاء آخرين في الجرائم لا يقلّون مسؤوليّة عن مرتكبيها المنفذين لها حيث يكون التنفيذ الفعليّ المباشر آخر حلقات الجريمة.

نجاة تونس، مصالحة فرعي الحركة الوطنية

أبو يعرب المرزوقي

بعد أن تعطل التوافق ووقع النداء في خطأين خلال التكوين وخلال الاستعمال، ففي التكوين جمع ما لا يمكن أن يجتمع فكانت عملية تخادع متبادل بين بقايا اليسار والقومية وبقايا نظام ابن علي وبقايا نظام الاتحاد فكان الخطأ تحريف البورقيبية وتحريف الحشادية. أراد اليسار انتهازها لحربه المقدسة ضد الحركة الوطنية بفرعيها.
أما الخطأ الثاني فكان خلال الاستعمال وقد بلغ الذروة في آخر مناورة اصطدمت بالشعب لأنها تبينت له حربا على دستوره وعلى دينه أي على مرجعيتيه القانونية والروحية.
فأصبح الملجأ الوحيد لإنقاذ تونس المصالحة بين فرعي حركة التحرير فرع التأصيل المستنير (الثعالبي) الذي راجع مسيرته وفرع التحديث المتأصل (بورقيبة) الذي عليه ان يراجعها وخاصة بمقتضى مطالب الثورة والمحافظة على البند الأول من الدستور الذي وضعه بورقيبة نفسه في إطار تواصل الدولة.

وأعتقد أن فرصة من بقي نظيفا من الدستوريين، حتى لو اضطر بالواقعية السياسية إلى العمل مع نظام ابن علي، ومن لم يجرم في حق الشعب ومستعد لمراجعة ما في سياسة بورقيبة من “أبوية” مبالغ فيها لعلها كانت مناسبة للظرف ليحافظ على النير من تراثه، أن يشرعوا في الاتحاد للصلح بين فرعي الحركة الوطنية.
فمواصلة الفرع التأصيلي استوجبت الكثير من المراجعات.
ولا بأس من أن يقدم الفرع التحديثي على الكثير من المراجعات.
حينها سيتم الصلح بين المؤسس الاول والمؤسس الثاني للحركة الوطنية، ويصبح لتونس قوتان سياسيتان تعملان اليد في اليد لعلاج شروط استقلال تونس التام بتحرير الإنسان والوطن.
وعندما أقول اليد باليد، فقصدي أنهما في مرحلة أولى تحققان ما يسمى بالتحالف الأكبر لقوتين سياسيتين متفقتين على ما يقتضيه ظرف الانتقال الديموقراطي حتى يستقر النظام الجديد ثم يعودان إلى التداول الديموقراطي، فيكونا مثل الحزبين الأمريكيين أو البريطانيين، كلاهما يحرص على وحدة الشعب والدولة.
ولن يلغي ذلك الأحزاب الصغرى، بل هي تبقى موجودة لأداء وظيفتين ضروريتين في كل نظام سياسي ديموقراطي:
• والأولى هي دور اليمين الذي يحافظ على التأصيل.
• والثانية دور اليسار الذي يحافظ على التحديث دون أن يكون “لتطرفهما” الضروري كمحفز لرؤى القوتين دور الحكم الفعلي لأن الشعوب تفضل التوسط.

ولا أتصور السبسي اليوم قادرا على إعادة تجميع جبهته بالشكل الأول:
• فالتخادع بين طرفي جبهته من بقايا اليسار والابن علويين (فالبورقيبيون لهم أربع أحزاب) غير قابل للتكرار،
• ومناورة ابتزاز الإسلاميين لم تعد تنفع، إذ هي تحولت إلى معركة مع الشعب وليس مع النهضة كما توهم من غرر ببطانته.
• والتوافق لم يعد موجودا
• والكلام عليه كذبة لم يعد أحد يصدقها: فلا يمكن لحزب فقد وحدته وجل قاعدته بسبب هذه المناورة أن يمثل رجلا ثانية يقف عليها.
• والبلاد بحاجة إلى رجلين لكي تقف وتواصل عملية الانتقال الديموقراطي التي هي ليست مطلب الثورة فحسب، خاصة وأن محاولات “التمصير” باتت مستحيلة.
ولا أعتقد أن اليسار والنقابات خاصة يمكن أن تساعد السبسي في عملية استعادة جبهة الإنقاذ بشكلها الأول، لأنها لن تفعل إلا بالتغول وشرطه استبعاد التوافق والحرب على الإسلاميين وكلاهما يصعب أن يقبل به الشعب التونسي لأنه جربهم وعلم أنهم يريدون العودة إلى ما هو أسوأ من نظام ابن علي.
فما يحصل في مصر، فضلا عن الاستبداد والفساد، عاد بالشعب المصري إلى ما قبل القرن العشرين بكل المقاييس في التربية والثقافة والاقتصاد، بل وأخرج مصر نهائيا من كل دور يعتد به في الإقليم ما بقي فيها هذا النظام الذي يعشقه اليسار، بل هم يعشقون أكثر منه، أعني خرابا جنيسا لخراب سوريا والعراق.

وعلى كل، فهذا ما اقترحته من بداية الثورة عندما دعوت إلى ضرورة التلازم بين العفو التشريعي العام والمصالحة العامة التي لو حدثت، لعزلت أعداء الثورة ولتم دعوة التونسيين بكل حساسياتهم السياسية للإسهام في تحقيق أهداف الثورة وللعدالة المحاسبة بقاعدة افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة.
فتقديم المصالحة على المحاسبة يحقق هدفين:
• يلغي الخوف العام ويعزل المجرمين
• ثم يحول دونهم والتخويف بمنطق المسؤولية الجماعية الذي يقتضيه تقديم المحاسبة على المصالحة، فلو حاسب الرسول قبل المصالحة لما وجدت دولة الإسلام اصلا ولبقيت الحرب الأهلية حتى الباردة بلا نهاية.
لكن كما يقول المثل التونسي “اللوم بعد القضاء بدعة”.
حصل الذي حصل وينبغي أن نتدارك اليوم وأن يسعى كل من يؤمن حقا بأن تونس للجميع وأن بناءها، وخاصة في مرحلة الانتقال الديموقراطي، يقتضي إعادة بناء الفرع الثاني من الحركة التحريرية: إذا كان الإسلاميون ثعالبيين، فينبغي إعادة البورقيبية.
والبورقيبية إذا راجع أصحابها مثل الثعالبية التي راجع اصحابها مواقفهم، فتحرر الحزبان من حزازات الماضي وعملوا معا، فإن تونس ستخرج سالمة من الأزمة الحالية ومن الانتقال الديموقراطي لأن ذلك هو الحل الوحيد الذي يحبط مراهقات اليسار، وخاصة تغول الاتحاد التي يعمل بمنطق نظام ابن علي.

ورغم أني لا أنفي أن اجهزة الدولة، وخاصة الإدارة فيها الكثير من الفساد، لكنه كان يمكن التغلب عليه لو لم يكن له نظير في الاتحاد الذي كان يقاسم ابن علي ومافيته في تحويل الدولة ومؤسساتها، وخاصة شركاتها الوطنية والضمانات الاجتماعية إلى تكايا وبطالة مقنعة لتوظيف الاقرباء والاصحاب.
فأكثر من نصف موظفي الدولة وموظفي شركاته وموظفي مؤسسات الضمان الاجتماعي زائد عن الحاجة، وهو عمل وهمي وبطالة مقنعة تثقل كاهل الدولة وتمنع نجاح أي مؤسسة حتى لتكون ممولة لذاتها، وبدلا من أن تدر على الدولة ثمرة صارت ترضع الدولة.
والاقتصاد الموازي متناصف بين كلا الحالبين للشعب والدولة (الإدارة والاتحاد).
ولا يمكن إصلاح هذا الخلل الرئيسي لجعل تونس تستقل فلا تمد يدها للصدقات وقادرة على حماية نفسها من دون قوتين سياستين ممثلتين حقا للشعب، ولا يوجد ذلك في غير الثعالبيين والبورقيبيين بالقدر الكافي من الثقل والوزن لتحقيق هذه الشروط السياسية الشجاعة في هذه الحقبة الصعبة.
فإذا لم يقدم الإسلاميون على المساعدة في بناء الرجل الثانية لتونس، بعد أن صارت عرجاء بسبب تفتت حزب السبسي وتشتت الاحزاب الوسطى بينهما وتنمر اليسار والقوميين والاتحاد والمافيات التي تسيطر على الاقتصاد الموازي وتتحالف مع القوى الاستعمارية التي تتحكم في القرار السياسي، فتونس ستغرق.
والفتات السياسي لا يسيطر إلا بالتفتيت، ومن ثمّ فهم سيسعون إلى مزيد الفوضى في السنة القادمة التي هي سنة أعسر بكثير من السنة الحالية.
لذلك فعندي أن واجب النهضة اليوم هو أن تبحث عن التعامل المباشر مع الأحزاب الدستورية وأن تتعامل معهم كحزب واحد بالقوة: فالنهضة وحدها ستجرفها الفوضى القصدية.
وحتى لو نجح السبسي وأسقط الحكومة الحالية، فإن ذلك لن يعيد له ما كان له من بريق في محاولته الأولى لتحقيق التوازن، حتى وإن لم يكن ذلك حقا هدفه لأنه لم يحقق التوازن، بل ادعى “تذويب” النهضة وردها إلى حجم غير مؤثر فحصل العكس، وهو شيء لا يفرحني لأني حقا أريد التوازن بين قطبين جديين.
وحتى لا يحرم باقي الاطياف من المشاركة في حياة البلاد السياسية، فإن كلا الحزبين الاكبرين لا بد أن يكونا مثل الكوكب الذي له توابع حزبية قريبة منه، إما في المرجعية أو في الاستراتيجية السياسية لتحقيق أهداف الثورة وشرطي السيادة:
• شروط الرعاية ضد التسول.
• وشروط الحماية ضد التدخل الأجنبي.

قد يظن بعض قيادات الإسلاميين أن كلامي هذا من جنس النصائح أو التدخل في ما يعتبرون أنفسهم فيه أغنياء عن رأي غيرهم.
سأنهي كلامي بعبارة لعل الكثير من القيادات ينتبهون: السياسة تخضع لقاعدتين وضعهما أرسطو وحللهما بن خلدون:
1. قاعدة التوقع الاستراتيجي
2. وقاعدة الاستسناح بمقتضى المناسبة
فالتوقع الاستراتيجي هو الافق المفتوح لتحليل الظرفيات للتحرر مما يسمونه الإكراهات، ولا يكون ذلك ممكنا من دون تقدير الفرصة السانحة والمناسبة لأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
فالقرارات التي أخذت بعد فوات الفرصة السانحة كانت نتيجتها عكسية وأبرز مثال هو خاصة: تغيير الموقف من بورقيبة.
فالذين أرادوا توظيفه هم أعداؤه وليسوا أحباءه.
فلا أحد يصدق أن الخلاف بين بورقيبة والإسلاميين علته، على الأقل من منظور بورقيبة، الإسلام من حيث هو إسلام، بل هو اختلاف في فهمه وتأويله.
واعداؤه الحقيقيون هم اليسار الذين كانوا يريدونه أن يذهب إلى ما يذهبون إليه الآن وقادوا إليه السبسي.
والسبسي لا يمكن أن يعتبر من أصدقاء بورقيبة:
فهو حكم مع ابن علي وهو يعيد نظام ابن علي وليس نظام بورقيبة وما التمثال إلا للخداع.
فمن لم يزره في سجنه 13 سنة لا يمكن أن يكون محبا أو صديقا أو حتى ذا قلب رحيم أو يحترم نضال بورقيبة.
والدليل أن برنامجه ابنعلوي قدمه محمد الشرفي.
ففي كتابه الإسلام والحرية، عاب الشرفي على بورقيبة عدم ذهابه إلى ما يتمناه هو وكلفه به ابن علي:
تجفيف المنابع وخاصة العلمانية اليعقوبية الممزوجة بالماركسية المقعدة والتي هي عين ما يطالب به اليسار حليف السبسي والتي هي أصل هذه المناورة التي يسمونها الحريات الفردية والمساواة.

وهنا أكتفي بشهادة السبسي نفسه:
فهو يعتبر مقترحه حول المساواة يتأسس على أننا “لا علاقة لنا بالدين والآيات لأننا دولة مدنية” وهو يعني بالمدنية ليس ما حدده الدستور، سواء البورقيبي أو دستور الثورة، بل القطع مع رأي بورقيبة بأن تونس ليست علمانية لاتباع رأي مجفف المنابع الذي عاب عليه ذلك.
تونس لن ينقذها تخادع بقايا الماركسية والقومية المحرفة للحشادية وبقايا الابن علوية المحرفة للبورقيبية، بل استئناف فرعي حركة التحرير والتحرر التونسية التي يتصالح فيها التأصيل الذي يفهم عصره، والتحديث الذي يفهم أصله باجتهاد وتطور يراعي الظروف ويتجاوز فوضى أحزاب البقايا والبلايا.
فحزب التأصيل قام بالمراجعات، وأخذ بعين الاعتبار مقتضيات العصر، فأصبح من المدافعين عن الديموقراطية فاجتمع عليه الجاميات والعبيد الحاميات في بلاد العرب ومعهم الملالي وعملاؤهم ومليشياتهم، لكن حزب التحديث استبد به من كانوا مجرد عيون، فأرادوا أن يصبحوا أعيانا بالبهتان.

أنا أيضا إبنة المدرسة العمومية

ليلى حاج عمر

أنا أيضا ابنة المدرسة العمومية وأشتغل فيها منذ سن 21 ولم أدرّس في غير المعاهد العمومية إيمانا مني بأنّ التعليم يجب أن يكون مجانيا حقّا ومتاحا للجميع. وهو نفس الإيمان الذي به رفضت تقديم دروس تدارك بمقابل. ليس لأنّ لديّ مالا كثيرا، فنحن في التعليم لا نصير أثرياء تماما كما في الكتابة، بل لأني أرى أنّ العلاقة بين الأستاذ والتلميذ أرفع من أن تكون علاقة تجارية وأنّ حلّ المشاكل الماديّة للأستاذ هي مسؤولية الدولة والمجموعة الوطنية التي ينبغي أن تضع التعليم في أولوياتها تماما مثل الصحة والنقل، وأيضا إيمانا مني بأنّ الحل مسؤولية نقابة غير مؤدلجة تضع همّها السياسي والإيديولوجي جانبا وتتركه للأحزاب وتشتغل على تحسين مستوى العيش لدى الأستاذ لـأنّ حريته، حرية الأستاذ التي تسمح له بالتفرّغ الكلي لتشكيل العقول ونحت الأرواح مشروطة براحته المادية وقدرته على توفير أسباب الحياة التي تليق به وبأبنائه.

دافعت عن التعليم العمومي وسأدافع. كلّ الخراب حولي لن يقلّل من إيماني بالتعليم العمومي. خراب جعل الكثير، حتّى ممّن بدّعون الدفاع عن التعليم العمومي، يقفز على الفرصة لإنجاز مشاريع تعليمية خاصة لم تستطع حتى الآن أن تنافس العمومي في نتائجه رغم أننا نشتغل في ظروف الحد الأدنى. ولأنّي لم أعد على يقين برهان الدولة على التعليم فإني صرت أميل إلى إيجاد حلول فرديّة أو جماعية مشتركة لمواجهة المآزق التي تواجهنا. لذا أعتبر أنّ ذلك الفضاء الضيق المسمى قسم يمكن أن يتحول إلى فضاء حرية للأستاذ وللتلميذ معا من أجل بناء مشترك للمعنى عبر كسر القوالب والطرق التقليدية وتلمس السبل غير المطروقة وكسر الحواجز بين المواد كي لا يصبح القسم طاردا للتلميذ الذي لا يجد فيه أيّ متعة.

أنا خريجة التعليم العمومي والعاملة فيه أعترف أني أشعر بالفشل وأنا أعاين العطب في العقول والأرواح الذي نتج عن توظيف سياسي لئيم للتعليم خلال 30 سنة تقريبا ونتيجة فساد خرّب بيته ولم تقع محاسبة المسؤولين عنه إلى اليوم. فشل يجعل رهانات التعليم العمومي اليوم متعدّدة وملحّة. وهي رهانات بعيدة عن المنطق النفعي للتعليم الخاص حيث البزنس هو الذي يحكم كلّ العملية التعليمية.
الرهان الحقيقي للمدرّس ليس نسبة النجاح الرسمية التي قد تنتج عن حشو مكثّف للعقول سنة الامتحان بالدروس الخاصة وضخّ الأموال وكأنّنا في سياق تعليب للرؤوس وفق الطلب (تماما مثل “عشعشة الأكباش قبل الذبح)، بل رهانه الحقيقي في ترويض العقول على التفكير وتحريرها من الوثوقية وتوهم امتلاك الحقيقة (محنة التونسي اليوم في المعارك التي يخوضها) ومن الانفعال (محنة العرب عموما) ومن الأنانية والجشع والكبر والرغبة في إلغاء الآخر الذي يشاركه الهواء وحذفه إن اختلف معه. رغبة تزداد حدّة اليوم مع التجربة الديمقراطية وهي مفارقة غريبة نعيشها تدلّ على أنّ رواسب الاستبداد عميقة جدّا في وعي التونسي ولاوعيه. أعتبر أنّ أكبر فشل للتعليم اليوم هو عجزه عن بناء عقول قادرة على العيش المشترك ومتمكّنة من التفكير الموضوعي بعيدا عن التشنّج والسطحيّة والانفعال الذي قد يتحوّل إلى عنف. وهي عوائق تجعل معاركنا اليوم أقرب إلى الحرب منها إلى الحوارات العميقة الهادئة. إنّها تبادل للقتل المعنوي برصاص الكلمات الجارحة.

والرهان الحقيقي للأستاذ أن يعلّم، نسبيا، القراءة الصحيحة للنصوص. فنحن لانزال نتعثّر في قراءة النصوص. قراءة عقلية نحفر فيها وراء المعنى ولا نكتفي بالسطح. الاكتفاء بالسطح أنتج عقولا مسطحة ووعيا مسطحا. والقراءة تتعدّى النصوص إلى قراءة الواقع في أبعاده المختلفة الفيزياية والرياضية (نسبة إلى الرياضيات) والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. تعلّم القراءة الصحيحة تمنع التلاعب بالعقول وتسلّح القارئ الجيّد بالفكر النقدي لأنّ النقد هو أحد مستويات القراءة الأعمق. التحليل السليم يفضي حتما إلى فهم سليم ومواقف سليمة.
عدم التصديق والتسليم المطلق وعدم إطلاق الأحكام المسبقة هذه التي أوصانا بها المعلّم العظيم الجاحظ (كم نحتاج هذا الجاحظ اليوم) والتنسيب الذي يجعلنا لا نحمل السيف أو الحجارة استعدادا للرجم ونحن نواجه الرأي الآخر الأكثر وجاهة من رأينا، ألا يحتاج هذا المجتمع الذي يغرق في الإطلاقية إلى هذه الفعاليات العقليّة؟ وأليست هذه المهمة الأساسية للتعليم؟
ثمّ، أليس الرهان أيضا تصالح ذلك الطفل الذي أمامنا مع نفسه ومع جسده. أن لا يقبل أن يسيء إلى جسده أو جسد غيره. أن يحترمه بعمق. آنذاك سيرفض كلّ أشكال الأذى. وهذا يقتضي فضاء تعليميا مريحا للتلميذ بدءا من الطاولة التي يجلس عليها لساعات وصولا إلى المعلّم والأستاذ الذي لا يتمثّل دوره في أن يهينه أو يعنّفه. آنذاك سيرفض مستقبلا كلّ أشكال الإذلال التي تفرض عليه بأنواعها. وآنذاك سيكون حرا، وآنذاك سيفكّر تفكيرا سليما.

حين يسألني تلامذتي في الشعب العلمية لماذا ندرس الفلسفة واللغات في الشعب العلمية أقول لهم: لتفكّروا. والتفكير لا يكون إلا باللغة وداخلها. ثمّ لتتملّكوا القيم التي بها نوجد ونحقق العيش المشترك. الأدب خزّان قيم. ومن لا يرتوي بهذه القيم سيصير طبيبا تاجرا ومهندسا سارقا ورجل أعمال فاسدا وأستاذا بائسا ورجل دين سطحيّا ومتزمّتا وإعلاميا قذرا وسياسيا فاشلا.
العقل المركب بطريقة صحيحة وحده قادر على إنقاذ البلاد. والتعليم الصحيح وحده هو القادر على تركيب العقول الصحيحة. دون ذلك لنا ما نستحق من تأخّر وفوضى.

جريمة قبلّاط تكشف خواء البِلاط

نور الدين الغيلوفي

جريمة مروّعة لم يتخيّلها عباقرة الخيال في أفلام الجريمة وسيناريوهات الرعب ووقائع الإرهاب… صعاليك بلا عدد يهاجمون بيتا من إناث.. يُعدمون الجدّة التي جاوزت الثمانين من عمرها ويشرعون في قتل الأمّ التي جاوزت الخمسين من عمرها.. ويختطفون البنيّة التي جاوزت العاشرة من عمرها يتداولون عليها اغتصابا ويشرعون في إعدامها ثمّ يلوذون بالفرار تاركين إيّاها أقرب مسافةً إلى موت لم يسعفها بالخلاص من وباء نشروه فيها.. كأنّه أرجأها لتعيش بيننا حتّى تشهد على وسخنا.. تركناها مهَشَّمة بلا جدران وتظاهرنا دفاعا عمّا يزيد من جراحها باسم حريات لا تفهمها ومساواة لا تعلمها…

جريمة تهتزّ لها عروش الأرض وعرش السماء.. ولا تهتزّ لها قصبات بعض الأحياء من رافعي ألوية النساء ولا ترتعد لها فرائص النكاية والشماتة من دعاة نسوية متوحّشة لا تستهدف صون الإنسان على الحقيقة ولكنها تضرم النيران في البلاد وتثير الاشتباك داخل مجتمع متجانس إلى حدّ كبير وتقسّمه تقسيما عنصريا تحت عناوين جوفاء: الحريات الفردية والمساواة في الإرث.. لا عناوين الحق في الحياة للفقراء والمهمَّشين وتوزيع الثروات بما يحقّق العدل بين الناس ويقضي على تهميش تكون بفعله ثلاث نساء فرائس لمجرمين يشبهون الإنسان في الخِلْقة…

قوانين التوحّش التي يصدر عنها هؤلاء الإنسانيون جدّا تمنع ردع أولئك المجرمين السفّاحين القتَلة.. تمدّ في أعمارهم وتضاعف من نسلهم وتبقي على بذورهم في تربة حقلنا يفسدون زرعنا.. وتنشر نظراءهم بين الناس ليعبثوا بأمنهم ويغتالوا الحياة…
جريمة قبلّاط ستهدّ عروش العابثين بالبلاد تحت ذرائع لا تعني امرأة ضعيفة لا تملك أن تتسلّح بنهديها تعرّيهما في الطريق العام تحت عنوان نسوية ليست أقلّ توحّشا من أولئك المجرمين قتلة الأجيال الثلاثة…
ضحايا قبلّاط يستصرخون الضمائر الباقية…

لا شيء غير القصاص العادل يشفي جراحا غائرة تستفحل في البلاد وتسحق بقايا الاجتماع فيها…
هؤلاء المجرمون لا يستحقّون مشاركة الأحياء أنفاسَهم لأنّهم خطر على الحياة.. وعلى الإنسان..
يهتزّ لما اقترفوا عرشُ الرحمان.. وسيظلّ يهتزّ ما بقوا أحياء…