الشعب مسلم،،، ولكن الدولة غير مدنيّة (2)

زهير إسماعيل

في تحرير الإسلام
توقفتُ في خاتمة النص السابق عند فكرة العلمانية، وقد ذكرتها في سياقين: سياق سياسي كانت سمته مواجهة الاستبداد وقد أرادها بن علي مواجهة مع الاسلاميين وقد ساعدوه في جانب من “أدائهم” على ما أراد. وفي وطيس المعركة التي عمّت الناس وخصّٰتهم كان ينجح، من حين لآخر، في استعارة “الخطاب الحداثي” وجرّٰهم إلى الاتكاء على “الخطاب الشريعي”.

والحرب في جوهرها صورة، وكانت المواجهة على مدى عشريتين قلقة بين صورتين: صراع: استبداد/حريّة، وصراع : اسلاميين/نظام علماني حداثي. وكان هذا التوتر محكوما بأداء المتواجهين، ومثلما ساعدت مواقف بعض “الحداثيين” من النخبة التونسية المنخرطة في الصراع إلى جانب بن علي على تغليب الصورة الثانية كان لمواقف بعض المنظمات الحقوقية العالمية دور في إظهار البعد الحقوقي والإنساني رغم أنّٰ مثل هذه المنظمات لا ترتاح إلى “الإسلاميين ومرجعيتهم” ولكنها مستعدة للدفاع عنهم باعتبارهم موضوعا “حقوقيا إنسانيا”. ومرة أخرى كان “الخطاب الشريعي” عائقا دونهم وفهم حقيقة المواجهة. وكان عائقا دون سلب نظام بن علي “عنوان المعركة الذي يشهره”. فَلَو قيل يومها إنّ نظام بن علي نظام شمولي لا يختلف في شيء عن الأنظمة الشمولية العقدية والدينية وأنّ العلمانية (التي لِن تعني سوى الحرية) بما هي رفع الدولة يدها عن عقائد الناس والتدخل في خصوصياتهم واحتكارها تمثيل الاسلام (حامي الحمى والدين) مطلب قوى التغيير، لكُسب نصف المعركة. أمّا لو كانت الخطوة أبعد، والقرب من روح القرآن وثورته الدائمة أشد، فإنّ أثر المواجهة سيتواصل بعد الثورة ولا نحتاج إلى الانخراط في “استقطاب هووي” أشد من الذي كان في مرحلة الاستبداد.

وكانت حركة 18 أكتوبر 2005 تحوّٰلا مهما في مواجهة الاستبداد، واتسعت رقعة الاستبداد لتطول كل قوى الحركة الحقوقية والسياسية سببا أساسيا في تجاوز الفرز على قاعدة الإيديولوجيا إلى فرز على قاعدة الحرية. وكان لحركة 18 أكتوبر مثيلاتها في المجال العربي: ربيع دمشق، حركة كفاية بمصر، الحراك الجنوبي باليمن.. ومن الملاحظ أنّٰ الأقطار التي عرفت الربيع هي التي عرفت هذا التحول المتقدم في الفرز (من الإيديولوجيا إلى الحرية). وقد ذهب البعض -تعليقا على انتخابات 23 أكتوبر التأسيسية- إلى أنّٰ الشعب اختار 18 أكتوبر (الترويكا: كانت من مكونات 18 أكتوبر)، ولكنه عاقب مكونا من يمينها تشبه بنظام بن علي، واقترح تنقيحا للدستور القديم بدل التأسيس (الشابي وحزبه الـ PDP)، ومكونا من يسارها انخرط بقوة في الاستقطاب الإيديولوجي (حزب العمال وجانب من التيار القومي).

ولكن الذي يعنينا من حركة 18 أكتوبر ما تبلور من وثائق مهمة حول المرأة والدولة والإسلام والحريّات الفردية والجماعية. وبالانتباه إلى مضمون هذه الوثائق يلاحظ بيسر “مطلب علمانية الدولة” (بمعنى من معاني العلمانية) وإن لم تنطق به. وكان منطق التراكم يقتضي الانطلاق منها، بعد الثورة، ولو كان ذلك لكنّا أمام مسار تأسيسي آخر، ومشهد سياسي مغاير ووضع اقتصادي اجتماعي مختلف. ولكنّ الفاعلين من المحسوبين على الجديد اختاروا خلاف ذلك. وارتدّ النقاش بمناسبة التقرير وقبله، إلى ما دون وثائق 18 أكتوبر.
المواجهة بين النظام والإسلاميين مثلما احتجزت الإسلام رهينة بينهما في المرحلتين البورقيبية وحكم بن علي، كان لها بالغ الأثر على قضايا الفكر والسياسة الكبرى.
بورقيبة واجه الإسلاميين، ليس لأنهم إسلاميون، وإنّٰما لأنّهم قدموا “قراءة للإسلام” من خارج قراءة الدولة التي كانت تعتبر نفسها ناطقا رسميا باسمه، وعلى عكس ما قيل من عداء بورقيبة للإسلام يثبت الفصل الأول من دستور 59 رغبته في تمثيل الإسلام ومنع استثماره من أي جهة كانت، فلم يكن أمامه إلاّ سجنه في الدولة من خلال الفصل الأول. وشبيه بهذا ما فعله اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، غير أنّٰ خطوته كانت أبعد حين مزج بين الدين والقومية تحت تأثير فكر “الاتحاد والترقي”. ومن مألوف المؤسسين ألاّ يتركوا المعاني الكبرى كالدين والقومية في متناول الجميع ويعمدون إلى صهرها في “مشاريعهم التأسيسية”.

والذي كان في تونس هو مواجهة بين “دين الدولة” و”دين الجماعة” وبقي “دين الشعب” على حاله رغم أنّٰ كلا منهما يدعي تمثيله، واليوم يلتقيان عند “دين الشعب” مع تذكيرهم باعتداله وسماحته وجذوره الضاربة في حركة الإصلاح التونسية منذ خير الدين. والأهم من كل هذا “التوافق” على مواصلة سجن الدين في الدولة من خلال الاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 59 ليكون الفصل الأول من دستور الثورة 27 جانفي 2014.
الدين في الفترة البورقيبية وما بعدها صار مكونا من مكونات شرعية الدولة، وهي تقاتل الصياغات الخارجة عن صياغتها بشراسة ليس لذاته وإنّٰما للسبب الذي ذكرنا وهكذا هي السلطة في علاقتها بالمقدس وبمقومات القوة والسلطة وهكذا هي استراتيجيتها في محاربة القوى المهدِّدة. ولو أمكن لليسار أن يبني حالة اجتماعية وسياسية مؤذنة بتغيير في ميزان القوى لحورب من قبل دولة بورقيبة باسم الإسلام ولاعتُبر خصما للدين وشريعته. مثلما وُصِم الإسلاميون بمحاربة التقدم ومناهضة الحداثة والذكاء الإنساني.

كتبت مقالا، في هذا المعنى سنة 2009، بعنوان “في تحرير الإسلام” ( الجزيرة نت) ومن ضمن ما ورد فيه أنّٰ هناك اتجاها عاما في المجال السياسي العربي إلى تحرير الإسلام من الإسلاميين والعروبة من القوميين والعدل من الاشتراكيين والحرية من الليبراليين، وهو ما يعني أنّٰ قيم الإسلام والعدل والعروبة والحرية صارت معاني مشتركة ولم يعد بإمكان هذه العائلة السياسية الفكرية أو تلك تجعل من هذه القيمة أو تلك “أصلا تجاريا” لها دون سواها. هذا المشترك أثّر على هوية الأحزاب، بعد الثورة، خاصة في أنّٰها تخرج من “العقدي” إلى “السياسي”، ونعتبر هذا من مستويات العلمنة التي يعرفها المجتمع. ومن الملاحظ أنّٰ نسق تعلمن المجتمع أسرع مما هو عليه في الدولة. ونعتبر أنّٰ تحرير الدين من الدولة سيكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ومثلما لم يعد من معنى لوزارة الإعلام، سيُصبِح لا معنى لوزارة الشؤون الثقافية ولا معنى لوزارة الشؤون الدينية. فالدين والثقافة للمجتمع وهو كفيل بتنظيمها وفق مؤسساته وتنظيماته المحلية. وفيما يتعلق بالدِّين يمكن تنظيمه محليا فتصبح المساجد من مؤسسات الحكم المحلي والديمقراطية المباشرة ، ويختار المصلون أئمتهم وطرق تنظيم مساجدهم، وللعلماء والمختصين أن يبعثوا المجامع العلمية التي لها أن تجتهد وفق شروط علمية مرعية دون أن يكون اجتهادها ملزما ويكون الأخذ به طوعيا. وكذلك شأن مؤسسة الإفتاء أن تتحرر من الدولة، وبذلك يكثر التأليف في العلوم الشرعية وفي تجديد الدين… والأمر نفسه في الثقافة ولم لا حتى في الرياضة. وقد يعترض البعض على هذا “التحرير” بالخشية من أن يكون رفع الدولة ليدها عن المساجد والشأن الديني أن تصبح المساجد فضاء للفكر التكفيري وجماعات الارهاب، وينسى هؤلاء أنّٰ الذي حمى المساجد في فترة ارتخاء يد الدولة من التكفيريين ليس الدولة وانما جماهير المصلين، ومع ذلك يمكن الجمع بين المقاربتين وتعزز كل ذلك بقانون للمساجد يصوغه روادها يضبط دورها وعلاقتها بالحياة السياسية خاصة.

هذا مستوى من العلمنة السياسية مهما (قياسا إلى الدولة)، سنتوقع فيه في النص القادم متوقفين عند صنفين من العلمانية: “علمانية مسيحية ” هي العلمانية الحديثة (تتوتر بين الجزئية والشاملة) وهي سليلة الإصلاح الديني والفلسفي في القرن السابع عشر، و”علمانية إسلامية” (لا نجد تسمية أخرى ويقترح الفيلسوف طه عبد الرحمان مصطلح الأئتمانية)، وهي سليلة الإصلاح المحمّٰدي (سنقف عند العلاقة بين الإصلاحيين). فإذا كانت العلمانية المسيحية نتيجة للتمييز أو الفصل بين الديني والسياسي، فإنّ “العلمانية” الإسلامية نتيجة أحد أهم مبدئين للإصلاح المحمدي وهما: نفي الوسيط، وتحرير المعنى: الدين هو ما يفهمه الناس من الدين. وهو ما يعني ارتفاع ثنائية الديني /السياسي، ولا يبقى غير السياسي (أي فهم الدين، أي التاريخي، والبشري) وهو ما يعني أيضا أنّٰ الدولة الدينية كما ظهرت في أوروبا في العصر الوسيط والأطوار التي مرت بها (أيضا جانب مهم من تجربة الدولة في تاريخ المسلمين) هو انحراف عن الإصلاح المحمدي (أي “العلمانية” الإسلامية).

الفقراء لا يرثون

عبد القادر الونيسي

المواريث لم تكن في يوم من الأيام قضية الفقراء الذين لا يرثون إلا الفقر ولا يجد الذكور عادة من يتقاسم معهم كفالة الأم والإخوة القصر.
مبنى الميراث هو العدل وليس المساواة وهو أربعة أوجه ترث الأنثى في جميعها ولا يرث الذكر إلا في ثلاث.
الأنثى تحجب الذكر في أحد الأوجه ولا يحجبها في أي من الأوجه.
أول من أثار قضية الميراث وسيلة بورڨيبة زوجة الرئيس الأسبق في صراعها مع إخوتها على قسمة تركة والدها.
رجع بورڨيبة إلى مفتي الديار حينها محمد الهادي بلقاضي الذي كان قاطعا في رفضه ثم استقال سنة 1976 .
تراجع بورقيبة وصرف النظر عن الأمر.

ذكر شيوخ تونس الذين عاصروا بورڨيبة أنه لا يفتأ يسأل عن النص الشرعي عند كل فصل من فصول مجلة الأحوال الشخصية (ذكر هذا الشيخ جعيط والشيخ العنابي والشيخ الفاضل والشيخ الطاهر بن عاشور وآخرون ممن شهدوا ميلاد المجلة…).
مدعي وراثة البورڨيبية يختار القطيعة مع النص الشرعي وهذا لعمري وضع مؤسسات البلاد وإستقرار المجتمع وشرعية الدولة أصلا المستمدة من الدستور في مهب الريح.
وهذه لعمري رزية حالقة تصيب البلاد التي كانت أحد المراجع الكبرى للإسلام السني في العالم.
حافظت البلاد على مرجعيتها الإسلامية في أحلك فترات الإستعمار الفرنسي فكانت المحاكم الشرعية هي الفيصل في جميع مسائل الأحوال الشخصية دون أدنى تدخل من المستعمر.
الإستدلال بمدنية الدولة مثير للسخرية عندما نرى إنتصاب المحاكم الدينية للفصل في قضايا الميراث والعلاقات الإجتماعية والمالية بين أتباع الطائفة في عواصم المدنية في العالم بإعتراف قانوني في نيويورك ولندن وبإعتراف الأمر المقضي في باريس.
هذا دون نسيان أن للمسلمين المهاجرين الحق في الإحتكام لشريعتهم في أحوالهم الشخصية في بلدان عديدة من العالم الحر إلا في تونس حاضرة الغرب الإسلامي سابقا.
مثير للسخرية كذلك ترك الخيار للورثة بعد وفاة صاحب التركة لأن مال الهالك بعد الديون والوصية يصبح “مال الله” كما ورد في الحديث الصحيح وما أكده ذلك النص القرآني “وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ” سورة الحديد.
عندها لا يقسم المال إلا بمشيئة صاحبه الأصلي وهو الذي شرع آيات الميراث.
والله من ورآء القصد.

تونس وشروط قيام “دولة المواطنة” ؟

عبد الرزاق الحاج مسعود

بعد جدل تقرير الحريات الفردية والمساواة،
في أي اتجاه يسير المجتمع التونسي؟
وهل يمكن أن تتوفّر في تونس شروط قيام “دولة المواطنة”؟

كشف تقرير الحريات الفردية والمساواة حدّة الانقسامات النظرية والسياسية التي ما زالت تشقّ المجتمع التونسي وتهدّد وحدته وحظوظ قيام دولة المواطنة فيه واستقرار ديمقراطيته الوليدة وتوضّح خارطته الحزبية. لم يكن ينقص هذه الانقسامات سوى قادح صغير مفتعل وخبيث أو حتى تلقائي حتى تتحوّل إلى انفجار اجتماعي وسياسي عنيف ومواجهات. ليس وعيا مدنيا راسخا ما منع ذاك التحوّل الكارثي، ولا نضجا من جانب الجماهير التي خرجت لتدافع عن مقدّساتها “الدينية أو المدنية” بحماسة محاربين، ولا قدرة حزبية تنظيمية فائقة على ضبط الشارع، ولا يقظة أمنية خارقة، بل هو ببساطة غياب ذلك القادح.
طبعا يستطيع أي كان أن يمرّ ببساطة أمام كلّ هذه المعطيات ويهزّ كتفيه قائلا أنني أبالغ. أو أن ما ثار من جدل ليس إلا دليل حيوية صحية في مجتمع يخرج من الاستبداد إلى الحرية. تلك مصادرة لا نطمئن إليها إزاء مستويات الشحن والتعبئة والتحشيد التي كان يمكن أن تتطوّر نحو عنف مادّي لولا غياب القادح كما أسلفنا.

المتابع للجدل الفايسبوكي الكثيف الذي أثاره التقرير يقف مباشرة على أن ما طرحه التقرير لم يكن ترفا فكريا مفتعلا كما يروّج من ليس له الشجاعة الفكرية ولا أدوات التفكير الحرّ للحسم في المواضيع التي طرحها التقرير بسبب حساسيتها في سياق أخلاقي متجمّد، وبسبب ارتباطها بأحكام “شرعية” هي كلّ الدين عند ورثة كسل فكري متوارث بطمأنينة عاجزة، وبسبب تأثيرها المباشر على بنية الأسرة وعلى بنية المجتمع المستقرّ على مواضعات ذكورية قاهرة للمرأة متجذّرة ليس من السهل خلخلتها دون ثمن.
غياب القدرة عل النقاش الحرّ والموضوعي مردّه أيضا شبهة استقواء اللجنة التي صاغت التقرير بجهاز الدولة، ولكن مردّه أساسا اتصال المسائل المطروحة بالنصّ القرآني والمرجعية الدينية “الهلامية” التي اعتمدها الدستور في سياق تسويات سياسية لملمت على عجل مسائل فكرية جوهرية مثلت محور تفكير العرب منذ عصر النهضة وما عرف بصدمة الحداثة ( حملة بونابرت على مصر). تسويات تمحورت حول فكرة نفي التناقض بين الإسلام مع الديمقراطية في السياسة، وبين الإسلام والحداثة عموما في الفكر والاجتماع. وهو مخرج زئبقي وقتي لموضوع ما زال يمثّل مأزقا نظريا وتاريخيا شاملا أمام العرب المسلمين.
هذا الالتفاف الدستوري حول المأزق الحقيقي (والذي كان مبرّرا سياسيا سنة 2013) تجلّى في تصادم التأويلين السلفي والحداثي للدستور خلال “المواجهة” الأخيرة. حيث “لجأ” كل فريق إلى الفصل الذي يخصّه لدعم قراءته، مع فارق طفيف وهو مطالبة بعض الأصوات المنسجمة مع نفسها بتعديل نهائي للدستور ليصبح مدنيا خالصا عوض هذه الازدواجية التي تفقده إجرائيته، خصوصا في غياب محكمة دستورية تسهم في بلورة فقه دستوري يكون قاعدة شرح وتطوير مضامين الدستور/اللغز.

• هل نستطيع في هذا المناخ الانقسامي الحربي الحديث عن دولة مواطنة جامعة على قاعدة المساواة الكاملة بين المواطنين؟
هل تقوم الدولة في مجتمع منقسم بين معسكرين لا جامع بينهما: معسكر يرى في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان مرجعية نهائية وحدها كفيلة بضمان حقوق الجميع دون تمييز بين البشر على أساس الجنس أو اللون أو الدين، ومعسكر مقابل يرفع شعار الخصوصية الثقافية عنوانا لـ”الاستقلال الحضاري” (هذا الشعار الفخّ القابل للحشو بكل مبررات العزلة التاريخية، والذي يذكّر بذريعة الخصوصية التي رفعها المستبدوّن لحرمان شعوبهم من ديمقراطية لا تلائمهم) في مواجهة امبريالية ثقافية غربية متمركزة حول الإنسان إلى حدّ تأليهه، وتتمسّك بحصريّة المرجعية الدينية المتمركزة حول الله الذي تصرّ على أن حاكميّته أرعى لمصلحة الإنسان.
ضمن هذا الاستقطاب الحدّي/الوجودي بين المعسكرين لا نرى فرصة تاريخية حقيقية لقيام الدولة العقلانية الحديثة. لذلك شهدنا ارتدادا سريعا ومذهلا بمناسبة جدل المساواة في الإرث إلى مربّعات الصراع الهووي الجذري. صراع انتهى، فيما انتهى إليه، إلى طرح بعض المطمئنين لهوية الشعب المكتملة بل المتجمّدة فكرة الاستفتاء الشعبي (رغم أن الاستفتاء للمفارقة هو أرقى ممارسة ديمقراطية حديثة وغربية تماما).

• ليس ترفا فكريا ما حدث من جدل رغم وضوح خلفية المناورة الانتخابية وعقدة المجد الشخصي لدى صاحب المبادرة. وهما عاملان سرّعا من طرح مواضيع سيواجهها المجتمع حتما ولا فائدة من التذرّع بأولوية الاقتصادي الملحّ على الاجتماعي القابل للتأجيل الدائم في انتظار نضوج الوعي العامّ الذي لا مؤشر على سيره في اتجاه النضوج، إن لم يكن بصدد الارتداد في طبيعة تديّنه إلى تديّن وهابي سعودي متكلّس بسبب انقطاع التديّن الحركي الإصلاحي التجديدي خلال عشريّتي الاستبداد، بل أن جماهير ذلك التديّن التجديدي أنفسهم يرتدّون هم بدورهم بفعل تلك القطيعة الطويلة إلى تديّن براغماتي محافظ يراعي “هوية الشعب ومقدّساته وما هو معلوم من الدين بالضرورة وما لا مجال فيه لاجتهاد بشري..”.
أراد الباجي أن يحرج النهضة ذات المرجعية الدينية المرتبكة بين المحافظة والتجديد بالزجّ بها في مواجهة قاعدتها الانتخابية، قبل أن يتراجع جزئيّا هو أيضا خوفا من قاعدته الانتخابية التي تشترك مع قاعدة النهضة عموما في الانتماء العاطفي المحافظ للتراث الديني المستقرّ.
هذا المشترك الديني المحافظ للنداء والنهضة يمثل مصدر قلق للفريقين بنفس الدرجة تقريبا، ويجعل منه عامل تراجع ممكن وتمييع تدريجي للمبادرة بعد أن انكشف خطرها الانتخابي على الجميع.
والأخطر أن هذه “الفتنة” كشفت هشاشة الانتظام الحزبي في تونس بما خلّفته من انقسام أفقي شقّ كامل المنتظم الحزبي، حيث لم يحصل أي إجماع حول موضوع المساواة بين الجنسين لا داخل النداء ولا النهضة ولا التيار وترددت الجبهة الشعبية طويلا قبل أن تعلن موقفها المساند باحتشام للتقرير. فضلا عن أن زعيم النهضة ترك الباب مفتوحا لإمكانية التعاطي الإيجابي مع المبادرة بما يهدّد تماسك حزبه، وربما يمثّل انقسامه بفعل هذا الاختبار تهديدا حقيقيا لديمقراطية لم تجد بعدُ أحزابها اللازمة للاشتغال. إلا أن تقفز إلى صدارة المشهد أحزاب لا تحمل تشوّهات النشأة المرتبكة، أو تنجح النهضة في التكيف السريع مع روح لوائح مؤتمرها الأخير التي لم تتحوّل إلى قناعات لدى قواعدها، وهو أمر مستبعد جدّا.

• التراجع الجزئي من طرف الباجي عن مبادرته ونزوعه إلى تمييعها، يفنّد جزئيا التهمة السهلة للتقرير بأنه وليد إملاءات خارجية مباشرة تشترط هذه “الإصلاحات” الثقافية على تونس مقابل تسريح القروض والدعم المالي. إضافة إلى أننا لا نظنّ أن الدوائر المالية العالمية يهمّها “التحديث الثقافي” والسياسي مطلقا، بل بالعكس تماما، إذ الاستعمار هو من حمى البنية التقليدية للمجتمع وأراد تثبيته فيها كسرا لمسار تطوّره الطبيعي (تشجيع الزوايا الصوفية ومحافظته على ازدواجية القضاء والتعليم مجهضا بذلك جهود الإصلاح التي انطلقت في تونس قبل تدخله المباشر). وهو اليوم من يدعم مركز التخلّف العالمي المسمّى السعودية ويحميها ولا يكلف نفسه عناء الاحتجاج على عقوبات بدنية قروسطية مثل الجلد والرجم في الساحات العامة لأن ما يهمه في علاقته بالدول المتخلّفة هو ضمان تبعيتها وهيمنته عليها لا حقوق شعوب هذه الدول وحرياتهم (ما عدا تقارير حقوقية تصدرها الخارجية الأمريكية للأرشفة عموما وللابتزاز خصوصا، وحساسية شكلانية لدى فرنسا “الأنوار” بخصوص قيم الثورة الفرنسية، حساسية تبيّن زيفها في مناسبات عديدة آخرها دعم وزيرة دفاعها لبن علي بالسلاح لقمع المظاهرات السلمية واستباحتها لليبيا للتغطية على ابتزازها للقذافي ونهبها لثروات ليبيا مستغلة جنونه).

في هذا السياق نتساءل بمرارة: هل بإمكان الاجتماع السياسي التونسي بمثل هذا الانقسام الوجودي بين معسكرين فكريّين متناقضين وبمنظومة حزبية لا تتوفّر على شروط البقاء أن ينتج مدنية سياسية حديثة ضامنة للتنوّع والاختلاف والتعايش منفتحة على مكاسب العصر ومشكلاته ولم لا منبثقة من تأويل حرّ (يبدعه مفكرون أصلاء لا مقلّدون) لرصيد روحي وأخلاقي ديني لا يزال حيّا وفاعلا في الضمائر لولا أنه ما زال أسيرا بالكامل لقراءات لاتاريخية تنتهي به دائما إلى نقيض غاياته؟

فلسطين والعدالة الدولية والإفلات من العقاب

أنور الغربي

يتعرض هذه الأيام زعيم حزب العمال في بريطانيا “جريمي كوربين” الى حملة مضللة للتذكير بمشاركته هو وعدد من البرلمانيين والسياسيين البريطانيين في مؤتمر دولي حول مسارات القضية الفلسطينية كنا قد نظمناها أواخر سنة 2014 وكانت تحت رعاية رئيس الدولة حينها ونحن بهذه المناسبة نذكر بمخرجات المؤتمر الذي كان قد حضره حوالي 400 خبير ومختص من حوالي 50 دولة حول العالم ونذكر اليوم بأن العدالة الدولية ما زالت تحصي عدد الشهداء والجرحى والمعتقلين والمبعدين في فلسطين دون أن تحرك ساكناً.

كما ان الجرائم التي ترتكب يومياً بحق الشعب الفلسطيني أثبتت ان منظومة الامم المتحدة بحاجة لإعادة صياغة جديدة و فق معطيات وقواعد تضمن حفظ السلام والأمن الدوليين حفظاً حقيقياً.

لقد شكل قيام المحكمة الجنائية الدولية حلماً للشعوب المضطهدة، لتفعيل مبدأ عدم جواز الإفلات من العقاب لأي مجرم مهما كانت حصانته ووضعه السياسي. ولكن تحقيق هذا الحلم لم يكتمل لان المحكمة الجنائية ليس لها صلاحية على كافة الدول؛ كما أن حصر الملاحقة في بعض الحالات يستدعي صدور قرار من مجلس الامن، مما يعني أن تحريك أجهزة المحكمة الجنائية لملاحقة بعض المجرمين يستدعي قرارا سياسيا من مجلس الامن كما هو الحال الآن بالنسبة لفلسطين ، وهذا ما يجعل (مبدأ عدم جواز الإفلات من العقاب) مبدأً سياسياً أكثر منه قانونياً دولياً أو يستدعي انضماماً من بعض الدول والتوقيع على اتفاقية روما.

ان عدم معاقبة المجرمين الإسرائيليين على جرائمهم التي ارتكبوها بحق الشعب والأرض الفلسطينية شجع الكثير من الرؤساء و المسؤولين على قتل شعوبهم التي نادت بالحرية.

ان الربيع العربي الذي انطلق من تونس وأعطى أملاً للشعوب العربية بالحرية والعيش بكرامة حاربته قوى الاستبداد والظلم السياسية والعسكرية في بعض البلدان العربية فقتلت مئات الآلاف من أبناء أوطانهم دون ان تتحرك العدالة الدولية لمحاكمتهم، رغم ارتكابهم لافظع الجرائم الدولية. ومازال أولئك المجرمون ينعمون بلذة قتل شعوبهم حتى هذه اللحظة وسط حماية سياسية دولية.
ان مفهوم العدالة الدولية على المحك، فإذا لم يعاقب مجرمو الكيان الصهيوني، فان مقولة العدالة الدولية ستسقط الى غير رجعة.
وحيث أن العدالة الدولية لا تزال غائبة فيما يتعلق بقضايا المسلمين والعرب عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً، فإننا نوصي بما يلي:

1. على فلسطين أن تسعى عاجلاً إلى الانضمام لميثاق روما الناظم للمحكمة المحكمة الجنائية الدولية وكذلك دعوة السلطة الفلسطينية الى تفعيل اتفاقيات جنيف الأربعة خاصة فيما يتعلق بمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين في محاكمها الوطنية تماشياً مع الماد 146 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وكذلك تفعيل القضاء الفلسطيني الداخلي لملاحقة المجرمين الإسرائيليين.

2. دعوة الدول العربية الى وضع أساس لإنشاء محكمة جنائية عربية تعنى بالانتهاكات القانونية الدولية.

3. تحميل الولايات المتحدة والدول الغربية وغيرها من الدول المسؤولية القانونية بسبب دعمها المادي والعسكري لإسرائيل.

4. على الدول العربية والإسلامية ودول العالم الحر، وفلسطين، السعي لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرارات بضرورة الرفع الفوري للحصار عن غزة وتفعيل القرارات السابقة وأن تأخذ الجمعية العامة الأمر على عاتقها وتضعه على جدول أعمالها الدائم، والسعي لإدانة الاحتلال الإسرائيلي والدعوة لمقاطعته ومعاقبته وسحب الاعتراف منه. كما يمكن العمل من خلال قرار الجمعية “الاتحاد من أجل السلام” على إنشاء محكمة خاصة لجرائم الحرب بموجب المادة 22 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يضمن محاكمة مجرمي الحرب.

5. على فلسطين وبالتعاون مع الدول المؤيدة للحق الفلسطيني أن تسعى إلى استصدار فتوى من محكمة العدل الدولية حول مشروعية الحصار على غزة، طبقًا للمادة 65 (1)، من نظام محكمة العدل الدولية. ثم العمل على تفعيل هذه الفتوى قانونياً وسياسيا والتواصل مع دول العالم بما يحرج من لا يلتزم بفحوى الفتوى. ويمكن لهكذا فتوى أن تكون داعماً لفكرة التقدم إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بطلب للتحقيق في حرب غزة.

6. دعوة الجامعة العربية الى القيام بواجبها الأخلاقي والقانوني حيال كسر الحصار على غزة.

7. على منظمات حقوق الإنسان السعي للتواصل مع لجنة التحقيق التي شكّلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتزويدها بالمعلومات الموثقة وبالأدلة على اقتراف قادة الاحتلال لجرائم حرب، وعلى آثار الحصار على قطاع غزة وعدم قانونيته. ثم السعي إلى حمل المجلس إلى تفعيل تقرير لجنة التحقيق، وتقرير لجنة التحقيق في الحرب السابقة (تقرير غولدستون)، والضغط على مجلس الأمن لأجل إحالة نتائج التحقيق إلى المحكمة الجنائية الدولية.

8. السعي لتثبيت المسؤولية القانونية على إسرائيل فيما دمرته من بيوت ومستشفيات ومدارس وبنى تحتية، ومطالبتها بدفع تعويضات عن ذلك للمتضررين.

9. متابعة العمل في الدعوة التي طرحت لعقد اجتماع للأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة، لتحديد التدابير الواجب اتخاذها بهدف إنفاذ وفرض احترام الاتفاقية من قبل الاحتلال الإسرائيلي واتخاذ الإجراءات اللازمة بما يضمن وقفاً فورياً لانتهاكات إسرائيل لاتفاقيات جنيف واستهدافها للمدنيين، بموجب المادة (149) من اتفاقية جنيف الرابعة، ودعوة هذه الدول -أيضاً-، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي، وأمريكا اللاتينية، والدول العربية والإسلامية، إلى تفعيل مبدأ “الاختصاص العالمي” بموجب المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، بما يسمح بمقاضاة قادة الحرب ومرتكبي الجرائم.

10. التعاون مع الدول الأوروبية ومع منظمة الأمم المتحدة للتنمية بما يؤدي إلى تسهيل حركة المسافرين والبضائع من غزة وإليها، وتثبيت حقها على إقليمها أرضاً وبحرا وجوا، وبما يعني حقها في تدشين مطار أو ميناء بحري ضمن ضوابط قانونية ووجود مراقبين دوليين بما يلبي الاعتبارات الأمنية المطلوبة.

11. دعوة مجلس الأمن إلى التحرك العاجل للجم الاحتلال الإسرائيلي عن انتهاكاته المستمرة بحق المدنيين ومنشآت الأمم المتحدة في قطاع غزة، باعتبار ذلك يمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، سنداً للمادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة. ودعوته إلى فتح تحقيق في الانتهاكات وإحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك الدعوة الى إدانة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين والتي تتعارض والقانون الدولي الإنساني.

12. دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، إلى إدراج إسرائيل في “قائمة العار”، سنداً لدعوة مجلس الأمن اعتبار شن الهجمات، أو التهديدات المتكررة بشن الهجمات على المدارس والمستشفيات، وكذلك على الأشخاص المحميين خاصة ما يتصل بالمدارس والمستشفيات، مبرراً يدفع إلى إدراج الدولة التي تقوم بمثل هذه الأفعال في قائمة العار التي يعدها الأمين العام للأمم المتحدة.

13. دعوة الدول التي يخدم عدد من حملة جنسيتها في صفوف القوات المسلحة الإسرائيلية إلى المسارعة بسحبهم، نظرا لاحتمال أن يكون هؤلاء الجنود “عرضة للملاحقة على اقترافهم جرائم بحق الشعب الفلسطيني.

14. وأخيراً تشكيل فريق قانوني دولي متخصص لمتابعة تلك التوصيات بجدية حتى الوصول الى النتيجة المرجوة.