ذي المجاسد

سامي براهم

ورد في حوار على إحدى الإذاعات الخاصّة على لسان النّاطق باسم الجبهة الشّعبيّة الأستاذ حمّة الهمّامي حديث عن اعتماد قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين قبل الإسلام وتحديدا في قريش.

هناك إحالة في كتاب جواد علي “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” يمكن أن يكون قد اعتمد عليها، لكنها إن صحّت فهي لا تمثّل قاعدة تعامل بين العرب الذين لم يكونوا يورّثون النّساء،

يقول جواد علي محلّلا :
“وفي فقه الجاهلية أحكام كثيرة، وضعها مشرعون محترمون عند قومهم، وجرت عندهم مجرى القوانين. وقد نص أهل الأخبار عليها، كما نصوا على أسماء قائليها. وقد ذكروا بين تلك الأحكام أحكامًا أقرها وثبتها الإسلام ، مثل حكم “ذي المجاسد” وهو “عامر بن جشم بن غنم بن حبيب” في توريث البنات. فقد كانت العرب متّفقة على توريث البنين دون البنات، فورّث ذو المجاسد، وهو الذي قرر أن للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد وافق حكمه حكم الإسلام”.

كما ذكره أحمد عبد الموجود في كتابه الشريعة الإسلاميّة الجزء السّابع وهو كتاب طريف يعرض تشريعات العرب قبل الإسلام ويبيّن حجم اقتباس التشريع الإسلامي من تشريعات العرب…

يبدو أنّ مصدر هذه الإحالات هو البلاذري في “أنساب الأشراف” في تعريفه بعامر بن جشم، من بني يشكر، حيث يقول: “هو ذو المجاسد، وكان أوّل من جعل للذّكر مثل حظ الأنثيين”.

كما ذكره ابن حزم في جمهرة أنساب العرب بقوله: “ومنهم: عامر بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر، وعامر هذا هو ذو المجاسد؛ وهو أول من أعطى الذكر حظين والأنثى حظّا”.

والدّارقطني في كتاب “المؤتلف والمختلف” حيث يقول: “عامر ذو المجاسد بن جُشم بن حُبيب بن كعب بن يشكر، وإنّما لقب بذي المجاسد: لأنّه أول من صبغ ثيابه بالمجسد، وكان أول عربي قسم للذّكر مثل حظ الأنثيين، فنزل القرآن بذلك، فهي مأثرة لا مثلها”.

والدّليل على أنّها لم تكن قاعدة معتمدة في قسمة المواريث قبل الإسلام ما ذكره الواحدي في أسباب النزول :
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: أخبرنا علي بن عمر بن مهدي قال: حدثنا يحيى بن صاعد قال: حدثنا أحمد بن المقدام قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت إمرأة [إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس -أو قالت سعد بن الربيع- قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال. فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء وفيها: (يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظ الأنثيين) إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمّهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمّهما الثّمن، وما بقي فلك”.

وهذا الأخذ المتواتر في عدد من المسائل يندرج في باب ما ذكره من أرّخوا للتّشريع الإسلامي في العبادات والمعاملات حيث تحدّثوا عن استفادته من تشريعات السّابقين ضمن قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا التي يعدّها البعض أصلا من الأصول على خلاف بينهم في ذلك.
هو كذلك مظهر من مظاهر جدليّة الوحي والتّاريخ حيث يتفاعل الوحي المنجّم مع مستجدّات الواقع.
هذا الإقتباس للأحكام يكون بتبنّيها وإدراجها ضمن منظومة متكاملة كما هي أو إعادة تركيبها أو بثّ مضمون جديد فيها، ففقه الحجّ والعمرة مثلا مستقى من مناسك الحجّ قبل الإسلام مع إعادة تركيب وترتيب وتأصيل وبناء رمزي مضموني.
هي عمليّة تحويل وإكساء جديد بالمعنى.

إذا كان ثمة شيء يخيفني في الأتراك

كمال الشارني

حين أترك موضوعيتي المهنية جانبا، وأعود إلى تركيبة شخصيتي فإني أعتبر من حيث المبدأ أن أي حلف فيه أمريكا حلف باطل، وأن أي دولة أو طرف يعادي الأمريكيين هو من حيث المبدأ مظلوم حتى يثبت العكس، بدءا بالفيتنام وصولا إلى غزة مرورا بالعراق ودول أمريكا اللاتنية من الإنسانية المعذبة بتجار الأسلحة والنفط، حركات التحرر في مواجهة الاستعمار، الخلاصة: أنا ضد الأمريكيين من أجل تركيا.

لنعد إلى الموضوعية المهنية في الصحافة التي تجعلني أحس بالأسى بسبب الكم الهائل من المعلومات الزائفة عن علاقتنا بتركيا، منذ “القلوب التركية البيضاء” التي لا أحد يقول لكم إنها في الحقيقة بلغارية المنشأ، يجلبها تجار تونسيون عبر تركيا لتدمير القلوب التونسية السوداء، لا أحد يقول لكم أيضا إن المصانع التركية كما المصانع الصينية لا تتوسل على بوابات الموانئ التونسية، فقط ثمة تجار تونسيون يذهبون إلى تلك المصانع لأن الاستثمار في الوساطة والتهريب والتوريد العشوائي أقل كلفة من الصناعة والإنتاج.

نحن في بلد السمسرة والانفلات والإفلات، عمليا، وبالأرقام، لا تمثل السوق التونسية شيئا من حيث الحجم أمام الصادرات التركية التي تعمل على اكتساح أسواقها الحقيقية القريبة: شعوب الدول الناطقة بالتركية شمالا والعراق وإيران وسوريا مستقبلا. كل منتوج تركي ينتشر في تونس هو دليل على تفوق مافيا التهريب على آلة الإنتاج. إذا كان ثمة شيء يخيفني في الأتراك، فهي الدراما، إنهم يكتسحوننا بتلك المسلسلات والأفلام والموسيقي التي نشأ عليها جيل كامل من التونسيين دون بديل لدراما تونسية تعبر عن الواقع.

السبسي خيانة مؤتمن دستورية وخلقية

أبو يعرب المرزوقي

لما انتخب السيد قائد السبسي -وكان اقل الشرين- اعتبرت عهده قد بدأ بما انتهى به عهد بورقيبة. 
وهو أخف الشرين لأن العهدين السابقين عهد بورقيبة وعهد ابن علي ينبغي أن يصلا إلى غايتهما فيدفنا نفسيهما باعتبار عهد ابن علي حياة صناعية لعهد بورقيبة كما يحدث لمن يعيش بالأجهزة وهو يحتضر.
وجرد الحساب -البيلان- لسنوات السبسي الأربعة، تبين أنه لم ينجز أدنى شيء يمكن أن يعتبر دالا على الحياة: 
قانون الزطلة 
والصنبة 
ومشروع قانون المساواة 
وربما الإطاحة برئيس الحكومة الثاني الذي اختاره بنفسه.

أما حزبه فقد فتته شر تفتيت.
والأهم من ذلك كله أمران يؤديان إلى الأمبيشمنت الخلقي:
1. الأول هو أنه أقسم على دستور الثورة، لكن ولاءه لدستور ابن علي. 
وتلك هي علة عزله رئيس الحكومة السابق وسعيه لعزل الحالي. 
ولو لم يفسد ابنه حزبه وتسرع اليسار لافتكاك الحزب، لأرجع نظام ابن علي علنا ولم يكتف بالسعي لجعل قرطاج بديلا من القصبة في كل تصرفاته.
2. والثاني أخطر من الأول: 
ففي الأول كان السعي لتغير نظام السلط الذي اقره دستور الثورة ليعود نظام السلط الذي فرضه ابن علي، مغاليا في ما كان عليه الامر في عهد بورقيبة، لكن الثاني يتعلق بتغير مرجعية الدستور وهو ما لم يجرؤ عليه لا بورقيبة ولا ابن علي، وهي جرأة ستقضي عليه لفقدانه شروطها.

وبهذا المعنى فإني أكاد أجزم أن الرجل لم يعد مالكا لقدرات عقلية كافية لتسيير دولة ما دام قد عجز حتى على تسيير حزب. 
وآمل ألا تكون وراءه ما كان وراء بورقيبة في ايام مرضه وعجزه. 
ذلك أن ما قاله في خطابه الاخير ومحاولة الخياطة بالخيط الأبيض، دليل على فقدان لياقة “القدرة العقلية”.

ولا أذهب إلى اعتبار ما قاله بعدم العلاقة بالدينية أنه ينفي الدين عامة في الدولة التونسية، بل هو يقصد أن مدنية الدولة تعني أن مبدأ المساواة علاجه لا علاقة له بدين الشعب.
وأنا أوافقه بأن النقاش في المسألة يمكن أن يكتفي بحقوق الإنسان: فبمتقضى ماذا يحق له أن يحد من حقين لصاحب التركة؟
أليس المالك الذي يدور الكلام على تركته له حقان من حقوق الإنسان؟: 
• حق حرية المعتقد
• حق حرية الملكية
فهل الدولة المدنية، لو اعتبرنا مدنيتها تستثني المرجعية الدينية -وهي دعوى سخيفة-لكن فلنقبلها جدلا، تلغي حقوق الإنسان كذلك، فتجعل كمشة من المتعصبين تلغي حقين من حقوق صاحب التركة؟

أليست حرية المعتقد تشمل الاعتقاد في فريضة توزيع التركة بحسب المعتقد؟ 
هل المسلم ليس حرا في تطبيق عقيدته في توزيع تركته سواء في حياته أو بعدها؟ 
أليست حرية المالك تشمل حقه في التصرف في ملكه حيا وميتا، فيعطي لمن يشاء ما يشاء كما وكيفا دون سلطان لأحد عليه؟

وما هو السلطان الذي يجعل رئيس دولة، سلطاته محددة بالدستور، يمكنه من التحايل ليدعي أنه مطالب بتحقيق التناسق بين القوانين والدستور بحسب فهمه له؟ 
هل هو قاض في المحكمة الدستورية وطلبت منه سلطة شرعية أن يقضي في التناسق بين القانون والدستور؟ 
وكيف يحتكم للبند الثاني لتعطيل الاول منه؟
هل صحيح أن الرجل دارس للقانون؟ 
هل يمكن أن تقرأ الدساتير قراءة تحكمية، بل واعتباطية، بحيث لا يبقى نظاما متناسقا أولا قبل البحث في تناسق القوانين معه؟ 
وكيف تصبح القاعدة شذوذا والشذوذ قاعدة، فتكون الاغلبية المسلمة استثناء على أرضية الأقلية “العلمانية” في مقترح الرئيس؟

لعله يتصور أن استراتيجية الإمساك باليد التي توجع (بلغة المصريين) يعني تخويف حزب ا لنهضة، سيجعله يربح الرهان هذه المرة فيمر المشروع برضاها أو بعدمه، لأنه واثق من أن الأحزاب الذرية الباقية أكثر منه حقدا على سيادة تونس الحضارية.
لكن هيهات.
سأدعو وسأطالب الجميع بأن يدعو إلى أحد أمرين:
1. الأول وهو الأدنى: 
المطالبة بجعل الامر يحسم باستشارة شعبية. 
وإذا تمادى ورفض ذلك: 
2. سيكون الثاني الدعوة إلى ما يشبه الأمبيشمنت الخلقي لان القانوني لا وجود له في الدستور. 
وإذا ما زال يفهم معنى “الخلقي” فسيفهم أنه أهم من القانوني: 
سيكون الطلب وضع أهليته الخلقية والعقلية موضع سؤال.

فلعبة الولاء للنظام الرئاسوي التي جعلته يحارب رؤساء الحكومة على ما فيها من عدم ولاء للدستور الحالي، مرت بسلام في المرة الأولى، وقد تمر بنكبة في المرة الحالية. 
لكن اللعبة الاخطر والتي تتمثل في التحايل على مرجعية الدستور المتعلقة بالسيادة الحضارية لنقص في السيادة السياسية، لن تمر.
فقد نفهم العدوان الاول على الدستور من الإرث والعادة والتنافس السياسي في الحزب الحاكم طمعا في أن يحكم وحده، وأن يورث الحكم لمن يريد فلا يشكك في السيادة السياسية. 
لكن المس بالسيادة الحضارية، أي بمرجعية الدستور، لا يمكن ألا يكون ناتجا عن تخل عن السيادة السياسية لأنه طاعة أمر خارجي.

لا يمكن لذي عقل أن يقدم على المس بمرجعية الدستور مرتين: 
• نظام توزيع السلط 
• المرجعية الحضارية 
دون أن يكون ذلك دليل انخرام ما في مستوى ما من ملكات المقدم عليه. 
فالمس الاول يمكن تفسيره بخاصية الشيوخ الذين يحلمون بما ربوا عليه في شبابهم. 
لكن الثاني علته الخضوع لسلطة خارجية.
فلا يمكن أن يغيب عن بال أي عارف بتونس أن غالبية الشعب ضد حفنة كاريكاتور الحداثة الذين يريدون تهديم كل القيم التي تستند إليها حضارة شعب عريق، هو شعب تونس الذي صمد أمام 75 سنة من الاستعمار المباشر و60 سنة من الاستعمار غير المباشر ثم ينكص بعد ثورة شبابه بجنسيه.

وأخيرا فما يقدمه السبسي ليس سعيا لتحقيق التناسق بين الدستور والقوانين بمقتضى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، بل هو مشروع فتنة تصورها لعبة لحشر الإسلاميين في الزاوية. 
لكني لست إسلاميا ولا نهضويا، اعتبره يحارب مقومات السيادة الحضارية، لأنه يدين بوجوده للتخلي عن السيادة السياسية.

أقولها صراحة: السبسي لم يعد ممثلا للشعب التونسي. 
هو لا يمثل إلا حفنة أدعياء الحداثة من المزطلين وعملاء السيداو والسفارات التي شاركت في صوغ التقرير. ولذلك فالشعب التونسي يخيره بين أحد أمرين: 
• إما عرض المشروع على الاستفتاء.
• أو سيكون الاستفتاء الشعبي على ما بقي له من شرعية.
وهذا ما أعنيه بالأمبيشمنت الخلقي في غياب القانوني، لأني لا أذهب إلى اعتبار هذا الأمر قد بلغ درجة الخيانة العظمى للوطن حتى وإن لامسها بالنسبة إلى الثورة. 
ذلك أن كل ما قام به الرئيس إلى حد الآن لا علاقة له بالثورة وبالثوار، وإلا لكان رئيس كل التونسيين لا حفنة من الشاذين.

كنت أتصوره ساعيا لجبر الكسر الذي كاد يؤدي بالوطن إلى صدام حضاري داخلي فحييته لذلك. 
لكنه في الحقيقة كان يناور. 
كان يتصور أنه سيتمكن بالتحايل من الحد من توق الشعب التونسي لاستعادة مقومات كيانه الحضاري وهي ظاهرة كونية حتى في الغرب. لكنه اتبع الاستلاب عند كاريكاتور الحداثة.

الميراث الإسلامي مساواة أسرية

الحبيب حمام

الأحوال الشخصية عموما والميراث خصوصا تخضع للدين والعرف أكثر من السياسة. ألّا يتزوج الرجل خالته لا سياسة فيها بل دين وعرف. وكذلك ألّا ترث الطليقة، التي توفي طليقها بعد العدة، مسألة دين وعرف لا مسألة سياسة وحكم. فهي ترث إن حصلت الوفاة قبل انقضاء العدة ترث، وإلا لا ترث. وإن كانت حاملا فعدتها إلى أن تضع حملها كما قال تعالى “وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن”. كل هذا تفصيل ديني. فالميراث مرجعه ديني عرفي. ملاحظة: من ينادي بإلغاء العدة يحرم الطليقة من الميراث في هذه الفترة.

قبل الخوض في تفاصيل الميراث وجب النظر إلى رؤية الدين والعرف للفرد والأسرة والمجتمع. المجتمع الإسلامي نواته الأسرة (بر الوالدين، صلة الرحم، أولوية النفقة على الأقارب، القوامة، العِرض، …) وليس الفرد (في مجتمع متكون من أفراد، لو قلت أختي سودت عرضي فهي حامل من عشيقها، لضحكوا عليك: هي حامل وما دخل عرضك أنت؟ هل أنت الحامل؟). الميراث مسألة أسرية، لا فردية: الفرد يرث باعتبار المعطيات الأسرية وليس باعتبار نفسه فقط. إذن المساواة المطلوبة يجب أن تكون أسرية.

أنت ترث حظين، وأختك ترث حظا، وزوجتك ترث حظا من أبيها وأمها، وزوج أختك يرث حظين من أبيه وأمه. أسرتك ترث 3 حظوظ، وأسرة أختك ترث 3 حظوظ. هناك تساوي إحصائي. يعني لو تأخذ مجتمعا، بأغنيائه وفقرائه، فيه مليون أسرة، منها ما هي متكونة من فردين ومنها ما هي متكونة من 14 فردا، فمعظم الأسر ترث نفس القدر تقريبا (معدل الإرث الأسري). فالميراث مساواة أسرية.

ماذا إذا كانت المرأة تعمل؟ ليست مجبرة على ذلك. ولكن لها ذلك إن أرادت، وتأخذ حقها كاملا قبل قسمة التركة، ثم ترث فيما تبقى. حقها في التركة بموجب عملها يسمى في الفقه المالكي: حق الكد والسعاية. فمثلا إذا شاركت هي وزوجها في تكوين تركة بالتناصف، ومات زوجها، تأخذ نصف التركة كاملا غير منقوص لها لوحدها، ثم ترث الثمن في النصف الثاني إن كان لهما أبناء. هكذا حكم الفاروق لحبيبة بيت زريق عندما مات زوجها عمر بن الحارث. المالكية استندت إلى هذه الحادثة وأسست باب الكد والسعاية. فالميراث مساواة أسرية.

أسس الأحزاب في الجمهوريات الحديثة

نزار يعرب المرزوقي

أسس الأحزاب في الجمهوريات الحديثة
ومفهوم الجمهورية العلمانية الديموقراطية والدولة المسلمة التقدمية

أختم التعليق بخصوص ما يحدث ويقال هذه الايام بعد توضيح مغالطات مدعيي المساواة “المغالطات في المساواة

أمر لموضوعين:
الاول هو توضيح الاشكال في توصيف بعض الأحزاب
الثاني الحداثة التاريخية في مفهوم الدولة.

أبدأ بمسألة المرجعيات في الأحزاب داخل الجمهوريات الحديثة وهي بالأساس تعليق على منشور أحد الأصدقاء الأجلاء الواعين بمقومات الدولة وبأهداف الثورة احتج فيه على نقطة من خطاب رئيس الجمهورية وتصرف بعض من أسس معه حزبه

عاب من واجبه الدفاع عن الدستور في محاولته التعدي الصارخ عليه وضمن تعديه على محرر بنده الاول عاب على بعض الأحزاب مرجعيتها ومثمنا توجهها إلى ما يفهمه هو خطأ أو مغالطة من مفهوم المدنية. والبند الأول الذي يعبر بقاؤه في دستور جمهورية الحرية والكرامة عن تواصل الدولة والتشديد عليه عن أن ثورة الحرية والكرامة لا هي مخترقة ولا هي تقصد تهديم الدولة بل هدفها إصلاح ما أفسده من لم يفهم قيمها مشددة على مطلبين لم يفهمهما المفسدون لمسارها: الحرية والكرامة.
وحديثي هنا سيتعلق بأكبر حزبين في الدولة بدءا متحدين أوهكذا أراهما في الحزب الحر الدستوري المتحد التونسي وهذه تسميته الأصلية.
لرئيس الجمهورية أن يتجاهل في الحزب الذي أنشأه من يدعي التكلم باسمه وحمل رايته فيتجاهل الفصل الذي كتبه والتوضيح الذي قدمه تعريفا للدولة التونسية الحديثة ولكن سيتضح للكثير مدى بعد الحزب الذي يدعي البورقيبية بعده عن البورقيبية وتشويهه لها وسيدركون سبب التشويه ويحولون دون تواصله.

وأمر للحزب الثاني وأقصد حزب حركة النهضة.
مرجعية النهضة قيمية اجرائية أي انها إسلامية لأن المنظومة القيمية للدولة هي الإسلام دين الدولة وهي جمهورية أي ان الشرعية للشعب بإجراء ديموقراطي مثلها مثل الأحزاب منذ أن نشأت في أول جمهورية حديثة أي الولايات المتحدة فثمة من ركز على فكرة الجمهورية وبعدها على الفيديرالية (ضد المركزية أو الاتحادية دفاعا على نظرة دجيفرسون ضد نظرة هاملتون) ولم يدم طويلا وثمة من ركز أكثر على فكرة الديموقراطية وهذه هي الامور التي قامت من أجلها وبواسطتها الثورة وحرب الاستقلال وتأسيس الدولة عندهم.

ونعود للأصل أول حزب وطني في تونس ركز على الحرية وهي المطلب الأساسي وركز على الدستور وهو المطلب الأساسي للشعب وركز على الوحدة وهي مطلب من نفس الأهمية في مواجهة تذاكي الاحتلال وقتها ومقاومتنا لما يريد البعض القيام به هو مواجهة لتذاكي ممثلي الاحتلال في تونس فخطابهم ولى عليه الزمن ولن تنطلي الخدع البليدة على الشعب.
أفسدوا الجمهورية الأولى ويحاولون إفساد الثانية وما أظن الشعب يسكت هذه المرة ويترك الأمور تصل إلى حد ضرورة القيام بثورة للإصلاح.

وبعد توضيح مسألة المرجعية للأحزاب داخل الجمهوريات الحديثة أمر لمفهومي الدولة المسلمة التقدمية (تونس) والدولة العلمانية الديموقراطية (فرنسا).

أكثر مفهوم معرف للدولة حداثة تاريخية هو الدولة المسلمة التقدمية وليس الدولة العلمانية الديموقراطية فالمفهوم الثاني منصص عليه على الاقل عقدا من الزمن قبل الاول وهنا اخص بالذكر رائدي المفهومين لا الاخرين لأنهم يقلدون وحسب (الجمهورية التونسية الأولى والجمهورية الفرنسية الرابعة).
وان أخذنا بعين الاعتبار مرة أخرى مراجعة النص الاول في البلدين الرائدين لفهوميهما للدولة (تونس وفرنسا) فإننا نرى أن مفهوم الدولة المسلمة التقدمية متجدد اكثر وهو الأكثر حداثة مرة أخرى لتجدده نصا 2014 والعمل به فعلا 2014 والدفاع عن محاولات تحريفه والوقوف أمام عدم احترامه 2018 من المفهوم الآخر في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة.
هذا نصا من حيث التنصيص أما عملا بالتنصيص نسبيا ام كليا فمفهوم الدولة المسلمة التقدمية أكثر تقدما من مفهوم الجمهورية العلمانية الديموقراطية في عديد من التشريعات المحررة فعليا والمحترمة للنفس البشرية والعدل والمساواة.
نظريا الان عندما نقول أن الدولة مسلمة فهذا يعني أن الدولة تتبنى نظرية الدولة في الاسلام وتوضيح أنها مدنية يحدد ويدقق أي نظرية دولة أي أن المقصود هو نظرية الدولة في الإسلام السني التي تؤكد بوضوح على طبيعة الدولة وأسلوب تحقيق ما تقول به وهو ما يمكن تلخيصه في هذه النقطة وبالتسمية الفلسفية جمهورية ديموقراطية. وقد شرح أحد فلاسفتنا هذه النقطة وبينها وأسسها ولا مجال للعودة إليها الآن إذ يمكن للجميع العودة ومراجعة نظرية الدولة في الإسلام التي وضحها.
وإذا مفهوم الدولة المسلمة أوسع وأشمل وأكثر حداثة وإن كان بحاجة إلى تفعيل أكبر وتحليل أوسع من حيث النزول به إلى واقع التشريع لا من حيث الفهم والتوضيح.
ورب ضارة نافعة فقد تكون المبادرة التشريعية فرصة لتفعيل مفهوم الدولة المسلمة التقدمية تفعيلا تاما والعمل على جعله كما هو شعار ريادة تونس بمفهومها للدولة واستقلاليتها وحريتها وكرامتها بثورتها لكي تعود منارة الأوطان وقائدة البلدان وإن رمزيا وروحيا وفلسفيا وهو الأساس في الاوطان لأنه محرك الأبدان.
فتحصل الثقافة المنشودة بالتربية الموعودة ويتحد الجميع مقاومة للفساد وفضحا له وتربية على رفضه وعدم الإتيان عليه بمنطق تدبير الرأس المغلوط.
وتعم ثقافة الإبداع والرغبة في الريادة والعمل على الإنتاج وتحقيق الذات وتكون التربية ويكون التعليم الحقان هدفهما هذه القيم والغايات مع زرع الثقة في النفس والإعتداد بالذات.

وختاما ومواصلة للتنبيه المذكور في المقال البارحة وبناء على ما سرب بخصوص المقترح المرتقب تقديمه تجدر المطالبة بـ:

  1. تعديل مشروع تغيير القانون إلى تنقيح للقانون الأصلي بالمحافظة عليه وإضافة إمكانية المساواة بين الذكر والأنثى لمن يرغب والحرمان التام للأنثى لمن يفعل بموجب معتقديهما في إطار المنظومة القيمية للدولة كما ينص عليها الدستور أهدافا وتنصيصا ومضمونا وإجراء وما هو في توافق تام مع المنظومة المسماة كونية لحقوق الإنسان أهدافا ومضمونا وإجراء.
  2. وضرورة الإستفتاء عليه.

في الإستخفاف.. والقابليّة للإستخفاف

عبد القادر عبار

كما أن القابلية للاستعمار -حسب نظرية مالك بن نبي- قد مهدت للاستعمار في بسط نفوذه على كثير من البلدان.. كذلك لولا القابلية للاستخفاف.. لما استخفّ حاكم بمواطنيه.

استخفَّ القومَ: أي استهان بهم وِاسْتَفَزَّهم.. وما تجرّأ فرعون على استخفاف قومه إلا عندما أمِنَ سلبية ردة فعلهم على أقواله وتصرفاته نتيجة عمليات غسل دماغ خضعوا لها تحت حكمه الاستبدادي الطويل. 
واستخفاف الشعوب لم يتوقف عند فرعون موسى الذي ادعى لنفسه الربيوبية والألوهية وانه هو المالك للرأي السديد والقول الرشيد وأنه لا صواب إلا ما يراه هو بل يخبرنا التاريخ السياسي القريب والبعيد أن كل مستبد قد مارس عنجهيته ومرّر نسخته الخاصة به من الاستخفاف بقومه حسب مزاجه وعلى مقاسهم.

فقد رأينا من نسخ الاستخفاف بالشعوب في تاريخنا المعاصر في بداية الثمانيات،  مشهد عَوْم المجاهد الاكبر حيث كانت تعرض على الهواء بالصوت والصورة وتنقل “تبحيرة” الزعيم الصيفية وتتصدر نشرة الأخبار الوطنية.. كخبز إعلامي يومي ضروري ليستمتع الناس برؤية الزعيم باعتباره السباح الأول.. العصيّ على الغرق.. وليرسخ في الأذهان انه كما أنه يحسن السياسة فانه يتقن العوم والسباحة ..
كما استخفّهم وهو يسرد سيرته الذاتية على الهواء حيث أخبر بأنه استطاع ان يبطل نظرية عقم الخصيّ وذلك بدليل أنه قد أنجب ولدا رغم انه لا يملك إلا خصية واحدة. والأسرة التونسية بذكرها وأنثاها وكبيرها وصغيرها شاخصة إلى التلفاز تتابع سيرة الزعيم. كما استخفهم في مسامراته التاريخية بسرد بعض غرامياته وهو ينشد قول الشاعر
أمرّ على الديار ديار ليلى ** اقبّل ذا الجدار وذا الجدار
وما حبّ الديار شغلن قلبي ** ولكن حب من سكن الديار
وما ليلاه .. الا ماجدة تونس الأولى في زمانه. 

وأما آخر ما استجدّ من مشاهد الاستخفاف بالشعب وما عاين الناس منها، ثلاثية طريّة تداولتها وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي منها: ذلك الجهر بفحش الكلام الذي لا يجري عادة إلا على ألسنة السوقة من الناس حيث ردّ المترشح للرئاسة وهو في حملته الانتخابية على صُحفية بقوله على الملأ “برّي ..” (يمنعني الحياء من اكمال العبارة).. وثانيها استنقاصه من سيدة نائبة في البرلمان بقوله “ما هي إلا مرا” وهو ما ينمّ عن احتقار للأنثى مهما علا شأنها العلمي والثقافي والسياسي والاجتماعي. 

وآخرة الأثافي كما يقال ما جاء في خطاب عيد المرأة، ذلك التصريح الصريح بقوله “احنا ماعناش علاقة بالقرآن والدين نحن دولة مدنية”.. و10 ملايين مسلم من مواطنيه يستمعون اليه ويشاهدونه. 
فمن قال لك ان الاستخفاف بالشعوب قد انتهى مع فرعون موسى.. فلا تصدقه.