حول ذكرى الزعيم

نور الدين الغيلوفي

فكرة

في الدول المتقدّمة يأتي الحاكم عبر الإقتراع فينجز أعمالا تجعل له أثرا ثمّ يمضي ويخفُتُ ذكرُه إلّا أن يكون إسمه مقترنا بعمل عظيم يبقى على مرّ التاريخ.. وفي بعض الأحيان قد تُكشَف له خطيئة إرتكبها زمانَ حكمه فيُجرّ إلى المحاكم بما كسبت في السابق يداه.. وتنتهي القصّة..

في بلاد العرب يأتي الحاكم منقلبا أو مستوليا.. يتخلّص من شركائه حتّى لا ينازعوه وحدانيته.. ثمّ يركب الناسَ ويجعلهم له دوابَّ.. ومن لم يرض له بذلك خسف به وبداره الأرض كما تفعل الآلهة بأعدائها في الأساطير.. ينتهب الثروات ويختار له ما شاء من عالم الأشياء وينتدب له من شاء من عالم البشر إناثا وذكورا وما بينهما.. وقد تحصل في زمنه إنجازات وتبنى جسور أو طرقات أو سدود أو قنوات فتتحوّل إلى آيات كونية لا ترقى إليها عبقريات عظماء التاريخ.. كأنّه هو الذي أرسل الرياح وأجرى السحاب.. وأطلق الهواء.. ورفع الجبال وأنبت الأشجار.. ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء.. ويرسم له بأدوات الدولة التي حكمها صورةً ويرسم مقابلها لخصومه صُوَرًا.. ثمّ يمضي.. ولا تنتهي القصّة.. يترك روحه في البيت يتنازعها ساكنوه فتظهر ملائكية عند بعضهم وشيطانية عند بعضهم الآخر.. يكفيه انّه زرع الخلاف بين الناس وشحنهم بالبغضاء.. ويتوقف الوطن عند اجترار ما كان في نسيانٍ أحمق لما سيكون.. كأنّ التاريخ قد توقّف عند ذكرى الزعيم الأوحد.. ويظلّ له الخلود.. ويستمر الخلق في التنازع.. وتدور بنا عجلة الزمان إلى الخلف كأنّ التاريخ قرّر ان يمضيَ دوننا.. لأهله.. فنحن لسنا له أهلًا.

النهضة وقصة الفصل بين شقاء الوعي وطمأنينة الخيار

نور الدين الختروشي

تونس الثورة وما بعدها (ج 12):
إنتهينا في المقال السابق إلى مفارقة المقبولية لدى النهضة بين الخارج والداخل وبين الدولة ومجتمع النخبة فبقدر ما سجلت ديبلوماسيتها الحزبية نقاطا فارقة في سجل المقبولية الخارجية وفي مسار تصالحها مع الدولة فإنها عجزت على الحصول على نفس المقبولية في أوساط النخب السياسية التي أمعنت في عدائيتها الشرسة للنهضة حد المطالبة العلنية والمتكررة لاستئصالها وقد انعكس ذلك على المجتمع الحزبي الذي تبدو فيه النهصة بدون حليف جدي ولعل الحصاد المر لتجربتها التوافقية مع النداء تعبيرا عن حجم الرفض الانطولوجي المترسب عميقا في وعي ولاوعي النخب السياسية الفاعلة اليوم في المشهد.

ولعل ردود أفعال تلك النخب على مخرجات مؤتمرها العاشر يعكس بأمانة الدوغمائية الستاتيكية والجامدة لدى تلك النخب. ففي الوقت الذي وصلت ارتجاجات زلزال الفصل بين الدعوي والسياسي إلى أقاصي دوائر الإسلاميين الأممية. حتى أن بشير نافعه وهو أحد العقول الإسلامية المؤثرة في الإسلامية الحركية عموما وفي الدائرة الإخوانية خاصة ذهب إلى أن النهضة بصدد تمزيق عقدها العقائدي والفكري مع ثوابت الصحوة الإسلامية، في ذلك الوقت استقبل المعنيون من النخب الإعلامية والسياسية والثقافية “قصة الفصل” على أنها مجرد مناورة واحتيال على الذات والآخرين.

حاولت في سلسلة المقالات حول الموضوع أن أرصد الجذور الفكرية التي أسست لايديولوجيا النهضة وانتهينا في ذلك إلى حقيقة تعدد تلك المصادر والتي تشكلت في ديناميكية تطور وتأثر وتأثير طيلة العقود الأربعة من عمر حركة النهضة واستقرت على أربعة روافد أساسية وهي الإخواني والزيتوني على أرضية الأصالة والهوية والليبرالي واليساري على أرضية المعاصرة والغرب.
هذا ما يجعل في تقديري تأويل مخرجات المؤتمر العاشر في مسألة الحسم في المرجعية الإخوانية أو التنكر لها والتنصل منها بدون معنى أو بدون المعنى الكبير الذي ذهبت إليه جل المقاربات والقراءات “لقصة الفصل” بين الدعوي والسياسي. فتجاوز المرجعية الإخوانية في العديد من عناصرها المؤسسة بدأ مع الإحتكاك السجالي القوي والشرس مع اليسار الإسلامي الذي خرج من جبة الحركة معلنا ضرورة مغادرة الفضاء النظري التي أسس له البنا وقطب في المدرسة الإخوانية.

الجديد والذي يسترعي الإنتباه ويستفز التفكير ليس في تجاوز المرجعية الإخوانية فهي لم تكن في أي وقت دليل تفكر وإنتاج للمعاني بقدر ما كانت دليلا حركيا وتنظيميا وهو ما جعل إعلان تحول النهضة من حركة إلى حزب هو نفسه إعلان فك ارتباط النهضة مع ذلك الدليل فالحزب السياسي المفتوح لجميع المواطنين بالتحزب لممارسة حقهم وواجبهم في المشاركة في صنع المصير العام لم يعد بحاجة إلى الدليل الإخواني حركيا وتنظيميا أما حاجة الحزب إلى “ما قبلياته” الإيديولوجية فتكاد تكون منعدمة إلا في لحظات تصاعد الإنقسام الرأسي حول العناوين المتصلة بالهوية وهي إستثناء مسار التأسيس لعقد إجتماعي جديد من المفترض أن ينخفض مؤشر السجال حول الثوابت الوطنية لصالح الإهتمام بتحسين وتجويد نمط الحياة الإجتماعية.
الفصل أوله المتخوفون من ردة فعل داخلية على أنه مجزد فصل وظيفي هاجسه النجاعة، وأوله المتحمسون إلى ضرورة دفع الفصل إلى نهاياته على أنه قطيعة مرجعية مع المدرسة الإخوانية وتماس عاقل ومقصود مع رغبة العلمانية المعلنة في الفصل بين المقدس والزمني أو بين الديني والسياسي.

الرأي العام النهضوي اطمئن إلى أن سؤال الفصل بين الدعوي والسياسي غير منتج نظريا وقد يكون مفيدا إجرائيا ولذلك قبله وإن بحذر قلق. النهضة التي أعرفها في الثمانينات فصلت إجرائيا بين دوائر مناشطها وذهبت بعيدا في الجامعة مثلا في الفصل بين النقابي والسياسي وبدأت تتشكل دوائر للنشاط الثقافي على مسافة من التنظيم وعلى أرضية المشروع.، فبرزت مجموعات موسيقية وفرقا مسرحية تعمل في الفضاء الثقافي الوطني، وتتطور في تفاعل مع محيطها تأثيرا وتأثرا. واستقل العمل الدعوي والمسجدي بشيوخه ورموزه على مسافة معقولة من أجندة السياسي، وأذكر أنه وإن كان الإتجاه الغالب “للعقل التنظيمي” هو التوجس وعدم الإرتياح لمنازع الإستقلالية لمناشطنا عن الرقابة التنظيمية الصارمة، وهو مفهوم يومها بفعل السرية التي فرضت علينا لعقود، فإن منتصف الثمانينات شهد بداية الفصل الإجرائي والمنهجي بين السياسي والمدني، وككل البدايات تأسست على مؤشرات تطور، وليس على مقومات رؤية واضحة، وأرضية صلبه، والتي كان يمكن أن تتبلور قبل ثلاثة عقود من اللآن لو شهد مسار الحركة الإسلامية في تونس تطورا ذاتيا وطبيعيا مغايرا وبعيدا عن هاجس الإستئصال وغبار الحروب والمحن.

وحاصل المعنى هنا أن جديد المؤتمر العاشر إذا كان مداره ومنتهاه هو فكرة الفصل الوظيفي بين دوائر ومساحات المناشط المتفرعة عن مسالك المشروع فهذا ليس جديدا. الجديد الجالب لانتباه حاسة التفكير هو إندراج النهضة سياسيا في لحظة ما بعد حداثية جوهر إظافتها يتصل بتحول استراتيجي في معادلة القوة والسلطة من الدولة إلى السوق ومن السياسي إلى المدني.
كلما تقلص اهتمام الرأي العام بالسياسي (العام) كلما تعمق اهتمامه بالخاص أو هذا مما أفصحت عنه اللحظة المابعد حداثية أو المافوق ليبرالية في الحيز الغربي.
المجتمع المدني كمجال انتظام جمعي حول “الخاص”، وإلى جانب نجاعته الوظيفية المباشرة، لا يكف عن إنتاج أو إدارة كل المعاني التي تهم “الناس”، هذا في حين يخرج السياسي من دائرة إنتاج المعنى (الأحلام الكبرى)، ليكتفي بتحسين شروط الوجود الإجتماعي (الجسد).

الفصل بين الدعوي / الثقافي والسياسي في مخرجات مؤتمر النهضة ينتظم في قلب صيرورة ما بعد حداثية تتعلق بحقيقة وعمق هذا التحول في رهانات السلطة من السياسي إلى المدني.
الطريف على هوامش ردود الأفعال الداخلية في مسار تنزيل خيار الفصل بين الدعوي والسياسي أن الداعية الذي من المفترض أن يكون سعيدا وهو يغادر الحيز الحزبي إلى الفضاء المدني أو الأهلي على اعتباره مجال التأثير الأقوى في نصاب ديمقراطي سوي في الرأي العام وعموم الناس. الطريف ان جزء محترم من دعاة النهضة لم يستسيغوا “قصة الفصل” ورأوا فيها بدايات تنصل أنيق من الرسالة النبيلة التي اجتمع عليها النهضويون ذات يوم.

جريدة الرأي العام

مرحلة “تمرميد الممارسة النقابية”

عايدة بن كريّم

البارح في المترو طلعوا أربع “رهوط” *… انطلقوا في الحديث بصوت مُرتفع حتى يستمع جميع من في العربة… كانوا يحكوا على الإضراب متاع المترو وعلى الإتحاد وين وصّل البلاد وعلى ضرورة التصدّي للنقابات ثمّ جبدوا على حكاية المعامل التي أغلقت أبوابها وسرّحت العمال بسبب الإضرابات و”يستاهلوا ويمشوا للإتحاد يخدّمهم” و”الإتحاد خرب البلاد” و”المناظرات ينجح فيها كان اولاد النقابيين”… أحدهم قال “هي امريكا إلّي تحكم في العالم ما عندهاش قطاع عمومي كلّه قطاع خاص هاكة علاش تقدّموا وأحنا بقينا شادين في العمومي”…

•••

هذا هو المطلوب في هذه المرحلة: التشكيك في الإتحاد والترويج لإيجابيات الخوصصة والدفاع على سرّاق المال العمومي من رجال المال والأعمال… تجريم النقابيين وتخوين المضربين حتى يُصبح “الطالب” “مطلوبا”… ويكون المُهيمن عليه مُدافعا شرسا على مشروعيات الهيمنة… ولما لا هو من يؤسسها ويبني مشروعياتها.

مرحلة ستكون بطعم “التوحّش” و”التلبرل” و”التعولم”… سيُصبح الحق باطلا والباطل حقا… سيُدافع الكادحون على منظومة سحقتهم وستدعوا الطبقة المسحوقة إلى تحطيم المعبد الذي يُفترض أن يُدافع على ما تبقّى من كرامتهم المهدورة في معامل ومصانع بُنيت على جماجمهم….
سيكون الذبح بسكينة “المصلحة الوطنية” والسلخ بمشرط “التجاذبات” والعلاج بـ”الكي”… (التفريط في المرفق العمومي).
سنشهد أحلك مرحلة: بعد أن انتهت مرحلة “تشليك الممارسة السياسية” وتعويم استحقاقات الثورة وتهنتيل المُعارضة… سنعيش مرحلة “تمرميد الممارسة النقابية”… من أجل تمرير “برامج الإصلاح” الموهومة…
تركيع الإتحاد وإفراغه من مضامينه النقابية والعبث برمزيته واستعمال المرافق العمومية لتشويه النقابات وصناعة “الوقائع” من أجل إدانة “القطاع العمومي” ودفع أولاد الحفيانة إلى تبني فكرة “الخوصصة” وجعلهم يُدافعون على منظومة ذبحهم من الوريد إلى الوريد هي شرط شروط النجاح في إدارة الشأن العام… هي آليات للوصول إلى انتخابات 2019 دون سياسة ودون مُعارضة ودون اتحاد ودون شغّالين… ودون مُشترك يحتمي تحته المُجتمع…
شرط شروط دعم الصناديق والبنوك الدولية لمن “سيحكم” هي اختبار قدرته على لبرلة المُجتمع وإفراغه من القيم ذات المضامين النضالية-الإجتماعية.
احذروا أن تفقؤوا أعيننا بأصابعكم المرتعشة…

•••

معنى رهط في اللغة العربية:
* {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}.
* رَهْطُ الرجل قومه وقبيلته والرَّهْطُ ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة قال الله تعالى {وكان في المدينة تسعة رهط}…
باللهجة التونسية نقول “رهوط”… وأنا قصدت “رهط”.

هم كما كانوا… الإستقواء بالدولة على المجتمع

كمال الحامدي

على خلاف المعتاد في صياغة القاعدة القانونية من أنها تأتي تعبيرا عن حاجة مجتمعية يقع تقنينها في نصوص قانونية تسهل تطبيقها في الواقع، تأتي مقترحات ماسمي بلجنة الحقوق والحريات التي تعبر عن رأي فئة معزولة عن واقع البلاد ومن خلال الإستقواء بإحدى مؤسسات الدولة (مؤسسة رئاسة الجمهورية) لاكتساب شرعية لم تحزها إنتخابيا.

الجميع مدرك أن الطروحات الواردة بتقرير تلك اللجنة ليست جديدة بل هي اجترار لشعارات بعض الجمعيات الحقوقية التي ترى في الحضارة الغربية أنموذجا لها على كل المستويات.
المنطق الدستوري يمنع هذا التوظيف باعتباره يخرج إحدى مؤسسات الدولة عن حيادها ويجعلها في خدمة طرف إيديولوجي وسياسي معين يستقوي على أغلبية المجتمع من خلال هذا التوظيف.
قد يجيني البعض أن رئيس الجمهورية يتيح له الدستور التقدم بمبادرات تشريعية للبرلمان وهذا الأخير بإمكانه التصويت لها أو ضدها، لكن الفهم المتناسق لوظيفة وصلاحيات رئيس الجمهورية في دستور 2014 لا تبرر له طرح مبادرات تشريعية تخرج به عن الحياد وتصب في خانة أقلية فكرية وايديولوجية معينة فهو مطلوب منه دستوريا أن يكون فوق الإنتماء الحزبي وهو ممثل للدولة الجامعة لكل التونسيين، لذلك فمبادراته التشريعية ينبغي أن تراعى فيها هذه المعايير وإلا عدت خرقا وانحرافا للدستور وتوظيفا وتوظيف فجا لمؤسسة مفترض فيها السهر على حماية الدستور وتقديم المبادرات التشريعية التي تعبر عن تلك المضامين.

أما لو كان برنامج رئيس الجمهورية الذي أنتخب على أساسه لذلك الموقع موضوعه مثلا تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة كما هو مطروح اليوم لما أثار الأمر حديثا عن توظيف لمؤسسة الرئاسة لحسم خلافات فكرية وايديولوجية، لأن الأمر عندها يكون قد حسم بالانتخاب من البداية، لكن ذلك لم يحصل والأمر طارئ الآن مما يجعل توظيف مؤسسة الرئاسة في مثل هكذا سجال فكري وايديولوجي مخالفا للدستور بل ومسطفا لجهة على حساب أخرى، لما لتلك المبادرة من أولوية في النظر أمام البرلمان.
ولأن أصحاب التقرير يعلمون أنهم أقلية فكرية وسياسية والمضامين التي يطرحونها مغتربة حضاريا فإنهم لم يعرضوا النقاط الواردة بالتقرير ضمن برنامجه الانتخابي وإنما تعمدوا الآن تقديمها من خلال مؤسسة رئاسة الجمهورية التي يفترض الدستور حيادها وتمثيليتها لكل التونسيين…
هم كما كانوا دائما في كل المحطات السياسية التي عاشتها تونس، كل ما يرغبون فيه يمرون إليه ليس بالحوار والإقناع واحترام وجهة نظر الأغلبية، وإنما عبر الاستقواء بمؤسسات الدولة وتوظيفها لغاياتهم وتطبيق أرائهم دون التوقف عند طبيعة النظام السياسي الحاكم أكان استبداديا أو ديمقراطيا.

الصيدلية المركزية تعمل بنفس وسائل الستينيات

حاتم الغزال

الصيدلية المركزية للبلاد التونسية تأسست قبل الاستقلال كمجرد مستودع للأدوية ثم بداية من سنوات 1960 اصبح لها دور كبير كمراقب ومورد وموزع حصري للأدوية والمواد الطبية في تونس. تونس التي كعهدها في أغلب المجالات في تلك الفترة كانت من دول العالم الثالث السباقة التي قامت بتقنين وتنظيم قطاع الأدوية والمواد الطبية.

مشاكل الصيدلية المركزية بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي فشأنها شأن كل الإدارات التونسية لم تواكب حركة التعصير خاصة من الناحية التقنية والإعلامية ثم استفحلت المشاكل في العشر سنوات الأخيرة إذ أن الصيدلية لم تعد هيكليا وتقنيا قادرة على مسايرة نسق تطور سوق الأدوية في تونس. الصيدلية المركزية التي كانت تشغل فقط 100 موظف ولم تكن ميزانيتها تتجاوز 1,5 مليون دينار سنة 1961 أصبحت اليوم توظف أكثر من 3000 شخص وتجاوزت ميزانيتها 800 مليون دينار ولكنها لا تزال تعمل بنفس وسائل الستينيات وبدون وسائل وتطبيقات إعلامية عصرية وبقوانين بدائية غير صالحة في أغلبها لمجابهة تقلبات السوق وسرعة توسعها في حين أن دول أخرى لم تكن لها مثل تجربتنا أصبحت اليوم لها هيآت وطنية للغذاء والدواء قوية وعصرية تراقب وتعدل سوق الأدوية والمواد الطبية والكيماوية وحتى المنتجات الغذائية المستوردة والمحلية.

من المؤكد أن هناك فساد كبير في كل مؤسسة لها رقم معاملات كبير يقع التصرف فيه بطرق بدائية وبالورقة والقلم بدل الأنظمة الإعلامية المتطورة التي تمكن من متابعة كل تفاصيل مسالك التوريد والإنتاج والتوزيع والإستهلاك.
من المؤكد كذلك أن عددا من بارونات القطاع يتمنون سقوط الصيدلية المركزية بالضربة القاضية لتحرير سوق الأدوية في تونس أو لخصخصة المؤسسة.
ومن المؤكد أخيرا أن كل الوزراء الذين مروا عل وزارة الصحة في العشر سنوات الأخيرة لم يهتموا بتاتا بإصلاح الصيدلية المركزية وآخرهم السيدة الوزيرة بالصدفة سميرة مرعي التي كان شعارها لمدة سنة كاملة في الوزارة: لا تفعل شيئا حتى لا تغضب أحدا حتى تستمر أطول مدة ممكنة في منصبك في حين أن الصيدلية المركزية كانت تغرق أمام أعينها.