الماضي والحاضر والظلم المؤبد…

منذر ونيسي

إلى متى يبقى نهج جمال عبد الناصر بالعاصمة مغلقا في وجه التونسيين، إلى متى تبقى تلك المناظر المقرفة للأسلاك الشائكة والخرسانة القبيحة تقضم الشارع وتشوه منظره وتتسبب في اختناق رهيب لحركة المرور وتمثل مظهرا من مظاهر التخلف والرجعية..

لماذا كل هذا؟؟؟
لحماية السفارة الفرنسية ؟؟ هذه السفارة التي تحتل شارع الثورة وتفسد وجهه وتخفي جماله ونظارته… هذه السفارة التي ورثناها من زمن الإستعمار المقيت تمثل عنجهية المستعمر القديم وضعف المستقل الحديث لأنها في المكان الخطأ بالمعايير السياسية والجمالية والأمنية خصوصا…
هذه السفارة تحرم التونسيين من المرور والتحرك بحرية في بلدهم ومظاهر التمترسات الأمنية لا يبعث على الإطمئنان مطلقا.
لماذا لا يتم نقلها إلى خارج المدينة مثل باقي السفارات ومثل ما هو معمول بها في دول العالم كلها …؟
لماذا لا نرد لشارع الثورة بهاءه ورمزيته بنقل هذه السفارة ووزارة الداخلية أيضا خارج المدينة… أنظروا أيضا إلى أطرافه الأخرى… منظر شبيه.. وزارة الداخلية وإداراتها المختلفة تفسد جمال هذا الشارع المظلوم الذي يبدأ بمنظر بشع لينتهي بمنظر مخيف من الأسلاك والخرسانة ورجال السلاح…

شارع الثورة يمكن أن يغلق في وجه مرور السيارات ويصبح شارعا للمترجلين والباعة والفنانين والمظاهر الثقافية والسياحية ويساهم في تطور البلد…
شارع جمال عبد الناصر شارع التجارة والمحلات فلمصلحة من نغلقه منذ سنوات… ونحرم التونسيين من العمل فيه والإستفادة منه.
للمقارنة فقط : هل يعرف أحد منكم أين توجد سفارة تونس في باريس ؟ وما هو حالها؟؟
شارع الثورة ملك لتونس فقط… وربما حان الوقت لدراسة نقل السفارة مثلما تم مع السفارة الأمريكية…

الدولة الغاشمة أو اللادولة

كمال الشارني

رأيت مرة تحذيرا بلجيكيا على الحدود مع فرنسا: صورة عملاقة لعون مرور مع تعليق: “أنت لا تحتاج إلى حضوره البدني لكي تحترم قوانين المرور” ولم تعترضنا أية دورية أمن لا في الحدود ولا في الذهاب ولا في العودة، لكن نحن العرب، لا نعرف القانون إلا إذا كان مرفوقا بالقوة الغاشمة،

وقديما، في نظام الدولة الغاشمة، كان من حق عون الأمن أن يفرض عليك أن تجيبه “وين ماشي، وين كنت، شبيك لتوه ؟ شكون إلي معاك، شكون قال إلي هي مرتك؟ باهي معدي العسكر؟”، وقد تخضع لامتحان سياقة وفحص فني للسيارة في الطريق العام مثلا. الحقيقة أني رأيت أن الدولة العادلة أكثر شراسة وعنفا في مواجهة مخالفي القانون من الدولة الغاشمة التي تقسم المنحرفين إلى متاعها وغير متاعها ومن ذلك يتسرب كل أنواع الفساد والإرهاب، جرب أن تخالف القانون في سويسرا مثلا، ستأكل أصابعك ندما بقية عمرك، والسويسريون ليسوا وحدهم في هذا، الأمريكيون بنوا حضارتهم الحديثة على عدم الإفلات من العقاب، ما يزال من حق حاكم المدينة أن يسلح المواطنين لملاحقة المجرم في مسابقة حيا أو ميتا بمكافأة مالية: العدالة المتوحشة.

أما نحن، فحين أطحنا بالنظام، أطاح أحد الخبثاء في الأثناء بالدولة نفسها، وأصبحت لدينا قناعة أنه بإمكان أي أحد أن يفعل أي شيء، العدالة الرخوة، مثل أن يقترف أحدهم سبعين جريمة سلب ولا يتم إيقافه أو اعتراضه إلا صدفة أو أن يغور أحدهم (ثقافة الغارة) على شاطئ ويغلق الطريق إليه حتى يستجيبوا لشروطه، في أوقات الاكتئاب حين أحس حقا أن الدولة قد تخلت عنا للفوضى وسلطة الانحراف، أتذكر مقولة فلسفية ونحن في الثانوي، كنا نعالجها من باب التحدي والفكري: “ستون ليلة مع سلطان جائر خير من ليلة واحدة بلا سلطان”، مع تحذير مبدئي: إذا وقعت في تبرير طغيان الطاغية، فقد خرجت عن النص، هل علينا نحن العرب أن نعيد اختراع السلطة العادلة ؟