يقتلون الإمام الحسين ويسألون عن حكم قتل البعوضة في الحرمين !!!

بشير العبيدي

#أقولها_وأمضي

في باب الفهم ووضع الأمور في مواضعها، تعجبني جدا قصّة تروى عن عبد الله بن عمر حين أتاه رجل من أهل العراق في الحج، قال: يا أبا عبد الرحمن، ما حكم قتل البعوضة للمحرم؟ قال: ممّن أنت؟ قال: من أهل العراق ، قال: (قاتلكم الله يا أهل العراق ! لطّختم أصابعكم بدم الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم بعوضة)!

نعم، حين يختلّ الفهم، يقتلون الحسين ويسألون عن حكم قتل البعوضة في الحرمين !

ومثل هذا كثير جدّا أيّامنا هذه ! فلقد قرأت العجب من ردود عربيّة على تصريح الرّئيس التونسي حول اعتزامه تغيير قانون الميراث !

فلقد تحرّكت بعض الأقلام الأزهرية والخليجية لتلقّن التونسيين درساً دينيًّا في (تطبيق شرع الله)، ونفس تلك الأقلام لم تر شرع الله في سفك دماء المصريين وحرقهم في خيامهم وشوي لحومهم بالنار… لقد عميت القلوب والأبصار والبصائر أن ترى حرمة دم الإنسان وحرمة الظلم وحرمة التمثيل بالجثث، لا بل صرّح بعضهم قائلا (اضربوهم بالمليان)، وصرّح بعضهم (الجنود المصريون يتلقون الأوامر من عند الله)! ثم تمّ سحق كلّ صوت حرّ، وزجّ بالعلماء والفهماء والقادة الربانيين في سجون القهر والظلم وسفك الدماء والإعدام وقتل النفس من دون وجه حقّ … وجدران السجون المصرية والسورية والسعودية وغيرها لو يأذن لها خالق الجماد لتتكلّم بما تراه وتسمعه وتتألم منه جرّاء ما يحصل لخيرة نخب هذه الأمة ولما يقاسيه خيرة شبابها لتشقّقت الجبال والسدود ولنطق الحجر بما يبكي الشجر ! كلّ هذا وشرع الله -عند هؤلاء- مصون محفوظ مطبق محترم ما شاء الله، ويكفي تصريح رئيس تونس لكي تنفجر العيون أسفا على تطبيق شرع الله!! وفيما عدا ذلك، وكما يقول إخواننا المغاربة : (الدنيا هانية !)…

والنتيجة : البلدان الأشد عنفا وتسلطا وقهرا ضد شعوبها تريد أن تظهر بمظهر المحترم للشريعة والحريص على تطبيقها، وهو لعمري زيف وكذب وقلب للحقائق و”رهدنة” ما بعدها “رهدنة” !

كما أن بعض المدوّنين هنا وهناك، رفعوا سيف (شرع الله خطّ أحمر)، فقط بمناسبة تصريح رئيس تونس حول الميراث، فانهالت الأقلام في بكائية من المحيط إلى الخليج تنوح مصير (شرع الله المسكين)! وكأنّ شرع الله في بلاد العرب حقيقة معاشة ينقصها فقط تأديب رئيس تونس لكي نحسّ بأننا في مجتمع مسلم كما يحبّ الله ورسوله !!!

إنّ هذا الفهم، حين نقلّبه على وجوهه كلّها سنكتشف بسهولة أنّه فهم مقلوب ولا معنى له ! لأنّه يوحي -كذبا- لجموع الناس بفكرة مكذوبة خاطئة هي أننا نحترم حاليا شرع الله وما بقي سوى تلك المسألة التي أزعجتنا، هي نقطة المساس بالميراث !! إنها لصورة شكلية عبثية (لشرع الله) أن يعتني بمسألة جزئية ويجعل منها رأس الأمر، ويتناسى المعضلات الكبرى التي يشيّب لها الولدان.

إننا -معشر العرب والمسلمين في أغلب مجتمعاتنا- نعيش تحت رحمة الاستبداد البغيض بلا حرّية -جملة وتفصيلا- وهو أمر خارج تماما على منطق الشريعة منذ قرون بل هو عداء قبيح لروح الشريعة ونصوصها كلها، وخارج على منطق التاريخ الإنساني الذي يفرض أن تكون الإرادة للشعوب تختار ما يصلح بها. إن ثلاثة أرباع الوطن العربي تحكمه الْيَوْم أنظمة عسكرية مستبدة طاغية، مصالحها مرتبطة بالأعداء، وما بقي من أنظمة تدفع الجزية مقابل حمايتها من طرف جحافل الجيوش الأجنبية المرتزقة. إن الثروات الباطنية التي هي حقّ خالص للشعوب تستخرج الْيَوْم وتنفق في شراء الأسلحة لتدمير البلدان الإسلامية ذاتها وسحقها، وهذا أعظم ظلم لتطبيق الشريعة وأبشع صورة للحياة، فهل يا ترى، ستعود ثروات المسلمين للبناء وعمارة الأرض بمجرد تراجع رئيس تونس عن خزعبلاته؟!

الذي يريد تطبيق شرع الله بحقّ، عليه أن يراجع الأمور بمنظار مغاير تماما. لا يمكن وضع العربة في مقدّمة الثيران إذا أردنا أن تتجه الأمور الوجهة الصحيحة الثابتة. والدعوات الدينية التي تنطلق داخل المجتمعات العربية منادية بالويل والثبور هي نفس الدعوات التي تستغلها مخابرات الدول لصناعة الإرهاب وتسويقه وتخويف الناس به من الحرية ! وكلّ دعوة من هذا النوع ينبغي الاحتراز منها لأن التجارب المريرة أثبتت أنها المدخل رقم واحد لتفجير المجتمعات العربية والمسلمة من الداخل !

لا أقصد أبدا بكلامي هذا ألا نحتجّ على مزيد الانجراف نحو العبث حين يحصل ذلك، بل كنتُ من أشد المحتجين على ما يسمى تقرير الحريات في تونس. ولكن العنوان الصحيح للاحتجاج -وفق وجهة نظري الخاصة- ليس هو (شرع الله خطّ أحمر)، فهذا الشعار خطير جدّا لأنّه يخرج مسألة الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها من دائرة (شرع الله خط أحمر)، وهذا سبب رئيس في نظري لانتصاب الظلم والجور في أوطان المسلمين منذ قرون ! إن هذا التجريد والتبسيط يجعل من قضية الحرية وقضية الإنسان وقضية إرادة الشعوب خارج منطق الشريعة، وهذا خطأ لأنه فصل مرفوض بين الشريعة والحياة والسبب الرئيس لانتشار العلمنة والدعشنة والطغيان في أوطاننا !

وفي كلمة : السياسيون العرب الْيَوْم ليسوا مطالبين بـ”تطبيق شرع الله في الميراث”، أو في هذا الجانب أو ذاك ! إنهم مطالبون بأعظم من ذلك بكثير : إنهاء الظلم والاستبداد والتمكين في أوطانهم للحرية ولإرادة الشعوب في اختيار نمط حياتها الذي يناسبها. ثم على الشعوب الواعية أن تتمّ المهمة وكسب #معركة_الوعي بجدارة : وهذا لعمري أعظم بند في تطبيق شرائع السماء على أهل الأرض، ومن دونه سيظل الحديث عن تطبيق الشريعة -في نظري- مجرد شكليات فولكلورية لا قيمة لها.

✍? #بشير_العبيدي | ذو الحجة 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً |

الخصومة الفلسفية حول مسألة الحريات الفردية

أحمد الغيلوفي

ما يدفع للكتابة في هذه المسألة هو طرافتها النادرة، حد الإضحاك أحيانا: إنها تكشف لك أن المختلفين ظاهريا لا تفصلهما حيطان عالية وخطوط حمراء كما يدعيان، وإنما بينهما علاقات قربى لا واعية وتبادل عجيب في المواقف. في مسألة الحريات يكون الإسلامي ليبراليا في الإقتصاد، ماركسيا شيوعيا في الحريات الفردية، ويكون اليساري الماركسي شيوعيا في الإقتصاد، ليبراليا متطرفا في الحريات. ولله في خلقه شؤون.

أولا. من الخطأ الإعتقاد أن الخصومة حول الحريات الفردية لا تُطرحُ إلا في فضاء عربي إسلامي. هذا تبسيط وسوء نية: إنها موجودة في فرنسا وكندا والولايات المتحدة والصين وروسيا، لأسباب سوف نأتي عليها لاحقا. وليس السجال بين “جهلة” و”ظلامييون” من ناحية وعلماء وحداثيون من ناحية أخرى. إنه سجال فكري، وعلى مستوى رفيع بين فلاسفة كبار: ر.دواركين، بيرس اكرمان، جون راولس، من ناحية، والسادير ماكانتير، ميكايل صاندال وشارل تايلور، من ناحية أخرى. والحقيقة، وقبل الفريقين جميعا، كان ماركس في “المسألة اليهودية”. إنهما نظرتان للإنسان والمجتمع. الفردانية والجماعتية. نظرة ترى أن الحقوق والحريات يجب أن تُوضع ضمن “سياق” إجتماعي وثقافي، ونظرة ترى أن الفرد وحقوقه أسبق من المجتمع والثقافة الخصوصية (سوف نعود لهذه المسألة بالتفصيل) كيف نشأت الخصومة في القرن العشرين؟

1. الخيبات الكبرى
انبنى التفكير الليبرالي على مفاهيم ثلاثة: التقدم والعقل والفرد. إذا اتبع الفرد سلوكا عقلانيا (بحث عن مصلحته الخاصة) سوف يتقدم المجتمع وتتحقق السعادة للجميع. ما حدث هو العكس: فشل ذريع لايديولوجيا التقدم: الحرب العالمية الأولى والثانية، القنابل النويية، الأزمات الإقتصادية والمجاعات، والإنظمة الفاشية في بداية القرن العشرين. الاخطر من هذا فكرة “الحدود” التي فرضتها الايكولوجيا: الإنسان يعيش في سياق إيكولوجي سيدمره ويدمر نفسه إذا واصل البحث عن مصلحته الفردية والآنية. لأول مرة يعترف الفكر الليبرالي بوجود حدود متعالية على الفرد وعليه إحترامها لكي يواصل العيش.

2. أصل المشكل
تتأسس النظرية الليبرالية على فكرة الحقوق الذاتية، المؤسسة بدورها على انثروبولوجيا فردانية. “الليبرالية هي فردانية، والحرية التي تتحدث عنها هي حرية الفرد المعزول”. الفرد هو مرجع ذاته، مرجع ما يراه صالحا أو مُضرا. هنا تلتقي الليبرالية بالحداثة: الفرد هو مرجع العلم والأخلاق. هذه الفردانية تطرح نفسها أيضا كفردانية-كونية بفضل المصادرة القائلة بتساوي الحقوق بناء على تعريف مجرد للفرد: كل فرد هو فاعل أخلاقي مستقل، “مالك بشكل مطلق لقدراته” -ومنها جسده طبعا- والتي يستعملها لإشباع رغباته التي يختار هو بشكل حر إشباعها، من هنا علينا أن نفهم “لا خمار لا خموري” وحقوق المثليين. تقوم إذا الليبرالية على الفرضية التالية: الفرد المفصول عن الجماعة، وهو “كُل” مكتف بذاته، يبحث عن مراكمة مصالحه، متبعا خياراته الحرة والإرادية والعقلانية، بدون أن تكون هذه الأخيرة خاضعة لأي تأثير من السياق الأجتماعي.
من أين جاءت هذه الحقوق؟ من الطبيعة البشرية. لم يعطها للفرد لا المجتمع ولا الدين ولا الثقافة، لذلك هي “ما قبل سياسية”، بل من أجل الحفاظ عليها دخل الأفراد في المجتمع عبر العقد الإجتماعي. أي أن هذه الحقوق سابقة ومستقلة عن المجتمع، بل أن المجتمع مجرد أداة خارجية لتنفيذ الحقوق وإشباع الرغبات الفردية. ما هي نتائج هذه الفلسفة؟
• الإنتماء لا يُظيف شيئا للفرد ولا يجب أن يسلبه حقه في أن يوجه حياته كما يختار.
• ليس هناك تناظر بين الحقوق والواجبات: لأن حقوق الفرد طبيعية وسابقة عن المجتمع، ولأن المجتمع مجرد أداة لإشباع رغبات الفرد والمحافظة على حقوقه، فما يطلبه الفرد من المجتمع أكثر بكثير مما يقدمه له. ليس للرأسمالي أي واجبات تجاه الأفراد الفقراء.
• العادل سابق للخير: العادل هو ما يُطابق الحقوق الفردية النابعة عن الطبيعة. الخير هو ما تعتبره مجموعة ما أنه كذلك. ترفض الليبرالية فكرة الخير لأنها تتحكم في الفرد من أعلى وتحدد الحق الفردي، لذلك تجعل العادل سابقا للخير: الخير هو جملة الأشياء والسلوكات التي تحقق منفعة الفرد. منفعة الفرد كما يراها هو. وعندما يتناقض “العادل” مع الصالح العام؟ يجيب راولس “للعادل أسبقية مطلقة حتى عندما يتناقض مع الصالح العام” (نظرية العدالة).
• الدولة محايدة تجاه “الغايات”: لا تتدخل في أسلوب حياة الفرد وفي شكل ومفهوم السعادة التي إرتضاها لنفسه.

3. النقد الجماعاتي
قبلهم جميعا كان نقد ماركس في “المسألة اليهودية”. يسأل ماركس “حقوق من؟” فيجيب الليبرالي “حقوق الأنا”. إذا هناك “أنا” سابقة على الحقوق، أي وعي بالذات وبالحقوق، وهذا الوعي جاء عبر اللغة أي عبر السياق الإجتماعي، أي أن المجتمع سابق على هذه الأنا وهو من حددها وجعلها تتمثل حقوقها” ليس وعي الناس هو من يحدد وجودهم ولكن وجودهم…”. الوعي بالذات وتمثل الحقوق محكوم بسياق إجتماعي، لذلك سوف يكتب فيما بعد تايلور “منابع الذات”. مع فارق جوهري: ماركس يقسم المجتمع الرأسمالي إلي طبقتين فقط: البرجوازية والبروليتارية، والصراع الطبقي بينهما فقط حول ملكية وسائل الإنتاج. بالنسبة لماركس ليس هناك طبقة إسمها طبقة النساء في صراع مع طبقة الرجال، لذلك إصطدمت الحركة النسوية منذ الستينات بالعناد الماركسي. يرى انقلز في “أصل العائلة” أن البطريقية ستزول بزوال الملكية الخاصة، لذلك فالحركة النسوية حركة برجوازية لإلهاء البروليتارية عن حقيقة الصراع الطبقي. يجب أن يتحرر المجتمع حتى تتحرر المرأة والرجل معا.
• إذا كان الفرد سابقا للمجموعة فلماذا تحشر الرأسمالية أبناءها وتجعلهم يموتون “من أجل الأمة”؟ أية أمة؟ كيف يفسر إذا الليبرالية ضروب الإلتزامات: نحو العائلة، نحو الوطن، نحو الإنسانية؟
يلتقي الفكر الجماعاتي مع ماركس وانقلز كما يلتقي مع الهيرمينوطيقا وذلك في قولهم أن الوقائع الإجتماعية “مبنية” وفق عملية تأويلية: لا نستطيع أن نفصل بين تشكَل الهوية وبين السياق الإجتماعي والتاريخي، أي أن وعيي بذاتي وتمثلي للقيم “العادلة” ولضرب الحياة التي أريد إتباعها رهين بانتمائي لجماعة ما. إنه انطلاقا من “شكل حياة موجود” تتم إختياراتي، بما فيها الإختيارات المضادة لشكل الحياة الموجود. من نتائج هذا أن الخير سابق للعادل، والسياسي سابق للإقتصادي والجماعة سابقة للفرد، وأن الحرية محدودة بأفق إجتماعي وأن على الفرد أن يراعي الصالح العام والحس المشترك.

خلاصة: نلاحظ أن من يرفضون الفكر الليبرالي في مستواه الإقتصادي وفي نتائجه الإمبريالية يدافعون على نواته الصلبة ورأس حربته: الحرية الفردية المستقلة تماما عن السياق الإجتماعي، والذين يرفضون ماركس في معاداته للدين ويقبلون بالليبرالية في الإقتصاد يلتقون معا في رفضهم للحريات المنسلخة عن الجماعة. ربما يرجع هذا لأن الماركسية شكل أخير من أشكال الدين: للإنسان رسالة هي تأمين تواصل البشر على هذا الكوكب وذلك عبر نفي الظلم وتحقيق العدل. فقط عند ماركس يتحقق العدل عبر التخلص من الملكية الخاصة، بينما يتحقق العدل عند الأخرين بتطبيق الشريعة. الأول خلاصه دنيوي، والأخرون خلاصهم أخروي.

أحزاب واعدة تتفتت على محارق سؤال الهوية

نور الدين الختروشي

الاستقالات المعلنة وغير المعلنة من حزب عبو تدل على أن التموقع الثقافي أو الموقف من عنوان الهوية أو الإختيار بين مشاريع الحداثة المشوهة أو المسقطة أو الشكلية ومشاريع الأصالة الجريحة أو المتشنجه أو الرجعية لا تترك خيارا للسياسي في المفاضلة بين حدين في ثنائية الهوية / حداثة وهو وضع غير مريح مع التذكير بحقيقة انتروبولوجية وتاريخية تقول أن “إنسان العالم الإسلامي” في بنيته الذهنية هو بالدرجة الأولى كائن بالدين وليس بالمتدين فقط.

كتبت وكتب غيري في أكثر من مناسبة أن موضوع الهوية في تونس وبمقاس أفقي وشعبي قد حسم لصالح تيار الأصالة. فلما أُستؤصل الإسلامي من الحياة العامة في الزمن النوفمبري برزت القنوات الفضائية وحسمت تلك المعركة بسرعة أفتقدت للعمق ولكنها أعادت تعمير المساجد بأجيال جديدة من المتدينين وفرضت الحجاب كضاهرة ثقافية بعيدة عن المنسوب والدلالة الايديولوجية في خطاب الإسلاميين.
ولكن في المراحل التأسيسية وهي حال تونس ما بعد الثورة من الطبيعي ومن أصل الأشياء أن يعود السجال حول الهوية إلى السطح ومن الطبيعي أيظا أن تتعارض هواجس النخبة مع قناعات الشارع في هذا الموضوع وأن نعيد اكتشاف حقيقة التباعد بين إطمئنان الجمهور إلى مقدساته وحيرة قطاع كبير من النخب عند حد السؤال العابر للزمن العربي الحديث دون الإستقرار على إجابة أو إستجابة متوازنة: من نحن ؟
لينتبه السياسي إلى أن موضوع الهوية والثوابت الدينية قد تكون أهم عند ناخبه من برامجه السياسية حتى لا نرى بأسف وعدم سرور أحزابا واعدة تتفتت على محارق سؤال الهوية..

الشعب مسلم،،، ولكن الدولة ليست مدنيّة

زهير إسماعيل

سنكتب تحت هذا العنوان سلسلة من النصوص حول ما يدور من جدل. وهو جدل في ظاهره حول موضوع الأحوال الشخصيّة وفي حقيقته حول موضوع الدولة ودورها وعلاقتها بالمجتمع، حول “المشروع الوطني” في سياق منسوب مهم من الحرية معمد بدماء الشهداء. فالنخبة التونسية لم تخض في موضوع الدولة، واكتفى الفاعلون السياسيون ببعض الشعارات العامة من خلال إلحاق صفات بالدولة مثل “الديمقراطية” و”المدنيّة” و”الدينية”، وسط سجال حادّ. ولا يمكن لسياق السجال أن يفضي إلى خلاصات متينة ومواقف مؤسَّسة يمكن البناء عليها. 

ومن المثير للانتباه أنّٰ الجدل القائم لا يختلف، من حيث أطرافه وما يقدم من وجهات نظر وحجج وما ينكشف من “علاقات قوة” بين المتحاورين، عن الجدل الذي كان قائما في مرحلة الاستبداد، رغم فارق الحرية. وهو ما يغري بالسؤال: هل توجد موانع وتعقيدات وتقاطعات تحول دون بعض الأطراف وإبداء مواقفها كاملة فتحتاج إلى التقية، ذلك أنّ تهمة “ازدواجية الخطاب” ما تزال من التهم المتداولة في الخطاب السياسي والإعلامي؟
سنعرض تصورنا للدولة ووظيفتها، كل ذلك في علاقة بالدستور والديمقراطية والإسلام والثورة والمواطنة الاجتماعية.
سنقف عند الدولة الدينية، ونعرفها بأنها هي الدولة التي تتدخّٰل في عقائد الناس وسلوكهم وحرياتهم الفردية، أيا كانت مرجعيتها، وهو ما يتحقق في الدولة التونسية من خلال منطوق الدستور، ومن خلال سلوك رئيس الجمهورية الذي من حقّة أن يبدي تصوره للإسلام وتصوره للحداثة، كما من حقه أن يؤلف بينهما، ولكن ليس من حقه أن يستقوي بالدولة ليقدم باسمها تصوره أو تصور غيره. فدور الدولة أن تدير اختلاف المواطنين وتعددهم وتنوعهم لا أن تنحاز إلى جهة دون أخرى.

هل صارت علمانية الدولة مطلبا ؟ 
الجواب: نعم،
في سنوات الجمر كان بن علي يكذب مثلما يكذب سلفه اليوم، أمام الأوروبيين، بأن دولته علمانية تواجه تصورا دينيا للدولة تمثّله النهضة، وكان بعض من السذج من الاسلاميين ينخرطون في هذا ويلحون على محاربة بن علي للإسلام وينسون أنّٰ حربه الفعلية على الحرية، وكان كثير من المشارقة، مثلما نلاحظه اليوم، يهرعون مندّدين بعلمانية موهومة للدولة في تونس، متأسفين على محاربة الدولة للمعلوم من الدين بالضرورة، وهذا ما كان يسعد له، بن علي سابقا، وساعده على ذلك ما تسنّى له من اختراق وما صنعه من “إرهاب معولم” مثلته الجماعات التكفيرية التي تم توظيفها فيما بعد للانقلاب على المسار الثوري. وهو ما يسعد له، اليوم، بقايا الصباحية ومن حالفهم من شتات المشهد السياسي.
لم نكن نواجه علمانيا، في مرحلة الاستبداد، بل كنا نواجه استئصاليا تابعا متخلفا، لا يختلف في تصوره للإسلام عن تصور “الجماعات التكفيرية”. كان مطلبنا وما يزال هو “تحرير الدين من الدولة”، أي من “الوسيط” وذلك جوهر الإصلاح المحمدي.
العلمانية كان يجب أن تكون مطلب القوى المدافعة عن الحرية ( السياسية والدينية والفكرية) في مقابل “دولة بن علي الدينية”، التي تفرض على الناس عقائدهم. يومها وجدت من يدعم “دينيّتها” من “اللاّدينيين” (أو “التدين الآخر” ولا أقول يسار أو علمانيين لأنهم ليسوا كذلك) الذين مثلوا “لجان تفكيرها” و “قوتها الناطقة”، ولكن كان هناك أيضا دعم من ضحاياها، مثلما أشرنا. ويتواصل المشهد نفسه تقريبا والفاعلون إياهم. والمتغير الوحيد والنوعي هو منحة الشهداء المعمّدة بدمائهم الزكية، وهو متغير لن يجعلنا نغفل عن أنّٰ أداءنا على مدى سبع سنوات “تطور” بمشهدنا السياسي ليصبح مشروطا بالخارج، وهو ما قد يجعل من الحرية المعمّدة مشروطة به أيضا (هذا من المواضيع الجوهرية).

ولكن أي علمانية؟ 
إذ العلمانية علمانيات، وكثيرا ما تحاول الدولة أن تفرض “علمانيتها” فتتحول هذه العلمانية من “إدارة الاختلاف” بين المواطنين إلى “الانحياز العقدي” فتصبح بذلك “دولة دينية” رغم دعاوى العلمانية (الدولة البورقيبية، الشيوعيّة، أو الاشتراكية). وهذا ما سنحاول الوقوف عنده، كل ذلك في إطار تصورنا للإسلام والدولة والسلطة.
(يتبع)

عيد المرأة 2018… الصورة الصادمة

إسماعيل بوسروال

خاب أملي في رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وظهر لي شخصا عاديا فاقدا لتلك الهالة التي صنعها لنفسه وهيأها له الإعلام البنفسجي… هو رئيسي ورئيس جميع التونسيين فقد فاز بالرئاسة بـ 56٪؜ في انتخابات نزيهة وشفافة -رغم بعض الملاحظات- وتلقى التهنئة من منافسه المنصف المرزوقي وحاز على القبول الشعبي الواسع.

أنا لم أنتخب الباجي قائد السبسي بل نشطت في الحملة الإنتخابية للدكتور منصف المرزوقي من باب التنافس السياسي الذي كنا نفتقده… كنت منحازا إلى المرزوقي لأسباب مبدئية إستراتيجية رغم مؤاخذاتي على أدائه أثناء فترته الرئاسيةً ولكن إنجازاته ومواقفه كانت إيجابية.
كنت أدرك جيدا أن الحنكة السياسية تظهر أقوى لدى الباجي.
ولكن العامل الرئيسي للإنحياز إلى المرزوقي ضد الباجي هو اطمئناني إلى أن (الإنتقال الديمقراطي مضمون) عندما يكون المرزوقي رئيسا ولكن الديمقراطية ليست مترسخة في التجربة السياسية للباجي قائد السبسي وكنت أخشى تنكره للإلتزامات والعهود نظرا للتقلبات التي عاشها في الحزب الدستوري مع بورقيبة أو في التجمع الديمقراطي مع بن علي وظلت ماثلة أمامي خروجه من (حركة الديمقراطيين الإشتراكيين) هو والحبيب بولعراس سنة 1980 مقابل تقلدهما مناصب وزارية.
كان الباجي قائد السبسي حكيما عندما تولى رئاسة الحكومة بعد الثورة في 2011… كما برهن عن حنكة خلال إعتصام باردو واختار الوفاق والتوافق والسلم الأهلي عندما دعا إلى الحوار مع النهضة وكان تجسيدا لممارسة متطورة لدى رئيس نداء تونس.

في2018/2017 ظهر الخلل واضحا في مزاج الرئيس الباجي حيث سار في خطين لا يؤديان إلى الإصلاح السياسي ولا الإجتماعي.
الخط السياسي تمثل في الميل نحو ممارسة النظام الرئاسي وإقالة الحبيب الصيد لأسباب غير واضحة ثم اقترح يوسف الشاهد مكانه في مشهد يتحايل على الدستور حيث يريد الرئيس أن يجعل من رئيس الحكومة مجرد وزير أول يخضع لتوجيهات الرئيس.
الخط الإجتماعي الخاطىء تمثل في دعوة لجنة الحريات الفردية لتتناول قضايا لم يطالب بها الشعب التونسي.
قضايا الشعب التونسي تخص المساواة في الحقوق الإقتصادية حيث يبدو الإختلال واضحا بين السواحل والدواخل وبين الحضر والأرياف… تفاوت طبقي بين نساء يأكلن بملاعق الذهب ونساء يشربن مياه الغدران.
وقضايا الشعب التونسي الإجتماعية تهم قضايا الإنحراف السلوكي الذي يتطلب نشر تربية سليمة وثقافة بناء… تعاني الأسرة التونسية مشاكل جمة تتطلب تمتين الروابط بين الرجل والمرأة والآباء والأبناء والأجداد والأحفاد من أجل بيئة سليمة تترابط فيها الأجيال ويتضامن المجتمع.

كان المشهد مزريا في قصر قرطاج يوم 13 أوت، نساء بورجوازيات يرفلن في أبهى الحلل وجئن من أرقى الأحياء (اللهم لا حسد) لكن… خاب الأمل في رئيس الجمهورية كرمز لوحدة التونسيين فغابت نساء تونس باستثناء جيران القصر الرئاسي.

كلام غير إيديولوجي على كلام إيديولوجي

نور الدين الغيلوفي

#حول_حمّه_الهمّامي

بصراحة نحب نسمع ديما الرفيق حمّة الهمّامي..
يذكّرني بمسطرة لوح قديمة كنّا نقرو بيها..
حتى هو يصلح يكون مسطرة للتقدمية.. ولكنها مسطرة مجروحة محفّرة من جوانبها وما ترسمش الخطوط المستقيمة..
على كلّ حال اسمها مسطرة..

والرفيق القائد ليس له من التقدمية غير الإسم مثل تلك المسطرة التي لا وظيفة لها خارج إسمها.. على أنّ المسطرة لا تنطق.. أمّا الرفيق العتيق فناطق.. وهو الذي وصف نفسَه بالتقدمية والحداثة ولقّب نفسه بالديمقراطي في نسيان متعمّد لمفردة ثوريّ.. لا علينا.. كل واحد حصانه ينقّز السدرة.. والرفيق حصان تقدّمي أصيل.. والسدر كثير.. والمساحات شاسعة…
نحب نسمع الرفيق ديما على خاطر كيف نسمعه نتعلّم الصبر ونعرف فضل الصمت على الكلام.. وكيف نسمعه نتصوّر وزن الجبهة الشعبية في البلاد وجديتها في العمل ونفهم قدرة اليسار على الإقناع.. وجديتهم في الإقتراب من الناس…
نحب نسمع الرفيق ونقرأ في خطابه برامج الجبهة اللي فيها عدد كبير من الأحزاب اليسارية والشخصيات الماركسية المستقلة التي لا تزال تجلس عند آخر عتبة مرّ منها رئيس ألبانيا القديم الرفيق أنور خوجه الذي تَوَفَّى عمرَهُ وترك وصيته من بعده لوارثه الأوحد الرفيق حمّه.. ولو نطق غيرُه لما احتيج إليه..
الرفيق حمّه هو الناطق الرسمي.. ولكنه كلما نطق زاد فضل الصمت على الكلام عندي ورأيت معنى أن يكون الإنسان وما أدراك ما الإنسان قصبة يصفّر بها الريح وقد غادرتها الروح…

أدّعي أنّني أحصيت ما في جعبة الرفيق النطقية.. فهو كلّما تكلّم كان كلامه حشوًا.. فهو دائما يحشر في تصريحاته مفردات لا رابط بينها لازمة لخطابه.. منها (الترويكا.. النهضة.. الإتجاه الإسلامي.. قلنالهم راهو.. يقولولي الناس.. الدستور.. التحالف الحاكم.. الفاشل.. أحنا في الجبهة الشعبية.. هتلر راهو طلع بالإنتخابات.. ميتران ألغى عقوبة الإعدام.. بورقيبة.. الإنسانية راهي تقدمت.. المساواة بين البشر.. إلغاء العبودية.. مجلة المعرفة والمجتمع.. الدفاع عن ضربان المرأة.. في الجبهة الشعبية ما ناش نجرو ورا الكرسي.. الصدق.. التلوعيب.. البوليتيك.. التوانسة يقولولنا ظهر عندكم حق) فقط لا غير مع مراعاة فارق التوقيت لكلّ تصريح وفارق اللوك اللي يخرج فيه حمّه… ومع مراعاة التحويرات الحاصلة في الخطاب بعد سقوط قرون الفلفل من قفة الزوالي اللي كان يهز فيها لخالته مباركة التي انتقلت إلى جوار ربّها…
فقر معجمي.. وعبارات كثيرة لا تفهمها الأجيال الجديدة.. وسطحية تفكير وخيال سياسي مُعَطَّب وقدرة على التطوّر منعدمة… ورؤية ضبابية وأفق مغيّم…
الماركسية أنتجت مفكّرين عربا كبارا وسياسيين على قدر لا يستهان به من الرصانة والرجاحة.. ولكنّ تربة بلادنا ظهر بها نبات نكِد لا جهة له.. لا تعلم أهو إلى اليسار ينتمي أم هو طفيليات نبتت على ضفاف الليبرالية المتوحّشة التي تفترس كلّ شيء وتحرق الأخضر واليابس… حتّى الذوق السليم تضرم فيه نيران حقدها..
اللاطبقي….
أرثي ليسار لا يسار فيه..

المساواة في الميراث: مبادرة الرئيس وما وراءها !

القاضي أحمد الرحموني

الذي يظهر من خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 أوت الفارط هو الإيهام بأن المقترح الذي تقدم به بشأن المساواة في الميراث هو حل توفيقي يأخذ في الإعتبار “مصالح” المعارضين للمساواة أو الراغبين في تطبيق الشريعة مع مراعاة أحكام الدستور التي تقتضي التسوية بين المواطنين والمواطنات !. وهو ما بدا للبعض (أفرادا وأحزابا) خروجا من الجدل وترضية للفريقين !.

لكن التامل في مضمون هذا المقترح ومقاصده ينتهي إلى اكتشاف “المغالطات” الخلفية التي تستهدف -بطريقة متدرجة- إلغاء نظام التوريث الحالي المستمد من الشريعة الإسلامية :
1. فمن جهة أولى، تفترض المبادرة -كيفما عرضت- إقرار قاعدة المساواة كمبدإ عام إعتقادا بأنها تمثل “القانون العصري” المستمد من الدستور والأخذ في آن واحد باستثناء “ثانوي” هو إرادة المورث الصريحة في تطبيق قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” على قسمة تركته الخاصة.
وبصيغة أخرى الإتجاه إلى اعتماد قاعدة المساواة ضمن قانون مشترك ذي انطباق عام يجد مجاله الواسع في التطبيق سواء عند سكوت المورث أو سهوه ودون حاجة لأية شكلية حتى وإن كانت إرادة المورث الضمنية تتجه إلى رغبته في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. ولا يخفى من هذا المنظور الموقع “المتدني” للقاعدة الشرعية (ذي التطبيق الخاص) التي يراد إختراقها بدعوى إنتمائها إلى قانون “تقليدي” و”غير عادل” !

2. أما من جهة ثانية، فيؤدي المقترح طبق ذلك التصور إلى إنشاء نظامين قانونيين (متفاوتي القيمة) يمكن تطبيقهما على نفس المال المتروك (في صورة تعاقب الوفيات وتعدد التركات).
ومن شأن ذلك أن يحدث ما يعرف بالتعددية القانونية التي تفترض في هذه الحالة وجود نظامين مختلفين للميراث: أولهما (وهو الدخيل) مستمد من القانون الغربي وثانيهما (وهو الأصيل) مستمد من الشريعة الاسلامية.
لكن يبدو واضحا أن اختيار قاعدة المساواة كقانون مشترك سيؤدي لا محالة إلى “التفوق المبدئي” لنظام التوريث المستمد من القانون الغربي في مقابل “تهميش” القاعدة الشرعية ذات التطبيق الخاص.

3. أما من جهة ثالثة، فإن ترسيخ القاعدة “الدخيلة” كحكم مبدئي سيسمح بتطوير نظام متكامل لما يمكن تسميته بنظام الميراث العصري ومن المتوقع أن يتم ذلك بصفة مستقلة عن نظام الميراث الإسلامي الذي تتبناه مجلة الأحوال الشخصية. ومن الوارد أن يمهد ذلك لحلول ميراث بديل عن أحكام المواريث الشرعية في نهاية المطاف.

4. أما من جهة أخيرة فيمكن التأكيد في ضوء ما سبق أن الأخذ بنظام التوريث الإسلامي (وخصوصا بقاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين) سيكتسي صبغة وقتية في صورة نجاح المبادرة الرئاسية وسنرى -قريبا أو بعيدا-دعوات لإلغاء هذا الإستثناء وتوحيد النظام القانوني والتخلي عن “الموروث القديم”!

غرامشي..

محمد ضيف الله

غرامشي (Antonio Gramsci) لم يكن معروفا بين الماركسيين عندنا حتى الثمانينات شأنه شأن مفكرين ماركسيين آخرين كبار اعتبروا تحريفيين مثل سانتياغو كاريللو صاحب كتاب “الشيوعية الأوربية والدولة” أفضل كتاب قرأته خلال الفترة الطلابية.

غرامشي لم يكن معترفا به أو لم يكن معتبرا بين الكبار، فلم يكن له اسم أمام لينين أو ستالين أو ماو أو حتى أنور خوجة. والمفارقة أن الذين سبقوا إلى قراءته على الساحة التونسية هم الإسلاميون. إلا أن مفاهيمه استعملت بكثافة في مطلع التسعينات أو حتى استُهلكت، المجتمع المدني والمثقف العضوي والمجتمع السياسي… إلا أن ترجمتها كانت خاطئة أو بعيدة عن غرامشي فالمثقف العضوي (الواقف إلى جانب مجتمعه) أصبح عمليا هو المثقف الوظيفي (في خدمة السلطة)، والاختلاف بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي ترجمت على أنهما يعنيان شيئا واحدا، بحيث أن الدولة هي التي ترعى المجتمع المدني. وأما الاختلاف في حد ذاته بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي انزاح إلى اختلاف بين مجتمع مدني ومجتمع ديني (غير موجودين أصلا ميدانيا). المشكل أن ما قام به التحريفيون الجدد للمفاهيم الغرامشية في التسعينات مازال يشتغل إلى يوم الناس هذا.

Antonio Gramsci 1891-1937, Rome, Italie

كفى إدانات متبادلة المطلوب حوار وطني واسع

عبد اللطيف الهرماسي

التقرير حول الحريات الفردية و المساواة، والذي أثار جدلا كبيرا في الفترة الأخيرة، عبارة عن مشروع لمجتمع ذي أساسين: المساواة المطلقة والآنية بين الرجل والمرأة في كل المجالات، والحرية المطلقة والتامة للأفراد في جميع المجالات.

يستند التقرير إلى التحولات الهامة التي حصلت منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في أوضاع و أدوار المرأة التونسية، وإن كان يبالغ في تقدير مدى غلبة الأسرة النووية على حساب العائلة الموسعة ومدى بروز الفرد المستقل عن الجماعة التقليدية وذلك بما يخدم أغراضه المعلنة أو غير المعلنة.
يدافع التقرير عن تمكين المرأة ومساواتها بالرجل ودعم مكانتها داخل العائلة، وهو هدف لا يمكن لكل تونسي مستنير إلا أن يقاسمه. ولكن تبقى مطروحة كيفية تجسيم هذه الغاية المشروعة مع الحفاظ على تماسك المجتمع وتوازنه وجعله يقبل بالتغير مع الإطمئنان لهويته وثوابته. وهنا يكمن الإشكال.

وعلى سبيل المثال فإن التقرير يأخذ بالإعتبار دور العوامل الإقتصادية، الإجتماعية متمثلة في تنامي دور المرأة في الإنفاق على العائلة وإرتفاع مستواها التعليمي، ولكنه تجاهل وزن ودور الإنتماء الديني والموروث الثقافي والأخلاقي. هو يبحث لامحالة عن شرعية لمقاربته ومقترحاته في رؤية دينية مقاصدية، لكن قارئه يكتشف أن المحتوى الأساسي لتأويله المقاصدي عبارة عن قيم تعتبرها النخب الحداثية عموما ذات طابع كوني، من دون إتفاق على إستتباعات هذا الوصف: إذ يذهب المتطرفون في هذا المنحى، ومنهم أبرز عناصر اللجنة التي وضعت التقرير إلى إعتبار منظومة الحريات الفردية والمساواة كما تجسدها المواثيق الدولية أسمى وأعلى من أي مرجعية دستورية وقانونية وطنية. هو تعسف يتناسى كون هذه القيم نتاج التطور التاريخي للغرب وثقافته، وأن من حق البلدان والمجالات الحضارية الأخرى أن توفق بينها وبين ما تعتبره ثوابت وخصوصيات ثقافية ودينية تعترف بها نفس تلك المواثيق وينكرها دعاة الحداثة بلا حدود على شعوبهم.

لا غرابة إذن أن يذهب التقرير مثلا إلى الدفاع عن حق الفرد في الدعوة العلنية إلى أي معتقد كان وممارسته حتى وان كان مناهضا ومستفزا لمعتقدات الأغلبية الساحقة، وكذلك أن يدفع بقوة ومعه رئيس الدولة في خطابه الأخير يوم 13 أوت بإتجاه تغيير القاعدة القانونية المنظمة للإرث، رغم علمه بإنقسام المجتمع التونسي حول هذه المسائل.
إزاء كل هذا وإزاء ما رافقه من خطابات إنفعالية وموتورة نقول: كفى إدانات متبادلة وكفى مساومات في قضايا كبرى. المطلوب نقاشات معمقة ورصينة، ولم لا، حوار وطني واسع تشارك فيه جميع الأطراف حتى لا يستعجل أحد في تقرير مصير البلاد أو ممارسة الوصاية على المجتمع التونسي فئات وأجيالا.