“العميقة تنتخب القديمة”

الخال عمار جماعي

“حال البلد لا يعجب”! هذه الجملة تدور على ألسنة كثيرة اليوم. جملة تراوح في نطقها بين يائس تماما وآمل في فرج قادم ومتعمّد لمزيد تثبيط العزائم !!.. هذه الجملة تتفرّع نحو رأيين: لن يصلح حال البلد إلاّ بالبديل الثوري الراديكالي أو لن يصلح حال البلد إلاّ بما صلح به “أوّلها”!!. أما الرأي الأوّل ففيه نظر لا يشغل هذه التدوينة وأمّا ثانيهما فهو مربط الفرس الآن. وعموما يبدو لي أنّ أصحاب الرأي الثاني أمضى في الواقع وأكثر تأثيرا. أولئك هم “الدولة العميقة” (البعض يحلو له تسميتها “الثورة المضادّة” !).

“الدولة العميقة” ليست مؤسسة ولا أشخاصا ولا رُتبا إدارية بل هي مزاج وسلوك. فقد لا تجد رابطا بين شحّ البنزين في الجنوب وتعطيل جرايات التقاعد واللعب في الأدوية وتكدّس المزابل في كلّ مكان والزيادة في سعر القهوة.. ولكنّك لا شكّ تلاحظ حالة من التبرّم والقلق والضيق بما يحدث وربط هذا بما جنته على النّاس “ثورة البرويطة”!!.. علمت “العميقة” أنّ هذا الشعب لا يسمع هرج السياسيين ومناكفاته (وجزء منه جدل لجنة بشرى !) وأنّه لا يتأثّر إلاّ بمعيشه اليومي فزادت في التضييق ! تتحكّم هذه “العميقة” في السوق ولا يعنيها إلا تعزيز قبضتها لهذا تمعن في قطع الطرق على كلّ انفراج ممكن حتى تدفع النّاس إلى المقارنة ! كلّ هذا تهيئة لجوّ انتخابي ملائم لعودة النوفمبريين !

كما تسعى هذه “العميقة” إلى تعطيل كلّ شيء من المحكمة الدستورية إلى رئاسة هيئة الانتخابات إلى العبث بالعمل البلدي وقد ظهر أنّه مجرّد “وضع شاشية هذا على راس هذا” وإطماع النهضويين بأنّ لهم أدوارهم الأردوغانية لتحييدهم في الصراع وتعيد للناس “جدوى الوساطات والمحسوبية” وقضاء الحاجات بالفهلوة واللعب على الحبل.. وفي المقابل إظهار كل ساع إلى إعادة الناس للحظة الثورية “ثورجيا” و”موتورا” و”عدوّا للتوافق” وداع لحرب أهلية” (طبعا لن تعوزهم الأمثلة هنا من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا.. إلى الهوتو والتوتسي !)… هذا حال يشبه إلى حدّ بعيد الحالة المصرية قبل “الاستنجاد بالسيسي” باعتباره صورة مطابقة لحسني مبارك !!

المضحك حقا انّ فريقا عظيما من النهضويين يفكّرون -لا أدري بوعي أو بدونه- بنفس ما تفكّر بيه “العميقة” (أنظر حربهم على التيّار مثلا !!).. العميقة تسعى إلى وضع “القديمة” في الصندوق القادم وهي تبثّ في لاوعي الناس المقولة إياها: “لن يصلح حال البلد إلاّ بما صلح به أوّلها النوفمبري”! لن يكون هناك “بن عليّ ولا الطرابلسيّة” في قادم المرحلة ولكن سيكون هناك “فروخهم وطحّانتهم وعميقتهم”.. ساعتها لن يهمّ إسم الحزب ! لأنّ “القديمة” ستضحك علينا… حتى تستلقي على ظهرها.

“الخال”

ما أسعد النهضة بخصومها

نور الدين الغيلوفي

قاسية كانت هذه الثورة.. حفرت فينا عميقا فكشفت عن خراب مستحكَم في النفوس واعتلال ضارب في الأخلاق وفساد ينخر في الأفكار…
ما دمت تخالفني فأنت عدوّي اللدود.. لا أقبل المناقشة ولا المنافسة ولا أرضى بقواعد اللَعِبِ.. أنا ألعب وحدي.. أبذل وسعي، ولا آلو، في الكيد لك من أجل تحطيمك وأفتّش عن كلّ مناسبة لأعدمك من أجل أن أكون أنا وحدي…
أنا.. ومن بعدي الطوفان.. وحتّى أكون أنا لا بدّ من استئصال سواي.. فالكون لا يتّسع لغيري.. أشنّ حربي على من خالفني ثمّ يأتي دور من حافلني لينال حظّه من حربي.. فإذا ما خلت لي البلاد وانساق لي العباد فكّرت في الرخاء و تصدّيتُ لمنازلة الأعداء بحثا عن الاستقلال الوطني والرخاء الاجتماعي… ثمّ مضيت في الارض فاتحا…

•••

كان الاستبداد متحكّما في الكلّ.. وكنّا نرضى أن نتنفّس من قصبة سلكتنا فيها الدولة توزّع بيننا أرزاقنا من الأنفاس بغير سويّة ولا تُسأل عمّا تفعل.. وكنّا قابعين كلًّا في الركن الذي قُدّرَ له.. غير قانعين.. نتعاطف إشارةً.. ونتحاور همسا.. وهمّنا توسعة قَصبة الأنفاس مخافة الاختناق.. كم كنّا منسجمين نتقاسم رزقنا المباح ولا ندّخر لنا جهدا في الحلم…

•••

وانفجرت الثورة فكشفتنا لنا.. وبدَوْنَا على غير ما كنّا نتوهّم وظهرت علينا تجاعيد لم نكن نراها وأمسكنا بالمعاول يحطّم بعضنا بعضا.. تركنا كلّ ما جمعناه من مدّخراتنا من الحُلْم عند أوّل ريح لتذروَها نكاية بأنفسنا.. ورضي بعضنا بالنوم في جيش العدوّ حتى يفقأ عيونا كان يستعين بها على البصر.. وتداولنا أفانين العداوات واحتال بعصنا لإفشال الحلم لأنّ اللعب الجديد لم يواته.. وبدل أن نقف أمام المرآة لننظر في عيوبنا ونراجع أفكارَنا وننقد أداءنا ونتنافس في خدمة الوطن كسرناها وولّينا الأدبار بحثا عمّا تبقّى من معاول الاستبداد ليضرب بعضنا بعضا…

•••

وكان الكذب على المخالفين من تلك المعاول المستعادة.. يكذب بعضنا على بعض لتشويهه من أجل سحقه.. كذلك ارتأى أن يفعل خصوم النهضة بها.. لمّا عجزوا عن مطاولتها لدى الشعب ولاحظوا فقر ما تأتي به صناديقهم استنفروا الأكاذيب أسلحةً لمغالبتها.. فلا شيؤ غير الأكاذيب يعينهم في السباق…

•••

يظنّ هؤلاء أنّ الأخلاق هي الرصيد الأوفر لدى منتسبي النهضة من بين جملة أرصدتهم بمقتضى مرجعيتهم الدينية التي تمنعهم من الكذب والسرقة ومن جميع أشكال الغش التي إن نجحوا في الانتفاع بها في الحياة لن يفلتوا من العقاب عليها في ما بعدها.. وإذن فقد أرادوا سَلْبَهُمْ ذاك الرصيد بالكذب عليهم.. متناسين درسا تعلّموه أطفالًا: حبل الكذب قصير..
الكذبُ وما أدراك ما الكذب..
واشتغلت ما كينة لا تتوقّف عن الدوران…
هذا القيادي بنى مصحّة بالكاف..
وذلك انتهب أرضا من جهة لا يعلمها أحد غير وُضّاع الأخبار اختصاص إنتاج العنب الأحمر..
وثالث استولى على “يخت” يكتريه للسياح عبر بحار العالَم..
ورابع اقتنى محطّة بنزين وهو في طريقه إلى حفر بئر بترول في فينزويلّا ليتحكّم في أسعار النفط العالميّة.. والدليل على ذلك أزمة البنزين في بعض جهات الجنوب التونسيّ… وخامس.. وسادس.. وسابع.. وثامن.. إلى آخرهم… فكُلّهم سواسية كأسنان المشط في السرقة.. كأنّهم أبناء لصٍّ…
ويروج من الأخبار ما يفيد أنّ كلّ عناصر النهضة باعوا تاريخهم النضاليّ ومُدَّخَراتهم من الأخلاق وقبضوا تعويضات خرافيّة لمّا استولوا على الحكم الذي بلغوه عبر الانتخابات سنة 2011…

•••

وُضَّاعُ الأخبار هؤلاء يكذبون كذبا مفضوحا لأنّهم يحتقرون الناس لاعتقادهم في وعيهم البقريّ.. فيدفعون إليهم بأخبار من قبيل ذاك العلف الرديء.. كأنهم أبقار مِن سَقْطِ المتاع.. وهم إنّما يحتقرون الناس لأنهم لا يعرفونهم ولا يختلطون بهم.. يتنزّلون عليهم بأكاذيب تعكس استعلاءً فجًّا كما لو كانوا يصدرون عن قناعة راسخة بأنّ هؤلاء الناس لا عقول لهم ولا مشاعر لديهم.. وقصارى ما ينفعلون به أن يصدّقوا ما يسمعون…

•••

ولكنّ هؤلاء هم الأغبياء في الحقيقة.. ومن فرط غبائهم فهم يحصدون من حقولهم في بيدر النهضة التي لولاهم ما كان لها مثل هذا الحضور…
النهضة حزب سياسيّ متوسّط الأداء محدود القدرة على الإقناع.. كثير من قادته ينتمون إلى الماضي قد استهلكتهم المحنة و أفرغتهم من الكفايات..
ولكنّه حزب محظوظ.. رُزق خصوما حمقى ينصرونه بالكذب عليه..
يحملون أسلحة تُطلق للخلف ويرقصون مثل الدِّبَبَة…

أفيقوا من الغفوة يرحمكم الله

عادل السمعلي

متخرج من معهد دراسات تصرف واقتصاد وتجارة ومهتم منذ شبابي المبكر بالمسالة الاجتماعية والاقتصادية واستغل بالقطاع البنكي منذ أكثر من ربع قرن والحمد لله وهبني الله قلما قادرا على إنتاج المعنى قررت أن اهبه لوطني ولاهلي قدر المستطاع من الفقراء والممحوقين والمظلومين والمعذبين في الأرض، سامحوني سأمارس بعض من الذاتية والغرور.

أعتقد أني إستوعب أكثر أسباب إنهيار الدينار التونسي، أفهم أكثر ضعف النسيج الاقتصادي منذ الاستقلال، ادعي أني أعرف نقاط قوة الإقتصاد ونقاط ضعفه، أتهم نفسي وبدون غرور أني قادر على الإضافة وعلى تصور الحلول الممكنة لإنقاذ البلاد من الإنهيار ولكني للأسف أجد نفسي أتحدث بطريقة لاشعورية عن كذب الإعلام ونفاق السياسيين وانتهازية المثقفين وأكتب منشورات عن الشذوذ الجنسي واللواط والسحاق وأجادل في مساواة مفترضة بين الرجل والمرأة لم تتحقق بين الرجل والرجل ولا بين المرأة والمرأة وأحتج عن انقطاع الكهرباء والماء الصالح للشراب وأتجاذب النقاش حول تأخر صرف أجور المتقاعدين، يجد المرء نفسه رغما عنه تائها بعيدا عن (الخزمة). وفي تلك الأثناء يتواصل الانهيار المالي والاقتصادي للدولة والانهيار القيمي والروحي والنفسي للأفراد.

وأما المافيات فقد بلغت مراتب متقدمة من النهب والسلب، البارحة في أحد المطاعم الفاخرة كانت فاتورة العشاء تقارب 5 ملايين تم دفعها بشيك بنكي مع إضافة 1 مليون (بوربوار)، فاتورة عشاء عادية وأسبوعية تقرييا لنساء ورجال في حين يقبع نساء ورجال آخرين في مكان آخر من الوطن بدون ان يجدوا ما يكفي لسداد فاتورة ماء أو كهرباء، بدون كبش العيد بدون إمكانيات كافية لاقتناء الأدوات المدرسية للأبناء بدون الحد الأدنى من العيش الكريم.

لم تكن أبدا المعركة بين الرجال والنساء… لافتتاك حقوق جندرية موهومة بقدر ما هو صراع أزلي ودائم بين رجال ونسائهم من طبقة السراق ورجال ونسائهم من طبقة المسروقين، انها معركة ضد اللصوص بامتياز سواء كانوا رجالا أو نساءا، لصوص المال المسروق ولصوص الوعي المسلوب، لا أحد يدافع عن المرأة ولا أحد يدافع عن الرجل، يدافعون فقط عن أرصدتهم البنكية في تونس وفي الخارج ويدافعون عن أملاكهم وعقاراتهم في تونس وفي باريس. في تونس أربعة عائلات فقط يملكون ثلاثة أرباع الثروة ويورثونها لأبنائهم الإناث والذكور في حلقة دائرية ولديهم ما يكفي من الخبث والمكر وقوة الشر ليجعلونكم تتقاتلون على نوعية جنس الملائكة وعلى من هو الأول خلقا الدجاجة أم البيضة.

يا نساء تونس ورجالها أفيقوا من الغفوة يرحمكم الله.

“سي فلان”

عبد اللطيف علوي

كلّ رجال القرية ونسائها يقولون إنه أحسن معلّم في المدرسة على الإطلاق، وربّما هو أحسن معلّم في كلّ الدّنيا الّتي لم يكن أحد يعتقد أنّها تتجاوز حدود القرية بكثير، لم يعد أحد يقول ذلك أصلا ولا يسأل عنه، فقد نال “سي فلان” ذلك اللّقب منذ زمن بعيد، ولم يعد موضوعا للنّقاش أو التّذكير. 
هو قديم قِدَم المدرسة نفسها، وقد درّس كلّ من أعرفهم تقريبا في السّنة السّادسة، درّسهم “السّوري”، بالعصا والفلقة وسلخ جلودهم واحدا واحدا وعلّقهم أمام الجميع ونزع سراويلهم في عزّ الصّقيع والبرد، برد العزارى واللّيالي السّود الّتي لم تكن أيّامها أقلّ منها سوادا. 

“سي فلان” رجل مستطيل الشّكل، طويل كعملاق وعريض من جهة الكتفين، يمدّ خطواته حين يمشي كأنّه يسابق ظلّه، أو كأنّه على موعد على وليمة تعذيب في مكان مّا.
كلّ عجائز القرية وشيوخها يوقّرونه توقيرا يقارب التّقديس ويحترمون عصاه أكثر من إمام الجامع، فهي بالنّسبة إليهم من جعلت الرّجال رجالا والنّساء نساء، وقد أجمعوا جميعا أنّه أكثر من معلّم وأقلّ من إله بقليل، لأنّه يكمّل ما نقص في خلق الله حين يحفّظهم لغة “الرّواما” فيميل ألسنتهم ويطرّيها ويحفّظهم “الأوكسيليارين” ويجري الله الحكمة على يديه.
كانت حياة تلميذة منبوذة من طرف الجميع، هم يقولون إنّ رائحتها كريهة جدّا، بعضهم ينعتها بالثّعلب، ربّما لأنّهم يعتقدون أنّها تتبوّل في فراشها ولا تغيّر ملابسها، لا أعتقد أنّهم قد أخطؤوا كثيرا في ذلك، لكنّني ربّما أشفقت عليها إلى الحدّ الّذي جعلني لا أشمّ رائحتها الّتي يتحدّثون عنها، وأجالسها في كلّ الحصص، وأستحي كثيرا أن أرفض لها أيّ طلب مهما كان. لم يكن لديها شيء من الأدوات المدرسيّة، كانت يتيمة الأمّ وقد تزوّج والدها امرأة أخرى أرملة هي أيضا، وأوكل إليها أمر البنت تربّيها وتشكمها، فلم تكن تريدها أن تستمرّ في الدّراسة، ولم يكن أحد يهتمّ بما حفظت أو نسيت، بما فهمت أو لم تفهم. لكنّها رغم ذلك ظلّت تحمل مخلاتها وتقصد المدرسة كلّ يوم شبه حافية، بنفس الملابس المرقّعة الّتي لا تتغيّر على مدار العام.
في ذلك اليوم كان علينا أن نعرض على “سي فلان” مقطوعة Le Laboureur et ses Enfants، وكان معروفا أنّه عند “سي فلان”، بإمكانك أن تخطئ في القرآن قدر ما تشاء، وأن تزيد فيه أو تنقص، وإذا شئت أن تأتي بقرآنك الخاصّ فلا مانع على الإطلاق، أمّا أن تتعثّر في كلمة واحدة أو حرف من حروف الـ récitations فذاك أمر دونه السّلخ والجلد وشدّ الأذنين حتّى تدميا…
اهتزّت “حياة” حين أمرها بصوته المجلجل أن تخرج إلى السّبّورة، خرجت تجرّ في رجليها أطنانا من الرّصاص، وكان سروالها الأحمر قد اسودّ تقريبا لكثرة ما حمل من هموم الطّريق، ومعطفها الكبير يشبه معاطف الجنود القديمة المتروكة في الخنادق لسنوات، طويل ومهترئ، ويداه الواسعتان تتدلّيان أبعد بكثير من يديها القصيرتين، نظر إليها نظرته القاتلة فأصبحت مثل شبح ميّت، لم تبق في وجهها قطرة دم واحدة. شعرت بها تحاول أن تبتلع ريقها فلا تجده، وهمّت بأن تعرض ما حفظت، فلم تجد في سلّة الذّاكرة شيئا…
صرخ وهو يضرب بقبضة يده على الطّاولة حتّى يرتجّ القسم:
– انطقي يا قحبة! ما حفظتيش؟
غام وجهها وتلوّن بقتامة زرقاء، ثمّ أطبقت شفتيها فجأة وضمّت ساقيها المختلجتين، وشخصت بعينيها في الجدار المقابل، نظرت إلى أسفلها فرأيت المصطبة الخشبيّة تتبلّل، وهي جامدة كتمثال من البرونز…
اندفع “سي فلان” كمن أصابته صاعقة من السّماء:
– وتبولين علينا أيضا يا بنت الكلب؟
وعلى الفور أمر أضخم التّلاميذ جثّة، عبد المجيد وخليفة، فعلّقاها ورفعا رجليها، بانت بقعة البول كبيرة ودائريّة في سروالها وبان من ثقوبه ما تحته من خرق أخرى كثيرة فتغامز البعض وتضاحكوا سرّا مستغلّين فرصة انشغال المعلّم بتحضير الذّبيحة، نزعا عنها “البوط” فإذا بقدميها زرقاوان متيبّستان، وراح يصفعهما بالعصا وهو يجعجع ورغاؤه يتطاير… وانتظرت أن أسمع صراخها، فلم أسمع… ظلّ قلبي ينخلع كلّما هوت العصا على رجليها وارتفعت، لكنّها لم تهمس بحرف ولم تصرخ ولم تتوجّع… ظلّت صامتة تتلقّى الضّربات على ساقيها ووجهها بارد كسجن مقفل.
في اليوم الموالي بقي مقعدها فارغا، لم ينتبه أحد لغيابها…
سألني معلّم العربيّة: “من يجلس إلى جانبك؟ فأجبته “حياة سيدي… غايبة!”
مرّ ذلك الأسبوع، ولم يعد أحد يسأل عنها، كان ذلك المشهد، آخر ما علق منها في ذاكرة ذلك الجيل…
وكان على الحياة أن تستمرّ،… بلا “حياة”.
#عبد_اللطيف_علوي

آخر الوصايا …

الخال عمار جماعي

بعد عشر سنين -يا ضناي- سوف تقف أمام صندوق الاقتراع لتختار من ينوبك، فتمهّل قليلا.. فلي حديث أسرّك به..

بعد عشر عجاف سوف يمّحي الجشع النّدائي وزوائد الأحزاب الطّامعة وجوقة الاستثمار في الخيبة وليلى طوبال ولطفي العماري ومحمد بوغلاب ومريم بالقاضي ولفيف “نبكي عليك يا تونس” و “شكون قتل لطفي نقّض” و “شكون سفّر الارهابيين”.. سوف ينقطع حبل الكذب بهم جميعا وتتركهم الأيادي القذرة التي تحرّكهم. فقد أدّوا أدوارهم.. و فشلوا !
بعد عشرٍ، لن تستفيق على ناعقي الاذاعات تحبط عزمك وتخيّب أملك وتسفّه حلمك وتدفعك لصفع وجهك لأنّك أنجزت ثورة.. بلى، قل لهم: أنجزنا ثورة بحجم إرادة “إذا الشعب يوما” وتفايض دم الشهداء ليعطّر البلد.. وجرحى يشهدون على رصاصهم وهراواتهم وكلابهم !.. قل لهم أبي قال ذلك وما كذب عليّ قطّ !!
بعد عشرٍ قادمة، لن تجد في صحائفهم إلاّ الخيانات والتعذيب وسلخ الجلود.. فاشهد يا ولد، أنّ ضحاياهم قد بكوا وحدهم في الزنازين المظلمة طويلا، قبل أن تبكينا شهاداتهم حين تكلّموا ! وأنّ بعضهم لا زال في “خرسانة على جسر مجهول”.. قلّ لهم -كما قال عن جدّك زعيمهم- إنّكم الآن “هباء من البشر” ولم ننتقم فأيادينا ستظلّ طاهرة.. وفي الله المرتجى !!
بعد هذه العشر، وانت ذاهب للانتخاب.. تمهّل -يا أملي ورجائي- قليلا.. فلي قول فأسمعه..
ربّيتك لزمنك ذاك وأوصاني جدّك أن أغرس فيك الصّدق وأما الباقي فستتعلّمه وحدك وكان له أمل رؤيتك على فرسه ليموت قرير العين.. ولقد فعلت. فلا يريبنّك في أهلك شيئ فأنت من قرية في الجنوب عظيمة في الفصاحة، مجيدة في الشهادة، لا يتركون صاحبهم ولو ذهبوا دونه..!
لعلّني يا قرّة عين أبيك، لم اترك لك ما تفخر به لكنّي لم أورثك ما تخجل منه..!

بعد هذه العشرة الباقية ستكبر يا ولدي وتقرأ كتبا فاختر من أردت بعد ذلك.. لكن ضع ورقتك في صندوق الثّورة التي أبكت شعبك بأكمله.. ليلة 14 جانفي.

تستطيع بعد هذا أن تدخل الخلوة..

“الخال”

عطلة مطوّلة في الأعياد الدينية

عبد اللّطيف درباله

متى نرى حزبا سياسيّا في تونس يضع في برنامجه الإنتخابي.. وعدا بإقرار عطلة عيد الإضحى بخمسة أيّام.. وعطلة عيد الفطر بثلاثة أيّام.. مثلا.. وعلى الأقلّ..؟؟!!

فمن جهة أولى يحتاج التونسيّون وقتا كافيا ومريحا للإحتفال بأعيادهم الدينيّة.. بما يقوّي أيضا الجانب الروحاني والعائلي والاجتماعي لديهم..
كما يريحهم جسديّا ومعنويّا.. خاصّة وأنّ نسبة كبيرة منهم يضطرّون للتنقّل بين مدينة إقامتهم وبين مسقط رأسهم..
ومن جهة ثانية فإنّ إقرار عطلة معقولة بالأعياد الدينيّة هو منشّط للإقتصاد عبر دفع حركةالإستهلاك بقطاعات واسعة مثل التجارة والسياحة الداخليّة والترفيه والخدمات والنقل ونحوه.. وبالتالي فله فوائد اقتصاديّة وماليّة كبيرة..

وسبق أن شرحت في مقالات سابقة كيف أنّ البلدان الغربيّة نفسها تقرّ عطلات دينيّة مريحة لمواطنيها.. وقد تحوّلت أعيادهم الدينيّة إلى مواسم تجاريّة واقتصاديّة نشطة.. مثل أعياد الميلاد آخر السنة بأوروبّا وأمريكا وكندا وأستراليا وغيرها.. 

الحزب السياسي الذي سيضيف هذه النقطة إلى برنامجه السياسيّ الإنتخابيّ.. لن يُظْهِرَ فقط تصالحه مع الدين.. وتناغمه مع ميولاتهم ورغبات الغالبيّة العظمى من الشعب التونسي.. ولكنّه سيُظْهِرُ أنّه صاحب رؤية اقتصاديّة تقطع مع النظرة القديمة في تونس بكون الأعياد الدينيّة “عالة” على الإقتصاد ومجرّد “خسارة أيّام عمل”.. ليرتقي في المقابل إلى نظرة إستشرافيّة جديدة أعمق وأوسع.. حيث الأعياد الدينيّة هي ممارسة روحانيّة في نفس الوقت الذي تشكّل فيه أيضا مواسم تجاريّة بامتياز.. وذلك من عصور ما قبل الميلاد.. إلى اليوم..

لعلّ أفضل مثال على ذلك هو أنّ عطلتي عيدي الفطر والإضحى المطوّلة تحوّلت إلى بعض أفضل المواسم التجاريّة على الإطلاق في بلدان الخليج ومنها مدينة دبيّ.. والتي تشهد جميعها حركة تسوّق إستثنائيّة وسياحة داخليّة وخارجيّة.. وإقبال مكثّف على المطاعم والمقاهي والملاهي ومدن الألعاب..
وكذلك مصر.. والتي تعدّ فترتي عيدي الفطر والإضحى فيها ومنذ سنوات هي أفضل مواسم لعرض الأفلام السينمائية الجديدة.. والألبومات الغنائيّة والحفلات.. بما أصبحت معه الأعياد مواسم فنيّة بامتياز.. علاوة على الحركة التجاريّة والسياحيّة والترفيهيّة الأخرى المذكورة آنفا..
وتركيا أيضا اعتمدت في السنوات الأخيرة عطلة مطوّلة في الأعياد أعطت دفعا رهيبا للسياحة الداخليّة وقطاع الترفيه عموما..

يعني كلّ ذلك بالتأكيد أنّ سياسة إعتماد عطلات الأعياد الدينيّة المطوّلة في البلدان الإسلاميّة.. قد أعطت ثمارا إقتصاديّة إستثنائيّة تفوق بكثير الحرص على التشبّث الأجوف والعقيم بمجرّد أيّام عمل إضافيّة عاديّة.. وتعطي دفعة هائلة للقطاع الخاصّ.. وتنتج واقعيّا وبالتجربة مداخيل ماليّة إضافيّة مجزية لخزينة الدولة تتأتّى أساسا من الضرائب غير المباشرة مثل الأداء على القيمة المضافة على السلع والخدمات.. والضرائب المباشرة المقتطعة على أرباح الشركات والتجّار..
فمن سيملك الجرأة لإصدار الوعد الإنتخابي.. وتحقيقه إن وصل إلى الحكم..؟!!

بإمكانك التعبير عن رأيك في الموضوع بالتصويت على سبر الآراء عبر هذا الرابط: