شباب الثورة أقرب لبورقيبة من عجوز قرطاج

أبو يعرب المرزوقي

ادعت واحدة من لجنة التسعة أنها قد اكتشفت أن الشعب عنصري ومعاد للمثقفين و”البلدية” أهل المدن والحضارة.
ودون أن أحتاج لدليل، لأن مجرد سماعها كاف هي من بين الذين لم تفتح كتابا لتقرأه كاملا، ربما حتى في مرحلة الدراسة، ومع ذلك تتكلم على المثقفين في تونس.
وكلنا يعلم ثقافة التسعة ما هي.

وواضح أنها وجماعتها يردون على وصفنا لهم بكونهم يواصلون مهمة التحضير الإستعماري لمن يعتبرونهم أنديجان.
وفي ردها اعتراف بهذا الوصف: ذلك أنها اكتفت بالقول إن من يرفض مشروعهم التحديثي الفوقي والعنيف بقوة الإستبداد وحماته من السفارات هم “الشعب المتخلف” أي “الأنديجان”.
وسبق لها وللكثير من جنسها القول إن الشعب ما يزال متخلفا ولا يفهم ضرورة ما يحاولون تقديمه له حتى يكون حداثيا مثلهم.
والكثير من هذا النوع ينتظر بفارغ الصبر “البيان عدد 1” بل هم صاغوا نظيرا له حتى وإن كان عديم الأظافر والمخالب لأنهم لم يستطيعوا إغراء أجهزة القوة في الدولة بذلك.
والآن كلنا يفهم علة ما حصل لهم لما عزل من كانوا يتصورونه بن علي ثانيا.
فكانت ردود أفعالهم كافية لإضفاء المصداقية على فكرة إعداد الإنقلاب حتى لو لم يكن ذلك صحيحا.
فما كان يبدو مجرد إشاعة لم يكن من فراغ، لأن ردود فعلهم تفيد الشعور لديهم بسقوط أمل كانوا ينتظرونه بصبر فارغ.
فإذا طبقنا عليها وعلى الثمانية الباقين تحليلها لموقف الشعب منهم، فسنقول إنهم ممن يأنف من الإنتساب إليه رغم أنهم من أدنى درجاته الإجتماعية إذا قبلنا بالتصنيف الذي قدمته، وأنهم من ثم يحاولون المباهاة بالثقافة والإنتساب إلى البلدية والمتحضرين بمركّب نقص جعلهم “يخرجون من جلدتهم”.
ولأنهم “أميون” يجهلون مزايا “جلدتهم”، فهم يرتدون جلدة تجعلهم يفقدون مشيتهم دون تعلم مشية من يحاكون.
فجميعهم بمنطقها من “الأقعار” بمعنى أن موقف السبسي منهم -وهو لا يقل عنهم تقوعيرا- كما ورد في تعبيراته عن الـ”خلق” و”الزنوس” عندما كان يعرض بالمرزوقي حطا من مهابة الدولة وتشجيعا للفوضى.

ولعل أكبر علامة على أمية اللجنة التي تدعي تبني آخر صيحة في الحداثة والقطع بين المدني والديني، هي أنهم من حيث لا يعلمون، أرجعوا التعدد بصورة رسمية:
ذلك أنه إذا ألغوا مفهوم الزنا وأعطوا لأبنائه حق الإسم والإرث، فإن أمه -ولعل تلك هي علة حرصهم- ستكون زوجة ثانية وإن بدون صداق.
ويمكن لهذه الزوجة غير الشرعية بنظام المجلة الحالي، أن تستفيد من النظامين:
نظام التسعة الأغبياء الثوري، لأن الزوج يمكنه أن يوصي لها إستفادة من نظام الفرائض الإسلامي، فترث بالوصية أكثر من الزوجة الشرعية، ويرث إبنها مثل إخوته منها بمقتضى النظام الجديد.

وبهذا المعنى، لم يحقق هؤلاء الخبراء خارقو الذكاء المساواة بين الأخ والأخت، بل المساواة بين الزواج الشرعي في المجلة الحالية والزواج العرفي في المجلة الجديدة، مع تقديم الثاني على الأول لأن الثاني عادة يعبر عن ابتعاد عن الأول، أو تفضيل للعشيقة على الزوجة، وطبعا فهي ستحرص على الوصية.

لم أكن بحاجة لبيان غباء الجماعة لأكثر من هذا.
ولست أدري كيف يمكن للنساء “القافزات” أن يقبلن بمثل هذا الحل من دون أن يطالبن بإزالة العقد في الزواج فيجمعن بين منزلة المعشوقة وحقوق الزوجة دون المشقة والحرمان التي تترتب على التعاقد في الزواج الشرعي.
ولعل هذا هو الدافع الأساسي لعانسات المشروع.

لذلك فأنا لم أكن مازحا عندما قلت إن الرئيس أراد أن يتم إصلاح بورقيبة فأتمه بمعنى أنهاه وقضى عليه وليس بمعنى أبلغه تمه.
فمن حيث لا يدري هو و”نوابغ” خبرائه، أعادوا التعدد وإن “في الحرام” بلغة الشعب الذي يحتقرونه، فيتصورون دفاعه عن قيمه دليل تخلف وعنصرية ضد “مثقفة” لعلها لم تقرأ كتابا في حياتها.
أما مثقفهم الكبير فلا حاجة للمزيد في بيان أميته.
سبق أن كتبت في الأمر. وقرأت أخيرا لسيدة ما يغني.
فقد بينت فيه بأدلة دامغة أنه “Sot” و”Obtus” وبالمصري “ما يجمعش” لجهله بكل ما يتكلم فيه.
فمن كان أكبر مفكريه مثله يكون آخر من يحق له الكلام على الثقافة عامة، فضلا عن الحديثة.

وأما “فقيههم” فقد سمعته “يتجلطم” في الفلسفة مادحا توما الاكويني وهاجيا الغزالي في بيت الحكمة في إحدى ندوات حوار الأديان، فعلمت أن الرجل ليس جاهلا فحسب، بل هو من أكبر الأدعياء.
وصادف مرة أن تجاذبنا أطراف الحديث على هامش كتابة الدستور، فوجدته لا علاقة له بفلسفة القانون والدساتير.

والبقية هم دون شك دون هذين منزلة، بمعنى أنه يمكن القول بأن الفريق خبراء في البندير أو الطبل وليس في إصلاح أنظمة قيام الجماعات بمستوياته الخمسة:
• إرادة الشعب
• ومعرفة الشعب بذاته
• وقدرته على تحديد مصيره
• وذوقه الوجودي
• ورؤيته لمنزلته الحضارية في تاريخ الإنسانية:
يريدون استتباعه لسيدهم.
وكانوا يتصورون أن المعركة ستكون بينهم ممثلين للحداثة وبين الإسلاميين ممثلين لما يعتبرونه ظلامية، فإذا بهم يكتشفون أن الشباب الذي ثار بجنسيه فهم مشروعهم على أنه مواصلة للاستتباع، وأنهم ليسوا مثقفين ولا خبراء، بل مجرد كتبة لا يتجاوز دورهم ترجمة مشروعٍ، الرئيسُ دميةُ فرضه على الشعب.

تصريح هذه الجاهلة التي تدعي الثقافة وتتهم الشعب بالأمية والعنصرية ضد البلدية، دليل على أنهم فهموا من يعارضهم:
ليس الإسلاميين أو حركة النهضة، بل الشعب الذي يوجهون إليه هذه التهم الدالة على أنهم لا يختلفون عمن يهدمون ثروة الشعب لصالح المستعمر، وهم يريدون تهديم تراثه لنفس الغرض.
فيكون لدينا نوعان من المرتزقة لدى المستعمر والسفارات:
• مرتزقة ينهبون ثروة الشعب لتفقيره ماديا.
• مرتزقة ينهبون تراث الشعب لتفقيره روحيا.
والشباب الذي ثار بجنسيه فهم اللعبة ولم يعد قابلا للاستدراج إلى معركة هوية دينية خاصة بالإسلاميين وليست هوية حضارية هي أساس وحدة تونس.
فحتى لو اقتصر الأمر على التراث المادي بكل طبقاته التي ترسبت خلال تاريخ تونس من العهد القرطاجني إلى عهد الحرية والكرامة، يوجد تراث صار الجميع يعتبره مقوما لهوية مشتركة كلنا يفاخر بها:
• فنحن نفاخر بالندية مع روما،
• ونفاخر بمؤسس المسيحية الأعمق،
• ونفاخر بالقيروان،
• ونفاخر بالثورة التحريرية.
لكننا لا ننسى أن تونس فيها مثل الجزائر “حركيون”، وأن أحفادهم هم من يريد أن يلغي هذا التاريخ المشترك الذي يفاخر به التونسيون والذي استقر في الغاية في لون حضاري هو الحضارة العربية الإسلامية التي استوعبت كل ما تقدم عليها (فلسفة اليونان والأديان المنزلة) فكونت توليفة فريدة النوع.

ولأختم بما أعنيه بهؤلاء الحركيين بوعي منهم أو بغير وعي:
فعندما تسمع زعيمهم ومثقفهم يدعي أنه مع إحدى طالباته أنهى “خرافة” ابن خلدون، فاعلم أن ولاءه ليس لفكره الذي لم يفهم منه شيئا، بل لما يحيط به في شارع الثورة الذي لا يتنافى اسمه مع نسبته إلى بورقيبة، فالشباب أقرب إليه من عجوز قرطاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *