ليس دفاعا عن المرأة

نضال السالمي

أكتب هذا النصّ لشرح موقفي آعتراضا على جموع الحداثيّين والتقدميّين -دجّالي العصر- الذين يعتقدون أنّهم المدافعين الأساسيّين عن المرأة وحقوقها.. وأعتقد بالمقابل أنّه لم يحدث عدوان أشدّ وأمكر طيلة التاريخ على المرأة أكثر من وحوش الشعوذة أولئك.

لقد وقع تحرير المرأة طيلة عقود من تسلّط الزوج وقسوته، من جبروت العائلة، من حدود الدّين، من سجون البيت، من قيم العفّة والحياء.. طيّب.. إنجاز عظيم.. لكن مهلا مهلا..
المرأة اليوم تملأ المصانع والإدارات.. تنتج وتجتهد أكثر من الرجال.. وتشكّل الدّعامة الأهمّ لبنيان الرأسماليّة (اليسار هههههه)
المرأة لم تتخلّى عن هموم الحمل والإنجاب (لا يمكن لها المساواة مع الرجل في هذا للأسف).. وبالتالي إزدادت متاعبها طبعا بآعتبار العمل المرهق دوما..
المرأة وقع إخراجها من المنزل إلى الشارع والأماكن العامة حيث تتعرّض يوميّا لأتعس حالات التحرّش والإغتصاب والعنف اللفظي والمادي..
المرأة تملك أموالا بسبب عملها يذهب أغلبها لزوجها، حبيبها، إخوتها الذكور، أبنائها.. إلخ..
أعرف رجالا من أعظم الحداثيين في العالم يستولون على كلّ أموال زوجاتهم وحبيباتهم إمّا عنفا أو عبر التحيّل العاطفي..
كلّ المعاهد التي عملتُ بها تشهد حالات لأمراض نفسية كبيرة تعاني منها النساء بسبب العمل وقسوة الرجال.. وأذكر ذات يوم أستاذة مصابة بمرض نفسي حادّ تطلّب إيقافها عن العمل ثمّ هاجمت يوما المعهد فأخذت تتنقّل المسكينة بين القاعات وتشتم الزملاء وتصرخ في حالة مأساويّة حقّا.. ممّا تطلّب منّا إخراج كل التلاميذ وإيقاف الدروس وآستدعاء الأمن ليأخذوها بالقوة إلى المستشفى.. كان يوما لا يُنسى..
تلك الأستاذة كمثال.. كانت الأولى في دراستها.. من أكثر الأساتذة كفاءةً.. لكنّ زوجها العنيف والماكر تسبّب لها بآنهيارات نفسية عديدة.. ثمّ تخلّى عنها بعد أن دمّر حياتها.
أعرف كمّا هائلا من النّساء اللّاتي -رغم ما يبدو عليهنّ من توازن- إلّا أنهنّ حريفات دائمات لدى الأطبّاء النفسيّين ويعشن على الأدوية وحبوب الأعصاب والنوم.

طيّب، ماذا نعني بتحرير المرأة ؟؟ بحقوق المرأة ؟؟
تاريخيّا إنطلقت هذه الحركة الهائلة مع الثورة الصناعية.. حين آكتسحت المصانع كل مكان وكانت الرأسمالية في حاجة سريعة لأكبر عدد ممكن من العمّال.. فأطلقت مثقّفيها يبشّرون المرأة بحلول عصر الحرية وتمّ في أروبا تغيير لجغرافيا كاملة من الوجود.. ظهرت حركة نزوح واسعة إلى المدن الصناعية الجديدة.. حدث تطوّر في الإنتاج.. وكان لزاما إخراج المرأة لحاجة الرأسمال لها.. يجب أن تشتغل 12 ساعة في اليوم.. ويجب أن تستهلك أقصى ما يمكن من البضائع.. ثمّ إن عباقرة الرأسمالية كانوا عارفين جدا أن المرأة هي الأكثر إنتاجيّة وآنضباطا في العمل عكس الرجل المتمرّد دوما.. وعارفين بقدرتها الهائلة على الإستهلاك وغرامها التاريخي بآقتناء ما يلزم وما لا يلزم… وهناك تحديدا نشأت مزبلة الحداثة.

إذن فإنّ الحداثة وشعارات تحرير المرأة كانت تعني تاريخيا أن يقع إخراجها من البيت إلى المصنع.. و لكم تخيّل ما حدث حينها من إنهاك مرعب للأنوثة.. ثمّ تطوّر الأمر كسلسلة بلا نهاية.. فقد آلتقط الفنّانون والأدباء والإعلاميون ذلك الخيط و وّروا المسألة وفرح الرجال بذلك دون شكّ.. وسأنقل لكم قولا صغيرا لرجل كبير في السنّ ركبت معه في التاكسي ذات يوم بالعاصمة وأعتبر كلامه العفوي تعبيرا كاملا عن الوضع العامّ.. إذ قال لي: “إييه، في أيامنا كان أن يحصل الرجل على جسد إمرأة يُعتبر عملا خارقا ونبقى نحسده لشهور.. لكنّي اليوم تقريبا أتعرّض لأكثر من محاولة إغراء من نساء يركبن معي في التاكسي.. لقد خرجنَ من المنازل ودخلنَ في اللعبة وصرنَ متوفّرات جدا”.

طيّب دعنا من هذا التّاكسيست.. ولنتحدّث دون أقنعة: لقد مثّلت الحداثة فخّا عظيما للنّساء تحديدا.. فلقد آستطاع الرجال أن يستدرجوا المرأة لتساعدهم في شؤون العمل دون أن يساعدوها في شؤون المنزل.. آستطاعوا أن يضمنوا لأنفسهم دخلا ماديّا إضافيّا وسهلا.. وأن يجدوا منفذا هائلا لغرائزهم فقد كانوا يهيمون حول البيوت ويتيهون في رحلات صيد جنسية فاشلة تدوم شهور وسنوات أما اليوم وبفضل تحرير المرأة فهم يحقّقون فائضا من المتعة..

طبعا، هذا يشرح حجم الخيانات وتعدد العشيقات الذي يتمتّع به الرجل.. وهنا يمكن العودة للقول أن ضحايا الحب الأبرز هنّ النساء وآسألوا مصحّات الطبّ النفسي وآقتربوا منهنّ فستجدون في قلب كلّ آمرأة مرارات عظيمة وشعور مأساوي بالخذلان.. ولستُ هنا أبرّئ المرأة فهي تتحمّل مسؤولية كبيرة في ذلك خاصة أنّي طيلة حياتي لم أرى إلا نادرا أنثى أحسنت آختيار حبيبها.. فالنساء كالفراشات يجدن متعة كبيرة في التّحليق حول النار.. حول الهاوية.. إنّهنّ كائنات بصريّة يقعن دوما في جحيم المظاهر.. لكن هذا ليس موضوعنا.

تقول النساء: “الرجال والزمان ما فيهمش أمان”.. وأنا أفهمها أن لا أمان في الحداثة.. إنها شيطان ماكر يقود الناس صوب عبودية المال والمظاهر والإستهلاك.. إنها تُفتّت كلّ القيم وتحرّضنا على التحرّر من كلّ التوازنات النفسية وأن نصير فقط أجسادا تشتغل.. تتناكح.. وتتسوّق.. وتتمظهر..

لقد أنقذوا المرأة من البيت وجبروت العائلة والزوج.. هذا رائع.. لكن من ينقذها اليوم من قضايا التحيل العاطفي باسم الحب.. من مكر الرجال.. من متاعب العمل.. من الإبتزاز المادي.. من انعدام الحنان والرفق بها.. من جحيم الطلاق.. من العمل خارج البيت وداخله وإعطاء كل مالها لزوج أو حبيب خائن ولعوب وقاسي..

من ينقذ المرأة من المصحات النفسية.. من حرب الأعصاب.. من إحساسها المرير أنها تضحّي بكلّ شيء ولا تجني إلا الخيبات.. من ينقذها من هاوية الزّنا حين تجد نفسها تنتقل من فراش حبيب إلى فراش حبيب آخر، كلّ واحد منهم يزيّن لها الحب والوفاء أكثر من سابقهِ ثمّ يتركونها فريسة للضياع وربما الخمر والإحساس المرير أنها فقدت عفّتها وبرائتها في مستنقع الحداثة الآسن.

أنتم عباقرة الحداثة والتقدمية ورافعي شعارات تحرير المرأة وحقوق المرأة.. أنتم المشعوذون والدجّالين وعصابات التخريب الثقافي والأخلاقي.. مرحى لكم.. مرحى لكم.. فقد وجدتم الطريق إلى ضعفها عارفين بحجم تأثّرها بالكلام البرّاق والكاذب.. فأخذتموها إلى هاوية بلا قرار.

في الحقيقة، أعترف للمرّة المليون أنّي الرجعي الكامل والأخير في زمن الطّغيان الحداثي.. ولستُ أنظر لهذه المسائل إطلاقا ضمن مناخاتها السياسية المليئة بالمزايدات والأكاذيب.. بل أنظر لمسألة الحقوق والحريات في صميم الحياة الحقيقية للناس.. ولستُ أرى أنّ النساء في حاجة اليوم -وفي بلدنا خاصة- للمزيد من الحريات.. لسنَ في حاجة لعنتريّات الرجال حول حقوقها.. بل أساسا هنّ في حاجة مستعجلة للحبّ والحنان والرّفق والتفهّم.. في حاجة لفرسان جدد ينقذونها من هذه المتاهة القاتمة ويأخذونها إلى آفاقٍ أخرى حيث الإنسان مسار طويل من الرحمة.. وحيث يكون الرجل جسرها الرائع إلى سعادة الدنيا والآخرة.

رسالة الغنوشي إلى السبسي

عبد اللّطيف درباله

راشد الغّنوشي يحتفل بذكرى لقاء باريس مع السبسي.. ويثمّن التوافق.. ويتعهّد بمواصلته معه هو بالذات..
ويعطي إشارات قويّة عن إمكانيّة تخلّي النهضة عن الشاهد قريبا بمجرّد تصريفه الأعمال العالقة في أجل أقصاه 15 أكتوبر..!!!

نشر رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي مقالا مطوّلا على صفحته الرسميّة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يوم أمس الأربعاء 15 أوت 2018 بمناسبة ما قال أنّه ذكرى لقاء باريس سنة 2013 بينه وبين الباجي قايد السبسي.. والذي أدّى إلى سياسة التوافق..

ويثير المقال الملاحظات التالية:

1. أنّ المقال وتثمين سياسة التوافق.. عبر قيام الغنّوشي منفردا بالإحتفال بذكرى لقاء باريس الشهير.. جاء بمبادرة تلقائيّة من راشد الغنّوشي.. في وقت عرفت فيه علاقته بالسبسي أزمة حادّة بعيد رفض الغنّوشي رغبة الباجي في تغيير يوسف الشاهد وحكومته.. وما قيل أنّ ذلك كان إيذانا بتوقّف مسار التوافق بين الشيخين.. وبين الحزبين النداء والنهضة..
وهو ما يحمل على الإستنتاج بأنّ الغنّوشي وكأنّه خلق الفرصة من العدم.. ليستغلّ تاريخ 15 أوت.. ليكتب مقالا يضمّنه رسائل سياسيّة قويّة ومباشرة إلى “صديقه” و”حليفه” الباجي قايد السبسي.. وذلك في ظرف سياسي صعب.. وفي وقت أزمة مع رئيس الجمهوريّة..
وكأنّ مقال الغنّوشي جاء لإعادة إحياء هذا التوافق.. بإظهار رئيس حركة النهضة تقديره للباجي.. وإقتناعه الكامل بالتوافق معه ماضيا.. ومستقبلا.. فيما قال أنّه ليس مجرّد توافق تكتيكي وقتي.. وإنّما قناعة وسياسة طويلة الأمد..!!

2. أنّ خطاب الغنّوشي اتّجاه السبسي كان وديّا جدّا ودافئا.. حتّى أنّه لم يكتف بمناداته في المقال بالألقاب الرسميّة مثل “السيّد” و”رئيس الجمهوريّة”.. وإنّما كرّر عبارة “سي الباجي” كما تعوّد مناداته شفاهيّا.. وذكّر بلقاءاتهما المتبادلة في منزله ومنزل الباجي.. وبتعاملهما بصدق.. وبأنّهما أنقذا تونس.. وأنقذا الثورة.. وأعادا كتابة التاريخ الحديث للبلاد..

3. أنّ راشد الغنّوشي لم يذكر طوال مقاله الطويل إسم “يوسف الشاهد” أبدا في شخصه لا تصريحا ولا تلميحا.. رغم أنّه حلّل كامل الوضع السياسي الراهن.. والمشاكل الظرفيّة.. وسياسة التوافق.. وحدّد أهداف المستقبل.. والتحالفات المطلوبة والقادمة.. وتحدّث عن رئيس الحكومة لكن فقط بالصفة والمنصب لا بالإسم.. ممّا يوحي بأنّ الشاهد لم يعد في الصورة حاليّا كشخص لدى الغنّوشي.. ولا هو ضمن برنامجه القادم.. وأنّ الشاهد لا يعني للشيخ أيّ خيار سياسي طويل الأمد..!!

4. أنّ راشد الغنّوشي ذكر حرفيّا في خلاصة مقاله الذي أكّد فيه على بعض النقاط.. وفي النقطة الأولى تحديدا:
“الإلتزام التام بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كل القضايا للوصول إلى حلول وبدائل وتوافقات، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرأي، وهو المنهج الذي توافقنا عليه في باريس وتوفقنا بعون الله وحمده إلى الحفاظ عليه.”..
وأن يأتي هذا القول في وقت بدأ الصراع بين رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السبسي وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد يحتّم الوقوف مع أحدهما ضدّ الآخر.. باعتبار وصول الخلاف بينهما إلى نقطة اللاّعودة.. خصوصا وأنّ الباجي جعل عزل الشاهد أولويّته الشخصيّة والسياسيّة.. في حين وقفت النهضة بقرار رئيسها راشد وموافقة أغلب قياداتها مع بقاء الشاهد بدعوى “المحافظة على الإستقرار الحكومي”.. فإنّ تأكيد الغنّوشي “الالتزام التامّ بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي”.. يعني ضمنيّا أنّ الغنّوشي قد يكون أعطى إشارة قويّة للباجي بأنّه متمسّك بالتوافق معه هو شخصيّا وبالذات وبصفة أوّليّة.. لا بالتوافق أو التحالف مع يوسف الشاهد..

5. أنّ راشد الغنّوشي أرسل للسبسي إشارات إيجابيّة في ما يخصّ مبادرته الخاصّة بمشروع القانون حول المساواة في الإرث بين المرأة والرجل.. وإن كان ربطها بالإجتهاد والنقاش والحوار والصياغة.. وذلك بقوله حرفيّا:
وفِي هذا السياق نؤكد أننا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدولة حول الإرث حين تقدم رسميا الى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنقاش للوصول الى الصياغة التي تحقق المقصد من الإجتهاد وتجعل من تفاعل النص مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدم لا جدلا مقيتا يفرق ولا يجمع، ويفوت على التونسيين والتونسيات المزيد من فرص التضامن والتآلف، وتساعدنا جميعا على المضي قدما في تحقيق إزدهار المرأة التونسية.“..
ولا يعرف هل أن كلام راشد الغنّوشي هذا في ما يخصّ المساواة في الإرث هو عن قناعة من الغنوشي في مسألة دينيّة معقّدة وشديدة الحساسيّة بالنسبة لقيادات وقواعد وأنصار حزبه النهضة.. أم هي مجرّد وعود منمّقة وجميلة ترضي غرور الباجي.. إلى أن يجد الشيخ مخرجا للموضوع..!!

6. أنّ الغنّوشي حاول في المقال تبرير تمسّكه بيوسف الشاهد وحكومته بأسباب موضوعيّة لا شخصيّة..
وحرص على التأكيد بأنّ ذلك لا يعدّ بحال تعارضا مع التوافق مع رئيس الجمهوريّة..
وعلى أنّه لا يعني أنّ النهضة ورئيسها غيّرا التوافق مع الباجي بالتحالف مع الشاهد..
والأكثر من ذلك فإنّ راشد الغنوشي برّر عدم إمكانيّة تغيير الحكومة بعوامل ظرفيّة ووقتيّة.. لا بعوامل تخصّ كفاءة الحكومة أو الإستقرار السياسي.. أو عدم جواز تغيير الحكومة قبل سنة واحدة فقط من الإنتخابات.. باعتبار أنّه لم يكن من الممكن بحسب المقال تغيير الحكومة في رأي الغنّوشي وفي تبريره المقدّم بالمقال.. قبل الإنتخابات البلديّة.. ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدوليّة المانحة.. ولا في ذروة الموسم السياحي في ظلّ تهديدات إرهابيّة لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف أعمال.. ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب..
ويعني ذلك بوضوح أنّ الغنّوشي وبعد أن كان يتحدّث عن ضرورة بقاء حكومة يوسف الشاهد إلى الإنتخابات القادمة في نهاية سنة 2019.. والإكتفاء بتعديل حكومي جزئي.. ربط في مقاله الجديد بقاء حكومة يوسف الشاهد بمجرّد إستحقاقات ظرفيّة.. أي بمجرّد الحاجة إلى إستكمال حكومته لأعمال ومهام مهمّة لا تنتظر التأجيل.. والملاحظ أنّ أقصاها ينتهي زمنيّا في شهر أكتوبر.. إذ أنّ جولة المفاوضات القادمة مع صندوق النقد الدولي لصرف القسط الموالي والأخير من القرض لسنة 2018 تنتهي في شهر أكتوبر.. وإنّ آخر أجل لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب هو 15 أكتوبر بحسب الفصل 66 من الدستور..
وهو ما يعني بأنّ تغيير حكومة يوسف الشاهد تصبح ممكنة بحسب تحليل نصّ مقال راشد الغنّوشي بانتهاء المهام العاجلة المذكورة للحكومة في منتصف شهر أكتوبر القادم.. أي خلال شهرين من الآن..!!
ويعني عبر الإستنتاج العكسي بأنّ رئيس حركة النهضة أسقط ما تمسكّ به هو وحزبه سابقا من ضرورة بقاء حكومة يوسف الشاهد حتّى الإنتخابات القادمة..!!!
وهذا النصّ الحرفي من مقال الغنّوشي في الخصوص:
ثالثا: أن دعوتنا الى الاستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية. فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الانتخابات البلدية وقبل ان تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السياحي في ظل تهديدات ارهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف اعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب.“..

7. أنّ الغنّوشي أعاد التأكيد في مقاله على ضرورة أن يتعهّد يوسف الشاهد بعدم الترشّح للانتخابات القادمة إن أراد البقاء في الحكومة حتَّى ذلك الوقت… فقد قال في النقطة الرابعة من خلاصة مقاله:
أن التنافس الحر هو من صميم الديمقراطية وأن الطموح الشخصي للوصول الى الحكم عبر الصندوق حق دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فان الديمقراطية الناشئة لها مقتضياتها..
.. ومن منطلق خصوصية التجربة فإننا نجدد التأكيد على أن مواجهة تحديات المرحلة القادمة تقتضي تفرغ الحكومة لمهمتها في التنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التجاذبات الانتخابية والحزبية.“..
ومعنى ذلك بوضوح أن على الشاهد بحسب الغنوشي أن يختار بين البقاء في الحكومة والتنازل عن طموحه الشخصي في الترشّح للإنتخابات.. وبين ممارسة حقّه في المنافسة والترشّح ومغادرة الحكومة حينها..!!
وباعتبار أنّ الجميع يعرف برغبة الشاهد في خوض إنتخابات 2019.. والتمتّع بالسلطة لسنوات قادمة وهو يعتقد انّه قادر على الفوز.. فإنّه لن يتنازل على الأرجح عن طموحه ذلك مقابل بضعة أشهر زائدة في الحكم الآن..
وهو ما يعني أنّ النهضة يمكن أن تجعل من هذه الثغرة منفذا للخروج من مساندتها للشاهد باعتبار أنّه هو من رفض شروطها..

وخلاصة الأمر أنّ القارئ لمقال الغنّوشي سيجد مؤشّرات قويّة لرسالة سياسيّة مباشرة للباجي قايد السبسي.. في وقت عرفت علاقة الرجلين مؤخّرا خلافا وفتورا وأزمة.. وذلك بتعبير زعيم النهضة عن الرغبة.. من جديد وبقوّة وقناعة.. في مواصلة سياسة التوافق مع رئيس الجمهوريّة السبسي هو بالذات.. وأنّ التمسّك برئيس الحكومة الشاهد لا يرتقي لتحالف استراتيجي يعوّض سياسة التوافق تلك.. وأنّ العمر الافتراضي للشاهد وحكومته يمكن أن ينتهي خلال شهرين فقط بحلول منتصف شهر أكتوبر القادم..

فهل سيقرأ السبسي الرسالة؟؟

وكيف سيكون ردّ الباجي عليها وقد بدأ رحلة حشد تحالف سياسي جديد يجمع القديم المنشقّ.. ويستقطب القوى المختلفة.. من أجل جمع الـ 109 أصوات اللاّزمة لعزل الشاهد ولو رغما عن مساندة النهضة له..؟؟؟!!!

دولة الإكراه

نور الدين العويديدي

قامت الثورة التونسية في العام 2011 باعتبارها إنتفاضة شعبية عارمة على تجربة التحديث القسري، التي قادتها دولة بورقيبة ومن بعده المخلوع زين العابدين بن علي. فقد قامت الدولة التونسية ما بعد الإستقلال على الدعاية الأيديولوجية الحداثوية المتطرفة، الحامية ظهرها بالإستبداد السياسي الغليظ، وتكميم الأفواه، ومنع نقد سياسات الدولة وقراراتها.. وانتهت تلك السياسات القسرية واقعا إلى توترات إجتماعية عالية المستوى وفشل تنموي شديد، همّش معظم السكان، وركّز الثروة في شريط ساحلي ضيق.. وخلق نخبة مدينية متغربة معزولة عن عمقها الشعبي.

على الرغم من الثورة وما ضخته من دماء جديدة في الدولة، إلا أن الدولة التونسية لم تبرأ بعد من مرضها ومن لوثة الأيديولوجيا المهيمنة، ورغبات التحديث القسري للمجتمع. وفي هذا السياق، يأتي إعلان رئيس الجمهورية الحالي مبادرته في المساواة في الميراث، رغم الرفض الشعبي العارم، ما يعني أن الثورة، وإن طهرت الدولة من الإستبداد والتفرد بالحكم، ووزعته بين البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في كبح جماح الأيديولوجيا التحديثية المتطرفة.. فما زال في البلاد مسؤولون يؤمنون بحقهم في إكراه شعبهم، عبر سلطة الدولة، على إختيارات “حداثية” لا يريدها الناس.. وهكذا عدنا من جديد لنرى الشعب في وادٍ ورئيس الدولة في وادٍ آخر.

السبسي يعلن موت البورقيبية

نور الدين الختروشي

على هامش خطاب الرئيس:
إقتراح رئيس الدولة بتخيير التونسيين بين الإحتكام للقانون الذي سيقترحه حول المساواة أو أحكام مجلة الأحوال الشخصية التي تحتكم إلى الشريعة في موضوع الإرث تقبله الرأي العام باستطراف ساخر ولم تتفاعل معه الأحزاب إلى حد كتابة هذه الأسطر.

التأويلات الأكثر تداولا للمطروح الرئاسي ركز على رغبة الباجي في أن يترك بصمته التاريخية على خطى الزعيم بورقيبه من جهة وعلى حرصه في مسك العصا من الوسط بالمناورة على رفض الرأي العام لما جاء في تقرير اللجنه والإستجابة لضغط الحركة النسوية المستقوية بامتداداتها في الخارج.
الأكيد أن هذه القراءات تحتوي على جانب من الحقيقة خاصة إذا استحضرنا السياق السياسي الهش بعيد أزمة الفصل 64 من وثيقة قرطاج 2.
ما أثار انتباهنا في مقترح الرئيس لا يتصل بالسياق السياسي العام والذي “أشبع” تحليلا. فالجديد الفارق الذي نتأوله من مقترح الرئيس في خطابه يوم 13 أوت بمناسبة عيد المرأة نقرأه في “الثورة التشريعية” التي أعلنها الباجي فهو ومن زاوية تاريخية بصدد الفطع مع مقدس “علمانية الدولة البورقيبية” التي كان أحد مؤسسيها أو وبالتدقيق بصدد القطيعة مع نموذج الدولة اليعقوبية الفرنسية التي أستلهمها بورقيبة في تأسيس النظام الجمهوري بعد الإستقلال.

مقترح التخيبر بين المرجعية القانونية والمرجعية الشرعية في مسألة الميراث تحيل في الذاكرة على نظام الملة العثماني السائد قبل الإستعمار الفرنسي والذي يعطي الحق للأقليات الدينية في الإحتكام لمدوناتهم التشريعية في موضوع الأحوال الشخصية.
فهو وبدون التسرع في الإستنتاج بأنه عودة بالنهاية للنظام الإسلامي الذي نشطت البورقيبية في محو أثاره إسما ورسما يتحرك على تخوم نظام الملة الإسلامي في هذه النقطة تحديدا.
الأكثر إثارة للدهشة والتفكير هو تقاطع فكرة التخيير مع فكرة أعمق تتصل بعلمانية الدولة ووحدة المنظومة التشريعية للدولة كما حرص النمط اللائكي الفرنسي على تجسيدها وأضحت من ثوابتها التاريخية التي لم تنجح المحاولات المتكررة منذ أن استوطنت الأجيال الجديدة من المهاجرين المسلمين والأسياويين وأبناءهم في العقود الأربعة الماضية وتعالي الأصوات بضرورة الإعتراف بحق الأقليات في الإحتكام لمرجعياتهم الدينية والثقافية في العناوين المتصلة بأحوالهم الشخصية على غرار النمط العلماني الانكلوسوكسوني المفتوح على الإعتراف بالخصوصية الدينية والثقافية.

النمط الفرنسي اليعقوبي يؤمن أن وحدة المنظومة التشريعية والقانونية من وحدة الدولة وأن المساس بعلوية وثبات قوانين الجمهورية تهديد للوحدة الوطنية وتفكيك لمقومات وجودها وفي مقابل الإعتراف بالتعدد الثقافي والديني في النموذج العلماني الإنجليزي استنبت الفرنسيون مفهوم الإندماج الذي هو بالنهاية إلزام لتلك الأقليات بالذوبان في النمط الثقافي الفرنسي.
العلمانية الفرنسية الحادة والمغلقة استدعتها البورقيبية بعد الإستقلال وأسست على منوالها معمودية النظام السياسي التونسي.
وكانت من أول تداعياتها إلغاء التعليم الزيتوني ومؤسسات الحبس ومجلة الأحوال الشخصية التي أدمج فيها بورقيبة أحكام الميراث الإسلامية أي بالنهاية جعلها جزءا من المدونة القانونية الوضعية القابلة للمراجعة في أي وقت ومتى دعت المصلحة أو الضرورة لذلك.
فبورقيبة بإدماج الأحكام الإسلامية المتعلقة بالميراث في الظاهر لم يصادم المرجعية الدينية وفي الباطن جوفها من بعدها الديني وأعاد نظمها في سياق قانوني وضعي وعلماني.
هنا تحديدا ينقلب الباجي على البورقيبية ويعلن نهايتها، فهو ومن خلال إقتراحه “الثوري” بتخيير التونسيين بين المرجعية الشرعية والوضعية “يخون” البورقيبية ويعيد للحيز الديني التشريعي شرعيته ومشروعيته في آن. فالشرعية تخلخل بقوة مبدأ الفصل الحدي بين الديني والزمني في كتابة العقد الإجتماعي المؤسس لدولة الإستقلال والمشروعية تعيد للشريعة موقعها الوظيفي في تنظيم وتقنين الحياة المدنية والعلاقات الإجتماعية.

الإعتراض الأساسي الذي قد يواجه تأويلنا هو القائل بأن الباجي في اقتراحه سيجعل من المساواة في الإرث هي الأصل في المنظومة القانونية الرسمية وتشريع الدولة، ويترك الإستثناء في اللجوء لمدونة الشريعة. وكان الأجدر بحساب أن الأغلبية الساحقة من التونسيين ستتمسك بالمدونة الإسلامية في أحكام الميراث، أن يبقي على أحكام الميراث الإسلامية، ويعطي للأقلية الحق في اعتماد القوانين التي ستتأسس على مبدأ المساواة.
الإعتراض يبدو في ظاهره وجيها، ولكن قراءة أكثر عمقا تحيل على أن هذه الصيغة هي الأفضل لأنصار اعتماد أحكام الشريعة لأنها تقطع الطريق أمام المطالبين بالمساواة ليواصلوا سعيهم وضغطهم من أجل تغيير القوانين الرسمية وتحرمهم من مساحة نضالية مربحة رمزيا وماديا خاصة في العلاقة مع الخارج.

السبسي بأقتراحه مبدأ التخيير يعلن نهاية وصاية الدولة على تأويل النص الديني، ويعيد للمسلم الحق في التأويل والإختيار بما يوافق عقيدته وقناعاته الشخصية.

الغريب هنا هو ما صدر من ردود أفعال سلبية على هذا المقترح من الرأي العام المحسوب على الإسلاميين، والذي إعتبر هذا إعتداء على دستور البلاد الذي ينصص في بنده الأول على أن الدولة دينها الإسلام.
ما يغيب على من يعتمد هذه الحجة لمعارضة مقترح الرئيس أن ذلك الفصل لا ينصص على إسلامية الدولة، بل على دين المواطنين التابعين للدولة. فالدولة -أي دولة- وإن كان لا بد لها من منظومة فيم تتأسس على قاعدتها أي إلى كلية رمزية متعالية وثابتة ومجمع على مرجعيتها -وهو جوهر الدين أي دين سماويا كان أو أرضيا- فإن ذلك لا يعني أن تعتمد الدولة الدين كشرعة ومرجع قانوني لإدارة الشأن العام. فالدولة كائن أصم وأعمى وبلا روح قوانينها تخضع “للعصبة” المتحكمة فيها سواء كانت بالغلبة أو بالإنتخاب فقوانين الدولة ليست سوى منتوج مهذب ومدني لموازين القوى داخل المجتمع ولموازين القوة الدولية، إذا كانت الدولة تابعة وغير مكتملة السيادة مثلما هي حال أغلب دولنا في العالم العربي الإسلامي.

لا أدري إن كان الرئيس يعي حجم التحول والثورة الفكرية والدستورية التي أحدثها بمقترحه. فقد كفن في خطابه يوم 13 أوت 2018 البورقيبية وأعلن موتها، تماما كما تجاوز نمط أو “صنم” اللائكية الفرنسية من خلال اقتراحه “ثنائية القوانين” فيما يتعلق بالإرث.
وهو ما يحدث لأول مرة منذ التنظيمات العثمانية. ولكن الأكيد أنه بصدد “زمن قانوني” وطني جديد، جوهره رفع وصاية الدولة على تأويل النص الديني والإعتراف بتعدد المرجعية القانونية في فلسفة وضع القوانين وهو ما يقترب من النموذج الانكلوسكسوني المتخفف من حضور الدولة ووصايتها القانونية على المجال العام عموما والحيز الشخصي خاصة.

الرئيس السبسي الذي وصل إلى الرئاسة بمعطف البورقيبية يمزق بقسوة ناعمة ذلك المعطف… وفي مكتب الزعيم نفسه.

لا تعارض بين مدنية الدولة و بين دولة دينها الإسلام …

مالك بن عمر

مدنية الدولة لا تعني معارضتها لمعتقد السواد الأعظم من الشعب ولكن تعني الحفاظ وحماية جميع الحقوق والحريات لكافة أفراد الشعب مهما كانت مرجعياتهم الدينية والفكرية.

فهم المدنية بأنها معارضة للدين الإسلامي فهم سطحي وخاطئ… فالدولة لا يمكن أن تشرع قانونا يعارض معتقدات التونسيين…
والفهم السطحي لمفهوم مدنية الدولة قد يؤدي إلى كوارث..
هل يمكن أن تشرع الدولة مثلا قانونا يبيح للأخ الزواج من أخته أو أمه ؟ قطعا لا… فرغم مدنيتها فهي غير قادرة على ذلك… لأن الدولة منبثقة عن إرادة شعب وهذا الشعب له عادات وتقاليد ومعتقدات… وخيانة هذه المعتقدات هي خيانة للشعب أو للجزء الأكبر منه…
الأسلم إذا، أن توفر الدولة جميع الحلول الممكنة لكافة الفئات دون المساس بالمعتقدات…
في تونس اليوم هناك بنوك ربوية وأخرى إسلامية… وكل يختار حسب توجهاته…
هناك خمر يباع وتبقى الحرية للفرد من استهلاكه أم لا…
حتى زواج التونسية بغير المسلم… لا يستقيم منعه لأن المنع يفترض أن التونسية مسلمة بشرطه وهذا غير صحيح…

في مسألة الإرث كذلك الأمر بسيط… لنترك الأمر كما هو عليه مع إضافة إمكانية جديدة للمواطن بأن يختار نظام المساواة في الإرث…
بالإمكان التعايش دون صراعات جوفاء… وبعيدا عن التطرف والغباء…

لماذا الإرث بالذّات ؟

سامي براهم

لماذا لا تعترضون على إبطال العبوديّة و تعدّد الزّوجات وقد تعلٌقت بها نصوص صريحة ؟
لماذا تصرّون على قطعيّة الإرث دون كثير من المسائل التي تغيّرت مع تطوّر الواقع ؟
لماذا ترفضون المساواة بين الأخ وأخته في مال والديهما ؟
بأيّ حقّ يكون للأخ ضعف نصيب أخته وكلاهما مقبل على الحياة وتكاليفها ؟
لماذا هذه الأنانيّة والإستئثار والتمييز بين الأخ وأخته؟
لماذا تشيدون بالفهم المقاصدي وتحتفون بأعلامه تدريسا وتأليفا ولا تلتزمونه في تناول مسألة الإرث ؟

هذه بعض من الأسئلة التي تطرح هنا وهناك لا بصيغة الاستفهام فحسب بل كذلك بصيغة الإنكار و الإستنكار وتسفيه المقاربة التي يراد دحضها في سياق الجدل الذي أثير مؤخّرا.

لا نريد في هذه التّدوينة الإنخراط في سلوك مناكفات النّفي والإثبات، أو الدّحض والإنتصار لمقاربة تبدو لنا غير قابلة للتعقّل إلا في علاقتها بنصّ قطعيّ مقدّس لا يقبل إلا الإمتثال التّسليمي دون تعليل، لا نريد تبكيت أحد أو إفحامه أو رميه بحجّة دامغة، لا نريد دمغ أحد حتّى ولو كان دمغا مجازيّا، فقط نريد فتح آفاق للتمثّل الموضوعي للمسائل بعيدا عن الخلط والتلبيس.

كلّ دارسي الحضارة الإسلاميّة والمتخصّصين في تأويل النصّ المؤسّس لهذه الحضارة يعلمون أنّ هذا النصّ لم يؤسّس للإسترقاق ولم يشرّع له بل وجده سابقا وماثلا لحظة التنزيل، الجميع كذلك يعلم السّعي لتحرير العبيد وقصّة بلال الحبشي خير دليل على ذلك، ساوى الإسلام بين جميع البشر ورفض التمييز على أساس العرق واللون والشّكل والنّصوص في ذلك كثيرة، لكنّه تفاعل مع واقع تاريخيّ الرقّ فيه ممارسة متجذّرة، وكانت أشكال التّفاعل متعدّدة :
• الشكل الأخلاقي من خلال التّشجيع على عتق الرّقيق “فكّ الرّقبة” والتبشير بثوابه وأجره الأخروي.
• إدراج العتق في الكفّارات كشكل فقهي لفتح باب تحرير العبيد.
• إقرار نظام المكاتبة الذي يسمح للمُستَرَقّ عبدًا وأمةً بإمضاء عقد بينه وبين مالكه يتمّ بمقتضاه الخروج من ربقة العبوديّة مقابل عمل أو مهمّة أو مبلغ ماليّ متّفق عليه بينهما.
• إقرار مصرف في بيت المال موجّه لعتق الرّقاب.
• إقرار تشريعات تخصّ حسن معاملة الرّقيق الذين لا يزالون في وضع الإسترقاق ترتقي إلى درجة الحقوق والواجبات وإمكان التقاضي عند إنتهاك هذه الحقوق والإخلال بهذه الواجبات.

كلّ هذه المعطيات ماثلة في التّاريخ ومقرّرة في النّصّ المؤسّس والتجربة النبويّة، ولم تضمحلّ رغم إنحراف المسار التّاريخيّ عن اتّجاهها القائم على تضييق مداخل الإسترقاق وتوسيع مداخله إنطلاقا ممّا استقرّ لدى عموم الفقهاء من تشوّف الإسلام للحريّة، لذلك لم يُقَابَل إلغاء العبوديّة بحركة من الرّفض على أساس دينيّ أو اجتماعيّ أو اقتصاديّ.

لا يختلف الأمر كثير عن تعدّد الزوجات حيث تقتضي فلسفة الزّواج التي أقرّها النصّ والقائمة على السّكن والمودّة والرّحمة أن يكون الزّواج بين شريكين إثنين، ولم يذكر التعدّد إلا في سياق خاصّ في تركيب شرطي ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى…” فكان التعدّد حلا استثنائيّا لوضعيّة إجتماعيّة غير شائعة مع التنفير منها خشية الوقوع في الظّلم وكذلك مع إقرار عدم إمكان العدل بصيغة توكيد حاسمة “وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ…” لذلك قبل التشريع الإسلامي من المرأة أن تشترط في عقدها عدم التعدّد ولم يعتبره مخالفة للشّرع وإرادة الله، بل اعتبر التعدّد من المباحات التي يمكن تقييدها ومنتهى التقييد هو المنع، وعلى مستوى الممارسة الإجتماعيّة في البلد العربي الوحيد الذي قنّن المنع لم يكن التعدّد يتجاوز نسبه الواحد بالمائة، لذلك يُقَابَل منع التعدّد بحركة رفض على أساس دينيّ أو إجتماعي أو إقتصادي.

ونفس المنطق ينسحب على تنصيف شهادة المرأة والطلاق أمام القضاء والحدود وغيرها من المسائل التي نسخت بالنصّ ذاته أو طرأ عليها تجديد ينسجم مع روح النصّ ومقاصده.

فلماذا لا ينسحب نفس المنطق في النّظر والإستدلال على الإرث ؟
ألا يتشوّف الإسلام للمساواة التامّة بين الذّكور والإناث المشمولين بالتّركات ؟
لماذا تتوقّف المقاربة التٌاريخيّة والقراءة المقاصديّة عند قوله تعالى: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ”؟
لماذا لا يعتبر هذا النّصيب هو الحدّ الأدنى الذي لا يمكن النّزول عنه دون أن يمنع من تجاوزه ؟

لن نستدلّ في التّفاعل مع هذه الإستفهامات بقطعيّة الآيات المتعلّقة بالمواريث وعدم وجود قرائن تدرجها ضمن التأويليّة المقاصديّة، حيث لم يمنع ذلك الفقهاء من الإختلاف حول بعض مسائل الإرث تأويلا وتشريعا،

كلّ ما في الأمر وهو ما يجب أن يفهمه دعاة التّسوية الكاملة أنّ الإرث منظومة متكاملة تقوم على الموازنة بحسب معايير ليست دائما الذّكورة والأنوثة في حدّ ذاتها، لذلك لم يكن التفاوت في الأنصبة دائما في غير صالح الإناث بل إستفدن منه في حالات متعيّنة، كما ترتبط منظومة الإرث ببنية الأسرة والتشريعات التي تنظّمها إنفاقا وحضانة وحقوقا وواجبات…

لذلك من اعتبر أنّ الواقع الرّاهن للأسرة والمجتمع تغيّر بالشّكل النوعيّ الذي يقتضي تغيير بنية الأسرة والتّشريعات التي تنظّمها -وهذا يحتاج إقامة الدليل عليه من وجه علميّ لا ادّعائيّ- فليغيّر كامل المنظومة برمّتها ولا يكتفي بتعديلات جزئيّة تشوّش على هذه المنظومة وتربك نظام الأسرة.

أمّا اعتبار الإسلام دينا روحيّا خالصا وكلّ ما ورد فيه من أحكام وتشريعات وتصورات لتنظيم المجتمع والعلاقات العامّة والخاصّة هي تاريخيّة مقصورة على زمن التنزيل وبالتالية لاغية، فذلك ضرب من الكسل الذّهني والهروب من مواجهة مشكلات المعنى والتّأويل وقضايا الهويّة والحداثة المتلازمة ولا يمكن لأحد مكوناتها أن تلغي الأخرى إلا بمنطق في الفهم والتمثّل والتّأويل والتنزيل سليم ومعقول ومتقبّل إجتماعيّا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

الفرائض ما طبيعة حق الورثة في الإرث ؟

أبو يعرب المرزوقي

تكلمت على حقوق صاحب التركة وحقيه من منطلق حقوق الإنسان لئلا أدخل الحمقى من العلمانيين في المقابلة بين الرؤية الدينية والرؤية المزعومة عقلية، لتوزيع التركات.
وبينت أن منطلق حقوق الإنسان يكفي لبيان حمقهم وسطحية فكرهم:
حق حرية المعتقد.
وحق حرية المالك في ملكه.
ولا أنفي أن الأنظمة الحديثة تحد من حرية المالك بمقتضى الصالح العام، كما تحد من حرية المعتقد بمقتضى النظام العام.
فإطلاق حرية المعتقد قد تتضمن بعض الممارسات التي بعض المعتقدات يمكن أن تخل بالنظام العام.
وإطلاق حق الملكية قد تتضمن بعض التصرفات التي قد تخل بالصالح العام.
لذلك فكلامي عليهما لا يستثني إمكانية تدخل السلطة السياسية الشرعية فيهما بمقتضى هذين المبدأين.
ولا شيء يثبت أن الفرائض بمفهومها القرآني التي يتعلق بها هذان الحقان بمقتضى حقوق الإنسان يمكن أن يخلا بالمصلحة العامة أو بالنظام العام.
ومن ثم فالمسألة محسومة: تدخل الدولة هنا عدوان.

ما أريد الكلام فيه الآن بعد حسم هذه المسألة الأولى هو الوجه الثاني من القضية:
وجه الورثة وليس صاحب التركة.
وأسأل: هل للورثة حق في التركة؟
أم إن الأمر يتعلق بإرادة صاحبها وبما ينتظره من مآل ثمرة جهده حتى يتواصل في فروعه خاصة مع بعض العرفان لأصوله مع حفظ حقه ذاته مثل تسديد ديونه؟
فالورثة لا حق لهم في حياة صاحب التركة.
ولا يصبح لهم حق بعد وفاته إلا بإرادته التي يحددها قبل وفاته:
• إما بالوصية (لغير الورثة والسنة تفرض ألا يتجاوز الثلث وتمنع الوصية للورثة)
• أو بالأسهم التي تحددها الفرائض إذا كان مسلما أو القوانين الوضعية في الأنظمة التشريعية الأخرى (مثلا فرنسا)
وهي إذن ليست حقوقا بمعنى الحقوق الطبيعية التي من جنس حقوق الإنسان، بل هي حقوق وضعية بمقتضى إرادة المالك مع شرع ديني أو شرع وضعي، وكل ذلك لا يمكن اعتباره حقوق طبيعية، بل هو حقوق شبه تعاقدية بين المالك وذاته مع تدخل من سلطة تشريعية دينية أو وضعية: إذن هي تصرف في حق المالك بعد حياته.

وحتى أوضح الفكرة لأنها شديدة اللطافة:
هل يمكن أن أقول إن ما يكون عليه الإنسان في كيانه العضوي الذي يرثه من أبيه وأمه وممن تقدم عليهم أن يعتبر ما يرثه منهم حقا له وأن يطالب بالمساواة فيه بين الذكر والأنثى وبين الطويل والقصير وبين الجميل والدميم وبين الذكي والغبي؟
كل ذلك هبة طبيعية.
ما يرثه الأبناء من الآباء من مملوكات هو أيضا هبة، والفرق الوحيد أن الوراثة العضوية ليست اختيارية لصاحب الحيوان المنوي والبويضة، لكن وراثة المملوكات إرادية بمعنى أن صاحب الملك هو الذي ينبغي مبدئيا أن يقسم تركته كما يريد.
والتشريع الديني والتشريع الوضعي يتدخلان لتحقيق شيء من العدل.
والسؤال الآن هو إذا كان هذا التدخل متعلقا بإرادة المالك للحد منها كما تفعل الشريعة والقانون الوضعي، فالأمر معقول بشرط ألا يلغي إرادة المالك صاحب التركة أولا، وبشرط ألا يصبح التدخل الثاني متنافيا مع التدخل الأول، لأن الدولة في هذه الحالة تتدخل في حق حرية المعتقد من أجل لاحق للوارث.
أي إنها تتدخل لتعطل حقا من حقوق الإنسان من أجل ما ليس حقا من حقوق الإنسان.
وطبعا سيقولون إن المساواة بين المواطنين حق من حقوق الإنسان.
وفي ذلك مغالطة.
فما هو حق في هذه الحالة هو المساواة في التعامل بين المواطنين وليس التسوية بين المواطنين وإلا لكان ينبغي أن يكون أجر الجميع واحدا.
المساواة بين المواطنين أمام القانون ليست التسوية بينهم بالقانون.
يمكن أن نسوي بين المرأة والرجل في الأجر لنفس العمل لأن الأجر في هذه الحالة هو مكافأة العمل الواحد والقانون يعاملهم بنفس المعايير الواحدة.
لكن الفرائض تتعلق بحق المالك في توزيع ماله بحسب معتقده.
ولا سلطان لأحد عليه.
وهذا يصح حتى في القانون الوضعي:
ففي فرنسا لا ترث الزوجة مثل الأبناء.
فلماذا لم يسو القانون الفرنسي بينها وبين الأبناء وبينهما وبين الآباء؟
يسوي بين الأبناء ذكورا وإناثا.
لكن إذا كان ذلك يتنافى مع حرية المعتقد، فكيف يمكن للدولة حتى العلمانية أن تتقدم تحكمها على معتقد الموروث؟
في الفرائض القرآنية وفي ما أضافته السنة (للحد من الوصية التي لم يحدها القرآن وقدمها على الورثة) توزع الورثة على:
1. صاحب التركة لسداد ديونه
2. الزوجة
3. الفروع
4. الأصول
5. الأقارب بحد معين (ويمكن أن نضيف عنصرا آخر وهو عندي غير ضروري لأنه من الرحم الكوني وهو إذن من الأقارب)
فالعنصر الذي يمكن أن نضيفه ويتعلق بمن حضر القسمة من غير الخمسة المذكورين، أعتبره من الأقارب بمقتضى الرحم الكوني كما تحدده الآية الأولى من النساء فيكون تابعا للأخوة الإنسانية (كلنا من نفس واحدة)، ومن ثم فالورثة خمسة أصناف أولها صاحب التركة نفسه لتسديد ديونه (الوصية خارج التوريث).
وقد لا يبقى بعد تسديد الديون شيئا، بل قد يصبح الورثة مطالبين بتسديد ديون الموروث خلقيا لا قانونيا إذا كان لم يترك شيئا أو كان ما تركه دون الديون.
والشرع حدد النسب فلماذا حصر الكلام في المساواة بين الأخ والأخت مثلا؟
أليس في ذلك تحكم لا علة له؟
وللشرع حكمة عميقة درستها سابقا.
فلأذكر بأهم مقوميها:
1. حتى بالنصف نرى الأسر من أجل المحافظة على الملكية تحول دون التزاوج الخارجي فتدمن على التزاوج الداخلي وهذا كما هو معلوم خطير عضويا.
2. لكن أحيانا إما تعنيس الأخت حتى لا تخرج الملكية أو حتى حرمانها من حقها بنوع من الإبتزاز العاطفي لتبجيل الأخت أخاها.
ولهذه العلة فالتقليل من سهم الأخت هو لفائدتها ولفائدة النوع.
فمن حيث فائدتها كلما كان القدر الذي يمكن أن تأخذه من الثروة العائلية قليلا كلما يسر ذلك عليها تجاوز العنوسة، إذ يتساهل أهلها على خروجها إذا لم يؤد ذلك إلى المس بالتركة.
ومن حيث الفائدة للنوع هو التزاوج الخارجي.
الغباء الذي يتكلم على المساواة يدعي أصحابه أنهم أعلم وأحكم من الله.
لم يروا أن الآية 11 من النساء تنتهي بهذين الصفتين من صفات الله.
ويتعلقان أولا بإشارة {أباؤهم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} حتى لا يميزوا بين أبنائهم لهوى منهم وثانيا بحكمة مضاعفة: تيسير التزاوج الخارجي.

يوم قال بورقيبة: “هاذيكا فيها نص” !

القاضي أحمد الرحموني

أورد الأستاذ ساسي بن حليمة في معرض تعليقه على مبادرة رئيس الجمهورية بشأن المساواة في الإرث قوله: “سبق لنا شخصيّا أن ألقينا على الرّئيس بورقيبة سؤالا يتعلّق بموقفه من المساواة في الإرث بين الذّكر والأنثى، فأجابنا بالحرف الواحد: (هاذيكا فيها نص).” (الصريح أونلاين- 15 أوت 2018).
وفي نفس السياق يورد الأستاذ احميدة النيفر أن لجنة من رجال القانون المدني التونسي طرحت سنة 1981 قضيةَ «المساواة في الإرث» على الرئيس بورقيبة الذي لم يقبل تعديل مجلة الأحوال الشخصية بهذا الخصوص. (الإرث وأسئلة الزمن المُتَوَقِّف – ليدرز العربية – 22 سبتمبر 2017).

ويبدو من الروايتين أن الرئيس الراحل لم يكن ليجرؤ على محاولة تغيير قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” الواردة نصا بالقرآن الكريم رغم ما كان يتمتع به من سلطات واسعة وما فرضه -عند صدور مجلة الأحوال الشخصية- من أحكام جديدة (الطلاق أمام المحكمة – تجريم تعدد الزوجات – تحريم الزواج بالمطلقة ثلاثا …الخ).
ويظهر أن عائق النص هو الذي حال دون إقرار قاعدة المساواة في نظام الإرث الإسلامي السني (وتحديدا المالكي) الذي كانت تتبناه مجلة الأحوال الشخصية.
ومهما كانت الأسباب الأخرى (سياسية أو إجتماعية، وطنية أو دولية) التي لم تكن تشجع بورقيبة على مخالفة صريحة للنص القرآني، فقد كان واضحا أن منهج تأويل النصوص الدينية -فيما له مساس بالعبادات أو الأحوال الشخصية خصوصا- قد ارتبط بشخصية الرئيس الراحل لاعتقاده بأن ذلك من شأنه الإقناع بالأفكار أو الإصلاحات التي يرتئيها.
ورغم أن الأمر لم يسر دائما على نفس المنهج (كإقرار التبني مثلا)، فقد حاول بورقيبة شخصيا (وكذلك فريق الدعاية المرتبط به) أن يجد لبعض الدعوات (الإفطار في رمضان) أو الحلول التشريعية (منع التعدد، منع التياس أو المحلل، الوصية الواجبة…الخ) أدلة -ولو شكلية- من النصوص الأصلية أو أقوال الفقهاء.

وفي هذا الشأن نقل عن الرئيس الراحل -إضافة للروايتين أعلاه- أنه سأل المرحوم محمد الفاضل بن عاشور -قبل إقرار الأحكام الجديدة الواردة بالفقرة الثانية من الفصل 143 مكرر المدرج بباب الميراث بمجلة الأحوال الشخصية- إن كان يوجد مذهب إسلامي يقول بحجب البنت لإخوة المورث وأعمامه وانفرادها بالتركة دونهم ؟ فأجاب بالنفي بغرض صرفه (على ما يبدو) عن أحد الأحكام المخالفة لكافة المذاهب السنية.
إلا أنه يروى أن الرئيس الراحل طرح نفس السؤال على المرحوم محمد العنابي (الرئيس الأول لمحكمة التعقيب) الذي رد عليه بالإيجاب مؤكدا أن الشيعة الإمامية (الإثناعشرية) تقول بذلك إستنادا إلى قراءة مختلفة لآيات المواريث (يطول شرحها). فما كان جواب بورقيبة إلا إن قال: “اش بيه !؟ ، الشيعة مذهب إسلامي !!!”.
فكان ذلك سند الدولة غير المكتوب لإقرار مقتضيات الفقرة 2 من الفصل 143 مكرر من مجلة الأحوال الشخصية المصادق عليه بمقتضى القانون المؤرخ في 19 جوان 1959.
ويبدو في ضوء ذلك أن قول الرئيس الراحل -بشأن المساواة في الإرث-: (هاذيكا فيها نص) يرجع إلى أن قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” لا تحتمل التأويل (على حسب منهجه) أو أن محاولاته ربما قد باءت بالفشل!.
ومغزى الرواية -في الأخير- هو أن تلاميذ بورقيبة (ومناصريه) “يزايدون” الآن على ملهمهم -المجاهد الأكبر- خصوصا حين يقولون “أحنا معدناش علاقة بحكاية الدّين والقرآن واحنا نتعاملو مع الدّستور! ونحن في دولة مدنية والقول أن تونس دولة لها مرجعيّة دينية خطأ وخطأ فاحش!”.