هل كان حقا رئيسا لكل التونسيين ؟

عادل بن عبد الله

حسب الدستور التونسي، فإن سلطات رئيس الدولة تكاد تنحصر أساسا في مجالات السياسة الخارجية والأمن والدفاع، بالإضافة إلى بعض السلطات الأخرى التي تجعل منه الشخصية الثانية في البلاد بعد رئيس الحكومة، تلك السلطات التي تعطي لرئيس الدولة “وزنا اعتباريا” من جهة أنه المؤتمن أو المكلف بتوحيد الشعب بمختلف فئاته. وفي ظل التعطيل المتعمد لإرساء محكمة دستورية، تتكفل بالحسم في الخلافات المتصلة بتأويل فصول الدستور (خاصة بين الإسلاميين والمحافظين من جهة أولى، وبين العلمانيين والتحرريين من جهة ثانية)، استطاع رئيس الجمهورية أن يقدم نفسه باعتباره حامي الدستور والمرجعية الأساسية، بل الحصرية، لتأويله.

وكما هو متوقع، لم يخرج خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة الإحتفال بعيد المرأة يوم 13 آب/ أغسطس 2018 عن استثمار الفراغ المؤسسي الناتج عن غياب المحكمة الدستورية. ورغم أنه من الصعب على الرئيس وفريقه أن يجادلوا بأدلة موضوعية على التزام مؤسسة الرئاسة بالدستور، إذ رفض الرئيس تقديم ملفه الصحي إلى الآن، وما زال مصرا على “التغول” على باقي السلطات، حاصة سلطة رئيس الحكومة، بالإضافة إلى تقديم مبادرات تشريعية لا علاقة لها بالمساواة أمام القانون ولا باستحقاقات الثورة، بل كانت أساسا في خدمة أركان نظام بن علي وتيسير رسكلتهم وإعادتهم إلى واجهة الحكم. رغم ذلك كله، فإن رئيس الجمهورية لم يجد حرجا في الاستحواذ خطابيا وعمليّا على دوري “رئيس كل التونسيين” و”حامي الدستور”، أو مرجعيته التأويلية العليا. وهو استحواذ سنتساءل في هذا المقال عن مدى مصداقيته، انطلاقا من القضية السجالية الأهم التي أثارتها لجنة الحريات الفردية والمساواة: قضية المساواة في الميراث بين الجنسين.

مثل أغلب الحداثيين التونسيين الذين يتحركون من خلفية لائكية فرنسية، هي أشكال إدارة العلاقة بين الديني والسياسي التي يراد تقديمها على أساس أنها “العلمانية” أو”الحداثة” بإطلاق، انطلق رئيس الجمهورية في خطابه من مقدمة مغالطة مفادها أنّ “مدنية الدولة” تتناقض مع الاستئناس بالتشريع الديني. فالرئيس يصادر منذ البدء على أن الواجب الذي يفرضه عليه الدستور يجعله في حل من المرجعيات الأخرى (وهي أساسا مرجعية واحدة، مرجعية الشريعة الإسلامية. ولكن السيد قائد السبسي “يعوّمها” في صيغة الجمع بحكم وجود أقليات دينية أخرى كاليهود والبهائيين وغيرهم). إننا أمام “تَونسة” صريحة للمنطق اللائكي الفرنسي الذي تكاد تتحول فيه الدولة إلى ديانة “وضعية” بحكم استيلائها على وظائف الأديان التقليدية. ولكنّ رئيس الجمهورية الذي اختار”جمهوره” بعناية فائقة، باعتباره جمهورا متجانسا أيديولوجيا ومتحالفا طبقيا، كان يدرك جيدا أنه يتحرك على أرضية آمنة.

تشترك الغالبية العظمى من الجمهور الحاضر في الخطاب، والفئات المستهدفة منه، مع رئيس الجمهورية في افتراض التناقض بين مدنية الدولة والشريعة (والحال أن المدنية تقابل التوحش أو النظام العسكري ولا تقابل الدين بالضرورة). كما يشتركون معه في أن المنظومة الكونية لحقوق الإنسان هي منظومة منغلقة على ذاتها، وأنها لا تتحرك إلا ضدا على التشريعات الدينية (فالحقوق تُفتك من نظام مجتمعي أساسه الفكر والمخيال الدينيين، ولذلك يديرون الصراع مع الدين على أساس التصادم والإلغاء المتبادل، وليس على أساس التكامل أو الانفتاح النقدي). وهو معطى يجعل من رئيس الدولة، واقعيا، رئيسا للقائلين بالمنطق اللائكي الفرنسي القائم على هيمنة الدولة على التشريع، وعلى العلاقة الصدامية بين الدين والقانون، لا رئيسا لكل التونسيين الذين لا يجدون أنفسهم في هذا الفكر. بل إن الرئيس لم يكن منفتحا على الحداثة التي يدعي تمثيلها؛ إلى الحد الذي يجعله رئيسا للقائلين بالعلمانية على أسس مغايرة لأسس اللائكية الفرنسية، وهي العلمانية التي نجدها في التجارب الأنغلوسكسونية، أو غيرها من التجارب الإنسانية المقموعة والمهمشة في خطابات أغلب النخب الحداثية التونسية.

لقد رأى بعض المشتغلين بالشأن العام، أن الرئيس بإقراره مبدأ ازدواجية التشريع (تقنين المساواة والسماح لمن يرفضها باعتماد نظام المواريث الديني)، قد فكّ ارتباطه جزئيا بالتراث اللائكي الفرنسي، وانفتح على التراث العلماني الأنغلوسكسوني. وهو رأي قد يبدو صحيحا في الظاهر، ولكنه في تقديرنا المتواضع لا يمكن أن يكون مدخلا موثوقا لمراجعة الفلسفة اللائكية الفرنسية المهيمنة على إدارة العلاقة بين الديني والسياسي في تونس. فقد ظل السيد قائد السبسي منحازا إلى خلفيته اللائكية عندما اقترح تقنين المساواة (وجعلها هي القاعدة)، والإبقاء على الأنظمة التوريثية الأخرى (باعتبارها استثناء). وهو اقتراح لم يكن نتيجة حوار مجتمعي حقيقي وموسّع، بل كان نتيجة إملاءات دولية (عبر الجهات المانحة) صاغتها لجنة الحريات العامة والمساواة، وقدمتها على أساس ارتباطها بالمنظومة الكونية لحقوق الإنسان، وهي مرتبطة أساسا بالمنظومة الدولية للتوسع والهيمنة والاستلحاق الثقافي باعتباره قاطرة أو دعامة للاستلحاق الاقتصادي. وقد كان الرئيس هنا أيضا مرة أخرى (بوعي أو بلا وعي) رئيسا لأعضاء اللجنة ولأولئك الذين يتبنون أفكارها، وليس رئيسا للمعارضين لأغلب مقترحاتها، سواء من منظور ديني أو من منظور عُرفي محافظ.

بصرف النظر عن مدى دستورية لجنة الحقوق الأساسية والمساواة (سواء من جهة خطاب التكليف أو من جهة التوصيات)، فإن رئيس الدولة قد أظهر من خلال تركيبة أعضائها أنه رئيس مجموعة معينة من التونسيين. كما أظهر الرئيس في خطابه أنه لا يقف على المسافة نفسها بين الفرقاء، بل هو منحاز إلى فريق دون آخر. وما رفضه الضمني للاحتكام إلى الاستفتاء إلا دليل على وعيه بأن مقترحات اللجنة لا تعبّر عن فئة واسعة من التونسيين، الذين من المفترض فيه أن يُمثلهم هم أيضا. وقد كان في استطاعة الرئيس، تأكيدا لدوره باعتباره “موحّدا” للتونسيين، أن يدافع عن حق الأقلية في اعتماد مبدأ المساواة، ولكن كان من واجبه أيضا أن يراعي رأي الأغلبية، وأن يجعل من التشريعات الحالية أصلا ومن المساواة استثناء. ولا شك في أن مقترحنا السابق ينطلق من الاعتراف بتعدد المرجعيات داخل المجتمع التونسي، وبحق جزء من المواطنين (لأسباب تتعلق بحرية المعتقد المكفول بنص الدستور) في اعتماد مبدأ المساواة، ولكنه حق يجب ألا يصير هو القاعدة القانونية إلا عند الاحتكام إلى الاستفتاء.

لتجنب أي صراعات هوياتية لا حاجة لنا بها ولا تخدم في النهاية إلا الواقفين على تخوم الدولة والمتربصين بها يمينا ويسارا، وللإصغاء لكل الأنساق الحجاجية بصورة متكافئة وغير منحازة، لم يجانب رئيس الدولة الصواب عندما دافع عن مبدأ التسوية بين الجنسين في الميراث، ولكنه لم يستطع أن يكون رئيسا لكل التونسيين عندما انحاز إلى مبدأ التسوية باعتباره قاعدة لا خيارا شخصيا. فرغم أنّ اعتماد مبدأ التسوية في الميراث باعتباره قاعدة قانونية (وبالتالي اضطرار العامل بتعاليم دينه إلى تبرير نفسه باعتباره استثناء أو شذوذا أو خيارا مترسبا من أزمنة ما قبل المواطنة)، هو قرار ذو رمزية عالية من منظور حقوقي تقدمي، فإنه أيضا قرار ذو تداعيات لا يمكن التحكم فيها من منظور اجتماعي. فاعتماد هذه القاعدة وإسقاطها (بمنطق الرضة لا بمنطق التدريج والتراكم) على واقع سوسيسو- ثقافي غير متقبل أو غير مستعد لها نفسيا وفكريا، سيزيد في تعميق الانقسامات المجتمعية وسيدفع بفئة كبيرة من المواطنين إلى النظر إلى الدولة باعتبارها دولة النخب اللائكية دون سواهم.

ختاما، فإن اعتماد مبدأ المساواة في الميراث باعتباره خيارا شخصيا؛ سيضمن لجميع الفرقاء حقهم في الاعتقاد والتعبير والفعل بمقتضى ما يؤمنون به، ولكنه في الوقت نفسه لن يجعل هنالك منتصرا ومنهزما؛ لأن إدارة الخلاف بطريقة الصراع العسكري أو الوجودي سيكون لها تداعيات كارثية على المجتمع التونسي ولو بعد حين. ولكن في ظل نظام سياسي أساسه تكريس التبعية والتخلف وإعادة إنتاجهما، هل إنّ من مصلحة مؤسسة الرئاسة، وباقي الفاعلين الجماعيين من اللائكيين والإسلاميين أن يتجاوزوا القضايا الهوياتية، وأن يشتغلوا “معا” على القضايا الحقيقية التي ستنسف علّة وجودهم ذاتها؟ أو بصيغة أخرى: هل يُسمح للدولة التي تفتقد مقوّمات السيادة (وللنخب المتحدثة باسمها)، أن تتحرك أو تقرر ضدّ إملاءات المانحين الدوليين وأذرعها “الحقوقية”؟

“عربي21”

حداثيون “Made in Tunisie”

عزيز كداشي

البعض من الحداثيين made in tunisia يحسسك انو البلاد هاذي قاعدة تقلع ومصورخة أما الدين الاسلامي هو الي يجبد فيها لتالي…
بورقيبة لم يكن متدينا بقدر ما كان متشبعا بفلاسفة التنوير ومبادئ الحقوق و الحريات و لما تمكن حكم كأي حاكم عربي أو إفريقي جاهل ومتوحش يقود قطيعا لا بشرا إلى أن مات بطريقة متوحشة…
بن علي حارب الدين والتدين بالتعاون مع النخبة المتثقة إلي قراها بورقيبة ونحالها القمل وضربه في مقتل ليتركوا المجال لفكر عماد وبلحسن ونظريات ليلى الحجامة…

في كل دول العالم خاصة أرباب الحقوق والحريات منها… وضعوا حدودا واستثناءات لهذه الحريات سواء بحجة عدم إنفلاتها أو لأنها تتسبب في التعدي على حقوق آخرين أو حتى لأسباب إقتصادية واجتماعية أو لأجل عيون بعض اللوبيات والعصابات والشركات المتعددة الجنسيات…
حق التعبير في فرنسا مقدس أكثر من أي دين لكن التشكيك في المحرقة اليهودية يعرضك للمحاكمة والعقاب… في دول أخرى هناك حرية ممارسة الجنس مع الحيوانات لكن دول حرة أخرى رفضته وتعاقب مرتكبه… حق التنقل والسفر كل الدول المتقدمة اليوم تضع له الحدود والقيود… المهاجرين من جنسيات أخرى يعانون في بعض هذه الدول كل أشكال التمييز والإقصاء بل هناك من ينادي من قلب برلماناتهم بحشرهم في مركب واحد وطردهم حتى لو كانوا حاملين لجنسية تلك الدولة…
يعني… لمن يوجه أمراضه النفسية لإفراد الدين بصفة عامة والإسلام خاصة بأنه عائق أمام بعض الحريات ويحد من انفلاتها… نقول له هذه لغة مضروبة… خاصة إذا تكلمت على لسان أصحاب قونتاناموا واستشهدت ببلدان تتسابق للحروب ولصنع أشرس الأسلحة الكيمياوية والجرثومية… ولا تنهض أو تتقدم إلا بدماء البشر ومآسيهم…!!!

مبادرة الرئيس تخل بالنظامين القانوني والسياسي لغفلة ؟ أم لتواطؤ ؟

أبو يعرب المرزوقي

لو لم يكن رئيس الدولة دارسا للقانون -في عصر كان تعلمه في فرنسا ليس هينا- لما تجرأت فاعتبرته قد خان الأمانة القانونية والخلقية.
فأما خيانة الأمانة القانونية، فلا تحتاج للتدليل لأن مجرد قفزه على البند الأول كاف، فضلا عن توطئته التي اعتبرها الدستور أحد عناصره التشريعية.
وكان يمكن أن نحسن الظن فنتصور أن ذلك مجرد غفلة.

لكن محاولة تبرير المشروع بتحقيق التناسق بين الدستور والقوانين انطلاقا من مبدأ المساواة يثبت أن ذلك كان بقصد لتجنب الإعتراض الأساسي على هذا القصد سيء القصد، وهو أن تناسق فصول الدستور فيما بينها مقدم على التناسق بينه وبين القوانين.
ورئيس الدولة ليس له سلطة البحث في دستورية القوانين.
فهذا من مهام المحكمة الدستورية التي لم تتكون بعد.
وحتى هذه فهي ليست مخولة من ذاتها للبحث فيها ما لم يأتها طلب من ثلاث سلط مضاعفة مخولة:
• الحكم بفرعيه تشريعا وتنفيذا.
• والقضاء بفرعيه القاضي والمحامي.
• والمجتمع بفرعيه الحزبي والمدني.
وبهذا المعنى، فالرئيس فيما يعود إليه من الحكم يمكنه أن يطلب من المحكمة الدستورية القضاء في دستورية أحد القوانين، لكنه ليس من حقه أن يقضي في الدستورية من عدمها.
وكل ذلك يفهمه دون شك لأنه مختص في القانون وتعلمه صغيرا، ومن عادة المسنين ألا ينسوا ما تعلموه صغارا.
ومع ذلك، فليس هذا تعليلي لتهمة خيانة الأمانة الدستورية، بل هو أعمق من ذلك بكثير.
فلا شك أن الرئيس، ومعه خاصة “الخبراء” الذين اختارهم، وأقصد المختصين منهم في القانون لأن من سواهم “بقر الله في زرع الله” من هذا الوجه يعلمون مفهوم النظام العام القانوني. وهو أهم أسس النظام القانوني.
فالنظام القانوني العام هو نظام التوازنات المنسقة بين المستويات القانونية الخمسة التي تحافظ على نظام عام آخر أهم حتى من النظام القانوني العام، هو النظام العام بالمعنى السياسي والأمني بمعناه المادي والرمزي في الجماعة.
فالإخلال بهذا الثاني يمكن أن يكون مصدر فتنة، فيؤدي إلى حرب أهلية.

فما هي المستويات الخمسة التي ينبغي أن يحصل بينها توازنات؟
هي جوهر ما تبحثه المجالس التأسيسية موضوعا لما تتوصل إليه من توافقات عندما تكون الشعوب التي تصوغه حرة كما حصل في البلدان التي عاشت ثورات، بدءا بالولايات المتحدة، ثم فرنسا، ثم تونس في ثورة الشباب بجنسيه.
وهذه المستويات الخمسة هي:
• المرجعية (موضوع الخلاف والتوافق الأول).
• القوى السياسية وطبيعة دورها (موضوع الخلاف الثاني والتوافق الثاني).
• سلطات الحكم والمعارضة (موضوع الخلاف والتوافق الثالث).
• وظائف الدولة الراعية والحامية لحقوق الموطنين والجماعة في الداخل والخارج (موضوع الخلاف والتوافق الرابع).
• والناقل من 1و2 إلى 3و4 نص الدستور نفسه. (الخلاف الجامع والتوافق النهائي).
وحتى يكون الأمر واضحا للرئيس الذي أظنه تعلم القانون كما يجب، لأنه تعلمه في عصر لم تكن الجامعات فيه تقودها النقابات الجاهلة وقياداتها الفوضوية، فلأضرب مثال العلاقة بين الفصل الأول والفصل الثاني.
فهو توهم الحسم لتجنب ما يبدو مناقضا لمبدأ الحرية بالقفز على الأول واعتماد الثاني.
وقد يكون صدق الفتوى الغبية القائلة إن الفصل الأول تعريفي وليس تشريعيا.
لكأن أحدا قال في منظومة رياضية متناسقة أن الاستدلال الموالي في القضايا يمكن أن يكون مشرعا منطقيا من دون أن يكون خاضعا لتشريع التعريفات في النسق الرياضي.
ومعنى ذلك أن التعريفي أقوى أثرا لأنه تشريع للتشريع.

فكيف يتضح ذلك؟
عندما يفهم الرئيس وخبراؤه الأميون حقا في القانون، فضلا عن فلسفته، أن التناسق في الدستور ليس بين فصل وفصل. فالفصول قد تبدو متناقضة.
التناسق هو بين ما يؤسس الفصلين في التوازن بين تأويلات المرجعية التي تستند إليها القوى السياسية التي صاغت الدستور ممثلة لإرادة الجماعة.
وحتى أزيد الأمر وضوحا:
قبلت القوى السياسية قراءتين للمرجعية المشتركة:
أي قراءة ذات ميل إسلامي
وقراءة ذات ميل علماني
وقبلت بتنازلات متبادلة لا تغلب الإسلامي على العلماني ولا العلماني على الإسلامي، بحيث المدني فيه الإسلامي والإسلامي فيه المدني، في حالة الفصلين الأولين.
والنتيجة التي تؤدي إليها التوازنات ليس في صوغ الدستور وحده (حدا أوسطا بين المرجعية والقوى السياسية قبله، والحكم ووظائف الدولة التي يديرها الحكم بالفعل، والمعارضة بالقوة كقوة سياسية ناقدة ومراقبة بعده) بل في تعايش الجماعة السلمي، هي العلاقة بين النظامين العامين القانوني والسياسي.

وهنا يأتي مفهوم خيانة المؤتمن الخلقي:
فوظيفة رئيس الدولة هي قبل كل شيء، وبالنص الدستوري في النظام التونسي القديم قبل الثورة والجديد بعدها، هو الحرص على حفظ النظام القانوني بتوسط الرقابة الدستورية التي يمكن أن يدعوها لذلك (المحكمة عند إيجادها) وحفظ النظام السياسي بالرقابة السياسية.
فلا يمكن أن يكون خالي الذهن عما يمكن أن ينتج عن هذه الفتنة إلا إذا كان من غرر به قاصدا الفتنة، لأن فيها ما قد يكون مبررا لما يخططون له من إنقلاب بدعوى منع الفتنة التي قد تحدث عن تمرير قانون أكثر من 97 في المائة من التونسيين يرفضونه.
بعد الثورة لن يسمح أحد للأقلية الدخيلة فرض أهواءها.

وخيانة المؤتمن الخلقية تكمن في أحد أمرين:
إما عدم الوعي بما قد ينتج عن مثل هذه المبادرة من إخلال بالنظام العام السياسي، وهذه طامة.
أو الوعي بذلك والإقدام عليه بمشاركة في مؤامرة هدفها تبرير الإنقلاب على مشروع الديمقراطية الهش بدعوى التصدي لما سيترتب عليه من فوضى.
وعندئذ يكون الرئيس قد خان وظيفته في حماية أمن الشعب والبلاد بسماحه لفتنة كان هو المبادر إليها إما لغفلة عما وصفت، وليس له عذر في ذلك لأنه يفهم في القانون وله خبرة سياسية تمكنه من فهم الفرق بين المناخين الذي كان قبل الثورة والذي جد بعدها، أو لمتواطئ مع الإنقلابيين على الديمقراطية.
ومرة أخرى فلست منتسبا إلى أي حزب.
ولو حاول أحد وصف موقفي في هذه القضية بتجاوز علاجها العلمي بمنظور فلسفة القانون والسياسة ليصفه سياسيا، لكان من جوهر البورقيبية لأن بورقيبة كما بينت سالفا هو الذي صاغ أساس التوازنات بين مستويات القانون الخمسة التي ذكرت في الفصل الاول من الدستور.

مجرمون..

محمد ضيف الله

حتى لو كان خبر إعدام الناشطة الحقوقية من قبل نظام آل سعود، إشاعة، لا يخفي أن نظامهم يحتل المرتبة الثانية عالميا في تنفيذ أحكام الإعدام، 146 على مجموع 993 سنة 2017، أي ما نسبته 15% من الإعدامات في العالم. فإن كانت نسبة الجريمة التي تستحق الإعدام في السعودية مرتفعة إلى هذا الحد، فالسبب ولا شك ليس الظروف المناخية ولا حالة البحر ولا لفح الصحراء، وإنما المشكل هو النظام السعودي، رغم أن هذه البلاد تتوفر على ثروة نفطية بإمكانها لو كان هناك حد أدنى من العدالة أن تقضي على الفقر والمرض والجهل معا وفي وقت قياسي.

وإذ الشيء بالشيء يُذكر فنظام الملالي في إيران الذي ينافس نظام آل سعود لا يقل عنه سوءا أي جريمة، فقد نفذ في إيران لوحدها 507 إعداما أي 51% من الإعدامات في العالم سنة 2017. رغم ما لهذا البلد من ثروات بترولية. فبحيث النتيجة أن السعودية وإيران اللذان يحكمان باسم الإسلام، هما أكبر من يشوّه الإسلام ويسيء إليه، ويظهره دين قتل وعدوّ للحياة، والحقيقة أن هذين النظامين يسبغان على الإسلام إجرامهما. مجرمون.

هل هوية الدولة مجرد “حكاية” ؟

فيصل بوقرة
قاضي بالمحكمة الإدارية

في خضم النقاش حول تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية وتصريح رئيس الجمهورية، علينا أن نتفق على بعض النقاط قبل طرح جملة من التوضيحات -القابلة للنقاش- والتساؤلات التي سيجيب عليها المستقبل:

أولا: علينا أن نتفق أن الدولة التونسية هي جمهورية مدنية وعلمانية منذ الإستقلال على الأقل “un État séculier”.
أي هي ليست دولة دينية (الشريعة هي المصدر الشكلي الأساسي والرسمي والوحيد للتشريع) “un État théocratique” وليست دولة لائيكية (الفصل التام والقطعي بين الدين والدولة) “un État laïc”.

ثانيا: أن العلمانية واللائيكية هي مفاهيم قانونية وسياسية وليست مفاهيم دينية، بمعنى لا ترادف الإلحاد ولا ترقى إلى قيام دولة ملحدة. “un athéisme d’État” وإنما تتعلق بمسألة مصادر التشريع الشكلية والمادية.

ثالثا: أن الهوية الدستورية للدولة “l’identité constitutionnelle” تختلف عن مسألة مصادر التشريع، وبالتالي القول بأن الدولة أو الشعب مسلم “État musulman” يختلف عن القول بأن الدولة إسلامية “État islamiste”.

رابعا: أن التشريعات التونسية (وخاصة الأحوال الشخصية) مستمدة من حركات إصلاحية اعتمدت التأويل “herméneutique/interprétation” كمنهج لملائمة النص التشريعي مع الشريعة الإسلامية، أو منهج ما يعبر عليه بالخروج من الدين عبر الدين “La sortie de la religion par la religion”.

خامسا: أن مدنية الدولة لا تتعارض في شيء مع اعتبار النص الديني كمصدر مادّي مكمل أو مفسّر أو إحتياطي للتشريع الوضعي.

سادسا: أن تنقيح القوانين يعود بالإختصاص إلى مجلس النواب أما تأويل فصول الدستور المبهمة أو الحسم في مسألة الهوية ونظام الدولة من مدني علماني إلى مدني لائيكي فإن ذلك يجب أن يمر حتما عبر استفتاء شعبي لتنقيح الدستور أو في أقصى الحالات إنتظار إرساء المحكمة الدستورية لتوضيح المسألة لتعلق ذلك بمسألة سيادية وفوق-دستورية يجب الرجوع فيها إلى الإرادة العامة “la volonté générale” أو للسلطة التأسيسية الفرعية “le pouvoir constituant dérivé ou institué”. “Une question supra-constitutionnelle touchant à la souveraineté”.

سابعا: هل أن المساواة “الرياضية” تعني وتحقق بالضرورة العدالة والإنصاف؟ “Égalitaire-Juste-équitable”.

ثامنا: هل أن إقرار نظامين قانونيين لمادة المواريث لا يتعارض مع مبدأ وحدة النظام القانوني للدولة ولا يساهم في تشتيت الأنظمة القانونية؟ “Pluralisme de systèmes juridiques et fragmentation du droit”.

تاسعا: هل أن إقرار المساواة في الإرث والزواج المثلي وغيره من منطلق كونية مبادئ الحقوق والحريات الإنسانية وشموليتها لا يؤدي بالضرورة إلى خلق مناخ لتطور فكر الإنتماء الجمعي والمختلف والحال أن الهدف هو توحيد المجتمع. “communautaristes c/ universaux”.

عاشرا: كيف يمكن تبرير إجبار مجموعة ثقافية معينة بالتخلي عن خصوصيتها والإنصهار في الفكر النمطي؟

أحد عشرة: هل أن من مهمة القواعد القانونية تشكيل ثقافة وهوية المواطن؟