ولكم في القصاص حياة

سامي براهم

القصاص ليس هو العقوبة المعادلة للجريمة وإلا ما عدل عنه إلى العفو. 
بل هو إجراء لإيقاف سلسلة القتل والتّكايل في الدّماء التي يكرّسها السلوك الثّأري في المجتمعات الثّأريّة.

في المجتمعات التي تسيطر عليها ثقافة الثّأر القصاص هو الذي يضمن الحياة بإيقاف القتل عند حدود القاتل والمقتول مع إمكان العفو من طرف أولياء الدّم لتسقط العقوبة.

في المجتمعات التي تجاوزت ثقافة الثّأر لا يصبح لعقوبة القتل باسم القصاص معنى متعلّق بقوله تعالى ولكم في القصاص حياة إلا معنى ضمنيّ بعيد هو الارتداع عن القتل.

الجرائم التي تستحقّ عقوبة القتل في كثير من الحالات تتوزّع مسؤوليّتها بين المنفّذ والسياقات الدّافعة أو المهيّئة للتنفيذ، وخاصّة مسّؤوليّة العائلة والدّولة.

تطبيق عقوبة الإعدام يشترط أن تكون الجريمة ارتكبت عمدا مع سابقيّة الإصرار والترصّد، وإن كان الإصرار والترصّد يمكن الاستدلال عليهما بقرائن ماديّة، فإنّ العمد كما ورد لدى أهل القانون هو وجود نيّة وإرادة كاملة للقتل امتلأ بهما ضمير القاتل وهي مسألة قلبيّة باطنيّة الاستدلال عليها على وجه القطع يعسر حتّى في حالات الاعتراف.

•••

بشاعة الجرائم تحيي ثقافة الثّأر والانتقام ولكنّها كذلك تغطّي على شركاء آخرين في الجرائم لا يقلّون مسؤوليّة عن مرتكبيها المنفذين لها حيث يكون التنفيذ الفعليّ المباشر آخر حلقات الجريمة.

نجاة تونس، مصالحة فرعي الحركة الوطنية

أبو يعرب المرزوقي

بعد أن تعطل التوافق ووقع النداء في خطأين خلال التكوين وخلال الاستعمال، ففي التكوين جمع ما لا يمكن أن يجتمع فكانت عملية تخادع متبادل بين بقايا اليسار والقومية وبقايا نظام ابن علي وبقايا نظام الاتحاد فكان الخطأ تحريف البورقيبية وتحريف الحشادية. أراد اليسار انتهازها لحربه المقدسة ضد الحركة الوطنية بفرعيها.
أما الخطأ الثاني فكان خلال الاستعمال وقد بلغ الذروة في آخر مناورة اصطدمت بالشعب لأنها تبينت له حربا على دستوره وعلى دينه أي على مرجعيتيه القانونية والروحية.
فأصبح الملجأ الوحيد لإنقاذ تونس المصالحة بين فرعي حركة التحرير فرع التأصيل المستنير (الثعالبي) الذي راجع مسيرته وفرع التحديث المتأصل (بورقيبة) الذي عليه ان يراجعها وخاصة بمقتضى مطالب الثورة والمحافظة على البند الأول من الدستور الذي وضعه بورقيبة نفسه في إطار تواصل الدولة.

وأعتقد أن فرصة من بقي نظيفا من الدستوريين، حتى لو اضطر بالواقعية السياسية إلى العمل مع نظام ابن علي، ومن لم يجرم في حق الشعب ومستعد لمراجعة ما في سياسة بورقيبة من “أبوية” مبالغ فيها لعلها كانت مناسبة للظرف ليحافظ على النير من تراثه، أن يشرعوا في الاتحاد للصلح بين فرعي الحركة الوطنية.
فمواصلة الفرع التأصيلي استوجبت الكثير من المراجعات.
ولا بأس من أن يقدم الفرع التحديثي على الكثير من المراجعات.
حينها سيتم الصلح بين المؤسس الاول والمؤسس الثاني للحركة الوطنية، ويصبح لتونس قوتان سياسيتان تعملان اليد في اليد لعلاج شروط استقلال تونس التام بتحرير الإنسان والوطن.
وعندما أقول اليد باليد، فقصدي أنهما في مرحلة أولى تحققان ما يسمى بالتحالف الأكبر لقوتين سياسيتين متفقتين على ما يقتضيه ظرف الانتقال الديموقراطي حتى يستقر النظام الجديد ثم يعودان إلى التداول الديموقراطي، فيكونا مثل الحزبين الأمريكيين أو البريطانيين، كلاهما يحرص على وحدة الشعب والدولة.
ولن يلغي ذلك الأحزاب الصغرى، بل هي تبقى موجودة لأداء وظيفتين ضروريتين في كل نظام سياسي ديموقراطي:
• والأولى هي دور اليمين الذي يحافظ على التأصيل.
• والثانية دور اليسار الذي يحافظ على التحديث دون أن يكون “لتطرفهما” الضروري كمحفز لرؤى القوتين دور الحكم الفعلي لأن الشعوب تفضل التوسط.

ولا أتصور السبسي اليوم قادرا على إعادة تجميع جبهته بالشكل الأول:
• فالتخادع بين طرفي جبهته من بقايا اليسار والابن علويين (فالبورقيبيون لهم أربع أحزاب) غير قابل للتكرار،
• ومناورة ابتزاز الإسلاميين لم تعد تنفع، إذ هي تحولت إلى معركة مع الشعب وليس مع النهضة كما توهم من غرر ببطانته.
• والتوافق لم يعد موجودا
• والكلام عليه كذبة لم يعد أحد يصدقها: فلا يمكن لحزب فقد وحدته وجل قاعدته بسبب هذه المناورة أن يمثل رجلا ثانية يقف عليها.
• والبلاد بحاجة إلى رجلين لكي تقف وتواصل عملية الانتقال الديموقراطي التي هي ليست مطلب الثورة فحسب، خاصة وأن محاولات “التمصير” باتت مستحيلة.
ولا أعتقد أن اليسار والنقابات خاصة يمكن أن تساعد السبسي في عملية استعادة جبهة الإنقاذ بشكلها الأول، لأنها لن تفعل إلا بالتغول وشرطه استبعاد التوافق والحرب على الإسلاميين وكلاهما يصعب أن يقبل به الشعب التونسي لأنه جربهم وعلم أنهم يريدون العودة إلى ما هو أسوأ من نظام ابن علي.
فما يحصل في مصر، فضلا عن الاستبداد والفساد، عاد بالشعب المصري إلى ما قبل القرن العشرين بكل المقاييس في التربية والثقافة والاقتصاد، بل وأخرج مصر نهائيا من كل دور يعتد به في الإقليم ما بقي فيها هذا النظام الذي يعشقه اليسار، بل هم يعشقون أكثر منه، أعني خرابا جنيسا لخراب سوريا والعراق.

وعلى كل، فهذا ما اقترحته من بداية الثورة عندما دعوت إلى ضرورة التلازم بين العفو التشريعي العام والمصالحة العامة التي لو حدثت، لعزلت أعداء الثورة ولتم دعوة التونسيين بكل حساسياتهم السياسية للإسهام في تحقيق أهداف الثورة وللعدالة المحاسبة بقاعدة افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة.
فتقديم المصالحة على المحاسبة يحقق هدفين:
• يلغي الخوف العام ويعزل المجرمين
• ثم يحول دونهم والتخويف بمنطق المسؤولية الجماعية الذي يقتضيه تقديم المحاسبة على المصالحة، فلو حاسب الرسول قبل المصالحة لما وجدت دولة الإسلام اصلا ولبقيت الحرب الأهلية حتى الباردة بلا نهاية.
لكن كما يقول المثل التونسي “اللوم بعد القضاء بدعة”.
حصل الذي حصل وينبغي أن نتدارك اليوم وأن يسعى كل من يؤمن حقا بأن تونس للجميع وأن بناءها، وخاصة في مرحلة الانتقال الديموقراطي، يقتضي إعادة بناء الفرع الثاني من الحركة التحريرية: إذا كان الإسلاميون ثعالبيين، فينبغي إعادة البورقيبية.
والبورقيبية إذا راجع أصحابها مثل الثعالبية التي راجع اصحابها مواقفهم، فتحرر الحزبان من حزازات الماضي وعملوا معا، فإن تونس ستخرج سالمة من الأزمة الحالية ومن الانتقال الديموقراطي لأن ذلك هو الحل الوحيد الذي يحبط مراهقات اليسار، وخاصة تغول الاتحاد التي يعمل بمنطق نظام ابن علي.

ورغم أني لا أنفي أن اجهزة الدولة، وخاصة الإدارة فيها الكثير من الفساد، لكنه كان يمكن التغلب عليه لو لم يكن له نظير في الاتحاد الذي كان يقاسم ابن علي ومافيته في تحويل الدولة ومؤسساتها، وخاصة شركاتها الوطنية والضمانات الاجتماعية إلى تكايا وبطالة مقنعة لتوظيف الاقرباء والاصحاب.
فأكثر من نصف موظفي الدولة وموظفي شركاته وموظفي مؤسسات الضمان الاجتماعي زائد عن الحاجة، وهو عمل وهمي وبطالة مقنعة تثقل كاهل الدولة وتمنع نجاح أي مؤسسة حتى لتكون ممولة لذاتها، وبدلا من أن تدر على الدولة ثمرة صارت ترضع الدولة.
والاقتصاد الموازي متناصف بين كلا الحالبين للشعب والدولة (الإدارة والاتحاد).
ولا يمكن إصلاح هذا الخلل الرئيسي لجعل تونس تستقل فلا تمد يدها للصدقات وقادرة على حماية نفسها من دون قوتين سياستين ممثلتين حقا للشعب، ولا يوجد ذلك في غير الثعالبيين والبورقيبيين بالقدر الكافي من الثقل والوزن لتحقيق هذه الشروط السياسية الشجاعة في هذه الحقبة الصعبة.
فإذا لم يقدم الإسلاميون على المساعدة في بناء الرجل الثانية لتونس، بعد أن صارت عرجاء بسبب تفتت حزب السبسي وتشتت الاحزاب الوسطى بينهما وتنمر اليسار والقوميين والاتحاد والمافيات التي تسيطر على الاقتصاد الموازي وتتحالف مع القوى الاستعمارية التي تتحكم في القرار السياسي، فتونس ستغرق.
والفتات السياسي لا يسيطر إلا بالتفتيت، ومن ثمّ فهم سيسعون إلى مزيد الفوضى في السنة القادمة التي هي سنة أعسر بكثير من السنة الحالية.
لذلك فعندي أن واجب النهضة اليوم هو أن تبحث عن التعامل المباشر مع الأحزاب الدستورية وأن تتعامل معهم كحزب واحد بالقوة: فالنهضة وحدها ستجرفها الفوضى القصدية.
وحتى لو نجح السبسي وأسقط الحكومة الحالية، فإن ذلك لن يعيد له ما كان له من بريق في محاولته الأولى لتحقيق التوازن، حتى وإن لم يكن ذلك حقا هدفه لأنه لم يحقق التوازن، بل ادعى “تذويب” النهضة وردها إلى حجم غير مؤثر فحصل العكس، وهو شيء لا يفرحني لأني حقا أريد التوازن بين قطبين جديين.
وحتى لا يحرم باقي الاطياف من المشاركة في حياة البلاد السياسية، فإن كلا الحزبين الاكبرين لا بد أن يكونا مثل الكوكب الذي له توابع حزبية قريبة منه، إما في المرجعية أو في الاستراتيجية السياسية لتحقيق أهداف الثورة وشرطي السيادة:
• شروط الرعاية ضد التسول.
• وشروط الحماية ضد التدخل الأجنبي.

قد يظن بعض قيادات الإسلاميين أن كلامي هذا من جنس النصائح أو التدخل في ما يعتبرون أنفسهم فيه أغنياء عن رأي غيرهم.
سأنهي كلامي بعبارة لعل الكثير من القيادات ينتبهون: السياسة تخضع لقاعدتين وضعهما أرسطو وحللهما بن خلدون:
1. قاعدة التوقع الاستراتيجي
2. وقاعدة الاستسناح بمقتضى المناسبة
فالتوقع الاستراتيجي هو الافق المفتوح لتحليل الظرفيات للتحرر مما يسمونه الإكراهات، ولا يكون ذلك ممكنا من دون تقدير الفرصة السانحة والمناسبة لأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
فالقرارات التي أخذت بعد فوات الفرصة السانحة كانت نتيجتها عكسية وأبرز مثال هو خاصة: تغيير الموقف من بورقيبة.
فالذين أرادوا توظيفه هم أعداؤه وليسوا أحباءه.
فلا أحد يصدق أن الخلاف بين بورقيبة والإسلاميين علته، على الأقل من منظور بورقيبة، الإسلام من حيث هو إسلام، بل هو اختلاف في فهمه وتأويله.
واعداؤه الحقيقيون هم اليسار الذين كانوا يريدونه أن يذهب إلى ما يذهبون إليه الآن وقادوا إليه السبسي.
والسبسي لا يمكن أن يعتبر من أصدقاء بورقيبة:
فهو حكم مع ابن علي وهو يعيد نظام ابن علي وليس نظام بورقيبة وما التمثال إلا للخداع.
فمن لم يزره في سجنه 13 سنة لا يمكن أن يكون محبا أو صديقا أو حتى ذا قلب رحيم أو يحترم نضال بورقيبة.
والدليل أن برنامجه ابنعلوي قدمه محمد الشرفي.
ففي كتابه الإسلام والحرية، عاب الشرفي على بورقيبة عدم ذهابه إلى ما يتمناه هو وكلفه به ابن علي:
تجفيف المنابع وخاصة العلمانية اليعقوبية الممزوجة بالماركسية المقعدة والتي هي عين ما يطالب به اليسار حليف السبسي والتي هي أصل هذه المناورة التي يسمونها الحريات الفردية والمساواة.

وهنا أكتفي بشهادة السبسي نفسه:
فهو يعتبر مقترحه حول المساواة يتأسس على أننا “لا علاقة لنا بالدين والآيات لأننا دولة مدنية” وهو يعني بالمدنية ليس ما حدده الدستور، سواء البورقيبي أو دستور الثورة، بل القطع مع رأي بورقيبة بأن تونس ليست علمانية لاتباع رأي مجفف المنابع الذي عاب عليه ذلك.
تونس لن ينقذها تخادع بقايا الماركسية والقومية المحرفة للحشادية وبقايا الابن علوية المحرفة للبورقيبية، بل استئناف فرعي حركة التحرير والتحرر التونسية التي يتصالح فيها التأصيل الذي يفهم عصره، والتحديث الذي يفهم أصله باجتهاد وتطور يراعي الظروف ويتجاوز فوضى أحزاب البقايا والبلايا.
فحزب التأصيل قام بالمراجعات، وأخذ بعين الاعتبار مقتضيات العصر، فأصبح من المدافعين عن الديموقراطية فاجتمع عليه الجاميات والعبيد الحاميات في بلاد العرب ومعهم الملالي وعملاؤهم ومليشياتهم، لكن حزب التحديث استبد به من كانوا مجرد عيون، فأرادوا أن يصبحوا أعيانا بالبهتان.

أنا أيضا إبنة المدرسة العمومية

ليلى حاج عمر

أنا أيضا ابنة المدرسة العمومية وأشتغل فيها منذ سن 21 ولم أدرّس في غير المعاهد العمومية إيمانا مني بأنّ التعليم يجب أن يكون مجانيا حقّا ومتاحا للجميع. وهو نفس الإيمان الذي به رفضت تقديم دروس تدارك بمقابل. ليس لأنّ لديّ مالا كثيرا، فنحن في التعليم لا نصير أثرياء تماما كما في الكتابة، بل لأني أرى أنّ العلاقة بين الأستاذ والتلميذ أرفع من أن تكون علاقة تجارية وأنّ حلّ المشاكل الماديّة للأستاذ هي مسؤولية الدولة والمجموعة الوطنية التي ينبغي أن تضع التعليم في أولوياتها تماما مثل الصحة والنقل، وأيضا إيمانا مني بأنّ الحل مسؤولية نقابة غير مؤدلجة تضع همّها السياسي والإيديولوجي جانبا وتتركه للأحزاب وتشتغل على تحسين مستوى العيش لدى الأستاذ لـأنّ حريته، حرية الأستاذ التي تسمح له بالتفرّغ الكلي لتشكيل العقول ونحت الأرواح مشروطة براحته المادية وقدرته على توفير أسباب الحياة التي تليق به وبأبنائه.

دافعت عن التعليم العمومي وسأدافع. كلّ الخراب حولي لن يقلّل من إيماني بالتعليم العمومي. خراب جعل الكثير، حتّى ممّن بدّعون الدفاع عن التعليم العمومي، يقفز على الفرصة لإنجاز مشاريع تعليمية خاصة لم تستطع حتى الآن أن تنافس العمومي في نتائجه رغم أننا نشتغل في ظروف الحد الأدنى. ولأنّي لم أعد على يقين برهان الدولة على التعليم فإني صرت أميل إلى إيجاد حلول فرديّة أو جماعية مشتركة لمواجهة المآزق التي تواجهنا. لذا أعتبر أنّ ذلك الفضاء الضيق المسمى قسم يمكن أن يتحول إلى فضاء حرية للأستاذ وللتلميذ معا من أجل بناء مشترك للمعنى عبر كسر القوالب والطرق التقليدية وتلمس السبل غير المطروقة وكسر الحواجز بين المواد كي لا يصبح القسم طاردا للتلميذ الذي لا يجد فيه أيّ متعة.

أنا خريجة التعليم العمومي والعاملة فيه أعترف أني أشعر بالفشل وأنا أعاين العطب في العقول والأرواح الذي نتج عن توظيف سياسي لئيم للتعليم خلال 30 سنة تقريبا ونتيجة فساد خرّب بيته ولم تقع محاسبة المسؤولين عنه إلى اليوم. فشل يجعل رهانات التعليم العمومي اليوم متعدّدة وملحّة. وهي رهانات بعيدة عن المنطق النفعي للتعليم الخاص حيث البزنس هو الذي يحكم كلّ العملية التعليمية.
الرهان الحقيقي للمدرّس ليس نسبة النجاح الرسمية التي قد تنتج عن حشو مكثّف للعقول سنة الامتحان بالدروس الخاصة وضخّ الأموال وكأنّنا في سياق تعليب للرؤوس وفق الطلب (تماما مثل “عشعشة الأكباش قبل الذبح)، بل رهانه الحقيقي في ترويض العقول على التفكير وتحريرها من الوثوقية وتوهم امتلاك الحقيقة (محنة التونسي اليوم في المعارك التي يخوضها) ومن الانفعال (محنة العرب عموما) ومن الأنانية والجشع والكبر والرغبة في إلغاء الآخر الذي يشاركه الهواء وحذفه إن اختلف معه. رغبة تزداد حدّة اليوم مع التجربة الديمقراطية وهي مفارقة غريبة نعيشها تدلّ على أنّ رواسب الاستبداد عميقة جدّا في وعي التونسي ولاوعيه. أعتبر أنّ أكبر فشل للتعليم اليوم هو عجزه عن بناء عقول قادرة على العيش المشترك ومتمكّنة من التفكير الموضوعي بعيدا عن التشنّج والسطحيّة والانفعال الذي قد يتحوّل إلى عنف. وهي عوائق تجعل معاركنا اليوم أقرب إلى الحرب منها إلى الحوارات العميقة الهادئة. إنّها تبادل للقتل المعنوي برصاص الكلمات الجارحة.

والرهان الحقيقي للأستاذ أن يعلّم، نسبيا، القراءة الصحيحة للنصوص. فنحن لانزال نتعثّر في قراءة النصوص. قراءة عقلية نحفر فيها وراء المعنى ولا نكتفي بالسطح. الاكتفاء بالسطح أنتج عقولا مسطحة ووعيا مسطحا. والقراءة تتعدّى النصوص إلى قراءة الواقع في أبعاده المختلفة الفيزياية والرياضية (نسبة إلى الرياضيات) والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. تعلّم القراءة الصحيحة تمنع التلاعب بالعقول وتسلّح القارئ الجيّد بالفكر النقدي لأنّ النقد هو أحد مستويات القراءة الأعمق. التحليل السليم يفضي حتما إلى فهم سليم ومواقف سليمة.
عدم التصديق والتسليم المطلق وعدم إطلاق الأحكام المسبقة هذه التي أوصانا بها المعلّم العظيم الجاحظ (كم نحتاج هذا الجاحظ اليوم) والتنسيب الذي يجعلنا لا نحمل السيف أو الحجارة استعدادا للرجم ونحن نواجه الرأي الآخر الأكثر وجاهة من رأينا، ألا يحتاج هذا المجتمع الذي يغرق في الإطلاقية إلى هذه الفعاليات العقليّة؟ وأليست هذه المهمة الأساسية للتعليم؟
ثمّ، أليس الرهان أيضا تصالح ذلك الطفل الذي أمامنا مع نفسه ومع جسده. أن لا يقبل أن يسيء إلى جسده أو جسد غيره. أن يحترمه بعمق. آنذاك سيرفض كلّ أشكال الأذى. وهذا يقتضي فضاء تعليميا مريحا للتلميذ بدءا من الطاولة التي يجلس عليها لساعات وصولا إلى المعلّم والأستاذ الذي لا يتمثّل دوره في أن يهينه أو يعنّفه. آنذاك سيرفض مستقبلا كلّ أشكال الإذلال التي تفرض عليه بأنواعها. وآنذاك سيكون حرا، وآنذاك سيفكّر تفكيرا سليما.

حين يسألني تلامذتي في الشعب العلمية لماذا ندرس الفلسفة واللغات في الشعب العلمية أقول لهم: لتفكّروا. والتفكير لا يكون إلا باللغة وداخلها. ثمّ لتتملّكوا القيم التي بها نوجد ونحقق العيش المشترك. الأدب خزّان قيم. ومن لا يرتوي بهذه القيم سيصير طبيبا تاجرا ومهندسا سارقا ورجل أعمال فاسدا وأستاذا بائسا ورجل دين سطحيّا ومتزمّتا وإعلاميا قذرا وسياسيا فاشلا.
العقل المركب بطريقة صحيحة وحده قادر على إنقاذ البلاد. والتعليم الصحيح وحده هو القادر على تركيب العقول الصحيحة. دون ذلك لنا ما نستحق من تأخّر وفوضى.

جريمة قبلّاط تكشف خواء البِلاط

نور الدين الغيلوفي

جريمة مروّعة لم يتخيّلها عباقرة الخيال في أفلام الجريمة وسيناريوهات الرعب ووقائع الإرهاب… صعاليك بلا عدد يهاجمون بيتا من إناث.. يُعدمون الجدّة التي جاوزت الثمانين من عمرها ويشرعون في قتل الأمّ التي جاوزت الخمسين من عمرها.. ويختطفون البنيّة التي جاوزت العاشرة من عمرها يتداولون عليها اغتصابا ويشرعون في إعدامها ثمّ يلوذون بالفرار تاركين إيّاها أقرب مسافةً إلى موت لم يسعفها بالخلاص من وباء نشروه فيها.. كأنّه أرجأها لتعيش بيننا حتّى تشهد على وسخنا.. تركناها مهَشَّمة بلا جدران وتظاهرنا دفاعا عمّا يزيد من جراحها باسم حريات لا تفهمها ومساواة لا تعلمها…

جريمة تهتزّ لها عروش الأرض وعرش السماء.. ولا تهتزّ لها قصبات بعض الأحياء من رافعي ألوية النساء ولا ترتعد لها فرائص النكاية والشماتة من دعاة نسوية متوحّشة لا تستهدف صون الإنسان على الحقيقة ولكنها تضرم النيران في البلاد وتثير الاشتباك داخل مجتمع متجانس إلى حدّ كبير وتقسّمه تقسيما عنصريا تحت عناوين جوفاء: الحريات الفردية والمساواة في الإرث.. لا عناوين الحق في الحياة للفقراء والمهمَّشين وتوزيع الثروات بما يحقّق العدل بين الناس ويقضي على تهميش تكون بفعله ثلاث نساء فرائس لمجرمين يشبهون الإنسان في الخِلْقة…

قوانين التوحّش التي يصدر عنها هؤلاء الإنسانيون جدّا تمنع ردع أولئك المجرمين السفّاحين القتَلة.. تمدّ في أعمارهم وتضاعف من نسلهم وتبقي على بذورهم في تربة حقلنا يفسدون زرعنا.. وتنشر نظراءهم بين الناس ليعبثوا بأمنهم ويغتالوا الحياة…
جريمة قبلّاط ستهدّ عروش العابثين بالبلاد تحت ذرائع لا تعني امرأة ضعيفة لا تملك أن تتسلّح بنهديها تعرّيهما في الطريق العام تحت عنوان نسوية ليست أقلّ توحّشا من أولئك المجرمين قتلة الأجيال الثلاثة…
ضحايا قبلّاط يستصرخون الضمائر الباقية…

لا شيء غير القصاص العادل يشفي جراحا غائرة تستفحل في البلاد وتسحق بقايا الاجتماع فيها…
هؤلاء المجرمون لا يستحقّون مشاركة الأحياء أنفاسَهم لأنّهم خطر على الحياة.. وعلى الإنسان..
يهتزّ لما اقترفوا عرشُ الرحمان.. وسيظلّ يهتزّ ما بقوا أحياء…

ذكرى إعدام سيد قطب

عبد اللطيف علوي

اليوم ذكرى إعدام سيّد قطب، جريمة هزّت السّماء والأرض، ولم تهزّ ضمائر القومجيّين.

أحد روّاد هذا الفضاء الاجتماعيّ، وكان لي صديقا خصصته باحترام كبير، كان، ومازال، يلقّب بضمير الثّورة، وله مواقف وصولات لا ينكرها إلاّ جاحد، وله سطوة الحضور على هذا الفضاء وفي السّاحات…
تجادلنا مرّة حول الفترة النّاصريّة، وكان ناصريّا ويساريّا اجتماعيّا، ولا أعرف كيف تجتمع أشياء أثبت الواقع والتاريخ أنها لا تجتمع إلاّ في قوالب الهذيان الايديولوجي التونسي
المهمّ، دار بنا النقاش حتّى وصل إلى جريمة إعدام سيّد قطب، فقال لي بالحرف الواحد:
“آش باش تردّوهولنا؟! مونتسكيو؟!!” وراح يبرّر إعدامه بكلام صعقني صعقا، لصدوره عن ذلك الشّخص بالذّات.
صاحبكم هذا رمز من رموز ثورة الحرية والكرامة، لكن حين يجدّ الجدّ، يقفز من داخله الفاشيّ النّائم، ليدافع عن بورقيبة ظالما ومظلوما، وعن عبد الناصر ظالما ومظلوما، مادام الأمر يتعلّق بالإخوان!!! تتغيّر كلّ مفا هيم العدالة والحرية والكرامة، لتصبح على مقاس أحذيتهم.
هذا واقع… واقع حزين ومؤلم إلى أبعد الحدود!
الشهيد سيّد قطب لم يقتله عبد الناصر وحده،
لقد قتله طابور كامل من الّذين ميّزوا بين الدّم والدّم، ومازالوا يقتلونه كلّ يوم وسيبقون…
ماداموا على دين الظّالمين!
#عبد_اللطيف_علوي

حتى لا ننسى…

صالح التيزاوي

في أواخر السّبعينات وبداية الثّمانينات، شاع في المجتمع التّونسي مصطلحان خبيثان أطلقهما الحزب الإشتراكي الدّستوري: مصطلح “الخوانجيّة” ومصطلح “الخمينيين”.
أطلقت التّسميتان على روّاد المساجد من الشّباب وعلى التيّار الإسلامي الصّاعد صاروخيّا في الجامعة التّونسيّة.

وقد روّجت لهما الدّوائر القريبة من محمّد الصّيّاح، رجل المهمّات الصّعبة في الحزب، ومؤرّخ بورقيبة، وصاحب الماضي الشّيوعي، وإليه تنسب فكرة تأسيس “المليشيات” التي كانت تستغلّ الإحتجاجات الشّعبيّة على سياسات بورقيبة وعلى حكمه المطلق للقيام بأعمال قذرة ونسبتها إلى من يسمّيهم إعلام الزّعيم “الصّائدون في الماء العكر”. لم تكن التّسميّة عفويّة وإنّما كانت تصنيفا يراد به إقصاء قاس لكل فرد أو مجموعة أو حزب يمكن أن يغرّدوا خارج فلك الحزب الأوحد في البلاد، ويمكن أن يشكّكوا في زعامة بورقيبة. ومع انتصار الثّورة الإيرانيّة في بداية الثّمانينات راج مصطلح “الخمينيين” نسبة إلى الإمام الخميني قائد الثّورة الإيرانيّة. وكان المستهدف بهذه التّسمية الجديدة مرّة أخرى هو نفس الجمهور من شباب الجوامع والجامعات.

تلقًف الشّيوعيون التّسميتين ويبدو أنّهما لقيتا هوى في نفوس الرّفاق فراحوا يطلقونهما في منتدياتهم الخاصّة وفي خطابهم السًياسي وفي أعمالهم الثّقافيّة على معارضين مثلهم لحكم بورقيبة وعلى الذين يشاركونهم بؤس الإنتماء إلى نفس الطّبقة المفقّرة. وقد شكّل ذلك بداية ظهور “اليسار الإنتهازي” بعد تلاشي مجموعة “perspective” على إثر محاكمة رموزها وقياداتها. وكان من بينهم “جلبار نقّاش” الذي حكم عليه بأربعة عشر عاما سجنا عام 1968 ولم يغادر السّجن إلّا عام 1979. كان من تداعيات تلك المحاكمات أن ابتعد البعض من اليسار عن العمل السّياسي فيما اتّجهت مجموعة أخرى إلى حزب الدّستور بدعوى التّغيير من الدّاخل واتّجهت مجموعة أخرى إلى النّشاط في صلب “منظّمة العامل التّونسي” المحظورة. وقد نشط في صفوفها عديد الطّلبة والمثقّفين الذين تحوّل كثير منهم لاحقا إلى وزراء عند “بن علي”، منهم: محمّد الشّرفي وزير التّربية وصاحب مشروع “تجفيف المنابع الإسلاميّة” وهو رجل فرنسا في تونس، كانت تعدّه لخلافة بن علي ولكنّ بن علي “تغدّى بهم قبل أن يتعشّوا به”. وأحمد السماوي ومنصر الرويسي. وفي هذه الحقبة أصبح التّنسيق الأمني على أوجه بين مجموعات اليسار المتناسلة والتّجمّع لاضطهاد من يسمّونهم “خوانجيّة” أو “خمينين” وملاحقتهم في كلّ أماكن تواجدهم: في الجامعة، في الوظيفة العموميّة وفي العمل النّقابي وفي المساجد وحتّى في تأمين رغيف الخبز.

لم تعد في هذه الحقبة المظلمة من تاربخ تونس عبارة “خوانجي” قاصرة على روّاد المساجد من الشّباب أو على التّيّار الإسلامي الصّاعد في الجامعة وإنّما اتّسعت لتشمل من يقول “السّلام عليكم” بدل “صباح الخير” أو “مساء الخير”، ومن يستعمل في لغته عبارة “سبحان اللّه”، ومن يعفّ لسانه عن سبّ الدين، ومن لا يستعمل مفردات من “معجم الفحش”… كانت تلك قرائن واضحة على “التّخونيج”، وكانت كافية لحرمان صاحبها من حقوقه كلّها وتجريده من حقوق المواطنة والتّحريض عليه أمنيّا لحرمانه من حياة عاديّة أو حتّى شبه عاديّة…

هل نستغرب جريمة قبلاط على بشاعتها ؟!

سمير ساسي

على بشاعتها لا أعتقد فهي نتيجة حتمية لمسار كامل بدأ مع دولة الاستقلال وتعمد ضرب قيم المجتمع أو تغافل عن حمايتها، تلك القيم التي تستنكر الجريمة وتستبشعها والتي لم تغادر حتى عتاة المنحرفين إلى زمن غير بعيد حين كان هولاء يستحيون من كبير الحي وبنت الحي رغم أنهم قد يعتدون على غيرهم.

وتلك مفارقة، كان يمكن العمل عليها من أجل الإصلاح لكن مشروع الاستبداد لا يقوم إلا على الاستخفاف القيمي بالمجتمع فلا يستقر الاستبداد إلا إذا تحللت قيم المجتمع وصار أهله فاسقين بكل المعاني اللغوية والدينية والقيمية والتي تلتقي على معنى الاستهتار بكل مقومات المعنى.
افتقاد المعنى في مجتمعنا بدأ منذ زمن الدولة الأول ويستمر ونرى مظاهره تتجلى. فإعلام لا ينشر إلا الفاحشة ويكشف العلاقات الحميمية على الملا ويعلي من قيمة المنحرفين في الدراما والشخصيات الاعتبارية تمتح من معجم المخراة في ألفاظها. كما فعل نقيب الصحفيين وقبله الرئيس وبعض المثقفين والسياسيين في الاحزاب والبرلمان ومركز الدراسات الاستراتيجية يعيدنا الى وضع الجرانة والشعوذة ولجنة القراءات في وزارة الثقافة على رأسها تلميذة تعتبر أن إطاريح إجازتها لجان أكاديمية معتبرة في الجامعة غير صالحة ولا ترتقي الى المستوى العلمي المطلوب بسبب أن أصحابها مختلفين ايديولوجيا وآخر يتفه على المُلا قيمة الكتب والقراءة وبرلمان يشرع للتساهل مع حبوب الهلوسة كلها وغيرها لا تنتج إلا قبلاط وقبلها القيروان وبعدها سيكون هناك كثير من الجريمة وقليل من الاستنكار لأن المسار يتجه بسرعة نحو مجتمع “لا يتناهون عن منكر فعلوه” حينها سيكون هناك تقارير مكتوبة معلقة على أعمدة الضوء المظلمة في شوارع مقفرة من بلاد شعبها تحت أرضها.

“سَيِّبْ.. لَوِّحْ”

عبد القادر عبار

“سَيِّبْ.. لَوِّحْ” هو مصطلح محلّي تماما، بمعنى اِرْمِ ما تحمل في يديك ولا تتردّد، ثم امْضِ في سبيلك.
وهي كنية قديمة لمواطن بسيط ولكنه طيّب، تلبّست به منذ شبابه وتكنّى بها دون غيره وذلك بسبب أنه إذا سمع من يهتف به “سَيِّبْ.. لَوِّحْ” فإنه يتخلّص من كل ما يحمله في يديه، مهما غلا ثمنه، ومهما ندر جنسه ويرمي به غير آسف… يفعل ذلك عفويا دون تكلف ولا تصنع.. ولا تمثيل.

وكم استغلها البعض ممن يعرفونه للتندّر عليه، فتراهم يغتمون لقاءه وهو راجع من السوق يحمل ما اشتراه.. دلاعة كانت أو كيس سكر أو زجاجة مشروبات أو قنينة زيت أو خبزا ويهتفون به “سَيِّبْ.. لَوِّحْ” فيرمي المسكين ما في يديه بلا تردد ولا تفكير.. فينكسر ما هو قابل للتكسير ويراق ما هو سائل ويتبعثر الآخر متلوثا بما في الطريق.. دون تعويض من أحدٍ لخسائره طبعا.
تذكرت هذا المصطلح/ الكنية وأنا أتابع إمتعاض الناس في أيامنا الرديئة هذه التي نعيشها رغما عنا، من بهلوانيات بعض بؤساء السياسة، أولائك الذين قد قرف الجميع من مواقفهم الفضفاضة المتناقضة، ومجّوا تصريحاتهم الصبيانية المتباينة وهم يرونهم يتدحرجون من كبوة إلى أخرى ومن منزلق إلى آخر.. غير عابئين بحق السن ولا بوقار العمر.. ولا بتغيّر الحال.. ولا بضرورات الوطن، فأرى أنهم أولى بهذه الكنية الطريفة “سَيِّبْ.. لَوِّحْ ” وأجدر بتفعيلها من صاحبنا الذي لم تعد تنطلي عليه.. لأنه قد تعلم الدرس بعدما ساءته خسائره الكثيرة المتتالية.

فنقول لهؤلاء: “سَيِّبْ.. لَوِّحْ” عليكم من السياسة والسياسيين ومن المنافسة والمتنافسين.. ومن التزوير والافتراء.. ومن الفروسية الكاذبة، وارضوا بنصيبكم من الإخفاقات واكتفوا بما أسديتم للبلاد من كدمات ولكمات واعلموا أن العاقل، من احترم نفسه وعرف قدره ولزم حدّه.. وأغلق عليه بابه واعترف لخصومه بأهليتهم.
“سَيِّبْ.. لَوِّحْ” عليكم من مبارزة.. مَن تشهد لهم نقاوة سيرتهم ونظافة أيديهم وصدق مواقفهم وعمق نضالهم على أنهم الأجدر بالعبور بالناس حتى تستوي السفينة بالوطن على الجُودِيّ… اِستحْيوا.. وانسحبوا وافْرَنْقِعُوا عنا فقد أرهقتمونا وأتعبتم الوطن !

استشراف السنة السياسية الجديدة في تونس

نور الدين العلوي

دأب التونسيون على القول بأن بداية شهر أيلول/ سبتمبر هي بداية السياسة. وأعتقد أنهم ورثوا هذا الموعد من ضمن ما ورثوا عن الفرنسيين، إذ تتزامن مع شهر تسعة العودة الإدارية من نظام العمل بالحصة الواحدة والعودة المدرسية والجامعية، وتلحق ذلك العودة من العطلة القضائية والعطلة النيابية، فكأنما كان القوم في سبات أو قيلولة مطوّلة طيلة شهري الصيف، ثم يستفيقون ويبدأون العمل، وإحدى شعب عملهم هي إطلاق الصراعات السياسية من جديد، رغم أن صيف 2018 كان ساخنا بفعل ارتدادات تقرير لجنة الحرية والمساواة الذي أسال حبرا كثيرا، ولا يزال، ولم يصل فيه القوم إلى اتفاق ممكن.. وآخر علامات عدم الاتفاق هي صدور بيان مجلس شورى النهضة (برلمان الحزب) الذي أعلن رفضا قطعيا للمساس بالنص القرآني في مسألة الميراث. ومن هنا سنبدأ في محاولة استشراف ملامح السنة السياسية القادمة، والتي سيكون الصراع فيها على أشده مع حزب النهضة، وذلك في أفق انتخابات 2019 التي بدأ الإعداد لها مبكرا. وستكون سنة ساخنة رغم أننا نؤكد تشابه مواضيع الصراع؛ لأن النخبة لم تغير مواقعها ولا عدلت مقاييسها على حالة البلد المنذرة بكارثة اقتصادية.

حزب النهضة مدار صراعات كثيرة

كتب نقيب الصحفيين التونسيين تدوينة سريعة ثم قام بمحوها، لسبب غير معلوم، لكن مضمونها البرقي دل على وجهة الصراع القادم ومحاوره، أو بالأحرى محوره اليتيم، وهو نفي الصفة المدنية عن حزب النهضة. ستكون كل الكتابات والتدوينات والملفات التلفزية في هذا الاتجاه.

حزب النهضة يكافح في وضع دفاع مهزوم لإثبات مدنيته، وقد أعلن منذ مؤتمرة العاشر أنه ليس ناطقا باسم الدين ولا ممثله الشرعي الوحيد، وأنه يسعى في إثبات مدنيته في الداخل والخارج. وقد اتخذ مشاركاته الانتخابية وتسليمه بكل النتائج الرسمية حجة له، كما جعل من قبوله بالتوافق السياسي مع أحزاب مختلفة المرجعية دليلا على تواضعه ورغبته في العمل المشترك ضمن حدود الدستور المدني وضمن شروط السياسة المدنية الجارية في البلاد. لكن تقرير لجنة الحرية والمساواة وضعه في زاوية ضيقة، وصار مطلوبا منه القبول بالتخلي المطلق عن نصوص القرآن في الأحكام الثابتة.

وقد كان واضحا منذ بدء العمل على التقرير، بعد أن شكل الرئيس اللجنة وطلب منها التفكير في أمر تعديل قانون الأحوال الشخصية في مسألة المواريث والعلاقات الزوجية، أن هناك فخا منصوبا للحزب ولا يمكنه تفاديه مهما صدر بياناته بحرصه على التوافق السياسي. وقد فتح الفخ الآن، وجاءت تدوينة نقيب الصحفيين إشارة لبدء العمل في اتجاه نفي مدنية الحزب الذي لا يختلف “عن داعش وعن الخر(..)” (نعم هكذا ورد في التدوينة).

محور الكتابات القادمة ذات الخلفية السياسية الانتخابية بالضرورة؛ هو حزب النهضة “غير المدني”، ولا شفيع له في ما قدم من علامات المدنية.

هكذا سنجد أنفسنا في نفس مدار معارك انتخابات 2011 و2014: اتهام الحزب بالدعوشة، وهروب الحزب من ذلك إلى مزيد من تسول الأدلة على مدنيته ممن ينفونها عنه بكل السبل. وفي هامش ذلك الويل لمن تسول له نفسه الاقتراب من حزب النهضة لغايات انتخابية في قادم الأيام، بحيث تتضح الغاية منذ إشارة الانطلاق: يجب عزل الحزب ولو تخلى عن النص القرآني، والذي هو ليس ملكه ولا ضامن تطبيقه، ولا معنى للتدوينة الهاربة من صحفي يساري غير أنها إيعاز وتوجيه.

حصار النهضة وبناء التحالفات ضدها

كل التحالفات ممكنة، بما في ذلك لم شمل فلول حزب النداء مع اليسار، وهو تحالف قائم ضمنا، وإن أظهر أطرافه عداء لغويا في الإعلام العابر. في استشراف السنة القادمة، لا أتوقع أن يقوم حزب (مهما كان حجمه) ببناء تحالف سياسي وانتخابي مع حزب النهضة، لذلك سيكون العمل على بناء تحالفات على أساس مع النهضة أو ضدها. وبما أنه ليس معها أحد، فالجميع ضدها، ولن تعجز اللغة عن التبرير، فالتقدميون يملكون ألسنة ذربة.

كان مطلوبا من حزب النهضة أن لا يكون كي يكون، فإذا كان كما ينبغي أن يكون لم يكن. وهذه ليست أحجية، بل الصورة الوحيدة المقبولة للحزب هي أن يكون قاعدة انتخابية لغيره. هكذا فكر قبل الثورة نجيب الشابي، ولذلك خاصم الحزب وأعلن معارضته الشرسة له قبل أن يشكل حكومته الأولى في 2012.. وهكذا اشتغل الدكتور المرزوقي معه، ونعتقد أن بقية الطيف الحزبي من غير النداء لا يريدون إلا ذلك. حينها يمكن منحه المدنية التي يسعى إليها ولو “تدعوش” بشكل كلي لكنه لا ينبغي أن يكون في الحكم. إذن هي سنة سياسية وانتخابية بطعم الصراع مع النهضة.

يعرف حزب النهضة أن هناك انتظارات شعبية ثقيلة الوزن انتخابيا؛ تعلق عليه أملا في حماية النص القرآني مما يراه عموم الناس العبث النخبوي. وقد كتب الكثير عن ضبابية موقف الحزب في مسألة قوانين الميراث، إلى حين صدور بيان مجلس الشورى. وسيكون الحزب مطالبا بالإخلاص لموقف برلمانه الداخلي، وقد تكون لذلك فائدة انتخابية، ولكن هناك فخ العلاقة مع الخارج، وخاصة فرنسا.

لقد كتبت جريدة لوموند الفرنسية بصريح العبارة أن قبول الحزب بتعديل قانون الميراث هو بوابته للمدنية. ولا يفوت هنا أن نبرز التناغم الكبير في الموقف الفرنسي والموقف اليساري في تونس، وغير بعيد منهما موقف الرئيس الذي لم يمضغ عباراته، وهو يؤكد أن المرجعية الإسلامية للحزب لا تجعل منه حزبا مدنيا رغم محاولاته الكثيرة.

على ماذا سيكون رهان الحزب في السنة القادمة؟ إثبات مدنيته لفرنسا واليسار أم إثبات تمسكه بمرجعيته الإسلامية في احترام قدسية النص القرآني؟

أحد المواضيع الساخنة للمتابعة في السنة السياسية الجديدة هي مراقبة تراقص قيادة الحزب على حبلين متعاكسين مع الحفاظ على استواء القامة، وهي بهلوانيات مستحيلة على أكبر لاعب سيرك في العالم. ونتوقع أن لا يخرج الحزب متماسكا من هذه المعركة، فلقد وقفت به الزنقة.

نستشرف وضعا مكشوفا بصراعات سطحية

الرهان على الزخم الشعبي المحافظ على قدسية النص قد يضع الحزب في صدارة الانتخابات، بما يؤهله للحكم، فإذا حكم فلن يجد أحلافا من الأحزاب الصغرى، بما يعزله رغم قوته، فإذا غامر وحده عاد إلى وضعه في 2011، ويضرب الحصار الفرنسي على البلد؛ ليدخل في مسار انحدار اقتصادي غير قابل للجبر.

لا نتحدث هنا عن عبقرية في الحكم، فالحزب خال من العبقريات، وهو حزب عادي جدا يفكر مثل البقية وكراسات برامجه هي كراسات ليبرالية محافظة كأنها كراسات ابن علي معادة الطبع على ورق جديد.

لذلك نرى أن احتمالات تكرار فترة 2014- 2019 واردة جدا، أي أن يكون حزب النهضة قد لعب على حبال كثيرة (اكتسب بعض المدنية وحافظ على بعض النص المقدس) حتى عاد بقوة إلى البرلمان، لكنه لا يحكم فعليا، بل تعطل ماكينته الأحزاب الصغرى التي تأخذ في الحكومات أقساطا أكثر من حجمها في الشارع (في الصندوق الانتخابي)، كما فعل حزب آفاق والحزب الوطني الحر في حكومات الباجي المتتابعة.

لذلك، فإن الوضع التونسي لا يتطلب ذكاء كثيرا لقراءته في لحظته الراهنة وفي مستقبله القريب: لم يتغير المشهد، وما زالت كل القوى مرابطة على مواقفها الأيديولوجية والسياسية لما قبل الثورة، ولما قبل 2011 و2014، وستستمر بعد 2019.

ويمكن الاختصار: لن يمكن إلغاء حزب النهضة من الوجود، ولكن مادام الحزب موجودا فلن نرى صورة للحكم على قاعدة نتائج الصندوق الفعلية. وفي غياب احترام نتائج الصندوق، فلن يتحمل أحد مسؤولية فعله السياسي، وسيكون الأفق الوحيد المتاح هو أفق انهيار العملية السياسية برمتها؛ لأن وقوف البلد على شفير الهاوية الاقتصادية لن يدوم أكثر مما دام.

من المسؤول؟ الذين يتلقون الإيعاز بالكتابة من جريدة لوموند الفرنسية متهمون، لكنهم لم يملكوا أبدا الشجاعة السياسية لتحمل نتيجة مواقفهم، لذلك يمحون تدويناتهم بأسرع مما كتبوها.

“عربي21”