شباب !!!

نور الدين العويديدي

كان شيخنا الجليل الاستاذ منير شفيق يقول لنا أيام اشتداد محنة النفي والتهجير إن الشاب الذي يبحث عن الواقعية ويفكر في المساومات في شبابه ينتهي سمسارا وبلا قيم في كهولته وشيخوخته.
وينسب للمفكر الفرنسي سارتر أنه قال إن المرء إن لم يكن ماركسيا (أي ثوريا) في شبابه فهو بلا قلب.. وإن بقي ماركسيا بعد الاربعين فهو بلا عقل.

من طبيعة الشباب المثالية والحماس والتمسك بالمبادئ والقيم والتضحية بالنفس من أجل تحقيقها.. فإذا كان الشاب في شبابه من غير تلك القيم ولا تلك المثالية ولا ذلك الحماس فلا تنتظر منه شيئا حين ينضج ويكبر ويغلب عقله عاطفته.. الارجح ان تجده مصلحجيا لا يفكر إلا في نفسه.
مواجهة الامبريالية والصهيونية والحلم بسيادة العدل بين الناس واستئناف الدور التاريخي العظيم للعرب والمسلمين وتحرير الشعوب المظلومة إن لم يحملها الشاب في شبابه فهل سيحملها عندما يكبر وتكثر التزاماته العائلية ويصبح أسير الديون للبنوك؟
لا مستقبل لنا على وجه التاريخ من دون حكمة الكهول والشيوخ ومن دون حماس الشباب ومبدئيته؛ مبدئية يُقوّم بها ترهل الشيوخ وميولهم الزائدة للحسابات والحرص على تجنب المغامرة..
وإني ليذهلني اليوم أردوغان وقد قارب السبعين يبز في شجاعته ومبدئيته وتحديه أشد الشباب حماسا ومبدئية.. يقارع الصلف الامريكي مقارعة الشباب ويلف من حوله شعبا من 90 مليون إنسان بجيشهم ومعارضتهم ويفتح بهم يوميا طرق انتصار جديدة لتركيا الصاعدة كالصاروخ.. فهل كان بوسع مساوم متردد أن يحقق عشر معشار ما حقق أردوغان.
كان السادات يقول إن تسعة أعشار الحل بيد أمريكا.. أنظر اين انتهت نظريات الخنوع بمصر مفلسة مهانة ذليلة؛ تعيش على المساعدات.. واين انتهت نظريات الصمود والتحدي بتركيا.. ضمن العشرين الكبار.. وقريبا ضمن العشرة الاغنى في العالم.

رسالة مضمومنة الوصول إلى بعض الحداثيين التونسيين

محمد كشكار

بمناسبة عيد الأضحى المبارَك، رسالة مضمومنة الوصول إلى بعض الحداثيين التونسيين من “جماعة النَّمَطْ”! لوموند ديبلوماتيك،

ترجمة بتصرّف مواطن العالَم

“نمط حياة” (Style de vie) فُرِضَ علينا، نحن التونسيون، من قِبل الاستعمار الفرنسي، الدوائر المالية العالمية العليا (FMI, BM, BCE, etc)، البنوك المحلية، صُنّاع الموضة، مهندسي الماركيتينڤ، تجار حقوق الإنسان، المنظمات غير الحكومية الأجنبية وممثليها المحليين المرتزقة (ما فمّاش ڤطوس يصطاد لربي)، مستوردي الإيديولوجيات، لائكيِّ فرنسا منبتِّي الهوية حداثيِّ الهانة ورڤود الجبّانة، إلخ.

نمطٌ، قمةٌ في السلعنة، سلعنةُ المرأة والتقاليد والقيم، سلعنةٌ توظِّفُ نوعًا من العلوم والجمالية (Esthétisation)، جمالية تدّعي تعويضَ كل ما هو طبيعيٍّ ومحسوسٍ في الحياة بما هو مُصنّعٌ وافتراضيٌّ، تكتيكٌ جهنّميٌّ مُبيّتٌ يُنسيك الطبيعة وجمالها، يُنسيك حتى أهلك وناسك وأصلك ودينك ولغتك وتاريخك وهويتك، يستلبك حتى النخاع. تكتيكٌ، لا غاية له إلا الربح السريع ولا وسيلة إلا الاستغلال الفاحش. تكتيكٌ، يشرِّكك في إفلاس نفسِك بنفسِك! تكتيكٌ، عوّدنا على “حاضرٍ دون حضورِ” لواقعٍ معدَّلٍ جينيًّا، حيث لا يوجد شيء لم تطله، وبصفةٍ لا رجعة فيها، آفات الكذب والتزويق والغِش والتلوّث والفساد.

هذا هو البرنامج المشترَك الذي يحاول فلاسفة أذكياء خبثاء عديمو الأخلاق والضمير، مرتزقةُ الماركات العالمية المشهورة، يحاولون أنسنته وعَلمنَته وتجميله وتسويقه لنا تحت يافطة برّاقة كذّابة، كُتِبَ عليها مفهومٌ اسمُه “نمط حياة عقلاني تقدّمي حداثي”، ومذ أصبح هذا الأخير قيمةً مضافةً (Valeur ajoutée)، أصبحوا يحاولون إذلالَنا وإجبارَنا على الرضوخِ والانصياعِ والاستِلابِ والتبعيةِ والعبوديةِ.

هل يوجدُ في آخر النفقِ بصيصٌ من الأملِ؟
مقاومةُ هذا النمط وأصحابه والداعين إليه في بلادنا، هدفٌ ليس مستحيلا، وذلك عن طريق الرجوع الواعي للطبيعة النظيفة البريئة الحرة: نظامنا الغذائي المتوسطي، صلة رحمنا، هندسة بنائنا، فلاحتنا التقليدية البيولوجية بطبعها، قِيمنا السمحة، احترامنا للمرأةِ ولمن هو أكبر منا سنًّا وقدْرًا، إلخ.

خاتمة شخصية: “الحلم الذي لم يتحقق، لكنه قابلٌ للتحقيق” (الأناركي جوزيف ديجاك، 2016) على مقاس الإنسان الإنساني، أفضلُ عندي ألف مرّة من كابوسٍ حتميِّ التحققِ (النمط الاقتصادي والاجتماعي الليبرالي الغربي المستورَد)!

المصدر:
Le Monde diplomatique, août 2018, p. 28, Article : «Beauté toujours en instance» par Annie Brun, écrivaine

إمضائي
عيد مبروك مبارك على كل المسلمين والناس أجمعين بما فيهم “جماعة النمط”، كنتُ منهم ومازال لي فيهم أصدقاء صادقون، لكنهم في أغوار حضارتهم العربية-الإسلامية لا يحفرون وبالنمط الغربي هم مبهورون.
و”إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ” جبران

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 20 أوت 2018.

اليوم إزدان بيتنا بضيف عزيز مبجل

عبد اللطيف علوي

انتظرته “وعد” منذ فترة، وتلكّأتُ كثيرا في إحضاره، حتّى غُلبتُ على أمري… 
سافرت إليه أنا وزوجتي وقطعنا 140 كلمترا، ولمّا وصلنا إلى دار أصهاري استقبلونا بالفرح والحفاوة، ووجدناه مستغرقا في بعض شأنه رفقة بركوسته السّمراء الجميلة، رفع رأسه متثاقلا ونظر إلينا بارتياب واضح، ثمّ استدار وأكبّ من جديد يكمل حصّته من العلف.

حانت العودة، فطويت له الكراسي الخلفيّة من السّيّارة، وفرشتها ب”باش” وحصيرة قديمة (قالت لي وعد: لم يبق إلاّ أن تضع له الحفّاظات)، ثمّ طرحناه أنا وصهري، وقيّدناه بإحكام ووضعناه في السّيّارة. كان جسيما وسيما أقرن ألين كبشويّ الهيئة، رغم أنّه مازال في طور البركسة، وسرنا قليلا، فأخذ يتخبّط وينتفض من حين لآخر، فيؤلمه القيد ويسقط مهزوما، تكرّر الأمر أكثر من مرّة حتّى خشيت أن يكسر قرنيه أو يكسر البلّور الخلفيّ، فأوقفت السّيّارة وفككت رباطه، لكنّه لم ينهض، ظلّ طول الطّريق جاثما صامتا حزينا، وزوجتي تلحّ عليّ أن أتفقّده لعلّ مكروها أصابه، لكنّني أكّدت لها أنّ ذلك يحدث معنا جميعا… كثيرون حين ينزع القيد عن معاصمهم يظلّون لوقت طويل يتوهّمون وجوده، في أيديهم وأرجلهم، ويحتاجون إلى صدمة أقسى كي يكتشفوا أنّهم صاروا أحرارا. ظلّ طول الطّريق على تلك الحال حتّى وصلنا إلى نقطة الاستخلاص بالفجّة، توقّفت السّيّارة، فانتفض فجأة ليكتشف أنّ القيد قد نزع، أخرج رأسه من النّافذة واندفع يثغو ويبعبع بصوت بدويّ غليظ لفت انتباه الجميع، وراح بعض الأطفال في سيّارة أخرى يلوّحون له بأيديهم ويرمون إليه القبل وهو يعربد خلفي ويتجلّى للمارّة… راح طول الطّريق يثغو بانزعاج شديد، كلّما رأى قطيعا في إحدى البطاح المنتشرة على طول الطّريق أو زميلا له في سيّارة أخرى، ويقلّب عينيه في المشاهد الغريبة الّتي تركض على الجانبين، مقاه ومغازات وكاراجات وحاويات عملاقة وحافلات وفتيات رشيقات… بدا فعلا أنّه في غاية الدّهشة والإحساس بالغربة، كدت أقول له: أنا أتفهّم شعورك هذا يا صاحبي، فقد قضيت في هذه المدينة الصّمّاء أكثر من ثلاثين سنة، لكنّني لم أنس يوما أنا أيضا بركوستي الجميلة، ولم أستطع أن أعوّد عينيّ على قوالب الإسمنت الخرساء عوض المروج والغدران والسّواقي والهضاب والجبال والأجراف والحصائد…

حين وصلنا طارت وعد فرحا، ضمّت زائرها الحبيب وأدخلته إلى المنشر… صمت تماما وظلّ يقلّب عينيه فينا جميعا ونحن خائضون حوله كالهنود الحمر، ثمّ خرجت لأشتري له ما تعسّر من العلف والقرط، لأحتفل به في ليلته الأولى كما يحتفل بضيف كريم، لكنّه لم يبد أيّ اهتمام ولم يلتفت إلى الماء ولا إلى العلف…
غدا سوف يصحو على واقع جديد، سيعضّه الجوع في أمعائه ويأكل بلهفة، وسيعتاد سريعا على وجوهنا ويبعبع فرحا لنا كلّما أطللنا عليه، وسينسى بركوسته الحسناء الشّابّة الّتي تركها في أقاصي الدّنيا ويرضى بصحبة الإسمنت والقضبان، وسنتعوّد عليه نحن أيضا، ونحبّه بصدق حقيقيّ جدّا، وسنطعمه من أكفّنا حبّا لا نفاقا، ونسقيه بأيدينا وأعيننا، ونفرح كلّما رأيناه يجترّ بسعادة وينقر الأرض بقوائمة الرّشيقة الرّائعة، غدا سنحبّه كثيرا، سنحبّه كثيرا كثيرا كثيرا … إلى درجة أنّنا سنختار له أمضى السّكاكين وأقطعها وأحدّها نصلا.
#عبد_اللطيف_علوي