العالم مبني على الأكاذيب والأفكار الرائجة

أحمد الغيلوفي

تعتقد النسوية التونسية أن المرأة لها قيمة في الثقافة الغربية وفي الثقافة الفرنسية خصوصا. الأمر مجانب للصواب تماما ودليل على أنهن لا يقرأن: المرأة عند أفلاطون وأرسطو ليست إنسانا. عند روسو وسبينوزا وكانط وهيجل كائن ناقص وضعيف وخطير على الدولة إذا مارس السياسة. (عند ابن رشد مساوية للرجل تماما وهي أصلح للحكم).

تأسست الثقافة الفرنسية على فكرة الكونية والمواطن المُجرد وذلك لإقصاء فكرة الحقوق الخصوصية التي كان يُؤسس عليها النبلاء امتيازاتهم. المواطنة الفرنسية صيغت على مقاس الرجل فقط، لأن “لكل مواطن الحق في..” لا تعني المرأة التي لم تكن تعمل ولا حق لها في إبرام العقود ولم تنتخب إلا سنة 1946. “حقوق النساء” والتناصف و”الكوتا” هي أفكار خطيرة عند الفرنسيين لأنها تذكرهم بامتيازات النبلاء وتقسم المجتمع على أساس الجنس وتؤدي إلى مطالبة الأفارقة والقبايلية والعرب والمسلمين واليهود بحقوق خصوصية. لهذه الأسباب كانت النسوية الفرنسية من أضعف الحركات في العالم وأقلها تأثيرا.
هل حكمت فرنسا امراة الي حد الان؟ اربعة قرون بعد الثوره الفرنسيه!

رابعة درس التوحّش الأخير

نور الدين الغيلوفي

رابعة
كانت وحدها واقفة في العراء
تعاوت ذئاب من حولها في الأنحاء..
جاوبتها شقيقات لها تحاكيها فنّ العواء..
تستدرج الظلماء
لتعيد فينا مناورات داحس والغبراء
وتضعنا في مرمى شماتة الأعداء…

تلبّدت الأجواء..
وتبلّدت المشاعر بين ساكنة الغثاء..
كان موعدا مع النار أضرمها في الأحياء
خيرُ جند الأرض تحت دهشة السماء…
كان يوما لاحتطاب الحقد في مصر المحروسة..
تداعت حمّالات الحطب يتنافسن في جمع الوقود..
زمجرت مزمجرات ظنّها المطمئنّون في أرضهم تجرّب فيهم أصواتها للتخويف.. وما مرّ بذهن أحدٍ أنّ سقف الجريمة قد أسقطه بواسل العساكر ليتمرّغوا في الدم المسفوك وقد سال لعابهم لرائحة الشواء..

رابعة…
بدأت ملحمةً لشعب رفض الغدر بثورته
وانتهت مأساة كتب فصولها عسكر لم يتدرّب منذ نشأته على غير الغدر…
رابعة كانت بلا جناح في مرمى نيران الطيران وبلا حذاء بين المجنزرات..
رابعة كانت تمسح عينيها من أثر النوم لمّا شبّت النيران في ثيابها وهجم الفزع..
اختلطت الأمور على العينين من هيجان الدخان وتهشُّمِ العظام وانصباب النيران ونفور الدماء…
بكت رابعة فكُبت البكاء..
همدت من هول الفاجعة وشراسة النيران..
ولم تجد سبيلا إلى صوت ترسله طلبا لنجدة ما..
قطع المجرمون عنها مسالك الإنجاد…
سرقوا العدّة والعتاد…
صار البشر أكوَامَ رماد…
ابتسم المجرمون للمجرمين في فرحٍ لا يخفى..
ذاك الرماد هو الحصاد…
تحوّلت رابعة إلى ورشة لصنع الرماد البشري…
وصفة خارقة ليفتكّ العسكر منازل الآلهة إلى مدى غير منظور…

كان لا بدّ من رابعة لتدريب البشرية على مراجعة دروس توحّش حسبناها أوغلت في القِدَم وانقرض مدرّسوها.. وتلاميذهم..
كان لا بدّ من رابعة ليُحرَق زيف المتباكين على الإنسان محتكري الحريات الفردية والمساواة..
هي حريات تستثني رابعة..
ومساواة لم تقرأ حسابا لرابعة ولم تُحْصِ لها حظًّا….
كان لابدّ من رابعة لنحرق آخر أوعية الزيف في بلاد العرب…
رابعة خطوة جبّارة إلى الوراء على مرأى أمّة جرّبت نفض الغبار عن كتفيها فذُبحت لتكون عبرة لمن يعتبر…
فهل نعتبر؟

اليوم يوم رابعة !

عبد اللطيف علوي

لم يبق بعدها أبدا شيء كما كان 
لا النّاس، ولا المكان ولا الأحزان، ولا الحياة ولا حتّى الموت…
لم نر قبلها حياة بكلّ ذلك الامتلاء واليقين والخشوع والجنون.
ولن نرى بعدها موتا بكلّ تلك العظمة والمرارة… 
بعد رابعة خسرت كلّ أصدقائي..
القاتل تناسل وانتشر وحلّ في وجوه كثيرة، وأسماء كثيرة… كانت قريبة، أو حميمة، تشاركك قهوتك، وأيّامك، ومصباحك وزيتك…
من صفّق، ومن هتف، ومن سكت، ومن برّر، ومن تلعثم في ذلك اليوم.. قاتل، قاتل، قاتل.. حرام صحبته، حرام عشرته، حرام أن تشرب من مائه أو تأكل من طعامه، أو تمدّ له يدا، قبل أن يغسل قلبه ويتطهّر تماما من لعنة رابعة…
إيّاكم أن تصدّقوا أنّ هناك فرقا بين ما هو عامّ وما هو خاصّ.
هناك الكثير من الأيدي التي تصافحها كلّ يوم، لو تأمّلتها جيّدا، لرأيت دمك عليها، ساخنا.
لو كانت رابعة جريمة العسكر فقط، لهانت…
رابعة جريمة نفّذها العسكر، لكنّ من خلقها وخطّط لها وبرّر، وحضّر مسرح الجريمة وغسل الدّماء وأتلف الأدلّة وآوى المجرم… هو شعب، ومجتمع كامل، منذ عقود..
كتّاب ومفكّرون وفنّانون وإعلاميّون وسياسيون ومثقّفون ومتديّنون وعاهرات وعاهرون..
هناك حالة ثقافيّة وسياسية وذهنيّة كاملة، لدى جزء كبير من أبناء جلدتنا، أوصلتنا إلى رابعة.
هذه الحالة، مازالت قائمة، بكلّ شروطها، ومازالت تنذر دائما، بألف رابعة…
بعد رابعة تغيّر طعم كلّ شيء، ولون كلّ شيء، ومعنى كلّ شيء.
رابعة هي الحدّ الفاصل، بين أن تكون إنسانا… أو أن تكون شيئا آخر، مازال بلا تصنيف.
رابعة هي الميزان…
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

قرأت نصوصا لبعض المتحذلقين، يدين أصحابها مذبحة رابعة، ثمّ يتبعون ذلك بــ “ولكن …”
البعض يعتبر أنّ الشهداء الّذين سقطوا والآلاف الذين جرحوا وعشرات الآلاف الذين سجنوا وشرّدوا ، هم أيضا ضحيّة الإخوان ، لأنّهم غرّروا بهم وساقوهم إلى ذلك المصير كالخرفان…
هذا هو التّفكير بعقليّة السّيسي.
من كان فعلا يحترم الشّهداء، لا يصفهم بالقطيع ولا بالخرفان، هذا طعن ساقط في شهادتهم..
من يحترم إرادة الشعوب، سيفهم أنّها تختار حرّيتها وتقرّر مصيرها، وتختار أن تضحّي بما لا يستطيع البعض أن يستوعبه بعقله المشدود شدّا إلى دنياه، من يظنّ أنّ سلوك الإنسان يجب أن يكون بقائيّا، أو لا يكون…
من المعيب جدّا أن نستهين بتلك الآلاف المؤلّفة، بل بالملايين التي سطّرت ملحمة غير مسبوقة في تاريخ النضال السلميّ المدنيّ العربيّ، ونعتبرها قطعانا غرّر بها الإخوان أو الشيطان..

ولعلمكم، رابعة لم تكن كلّها من الإخوان، كان من مصلحة الانقلاب أن يصوّرها كذلك، لكي يعطي للمعركة التوصيف الذي يريد… رابعة وأخواتها، ضمّت كلّ أطياف الشعب المصريّ الرافض للانقلاب على الثورة، وإن بنسب متفاوتة بحكم جماهيرية الاخوان…
هذا يدخل في باب تجريم الضّحيّة، والبعض يقصد إليه قصدا، والبعض يقع فيه سهوا وهو يحسب أنّه ينسّب الأمور ويحلّل الأحداث بعقل بارد…
الناس حين يؤمنون بقضيّة إلى حدّ الاعتقاد (من العقيدة)… يضحّون طائعين ولا يفكّرون بنفس العقلية الميكيافيلية لسماسرة الوطنية، ولا يحسبون الداخل والخارج ولا ينتظرون تزكية من أحد..
الشّعوب تضحّي وتبذل الدّماء بلا حساب وتتجدّد وتضحّي مرّة أخرى إلى أن يحين أمر اللّه، الشّعوب لا يهمّها عدد الضّحايا، بقدر ما يهمّها أن تصنع قدرها ومصيرها، ولولا ذلك لما دفعت الجزائر مليون ونصف شهيد، ولما دفعت سوريا ما دفعت إلى اليوم، ومازالت…
الشهداء وحدهم يعرفون لماذا بذلوا أرواحهم، فلا تتكلّموا بأسمائهم، ولا تنتحلوا صفة المحامين عنهم، ولا تجعلوهم مجرّد ضحايا… سقطوا نتيجة الصدفة أو الغباء و “من يكرم الشّهيد.. يتبع خطاه”.

#عبد_اللطيف_علوي

حمّة، يمارس الدّجل على أصوله !!!

صالح التيزاوي

كلّما تكلّم “حمّة الهمامي” داهمتني أسئلة كثيرة لعلّ أهمّها: هل هو حقّا يساريّ؟ وبماذا هو يساريّ؟ كلّ مواقفه تنبئ بأنّه دجّال ينظر للتّاريخ وللواقع بعين واحدة. ينتقي من تاريخ الشيوعيّة ومن الواقع وحتّى من الإسلام ما يضلّل به النّاس.

يوهمهم بأنّ لديه حلول لكلّ الأزمات… وحلّ الأزمات مختصر عنده في أمرين: إسقاط الحكومات (حكومات ما بعد الثّورة فقط) وأعلان استعداده وجبهته للحكم. يدّعي “اليساريّة” ولكنّه وقف مع منظومة الفساد والإستبداد في خندق واحد لإسقاط التّجربة الدّيمقراطيّة الوليدة. أليسوا يمينا من أكلت رزّهم وظهرت في إعلامهم وقطعت معهم الطّريق على أبناء الشّعب؟ كيف تكون يساريّا وأنت تتردّد على إعلام رجال الأعمال المتهرّبين من دفع الضّرائب للدّولة والذين يطوّعون الإعلام و”العمل الخيري” لخدمة أجندات ليس لها علاقة بالزّواولة.

ألم تقطع الطّريق على أبناء الشّعب لصالح اليمين ولصالح من تعتبرهم “برجوازيّة متعفّنة”. تستجدي أصوات اليمين ضدّ اليمين. هل نحن أمام يساريّ بمواقف يمينيّة ؟ أم نحن أمام يميني بـ”شويّة” شعارات يساريّة؟ أم نحن أمام دجّال يتاجر بكلّ شيء وفي كلّّ شيء… يتاجر بفقر الفقراء الذين حجب عنهم كلّ أشكال التّنمية بعد الثّورة، يتاجر بشعارات الحداثة وقد تجمّد وعيه عند تجربة الرّفيق “أنور خوجة”، يتاجر بأزمات البلاد، ويتاجر بـ”الأولياء الصّالحين” ويتاجر حتّى بالإسلام، فقد تحوّل وبمناسبة “تقرير التّسعة” إلى منظّر إسلامي ليقول لمن يعتبرهم “مغرّرا ” بهم من “الدّجّالين” يقصد علماء المسلمين أن “نصوص الإرث لا تدخل في مجال العقيدة: مثل التّوحيد والموقف من النبوّة”. ويتاجر بـ”تقرير التّسعة” بدعوى أنّ “الحداثة في خطر” وهو يعلم أنّ رئيسة اللّجنة هبّت ليلة أربعطاش جانفي لإنقاذ المخلوع في برنامج تلفزيوني أعدّه للغرض “الفهري” و”بن غربيّة” وهو يعلم علم اليقين أنّ ما تضمّنه التّقرير من تلفيق ليس من أهداف الثّورة وإنّما الغاية منه صرف التّونسيين عن ثورتهم وعن أهدافها وتحويل الرّاي العام عن الأزمات التي يعيشها والتي فرضها على البلاد الحزب الفائز بانتخابات 2014 بسبب شقوقه وصراعاته الدّاخليّة على الحكم. وتاجر بالشّذوذ والشّواذّ ليقنع من يهمّهم الأمر أنًهم يمكنوا أن يعتمدوا عليه في قضايا “الحقوق والحرّيّات” وأنّه الوكيل الحصري للحداثة ولما بعد الحداثة.

كلّ الحركات اليساريّة في العالم وكلّ اليساريين الأحرار (اليسار الإجتماعي) وقفوا إلى جانب ثورات الشّعوب على جلّاديها وعلى مستغلّيها… وحده حمّة شذّ عن هذه القاعدة: ووقف ضدّ ثورات الشّعوب العربيّة على جلّاديها في مصر وفي سوريا وفي ليبيا متخندقا مع القتلة ومع الغزاة ومع الإمبرياليّة ومع الملالي ومع زعماء المليشيات والطّوائف فهل من يفعل هذا ،يساري أم دجّال؟ أمّا علماء تونس الذين وصفهم “حمّة” بالدّجل… فلا يمكن أن يكونوا كذلك لأنّهم انحازوا إلى شعبهم ضدّ من يحاولون إكراهه على حداثة مغشوشة تأخذ بالقشور ملطّخة بدماء المناضلين بمن فيهم اليسار.

“أعداء الديمقراطية الحميمون في تونس”

وليد العرفاوي

كنا متلهفين لبناء دولة ديمقراطية تقوم على احترام الحقوق وتكريس حريات الإنسان الفردية والجماعية، كنا نقف في قلب شارع الثورة وننادي “خبز، حرية، كرامة وطنية”، كنا ننتفض وكانت الجماهير صفا واحدا تبحث عن “الدولة المفقودة” آنذاك في غياهب الدكتاتورية، كان كل شيء بطعم الحلم، أما اليوم فكل شيء بطعم الغرق على حد تعبير العدمي المستنير “اميل سيوران”، الديمقراطية التي حلمنا بها بتلك اللهفة ولدت مريضة مثلما يصفها “تودوروف” وهذا المرض يكمن في فهمنا الخاطىء لها وعدم التعامل معها بعقلانية..

“صناع الثورة ضحايا الدولة”
من صنع الثورة هو أكبر ضحية في هذه الدولة التي لا تحترم مواطنيها إذ نلاحظ تواصل سياسة التهميش والتفقير علاوة على ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة المعيشية للمواطنين ذوي الدخل المحدود هذا ناهيك عن انسداد الأفق وعدم تنفيذ البرامج التي تخدم الشعب وتحقق غاياته المنشودة لذلك فإن كل من نادى بالثورة يكتوي اليوم بنيرانها نتيجة حكم الجهلة الذين استولوا على المقاعد الحكومية والبرلمانية ورموا بقراراتهم الكاذبة وووعودهم المنكوثة عرض الحائط، ربما سيقول البعض أن المخاض الثوري عسير لكن في حقيقة الأمر فإن ما نلاحظه عن قرب ينم بأن الجهاز الحاكم لا بوصلة له.

غياب المثقف العضوي
يرتبط هذا التوصيف المركب بالمفكر والقائد السياسي للحزب الشيوعي أنطونيو غرامشي A.Gramsci. المثقف العضوي لا يختزل فهما وتعريفا في ذلك المثقف المرتبط بالجماهير فحسب، الراغب في التغيير والذي يعمل أو عليه أن يعمل من أجله. “المثقف العضوي” في فكر غرامشي هو صاحب مشروع ثقافي يتمثل في “الإصلاح الثقافي والأخلاقي والاجتماعي”.
لكن بمجرد التمعن في الساحة الثقافية نستشف أن قلة قليلة من المثقفين يمكن وصفهم بالمثقفين العضويين لكن البقية ليسوا إلا أبواق دعاية وتزييف السلطة وهم بعيدون كل البعد على القضايا الحارقة للشعب التونسي مما جعلهم “كلاب حراسة” على حد تعبير الكاتب الفرنسي “بول نيزان” الذي اعتبر المثقف الصامت على مشاكل الشعب والمتناسي لدوره الأساسي ليس إلا متواطىء مع السلطة في تضليل الشعب وخداعه..

خونة المستقبل: من هم؟
كان ريجيس دوبريه الصحفي الفرنسي والمفكر الثوري يسمي المتسببين في الثورة المضادة بخونة المستقبل وهذا التوصيف المعبر ينطبق على السياسيين والمثقفين الذين خانوا مستقبل الشعب وأعادوا لنا العالم القديم الذي ظننا أننا قطعنا معه للأسف فالمثقف اليوم لا يتحدث إلا على الحريات الفردية والحال أن الحقوق الفردية غير مضمونة رغم تكريسها في الدستور ولا ينخرط في القضايا الاجتماعية والاقتصادية مع شعبه، المثقف التونسي اليوم يبحث عن الحرية وهو بلا دولة مستقلة فعليا، المثقف التونسي اليوم ينادي بالحرية بكل لهفة ولا يعلم أن هنالك تونس الأخرى “المنسية” اينكم من هذا ؟ لا أنتم تشبهوننا ولا نحن نشبهكم لذلك لن تفهمموننا وسيبقى الحال كما هو إلى حين قدوم بديل سياسي يمضي بنا للخلاص..

من نادى بالأمس بالديمقراطية هو في الحقيقة عدوها الحميم اليوم وغدا مالم يفهم أن قوة الدولة في ثقة شعبها فيها.

“الإنجيليون” أبرز داعمي ترامب وحزبه.. من هم وما أجنداتهم ؟

وكالة الأناضول

ينتمي لتلك الطائفة الدينية نحو ربع الأمريكيين ويُعرفون أيضًا بـ”المسيحيين الصهاينة”
أعاد التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، على خلفية قضية القس الأمريكي “أندرو برانسون”، الأضواء على دور المجموعات “الإنجيلية” في التأثير على سياسات واشنطن، وخصوصًا في عهد الرئيس دونالد ترامب.
ورغم طرح أوساط عدة، منذ عقود، تساؤلات حول الطائفة المعروفة بالتعصب الديني، ونفوذها في أروقة الحكم، إلا أنها باتت أكثر إلحاحًا بعد قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، نهاية العام الماضي، ومغامرته بعلاقات واشنطن الاستراتيجية مع أنقرة، بسبب محاكمة الأخيرة للقس الإنجيلي “برانسون”، المتهم بقضايا تجسس وإرهاب.
وتدور في وسائل إعلام محلية وعالمية نقاشات حول طبيعة العلاقة بين الإنجيليين وترامب، وخلفياتها، ودور نائب الرئيس، مايك بنس، المنتمي للطائفة، في رسم ملامح المرحلة الغريبة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية، المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ما هي الإنجيلية؟
تعني الإنجيلية، في الديانة المسيحية؛ “تعليم الإنجيل ونشره”، إلا أنها كلمة باتت تعبر عن طائفة لها معتقدات وتفسيرات دينية خاصة.
ظهرت الطائفة خلال القرن الثامن عشر، بعد انتشار تبني بعض الكنائس والحركات البروتستانتية هذا الاسم، لتمييزها بالتزمت الديني عن غيرها.
وتتمتع هذه الكنائس اليوم بانتشار واسع في الولايات المتحدة، إذ ينتمي لها نحو ربع الأمريكيين (80 مليون شخص تقريبًا).
كما بات يُعرف الإنجيليون بـ”المسيحيين الصهاينة”، لدعمهم المشروع الصهيوني، ووجود العديد من التقاطعات بين مساعي الجانبين، وإن من منطلقات عقدية/أيديولوجية مختلفة.
ومنذ عقود، يدعم الإنجيليون عمومًا مرشحي الحزب الجمهوري، لكونهم “ملتزمين أكثر دينيًا”، وفق الاعتقاد السائد.
وقد ظهر ذلك جليًا في الدعم الكبير الذي حظي به ترامب في انتخابات عام 2016، التي أوصلته إلى البيت الأبيض.
ففي حين حصل “جورج بوش الابن” على 78% من أصوات أتباع الطائفة، في انتخابات عام 2004، و”جون ماكين” على 74% في انتخابات 2008، و”ميت رومني” على 78% في 2012؛ حصل ترامب على 81%، بحسب تقارير صحفية.

النقاشات الأخلاقية حول تأييد الإنجيليين لترامب
دعم ترامب، قبل وأثناء وبعد الانتخابات، أثار الكثير من الجدل في أوساط الإنجيليين، إذ كان من السائد القول عن الرجل أنه “لا يعرف أي آية من الإنجيل”، عدا عن فضائحه الأخلاقية.
وفي حين كشف القس الإنجيلي “جيم واليز”، مؤخرًا، أنه لم يدعم الرئيس الأمريكي لأنه “يرتكب الفجور”، ادّعى زعماء دينيون آخرون أنه “تم الصفح عنه”، وأن تلك الشبهات حدثت في الماضي.
وفي حديثه لمجلة “بوليتيكو”، قال القس “توني بركينز” إنه يتوجب منح فرصة أخرى للرئيس؛ “لأنه تولى قيادة أجندة الإنجيليين”.

المعتقدات بشأن إسرائيل والقدس
يعتبر مراقبون أن الطائفة كان لها دور كبير في إعلان الولايات المتحدة اعتبار مدينة القدس الفلسطينية المحتلة، عاصمة لإسرائيل.
ويؤمن الإنجيليون بأن قيام دولة إسرائيل يأتي “وفقًا لتعاليم الإنجيل”، وأن “المسيح” سيعود للحياة بعد تجمع كل اليهود في تلك الأرض، واكتمال حدودها، أي على كامل تراب فلسطين التاريخية.
تكمن المفارقة في أن تلك العقيدة -رغم تقاطعها مع أهداف الصهيونية اليهودية- تتضمن الإيمان بأن المسيح بعد عودته، سيقضي على اليهود، متوجًا بذلك “نهاية العالم”.
قد لا تكون تلك أغرب المعتقدات الدينية السائدة في العالم، لكن الغرابة تكمن في أن يتبناها سياسيون يقودون دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية.
يشار أن مراسم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، شهدت قداسًا للقس الإنجيلي المتعصب “روبرت جيفرس”، الذي يتبنى مواقف معادية للمسلمين، بل ولليهود.
وفي تصريح عقب فوز ترامب بالرئاسة، قال “جيفرس” لقناة “سي إن إن” الأمريكية: “على مر التاريخ، تعتبر القدس هدفاً لليهود والمسيحيين”، في إشارة إلى دعمه موقف الرئيس الجديد من المدينة.
ترامب، الذي أكد في حملاته الانتخابية أنه سيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أوفى بعهده للإنجيليين، الذين منحوه أصواتهم.
واعتبرت البروفيسورة “إليزابيث أولدميكسون”، الأستاذة بجامعة “نورث تكساس”، في تصريح، أن قرار ترامب ليس “سياسيًا، وإنما امتثالًا لمعتقدات الإنجيليين الدينية”.
وأوضحت “أولدميكسون” أن “الصهاينة المسيحيون يؤمنون بأن الله منح الأرض المقدسة لليهود”، مشيرةً أن تلك الأرض تقع على ضفتي نهر الأردن.

تأثير مايك بنس
“بنس” الذي تولى سابقًا ولاية إنديانا، وصف نفسه آنذاك بأنه “إنجيلي كاثوليكي”، ثم اتخذ صفات أخرى مثل: “المسيحي”، و”المحافظ”، و”الجمهوري”، لكسب شرائح أكبر من المجتمع.
وفي الرأي العام الأمريكي، يُعرَّف بنس بأنه “متدين”، و”محافظ”، و”لا يحب أن يكون وحده مع نساء أخريات”، و”يكره المثليين جنسياً”.
ليس هناك أدنى شك في أن اختيار الرجل لمنصب نائب الرئيس الأمريكي أرضى الشرائح المتديّنة بشكل عام، والإنجيليين بشكل خاص.
وفي تعليقه على هذا الاختيار، قال “ريتشارد لاند”، أحد مستشاري ترامب، إن “مايك بنس هو نموذج ذهب عيار 24، ويتحلى بما نود أن نراه في سياسي ينتمي للإنجيليين”.
واليوم، تضغط الطائفة المتطرفة بكل قوة على البيت الأبيض، عبر “بنس”، من أجل الحصول على نتيجة بشأن القس “أندرو برانسون” الذي يخضع للمحاكمة.

انتخابات الكونغرس النصفية في الولايات المتحدة
تلعب الانتخابات، التي أشير إليها سابقًا، دورًا كبيرًا في احتلال قضية “برانسون” أجندة البيت الأبيض، وأزمة بين دولتين حليفتين في إطار حلف شمال الأطلسي “ناتو”.
فترامب، يسعى إلى مواصلة فترته بدون معارضة شديدة من الكونغرس، وصولًا إلى رئاسيات عام 2020، التي ينوي الترشح فيها مجددًا، وسط مخاوف من تحقيق الحزب الديمقراطي فوزًا كبيرًا في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يدفعه إلى الحرص على أصوات الإنجيليين خصوصًا، والمحافظين عمومًا.
لا يرغب الرئيس الأمريكي، ولا نائبه، خلال هذه الفترة الحرجة، في أن يسجّل عليهما فشل في قضية “برانسون”، التي تتبناها الشرائح الدينية، وهو ما سيترتب عليه ثمن باهظ في الانتخابات.
وأمس الأول الأربعاء، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، أن بلادها ستفرض عقوبات على وزيري العدل التركي عبد الحميد غُل، والداخلية سليمان صويلو، متذرعة بعدم الإفراج عن القس، في وقت ما تزال فيه محاكمته جارية.
وذكرت “ساندرز” أنه سيتم تجميد الأصول المالية للوزيرين المذكورين، المحتمل وجودها في الولايات المتحدة، فيما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في بيان، أنها أدرجت “غُل” و”صويلو” على قائمة العقوبات.
وألقي القبض على “برانسون” في 9 ديسمبر/كانون الأول 2016، على خلفية عدة تهم، تضمنت ارتكابه جرائم باسم منظمتي “غولن” و”بي كا كا” الإرهابيتين تحت مظلة رجل دين، وتعاونه معهما رغم علمه المسبق بأهدافهما.
وفي 25 يوليو/تموز المنصرم، رفضت محكمة إزمير (غرب) الجزائية الثانية، طلب محامي برانسون بالإفراج عن موكله، وقررت تمديد حبس الأخير على ذمة القضية عقب الاستماع إلى الشهود، ما أثار حفيظة ترامب، الذي هدّد بفرض عقوبات ضد أنقرة.
وتشدد تركيا على رفض لغة التهديد، وتصدير أزمات الإدارة الأمريكية الداخلية إليها، وتصر على استقلالية قضائها واحترامه.

صمود تركيا ورهانات عملاء الثورة المضادة

أبو يعرب المرزوقي

كل التهويل الذي نسمعه من العملاء العرب حكاما ونخبا علته أمران موضوعيان:
1. الجهل بقوانين الاقتصاد
2. تضخيم سلطان إسرائيل
وأمران ذاتيان:
3. خوف من نجاح تركيا
4. أمانيهم
ويجمع ذلك كله أصلا لهذه العاهة في ضياع العرب منذ بداية النهوض إلى اليوم، غياب المشروع الذاتي للاستئناف.

وأبدأ بالعاملين الموضوعيين.
فلو كان لهم علم بالاقتصاد، لعلموا أن مقومات القوة في الاقتصاد التركي -مع عدم الجهل بالأحجام- أفضل من مقومات القوة في الاقتصاد الامريكي لولا قبول العالم سيطرة الدولار صكوكا بلا رصيد واستدانته بلا مقابل.
فالدين الأمريكي تجاوز مقداره المنتوج القومي الخام.
وتضخيم سلطان إسرائيل، من أوهام الجبناء من حكام العرب، لأن إسرائيل مهما تعنترت وادعت السلطان على الغرب فهي قوة متوسطة، ولا تستطيع عمل شيء من دون دفع الغرب إلى حرب عالمية لو حاولت ضرب ايران، ناهيك عن تركيا التي تمثل قوتها أضعاف أضعاف قوة إيران أيا كان مجال المقارنة.
صحيح أن التخويف بإمكانية ضرب أمريكا تركيا في مشروع عام يريد جعل إسرائيل سيدة الإقليم. لكن هذا التخويف يمكن أن يؤثر لو كان الحكم في تركيا المباشر والمعارض فاقدا للشرعية وليس ناتجا عن انتخاب حر، يجعله لا يخشى عنتريات المعتوه ترومب لأن شعبه معه وأثبت أنه مستعد للتضحية.

لكن مواقف الحكام العرب العميلة والنخب التابعة لها، فضلا عن الجهل بهذين الأمرين الموضوعيين تحكم مواقفهم عاهتان ذاتيتان هما:
• الخوف من نجاح النموذج التركي الذي هو فجر الاستئناف الإسلامي في نظام العالم الجديد.
• والأماني المتمثلة في انتظار سقوط تركيا ظنا أنها بهشاشة أنظمتهم الاستبدادية.
وهذان العاملان الذاتيان يشترك فيهما الأنظمة العربية العميلة ونخبها مع إسرائيل واليمين الأوروبي الذي لم ينس ماضي العلاقات بين الحضارتين من بداية الدولة الإسلامية إلى نهايات القرن السادس عشر الميلادي.
فهم لم ينسوا تاريخهم مع العرب بداية ومع الأتراك غاية فيخشون الاستئناف الإسلامي.
ورغم أن المسلمين لا يقيسون المستقبل على الماضي، ويريدون العيش بسلام في اقليم المتوسط بضفتيه وفي العالم، فإن اليمين الأوروبي والخونة من حكام العرب الذين نصبتهم أوروبا لما كانت دولها امبراطوريات قبل الحرب الثانية، ومعهم إسرائيل التي خلقتها، لا يزال يعيش “رهاب” الإسلام العائد.

وأعود إلى أصل هذه الأدواء الأربعة، أعني غياب المشروع العربي أو بصورة أدق، الخوف من حلف ممكن بين بداية المشروع العربي الذي تمثله ثورة الشباب بجنسيه وتركيا التي مثلت الحليف الوحيد للثورة ولرجالاتها ولشعوبها التي هجرت، فكانت ملجأ قيادات الثورة وحامية ملايين المهجرين من سوريا ومصر.
فالخونة من حكام العرب ونخبهم والغرب لم يكن يعادي تركيا قبل حصول الربيع العربي، ولم يكن لديهم حرج من محاولات الشعب التركي المصالحة مع تاريخه وتراثه قبل الربيع العربي.
ولو لم تسارع تركيا لمساندة الثورة لما عادتها اسرائيل -وإيران قبل نهاية دورها- ولما قرروا ضربها مع ثورة شباب العرب.
استنادا إلى هذه المعطيات، يمكنني القول إن الشعب الذي هزم الانقلاب رغم السند الامريكي والاسرائيلي والسند التابع للأنظمة العربية العميلة لا يمكن أن تهزه أزمة عابرة مهما بلغت الحرب على الليرة.
فالاقتصاد التركي لا يعتمد مثل العربان الذين يعادونها على “بضاعة” واحدة بل هو شديد التنوع.

واستنادا إلى الفرصة الذهبية التي تتمثل في من يقود الحرب عليها، فالمعتوه ترومب، بخلاف أوباما الذي رتب في عهده الانقلاب، خسر ما كان يمكن أن يمكّنه من محاصرة تركيا:
فموقفه من أوروبا ومن العالم كله لا يجعله مسموع الكلمة في محاصرتها، وفشله سيكون أكبر من فشله مع إيران وكوريا الشمالية.
وعندما يرى صمود شعب تركيا وقدرته على ايجاد البدائل، وبعد مرور مرحلة الانتخابات النصفية، سيغير موقفه، لأن مواقفه التي أغضبت العالم كله وغباءه التجاري الساعي للربح السريع سيصبح نكبة عليه في أمريكا نفسها، هذا إذا لم يكن قد فعل ذلك كله لتأجيل ما قد يؤديه إلى “الامبيشمنت” المحتمل.

لذلك، فلا شيء مما ذكرت يؤلمني حقا.
ما يؤلمني هو أن حكام العرب ونخبهم الذين هم مجرد أدوات ودمى تحركهم الصهيونية، لا يدرون أن المتضرر الاكبر ليس تركيا، لأنها يمكن بمناورة صغيرة أن تحاكي دول أوروبا وأن تتصرف مثلها وتترك الإقليم للناكصين للجاهلية تعبث به إسرائيل وإيران وروسيا وأمريكا.
ذلك أن تركيا لن تقبل بأن تكون مثل العراق أو مثل مصر أو مثل سوريا، فتنفعل بمؤامرات الأعراب الذين يتآمرون على أنفسهم بغبائهم.
فمن يصدق أن الإمارات تحارب تركيا دفاعا عن العروبة من النزعة العثمانية؟
هل هذه حتى لو تصورناها موجودة أخطر على العروبة من إسرائيل؟
تآمروا على العراق فأصبح محمية إيرانية.
وتآمروا على سوريا فأصبحت محمية إسرائيلية.
وتآمروا على اليمن فأصبحت محمية إيرانية.
وتأمروا على مصر فأصبحت ولاية إسرائيلية.
ويتآمرون على ليبيا وتونس.
ومقابل الغطاء الإسرائيلي، حلبوا لآخر قطرة وسيعودون إلى الجاهلية ورعاية الأبل بعد ذلك كله.
أعلم أن الكثير من هؤلاء الحكام الخونة وتوابعهم يتصورون أن ما سرقوه من قوت شعوبهم وهربوه لبنوك الغرب يضمن لهم العيش الرغيد عندما يأتي دورهم، فيهاجروا إليه ويتركوا الشعوب إلى المجاعة والاحتلال القادم ما لم تتدارك الشعوب ذاتها فتتحرر منهم:
أموالهم ستجمد وتؤمم وسيصبحون متسولين.
لن يكتفي ترومب أو من يليه، بما حلبه منهم مثل “مغيثة الحجام” بل هو سيجمد أرصدتهم وما بقي في صناديقهم التي يسمونها سيادية، لمحميات لا سيادة لها، وسيعاملون مثل خونة الهنود الحمر الذين باعوا ثقة قبائلهم فيهم فاستعملهم غزاة أمريكا، ثم لما قضوا وترهم منهم أهانوهم وجعلوهم مجرد مترجمين خونة.
وقد رأينا مثالا عن ذلك، من مترجمي الحملة الامريكية على العراق وأدلاء الجيش الأمريكي كيف استخسروا فيهم حتى الجنسية الأمريكية، فصاروا مشردين لأن ذلك هو مصير الكلاب السائبة في كل عصر ومصر.
وما حكام العرب الذين يفسدون على الأمة استئنافها إلا دون ذلك بكثير: فهم أنجاس مناكيد.

وأريد أن اختم بكلمة حول موقف النخب العربية التابعة للأنظمة العميلة من شعوبهم ومن ثقافته.
فما رأيت في العالم نخبة بطانة عاقة إزاء شعوبها وتراثها مثلهم.
ويكفي أن أقيس على نخبتين من هذا النوع، أعرفهما جيد المعرفة: التونسية والمصرية.
وما أظن الآخرين أفضل، لكني لا اريد التعميم.
وأبدا بالنخبة المصرية.
لم أكن اعرف منها إلا الجامعية، لكني في ماليزيا عرفت منها النخبة الرسمية لاضطراري التعامل مع السفارة في كوالالمبور بمناسبة دعوة تلقيتها من مكتبة الاسكندرية للمشاركة في احياء ذكرى محمد عبده سنة 2004.
كنت أتصور ما يقال عن الباشوات في مصر وإهانتهم للشعب مجرد غرض أدبي. لكني رأيت بأم عيني كيف يتعامل السفير مع المصريين.
وقد ظن أني مصري فأراد ان “يتباشى” علي.
فأسمعته “وسخ أذنيه” وتركته يغلي لأني ذكرته بأنه “خدام” عند هؤلاء المصريين الذين يتصور نفسه سيدا عليهم.
ما كنت اسمعه من كثرة الالقاب في المعاملات عندما أتردد على مصر وأتعهد مكتباتها واسواقها، تبين لي لاحقا أنه ذهنية استعبادية يتعامل بها بعض النخب المصرية مع الشعب الذي صار أبناء طبقاته الدنيا مجرد ذباب من المستولين كما نراهم في أكناف الحسين وأسواق السياحة.
بدأت بمصر ومعرفتي بنذالة نخبها دون معرفتي بنذالة نخب تونس.
وسأضرب مثالين:
• أحدهما يمثله تعامل الأساتذة الجامعيين مع الطلبة الآفاقيين
• والثاني تعامل السياسيين، وخاصة من اليسار والقوميين مع الشعب الذين هم من أدنى طبقاته ما يجعل عقوقهم دليل احتقار لذواتهم وتنكرا لها خوفا من أن يعرف أصلهم.
فالنخبة الجامعية في تونس نوعان:
• البلدية.
• والأفاقيين.
والأولون احتقارهم للطلبة منطلقه طبقي ثقافي (بلدي مقابل “قعر”)
والثانون احتقارهم من جنسه، ولكن من دون الانتساب إلى البلدية حقا بل محاولة التنكر لنسبهم حتى لا يظنوا أقعارا (القعر يعني من ليس من أهل العاصمة تحضرا مقابل بداوة).
والطلبة المساكين يصبحون معقدين لدرجة تشل قدراتهم العقلية، وخاصة الخلقية، بحيث إن لم يقبل “المذلة” منهم ينبغي أن يغادر الجامعة أو أن يؤدب الأساتذة ويغادر الجامعة.
وقد عشت ذلك مرتين كطالب وكأستاذ.
وقد أدبتهم ولم أغادر الجامعة ولا زلت أفعل لأني أعلم أصلهم وفصلهم وخاصة ضحالتهم.
وبعض هؤلاء صاروا ساسة.
وهم من يزعمون الحداثة التي لم تتجاوز “ثقافة الكتاب الأحمر” أو أدبيات البعث والناصرية، أعني تخاريف إيديولوجية لا علاقة لها لا بالحداثة ولا بالأصالة، بل هي أصل كل عمالة لأن أي نظام مستبد يغريهم بما يستقر بين “الحانة والعانة” والاكل أكل الأنعام والإخلاد إلى الأرض.
هؤلاء هم الشامتون اليوم في تركيا والساخرون ممن يدعو لمساندتها لجهلهم بأن تركيا ليست مستهدفة لذاتها، بل لمشروع نحن من دونه سنبقى توابع لمستعمر الامس ولدماه من حكام المحميات العربية التي ستزداد تفتيتا إذا استطاعوا لا قدر الله إسقاط تركيا كما أسقطوا العراق وسوريا ومصر.
وكل من يتوهم أن دور الجزائر ليس آتيا، وأن محميتي التمويل السخي للثورة المضادة ليستا مستهدفتين لاحقا، لا يفهم شيئا من الخطة الإسرائيلية التي ليست خفية، بل هي معلنة، وقد بدأ التنفيذ بأيد عربية وبتمويل خليجي وبمليشيات السيف والقلم من العرب الذين لا مشروع لهم غير العيش عيش الأنعام.
لذلك فالحلف بين ثورة الشباب بجنسيه، وصمود تركيا بشعب حمى وطنه ضد الانقلاب وقدم الملجأ والمعونة للشباب الثائر وقيادات الثورة، التي لو لا تركيا لكانوا جميعا في سجون السيسي وبشار والمراهقين السعودي والإماراتي ولفقد الشباب العربي العلاج الهادئ الذي لن ينهزم لأن كل شعوب الإقليم معه.

ولأضف ملاحظتين اساسيتين:
• الأولى تتعلق بقطر والكويت.
فهما قادرتان كما بينت في الحملة على الليرة التركية قبل الانتخابات الرئاسية السابقة على إنقاذها لأن بقاء تركيا شرط بقائهما مستقلين، وإلا فاحتلالهما من حلف الفجار آت لا ريب فيه.
والآن صار ذلك يقيني لو لا قدر الله سقطت تركيا.
• والثانية تتعلق بالحركات الإسلامية الحديثة التي حققت الصلح بين قيم الإسلام الكونية المتخلصة من بقايا عصر الانحطاط وقيم الحداثة الكونية المتخلصة من بقايا عصر الاستعمار:
فتركيا التي آوت قياداتكم وحمت المهجرين من شعوبكم، ليست دون أوطانكم معزة لديكم، فهذه فرصة رد الجميل الواجب.

المغالطات في المساواة

نزار يعرب المرزوقي

المغالطات في المساواة واللعب على المرجعيات بالتلاعب على الشرعيات
جولة أولى انتصر فيها الشعب بفضل المخلصين والمؤمنين بالقيم المنصوص عليها في دستور الدولة التونسية.
شعب أوضح جدارته بإخلاصه لنضالات أبائه وأجداده منذ قرن ونصف فوقف بتاريخه وريادته ونضاله أمام المشاريع التغريبية التخريبية لمحتل الأمس وزبانيته اليوم.

المساواة
المساواة أمام القانون لا تعني المساواة ضمن القانون وهذا يعرفه الرئيس ولكنه يستعمل المغالطة وحتى في الميثاق العالمي لحقوق الانسان بصيغه الانجليزية والفرنسية والعربية ينص على هذا باستعمال before the law, devant la loi أي أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، وما حدد فيه من ضرورة المساواة بمقتضى (أو بفضل) القانون هو المساواة في الأجر بين المرأة والرجل عند القيام بنفس العمل وهذا موجود عندنا وغير موجود في أغلب البلدان التي تدعي المساواة ولا تعارض فيه مع قيم الدولة التونسية.

المدنية
نأتي إلى مدنية الدولة فمعناها أن الدولة ليست لا عسكرية ولا دينية بمعنى أن السيادة ليست لمؤسسة عسكرية ولا دينية تدعي تمثيل الله في الأرض وهذا ما هو الحال في نظرية الدولة في إطار الحضارة الإسلامية السنية.
وإذا قدر من ليس له أن يقدر بأن الدولة التونسية ليست مسلمة وإنما شعبها هو المسلم وحسب فليحدد لنا ما هي المنظومة القيمية التي تعود إليها الدولة.
أما الفصل الأول الذي قفز عليه الرئيس فهو يوضح مرجعية القيم لدولة وقد وضح المؤسس الحبيب بورقيبة طبيعة الدولة التونسية الحديثة سلبا وإيجابا: الدولة التونسية الحديثة ليست دولة علمانية الدولة التونسية الحديثة دولة مسلمة تقدمية.

المشروع وضرورة عكس القانون المقترح
انتصرت الدولة في الجولة الأولى وناصرناها ودافعنا عن دستورنا وسقط كل مشروع اللجنة ولكن وجب الحذر من التفاصيل القانونية من قبيل إمكانية الاحتراز على حرية المالك في اختيار الإطار الذي إليه يعود عند تقسيم التركة فهل حريته مطلقة أم أن الاحتجاج بتعلة المساواة مرة أخرى سيبقى قائما.
ثم لماذا لا يتم تنقيح المقترح بعكس الآية نطبق القانون كما هو ولمن يرغب أن يطلب التعديل عند تطبيق تركته بالتساوي وهذا ضمن منظومة القيم المعرفة للدولة.

السيادة
أما سيادة الشعب فهي تقتضي اللجوء إليه مباشرة عند القيام بتحويرات من هذا العمق تحويرات لم يعلن عنها مسبقا في انتخابات ولم يبت فيها الشعب مباشرة عند تصويته والتي من شأنها أن تمس من طبيعة الدولة التي نراها كما يحددها الفصل الأول لا الفصل الثاني لأن الفصل الثاني يتعلق بالإطار الإجرائي الممكن من تحقيق الإطار القيمي المنصوص عليه في الفصل الأول.

حديث إلى وعن نساء تونس

الأمين البوعزيزي

?
بعيدا عن حروب الأجندات الذكورية التي تتخذ من أجسادهن ساحة وغى:
منذ عشرة آلاف عام ساعة كان نمط الإنتاج والغذاء يعتمد الصيد؛ حيث كان الرجال يقطعون المسافات الطويلة وراء طرائدهم. عمدت النساء اللواتي بقين يحرسن الأطفال القصّر إلى تدجين الدجاج والنعاج لتوفير الطعام واستبقاء أزواجهن قربهن… فكانت الحصيلة استقرار بالمكان وتشييد علاقة خاصة بالأرض… زراعة وحفر آبار وتحويل مجارى أنهار… ستتحول تدريجيا إلى أوطان… بدايات شيدتها النساء… نساء بصمن تاريخ بلاد المغرب الكبير بنمط مجتمعي أمُومي طبع التاريخ اللاحق…

• أساطير التأسيس في بلدي عنوانها عليسة ومرافقاتها…
• ملاحم المقاومة في بلدي عنوانها الكاهنة تقود الرجال المحاربين…
• ملاحم النهضة العمرانية عنوانها الأميرة عطف تشيد الجوامع والكنائس جنبا إلى جنب…
• أكبر ملاحم الذاكرة الجمعية في بلدي سيرة هلالية تتصدرها الجازية المخبلة في شعرها حكيمة لقومها وبالكاد يظهر بوزيد الهلالي بطل الملحمة في ذاكرة شرقنا العربي…
• العمل الخيري في بلدي تتصدره عزيزة عثمانة…
• حق النساء في التعليم زمن الإحتلال الفرنسي تتصدره بشيرة بن مراد…
• اختبار صدقية بورقيبة في تحرير وأهلية النساء وكفاءتهن تتصدره راضية الحداد الدستورية التي دفعت من حريتها وسمعتها الكثير لاختبار صدق الدعوة من وصاية الدعاية…
• معركة الحريات واستقلالية المنظمات زمن النوفمبرية عنوانها نزيهة رجيبة وراضية النصراوي ومية الجريبي وسهام بن سدرين وزكية الضيفاوي وكلثوم كنو…
• ملحمة سبعطاش ديسمبر طبعتها خالة محمد البوعزيزي عشية لحمه المشوي تندب بالصوت العالي تستنفر قومها غضبة همامية تدك عروش البايات والبايات الجدد…
• ملحمة سبعطاش ديسمبر وقودها ملاحم نساء بوزيان وتالة يد ترمي البطش النوفمبري بحجارة من سجيل وشفاه تزغرد ساعة انسحاب جحافل البطش مدحورة ذليلة… ويهتفن عاليا؛ آمس خرّجنا فرانصا واليوم نخرجوا الإستقلال (لص الإستقلال)…
نساء بلادي يعمرن تونس بجبالها وصحاريها وسهولها ومصانع 72 سارقة أعمارهن وجهدهن…
• هزني هذا المساء 13 أوت هتافهن الذي يكثّف كل تاريخ النساء في بلدي وهن يهتفن حربات حريات ضد كل الرجعيات…
أما مشهد كرستين لاغارد رسولة الإذلال الوطني والإجتماعي وهي تتصدر المشهد في قصر قرطاج جنبا إلى جنب مع بشرى بالحاج حميدة مناشدة بنعلي ليلة هروبه فقد أدمى قلبي وحفزني إلى امتشاق قلمي والرد بالكتابة writers Back… ولسان حالي يصرخ مع المفكرة النسوية الديكولونيالية الفلسطينية ليلى أبو لغد ساعة صرخت كتابة:
Do Muslim Women need saving?
هل تحتاج المسلمة إلى إنقاذ؟
صرخة إدانة وفضح لجريمة تدمير وإبادة الشعب الأفغاني تحت راية “الرجل الأبيض يحرر نساء الشرق من غطرسة الرجال”!!!
قبلها صرخت المفكرة النسوية Gayatri C. spivak : هل بمقدور التابع الكلام؟ ?can the subaltern speak
صرخة احتجاج يفضح أيديولوجيا تدمير الإنجليز بلدها الهند تحت شعار تحرير نساء الهند من جريمة الساتي الذكورية!!!
شاركتهن الرد بالكتابة المقاومة المفكرة النسوية الجذرية Chandra Muhanty:
scholarship and colonial discourse.
حذرت فيه من ارتباط النضال النسوي في الأمم المضطهدة من ربط نضالاتهن بالأجندات الكولونيالية لأن ذلك يزيد من حدة الاضطهاد الذكوري المحلي الذي يضاعف هيمنته على النساء ظنا منه أنه يحميهن مجالا خارج السيطرة والاستباحة الكولونيالية…
بإسم الإرث الأمومي في تونس وباسم تاريخ بلدي وأساطير بلدي المطبوع بأنفاس وعرق ودماء نسائه وعطرهن من حقي أن أصرخ:
هل تحتاج نساء بلادي إلى كريستين لاغارد وسفير فرانصا برتبة مقيم عام لإنقاذهن من رجال هن من أنقذهم من مخاطر صيد الضواري واستبقائهم إلى جانبهن يصنعون معا خبز وأغنيات الماضي والحاضر والمستقبل!!!
هل تحتاج نساء بهذا الإرث أن ينقذهن سفير فرانصا ورسولة الإذلال الإجتماعي والوطني كريستين لاغارد مما يسمونه “غطرسة رسالة الإسلام” التي دشنتها خديجة باحتضان نبيها وتدثيره ودشنتها أم سلمة بأول صرخة نسوية مخاطبة زوجها ونبي الإسلام قائلة:
“يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء”؟
فخصها تعالى بآية “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ…..”.
هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي إلى كريستين لاغارد وسفير فرنسا مفسديْ معاركٍ في نبل النبوّات؟!?.

بإسمكن جميعا؛
أهدي هذا النص إلى ثلاث شابات من تونس أراهنّ عناوين لمعارك #نساء_تونس_التنوع_والأعماق ؛ لا معركة أدلوجة #المرأة_التونسية_المنمطة في أجندات وكلاء الإغتراب الزماني والمكاني.
#مها عبد الحميد? Maha Abdelhamid
#عائدة لن كريّم? Aida Benkraiem
#خولة الفرشيشي? Khaoula Ferchichi

كُتب في صيف العام الثامن من الزمن الديسمبري المفتوح النهايات…

(معذرة ليس لنا إلا الفايسبوك منبرا).

✍الأمين البوعزيزي ولد #مربم الفلاحة العظيمة.