شباب الثورة أقرب لبورقيبة من عجوز قرطاج

أبو يعرب المرزوقي

ادعت واحدة من لجنة التسعة أنها قد اكتشفت أن الشعب عنصري ومعاد للمثقفين و”البلدية” أهل المدن والحضارة.
ودون أن أحتاج لدليل، لأن مجرد سماعها كاف هي من بين الذين لم تفتح كتابا لتقرأه كاملا، ربما حتى في مرحلة الدراسة، ومع ذلك تتكلم على المثقفين في تونس.
وكلنا يعلم ثقافة التسعة ما هي.

وواضح أنها وجماعتها يردون على وصفنا لهم بكونهم يواصلون مهمة التحضير الإستعماري لمن يعتبرونهم أنديجان.
وفي ردها اعتراف بهذا الوصف: ذلك أنها اكتفت بالقول إن من يرفض مشروعهم التحديثي الفوقي والعنيف بقوة الإستبداد وحماته من السفارات هم “الشعب المتخلف” أي “الأنديجان”.
وسبق لها وللكثير من جنسها القول إن الشعب ما يزال متخلفا ولا يفهم ضرورة ما يحاولون تقديمه له حتى يكون حداثيا مثلهم.
والكثير من هذا النوع ينتظر بفارغ الصبر “البيان عدد 1” بل هم صاغوا نظيرا له حتى وإن كان عديم الأظافر والمخالب لأنهم لم يستطيعوا إغراء أجهزة القوة في الدولة بذلك.
والآن كلنا يفهم علة ما حصل لهم لما عزل من كانوا يتصورونه بن علي ثانيا.
فكانت ردود أفعالهم كافية لإضفاء المصداقية على فكرة إعداد الإنقلاب حتى لو لم يكن ذلك صحيحا.
فما كان يبدو مجرد إشاعة لم يكن من فراغ، لأن ردود فعلهم تفيد الشعور لديهم بسقوط أمل كانوا ينتظرونه بصبر فارغ.
فإذا طبقنا عليها وعلى الثمانية الباقين تحليلها لموقف الشعب منهم، فسنقول إنهم ممن يأنف من الإنتساب إليه رغم أنهم من أدنى درجاته الإجتماعية إذا قبلنا بالتصنيف الذي قدمته، وأنهم من ثم يحاولون المباهاة بالثقافة والإنتساب إلى البلدية والمتحضرين بمركّب نقص جعلهم “يخرجون من جلدتهم”.
ولأنهم “أميون” يجهلون مزايا “جلدتهم”، فهم يرتدون جلدة تجعلهم يفقدون مشيتهم دون تعلم مشية من يحاكون.
فجميعهم بمنطقها من “الأقعار” بمعنى أن موقف السبسي منهم -وهو لا يقل عنهم تقوعيرا- كما ورد في تعبيراته عن الـ”خلق” و”الزنوس” عندما كان يعرض بالمرزوقي حطا من مهابة الدولة وتشجيعا للفوضى.

ولعل أكبر علامة على أمية اللجنة التي تدعي تبني آخر صيحة في الحداثة والقطع بين المدني والديني، هي أنهم من حيث لا يعلمون، أرجعوا التعدد بصورة رسمية:
ذلك أنه إذا ألغوا مفهوم الزنا وأعطوا لأبنائه حق الإسم والإرث، فإن أمه -ولعل تلك هي علة حرصهم- ستكون زوجة ثانية وإن بدون صداق.
ويمكن لهذه الزوجة غير الشرعية بنظام المجلة الحالي، أن تستفيد من النظامين:
نظام التسعة الأغبياء الثوري، لأن الزوج يمكنه أن يوصي لها إستفادة من نظام الفرائض الإسلامي، فترث بالوصية أكثر من الزوجة الشرعية، ويرث إبنها مثل إخوته منها بمقتضى النظام الجديد.

وبهذا المعنى، لم يحقق هؤلاء الخبراء خارقو الذكاء المساواة بين الأخ والأخت، بل المساواة بين الزواج الشرعي في المجلة الحالية والزواج العرفي في المجلة الجديدة، مع تقديم الثاني على الأول لأن الثاني عادة يعبر عن ابتعاد عن الأول، أو تفضيل للعشيقة على الزوجة، وطبعا فهي ستحرص على الوصية.

لم أكن بحاجة لبيان غباء الجماعة لأكثر من هذا.
ولست أدري كيف يمكن للنساء “القافزات” أن يقبلن بمثل هذا الحل من دون أن يطالبن بإزالة العقد في الزواج فيجمعن بين منزلة المعشوقة وحقوق الزوجة دون المشقة والحرمان التي تترتب على التعاقد في الزواج الشرعي.
ولعل هذا هو الدافع الأساسي لعانسات المشروع.

لذلك فأنا لم أكن مازحا عندما قلت إن الرئيس أراد أن يتم إصلاح بورقيبة فأتمه بمعنى أنهاه وقضى عليه وليس بمعنى أبلغه تمه.
فمن حيث لا يدري هو و”نوابغ” خبرائه، أعادوا التعدد وإن “في الحرام” بلغة الشعب الذي يحتقرونه، فيتصورون دفاعه عن قيمه دليل تخلف وعنصرية ضد “مثقفة” لعلها لم تقرأ كتابا في حياتها.
أما مثقفهم الكبير فلا حاجة للمزيد في بيان أميته.
سبق أن كتبت في الأمر. وقرأت أخيرا لسيدة ما يغني.
فقد بينت فيه بأدلة دامغة أنه “Sot” و”Obtus” وبالمصري “ما يجمعش” لجهله بكل ما يتكلم فيه.
فمن كان أكبر مفكريه مثله يكون آخر من يحق له الكلام على الثقافة عامة، فضلا عن الحديثة.

وأما “فقيههم” فقد سمعته “يتجلطم” في الفلسفة مادحا توما الاكويني وهاجيا الغزالي في بيت الحكمة في إحدى ندوات حوار الأديان، فعلمت أن الرجل ليس جاهلا فحسب، بل هو من أكبر الأدعياء.
وصادف مرة أن تجاذبنا أطراف الحديث على هامش كتابة الدستور، فوجدته لا علاقة له بفلسفة القانون والدساتير.

والبقية هم دون شك دون هذين منزلة، بمعنى أنه يمكن القول بأن الفريق خبراء في البندير أو الطبل وليس في إصلاح أنظمة قيام الجماعات بمستوياته الخمسة:
• إرادة الشعب
• ومعرفة الشعب بذاته
• وقدرته على تحديد مصيره
• وذوقه الوجودي
• ورؤيته لمنزلته الحضارية في تاريخ الإنسانية:
يريدون استتباعه لسيدهم.
وكانوا يتصورون أن المعركة ستكون بينهم ممثلين للحداثة وبين الإسلاميين ممثلين لما يعتبرونه ظلامية، فإذا بهم يكتشفون أن الشباب الذي ثار بجنسيه فهم مشروعهم على أنه مواصلة للاستتباع، وأنهم ليسوا مثقفين ولا خبراء، بل مجرد كتبة لا يتجاوز دورهم ترجمة مشروعٍ، الرئيسُ دميةُ فرضه على الشعب.

تصريح هذه الجاهلة التي تدعي الثقافة وتتهم الشعب بالأمية والعنصرية ضد البلدية، دليل على أنهم فهموا من يعارضهم:
ليس الإسلاميين أو حركة النهضة، بل الشعب الذي يوجهون إليه هذه التهم الدالة على أنهم لا يختلفون عمن يهدمون ثروة الشعب لصالح المستعمر، وهم يريدون تهديم تراثه لنفس الغرض.
فيكون لدينا نوعان من المرتزقة لدى المستعمر والسفارات:
• مرتزقة ينهبون ثروة الشعب لتفقيره ماديا.
• مرتزقة ينهبون تراث الشعب لتفقيره روحيا.
والشباب الذي ثار بجنسيه فهم اللعبة ولم يعد قابلا للاستدراج إلى معركة هوية دينية خاصة بالإسلاميين وليست هوية حضارية هي أساس وحدة تونس.
فحتى لو اقتصر الأمر على التراث المادي بكل طبقاته التي ترسبت خلال تاريخ تونس من العهد القرطاجني إلى عهد الحرية والكرامة، يوجد تراث صار الجميع يعتبره مقوما لهوية مشتركة كلنا يفاخر بها:
• فنحن نفاخر بالندية مع روما،
• ونفاخر بمؤسس المسيحية الأعمق،
• ونفاخر بالقيروان،
• ونفاخر بالثورة التحريرية.
لكننا لا ننسى أن تونس فيها مثل الجزائر “حركيون”، وأن أحفادهم هم من يريد أن يلغي هذا التاريخ المشترك الذي يفاخر به التونسيون والذي استقر في الغاية في لون حضاري هو الحضارة العربية الإسلامية التي استوعبت كل ما تقدم عليها (فلسفة اليونان والأديان المنزلة) فكونت توليفة فريدة النوع.

ولأختم بما أعنيه بهؤلاء الحركيين بوعي منهم أو بغير وعي:
فعندما تسمع زعيمهم ومثقفهم يدعي أنه مع إحدى طالباته أنهى “خرافة” ابن خلدون، فاعلم أن ولاءه ليس لفكره الذي لم يفهم منه شيئا، بل لما يحيط به في شارع الثورة الذي لا يتنافى اسمه مع نسبته إلى بورقيبة، فالشباب أقرب إليه من عجوز قرطاج.

البلدية المثقفين والفقراء الجهلة

أحمد الغيلوفي

“إن السياسة المُعتمِدة على العائلات القديمة مكنت فرنسا من السيطرة على البلاد، لكن ذلك لم يمنع من بروز نخب جديدة تحمل مشروعا وطنيا “Henri de Montety “enquête sur les vielles familles et les nouvelles élites.

الكاتب هو الرجل الذي بعثته فرنسا لإضعاف الحركة الوطنية وتقسيمها في الثلاثينات. لماذا انفجر الحزب الحر الدستوري الي الديوان سياسي ولجنة تنفيذية؟ لأن اللجنة التنفيذية يسيطر عليها “البلدية” والأثرياء المربوطين بفرنسا (العائلات القديمة) والديوان السياسي يسيطر عليه أبناء المهمشين والآفاقيين (الحبيب بورقيبة، صالح بن يوسف، سليمان بن سليمان، لزهر الشرايطي، محمد الماطري، جلول فارس..). كانت اللجنة التنفيذية تريد بقاء نظام الحماية، والفريق الثاني كان يطالب بالإستقلال. أصبح هناك حزبين: الدستوري القديم (الأثرياء والمثقفين) وهم مع فرنسا ودستوري جديد مع الإستقلال.

يقول بيروطون (المقيم العام) “وفي مثل هذه الحال بدى لي أن أترك الدستوريون يتناحرون فيما بينهم.. وآثر لقاءات مع ممثلي الحزب القديم وعدتهم بالدعم والإعتراف بهم بصورة رسمية”.

لماذا إختلفا في مسألة الإستقلال؟ نفس الميكانيزم الذي يُفسر لنا اليوم الإختلاف حول الثورة: كان الساحل منكوبا: وقع افتكاك كل الأراضي الخصبة وسُلمت للمعمرين، وكان الوسط والجنوب الغربي على غاية من الفقر وكان الجنوب منطقه عسكرية (يعيش الناس على الهطاية) كان خلاصهم في نظام جديد. الفريق الآخر كان مستفيدا من الحماية. يقول André charls julien مفسرا هذا الإنقسام: “إن أعضاء الدستور الجديد في غالبيتهم من الطبقة الوسطى، نشأوا في دواخل البلاد وعرفوا بدايات صعبة في حياتهم، يسكنهم كره تجاه البرجوازية والارستقراطية بمدينة العاصمة”. بورقيبةه لم يكن من الأثرياء ولا من المثقفين ولا من البلدية. كان مكروها من طرفهم، وكان يبادلهم نفس الشعور. طرده لسبسي لم يكن صدفة.

العنصرية لا تنتج إصلاحا

نور الدين الغيلوفي

قراءة في خطاب رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة

قالت رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة السيدة بشرى بلحاج حميدة
“إن ردود أفعال بعض التونسيين تجاه تقرير اللجنة كشفت حقدا طبقيا تجاه متساكني المدينة والأثرياء والطبقة المثقفة” (…) إنّ هنالك فئة اجتماعية في تونس “لا تشترك مع باقي التونسيين في الإرث المدني والتصور المجتمعي (…) إن هناك فوارق في مستوى الإدراك الذهني بين التونسين، الشئ الذي جعل التقرير يلقى رفض البعض (…) إن أعضاء اللجنة كانوا يتوقعون ردود فعل عنيفة تجاه مضمون التقرير”.

•••

لست معنيا في هذا المقام بالحديث عن مضامين تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. ولكنّني أكتب هذه التدوينة تعليقا على خطاب رئيسة اللجنة التي تمعن في الخطإ، كلّما أدلت بتصريح، غباء أو استغباءً.. إذ كان عليها بعد أن أتمّت مهمّتها التي كُلِّفَتْ بها أن تلتزم صمتها وأن تنتظر مآل التقرير وقد صار بين يدي رئيس الجمهورية ليحسم في أمره البرلمانُ من بعده.. فلماذا تصرّ هي على إضرام المعارك في كلّ مناسبة وهي المحامية العارفة بالقانون النائبة المسؤولة أمام الشعب في البرلمان؟.. أليس من واجب المسؤول التحفُّظُ؟.

•••

نعود إلى تصريح السيدة الرئيسة المحامية النائبة..
هل يصلح أن يصدر مثلُ هذا الخطاب عن رئيسة لجنة وطنية تستهدف إصلاح المجتمع والرقيّ بتشريعاته إلى مستويات البلاد المتقدّمة؟
لا يبدو ذلك..
مثلما كانت السيدة رئيسة اللجنة صريحة في تعبيرها عن انفعالاتها بخطاب التوديع الذي ألقاه المخلوع ليلة 13 جانفي 2011 واختارت اللغة الفرنسية كي تعبّر عن وجعها آنذاك، كانت واضحة في تصريحها الأخير بين يدي ندوة أقامها حزب المسار (!) في شأن تقرير الحريات الفردية والمساواة.. لن نحتاج إلى تأويل نقرأ به مضمَرات خطابها وسنكتفي من القراءة بالمعجم الذي استعملته السيدة الرئيسة.. وهو معجم بعيد عن جميع مفاهيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان… لقد جاء خطابها مفعَمًا بعنصرية فجّة وتقسيم للمواطنين خطير وتمييز بينهم مخيف.. وفي ذلك تناقض مع جميع معاني الحريات والحقوق ومع ما يُعرَف من مقاصد الإصلاح.. إذ هي تقسّم التونسيين إلى عنصرين:

 عنصر الأغيار.. و عبّرت عنه بــــــــ:
بعض التونسيين… فئة اجتماعية… البعض… وهي تسميات، رغم ما فيها من اعتراف بتونسيّة هذا الفصيل، فإنّها لا تخفي شحنة الاستهجان وروح الاحتقار اللّتين تصدر عنهما السيدة رئيسة اللجنة.. إنّ في كلامها تهوينا من هذا العنصر وتقليلا من شأنه، بل إدانة له لأنّه، في مواقفه إنّما يصدر، حسب فهمها، عن حقد طبقيّ لا غير… وهؤلاء الحاقدون لا يمثّلون قاعدة الشعب التونسي العريضة بل هم استثناء لا معنى له.. وليس من حقّ الاستثناء أن يرفض ما لا يراه مناسبا له.. وإن شاء الانخراط في “السياق الوطني” والدخول إلى المربّع الحداثي والالتحاق بركب المواطنة الكونيّة فما عليه إلّا الموافقة على كلّ ما جاء في تقرير اللجنة بدل رفضه.. والتسليم به بدل الاحتجاج عليه.. هذا العنصر يصلح به الانصياع وليس مطالبا بالاقتناع.. وذلك من مقتضيات الديمقراطية كما تفهمها السيدة الرئيسة التي لا ترى فائدة من استفتاء شعب لا يفهم شيئا.. شعب انتهت مهمّته عندما أوصلها هي وأمثالها إلى سدّة البرلمان لتمارس فعل الرجم عليه نكاية به…
أمَا كان للأستاذة أن تبحث في اقتراحات تزيل أسباب الحقد الطبقيّ بدل مزيد تكريسها بهذا الخطاب الفجّ؟

أمّا العنصر الثاني فشعب الله المختار.. وقد عبّرت عنه السيدة رئيسة اللجنة بـ:
متساكني المدينة… باقي التونسيين.. الأثرياء… الطبقة المثقّفة.. في ربط سمج بين الأثرياء والمثقَّين الذين جعلت منهم طبقة متميّزة قرينة الثراء المادي وهم سكّان المدينة وتعني بها الحاضرة دون سواها.. بل الشقّ المحظوظ من الحاضرة دون غيره…

•••

لقد أقامت السيدة رئيسة اللحنة جدارا عنصريا عازلا بين شعبين غير متساكنين ليست المواطنة أعدل الأمور قسمة بينهما… وبدل أن تتسلّح بالعقل تدافع به عن تقريرها بحجج مقنعة تستهدف بها البحث عمّا يوافق أفق انتظار الشعب التونسي بجميع أطيافه دون تفرقة.. بدل ذلك صدر عنها خطاب حربيّ لا يليق بامرأة تنتصر لقيم الأنوثة في مجتمع يُتَّهَمُ بكونه مجتمعا ذكوريا ظالما للنساء.. إنّ تغافلها عن المشترَك بين التونسيين وتأكيدها على ما تسميه “فوارق في مستوى الإدراك الذهني” سيدقّ إسفينا بين التونسيين ويؤجّج أحقادا مؤجّلة لن تجني البلاد منها، إن هي أُضْرِمَتْ، سوى الويلات.. لا يبدو أنّ السيدة رئيسة اللجنة تفهم معنى الديمقراطية ولا تقرّ بالاختلاف.. ولا تفسير لديها لاختلاف غيرها عنها سوى “فوارق في الإدراك الذهني” بين عنصرين أحدهما في أعلى عليّين بينما الثاني في أسفل السافلين.. إنّ كلّ من لا يوافقها رأيها ينتمي إلى “طبقة” غير مثقّفة مستوى إدراكها الذهني محدود وتحتاج من يرافقها للصعود !
إنّ مثل هذا الخطاب يفرّق ولا يجمع.. يهدم ولا يبني.. إنّه خطاب تحريضيّ غبيّ لا يساعد على تمرير التقرير بل يقطع عليه الطريق.. إنّ فيه تحريضا لطبقة الأثرياء ضدّ مجتمع الحاقدين وتحريضا للمستضعَفين ضدّ المتسبّبين في فقرهم باحتكار ثروات البلاد واستيلائهم على مختلف المرافق دونهم.. وقد عيّنت موضعهم الجغرافيَّ لهم، وما عليهم إلّا محاصرتهم في شعابهم واسترجاع البلاد منهم…

•••

أخيرا.. رسالة إلى السيدة رئيسة اللجنة..
إنّك بهذا الخطاب إنّما تقطعين الطريق على التقرير الذي أنجزته لجنتك وتضعين من ومن البلاد وهي في أشدّ الحاجة إلى زمنها لتعبر أزماتها بسلام…
لم ينس لك الناس انحيازك للدكتاتور ضدّهم ليلة 13 جانفي 2011.. وبدل أن تبدّلي جهة انحيازك وتقفي جنبَ الناس الذين انتخبوك نائبة لهم بمجلس نوّابهم، عسى أن يغفروا خذلانك إيّاهم عندما عبّرت عن تأثّرك المبالغ فيه بخطاب التوديع.. بدل ذلك انسقت وراء هوى عنصريّ قد يرضي غرورك ولكنّه لن يجعل لك بين شعبك مكانة.. ولست هنا أناقشك في مضامين التقرير لأنّني أؤمن بالاختلاف قاعدة للاجتماع…
إنّ شعبا خذلتِه على المنابر وهو يجمع جثث شهدائه عند الطرقات ووقفت جنبَ المستبدّين الفاسدين لن ينسى بسهولة صلفًا ركبك وأنت تحاججين لأجل تمرير تقرير وضعته لجنتك لا يعدو أن يكون اقتراحا عند من يفهم معنى الديمقراطية…

الترحّم على المبدعين

عبد القادر عبار

في ظاهرة الترحّم على المبدعين (حنّا مينا مثالا).. الرأي الآخر:

موت المبدعين أدباء وفنانين يجدّد في نفوس مريديهم جذوة العشق الصادق ويؤجج فيهم نخوة الهيام العذري بصورهم، والغرام بتراثهم وبصماتهم وآثارهم قديمها وحديثها.. مما يجعل مداد أقلامهم ينهمر بجميل الثناء عليهم ومدحهم والتعريف بخصالهم وميزاتهم.. كما قد تلهج القلوب بالترحّم عليهم.. وهذا من حقهم ولا يملك أحد تحجير ذلك عليهم.

ولكن مربط الفرس هنا هو في إشكالية الترحّم على من مات من هؤلاء المبدعين الذين اختاروا الإلحاد أو الشيوعية أو النصرانية.. ثم ماتوا عليها.. هل يجوز للمسلم المعجب بإبداع هؤلاء في إنتاجهم الروائي والقصصي والفني.. إذا كتب عنهم وتحدث عن قيمهم الفنية والأدبية أو ذكرهم بخير وحب.. أن يختم بالترحّم عليهم وطلب المغفرة لهم ؟ ليس هذا من باب تضييق ما وسّع الله.. ولكن من باب “أحبّ أن أفهم”.
الله سبحانه في قرآنه أمرنا أن لا نبخس الناس أشياءهم وأن نقول للناس حسنا، وتوعّد بالويل، المطففين في الكيل التجاري وفي موازين الرجال.. وهذا من سماحة الخُلق الإسلامي.. ولكن الله سبحانه في نفس قرآنه قد نهانا أن نستغفر لمن اختار الإلحاد ثم مات عليه أو عاش نصرانيا ومات عليها.. “مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ” أي ماتوا على خيار ما بيّن لهم أنه يؤدي إلى عذاب الله.

ما دفعني إلى هذه التدوينة (وقد ترددت طويلا في إخراجها ثم عزمت) هو ما قرأته من تعقيب البعض على إثر وفاة الأديب المبدع السوري “حنّا مينا” وتوقيعهم بـ”رحمه الله” و”الله يرحمه”.
مع العلم وأن الروائي المتوفَّى قد ترك في وصيته ما يمنع الوفيّ له من الترحّم عليه.. فهو زيادة على أنه عاش نصرانيا ومات نصرانيا بصرف النظر إن كان ممارسا لطقوسها وعقيدتها وملتزما أم لا.. فقد كتب معبرا عما يعتقده ويؤمن به في آخر وصيته لزوجته: “فلا يباع إلا بعد عودتها إلى العدم الذي خرجت هي، وخرجت أنا، منه، ثم عدنا إليه.”.. والقول بأن الموت عودة إلى العدم هو تعبير عن نفي البعث والحساب والآخرة.
ويبقى “حنّا مينا” مبدعا ومتألّقا فيما ترك من حصاد قلمه وفيما أخرج للناس من عصارة أفكاره.

حديث الجمعة: في الحكم الرّشيد

صالح التيزاوي

لمّا ولي عمر بن الخطّاب الخلافة جمع أهل بيته وأقرباءه وأخبرهم بأنّ من يرتكب منهم مخالفة ستكون عقوبته مضاعفة. أخبرهم بقراره وعزم على إنفاذه حتّى لا تتخذ قرابته مطيّة للجور على حقوق النّاس على عكس السّائد في زماننا هذا حيث نجد أكثر النّاس جرأة على الفساد هم القريبون من دوائر الحكم.

لم ينتظر عمر بن الخطّاب الفساد حتّى يطلّ برأسه ليعلن محاربته وإنّما أغلق مداخله التي يمكن أن ينفذ منها حماية لمصالح النّاس وبقي متوثّبا يبحث عمّا يمكن أن يكون شبهة فساد قبل أن يتفشّى في المجتمع ويتحوّل إلى ظاهرة… وذات يوم بينما كان يقوم بجولته اليوميّة يتفقّد أحوال شعبه مرّ بإبل سمان فسأل عن صاحبها فقيل له: “إنّها لابنك يا أمير المؤمنين”. سأله من أين اكتسبها فقال: “إنّها من حرّ مالي يا أمير المؤمنين”. فقال له: “إنّ إبلك إذا دخلت حمى قوم لم يجرؤوا على منعها وقالوا: هذه إبل ابن أمير المؤمنين دعوها ترعى حيث شاءت. وإذا قدمت مورد ماء قدّموها على غيرها في الشّرب… وهكذا تسمن إبلك
وتهزل إبل غيرك. ثمّ أمره ببيعها على أن يأخذ رأس ماله ويردّ ما زاد على رأس المال إلى بيت مال المسلمين.

تعلّم عمر بن الخطّاب في مدرسة النّبوّة أنّ العدل أساس الملك وانتظام العمران البشري وازدهار الحياة وشرط لإسعاد النّاس وإشعارهم بالأمن. وتعلّم أنّ الدّين ليس مجرّد إطلاق للّحية أو تقصير للثّوب وإنّما هو عدل ومساواة ببن البشر.

تروي كتب السّيرة أنّ قريشا أهمّها شأن المرأة المخزوميّة (نسبة إلى بني مخزوم) كانت قد سرقت فأرادت أن توسّط أسامة بن زيد (حبّ رسول اللّه) ليشفع لها عند الرّسول حتّى لا يطبّق عليها الحد فلمّا كلّم فيها رسول اللّه غضب صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: “أتشفع في حدّ من حدود اللّه؟” ثم خطب في النّاس: “إنّما أهلك النّاس قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق الضّعيف أقاموا عليه الحد، فو اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها”.

هذا المنهج النّبوي في العدل تمثّله أبو بكر الصّدّيق أوّل الخلفاء الرّاشدين يوم بويع بالخلافة فقال: “ألا إنّ أقواكم عندي الضّعيف حتًى آخذ الحقّ له وأضعفكم عندي القويّ حتّى آخذ منه”.
تعلّم الصّحابة من السّيرة النّبويّة أن العدل قيمة كبرى يرتقي إلى مستوى الفريضة، ولا ينبغي أن يتأثّر بالغنى والفقر، وأنّ من مقتضيات العدل: المساواة بين النّاس في تطبيق القانون. وفي عصرنا الحديث وبعد ثورة قامت على الظّلم يمرّر قانون “المصالحة الإداريّة” سيّء الذّكر للعفو عن لصوص وناهبي المال العام الذين تسبّبوا في تفقير شعب بأسره وإنهاك الدّولة وإثقال كاهلها بالدّيون.

حتى يعثر عليه أعوان الأمن صدفة بعد أربعين جريمة

كمال الشارني

السيد وزير الداخلية عنده من الأعوان المسلحين ضعفي ما لدى وزير الدفاع، ورغم ذلك يعتبر ديوانه أن “إيقاف شخص مطلوب في أكثر من أربعين منشور تفتيش في حملة أمنية عادية” إنجازا يستحق أن ينشر في وسائل الإعلام، وليس إخفاقا في منع الجريمة أولا، وفي إيقاف مقترفها عند الشكوى حتى إن اختبأ في “كرش حوتة” ثانيا.

لا يحتاج المواطن إلى ذلك الخبير الأمني المزيف في تلك القناة الكريهة لكي يعرف أن إفلات أي منحرف من الإيقاف الفوري والمحاكمة في الجريمة الأولى تشجيع له ولغيره من المنحرفين المعولين على الاستفراد بالمواطن في ظل ضعف الدولة، والدليل أنه “تمادى” في الإجرام حتى بلغ عدد المشتكين أربعين مواطنا من دافعي الضرائب المسالمين المعولين عبثا على الدولة في حمايتهم، دون اعتبار العدد المتصاعد من المواطنين الفاقدين لجدوى الشكوى، خصوصا حين يهدد المنحرف أبناءهم وزوجاتهم والمتضرر نفسه بالانتقام: “خلي البوليسية ينفعوك”، يقول لهم مهددا، حتى… حتى يعثر عليه أعوان الأمن صدفة في دورية عادية فيكتشفون: يا للصدفة أنه اقترف أكثر من أربعين جريمة بين سلب وضرب بالسكين والسيف وتحويل وجهة وسرقة عنيفة، أي، بعد ما اتخذنا، نشروا مقرون ؟

جيش النهضة وجيش فرنسا الذي لا يَكِل

أحمد الغيلوفي

قيًض الله للنهضة جيشا ليس من أبناءها يعمل ليل نهار ومجانا. لولا هذا الجيش لما استطاعت أن تتماسك بهذا الشكل وتخافظ على وحدتها. لولاه لما استطاعت حركة أُخرِجت بذلك الشكل في 2013 أن تعود وتكتسح البلديات.

إنه جيش الكذبوت: التافهون الذين يصدقون وينشرون أخبارا كاذبة لا تزيد إلا من تعاطف الناس مع النهضة: “يخت على العريض المليئ بقوارير الخمر..” “شارع بورقيبة الذي ستغير سعاد عبد الرحيم إسمه..”. يبدو أن جماعة النهضة تفطنوا لفوائد هذه الأكاذيب لذلك لا يلاحقون أصحابها قضائيا.

المشكلة هي: طالما هؤلاء الأغبياء موجودين ويصدقون بسهولة (لم يسأل واحد منهم نفسه يوما لماذا لم يقع تصوير لوحة ورقم اليخت حتى نتأكد عند المصالح المختصة؟) طالما أن النهضة قوية ولها شعبية. وطالما هؤلاء التافهين والأميين موجودين طالما الصراع يدور على مضامين إيديولوجية وليست إجتماعية.

هناك أمر آخر: هناك تواطؤ بين المواقع التي تنشر هذه الأخبار وبين والمصلحة الفرنسية: يجب أن نغرق دوما في قضايا تافهة ويكون الصراع داخليا حتى لا نذهب لي موضوع الثروات.