استشراف السنة السياسية الجديدة في تونس

نور الدين العلوي

دأب التونسيون على القول بأن بداية شهر أيلول/ سبتمبر هي بداية السياسة. وأعتقد أنهم ورثوا هذا الموعد من ضمن ما ورثوا عن الفرنسيين، إذ تتزامن مع شهر تسعة العودة الإدارية من نظام العمل بالحصة الواحدة والعودة المدرسية والجامعية، وتلحق ذلك العودة من العطلة القضائية والعطلة النيابية، فكأنما كان القوم في سبات أو قيلولة مطوّلة طيلة شهري الصيف، ثم يستفيقون ويبدأون العمل، وإحدى شعب عملهم هي إطلاق الصراعات السياسية من جديد، رغم أن صيف 2018 كان ساخنا بفعل ارتدادات تقرير لجنة الحرية والمساواة الذي أسال حبرا كثيرا، ولا يزال، ولم يصل فيه القوم إلى اتفاق ممكن.. وآخر علامات عدم الاتفاق هي صدور بيان مجلس شورى النهضة (برلمان الحزب) الذي أعلن رفضا قطعيا للمساس بالنص القرآني في مسألة الميراث. ومن هنا سنبدأ في محاولة استشراف ملامح السنة السياسية القادمة، والتي سيكون الصراع فيها على أشده مع حزب النهضة، وذلك في أفق انتخابات 2019 التي بدأ الإعداد لها مبكرا. وستكون سنة ساخنة رغم أننا نؤكد تشابه مواضيع الصراع؛ لأن النخبة لم تغير مواقعها ولا عدلت مقاييسها على حالة البلد المنذرة بكارثة اقتصادية.

حزب النهضة مدار صراعات كثيرة

كتب نقيب الصحفيين التونسيين تدوينة سريعة ثم قام بمحوها، لسبب غير معلوم، لكن مضمونها البرقي دل على وجهة الصراع القادم ومحاوره، أو بالأحرى محوره اليتيم، وهو نفي الصفة المدنية عن حزب النهضة. ستكون كل الكتابات والتدوينات والملفات التلفزية في هذا الاتجاه.

حزب النهضة يكافح في وضع دفاع مهزوم لإثبات مدنيته، وقد أعلن منذ مؤتمرة العاشر أنه ليس ناطقا باسم الدين ولا ممثله الشرعي الوحيد، وأنه يسعى في إثبات مدنيته في الداخل والخارج. وقد اتخذ مشاركاته الانتخابية وتسليمه بكل النتائج الرسمية حجة له، كما جعل من قبوله بالتوافق السياسي مع أحزاب مختلفة المرجعية دليلا على تواضعه ورغبته في العمل المشترك ضمن حدود الدستور المدني وضمن شروط السياسة المدنية الجارية في البلاد. لكن تقرير لجنة الحرية والمساواة وضعه في زاوية ضيقة، وصار مطلوبا منه القبول بالتخلي المطلق عن نصوص القرآن في الأحكام الثابتة.

وقد كان واضحا منذ بدء العمل على التقرير، بعد أن شكل الرئيس اللجنة وطلب منها التفكير في أمر تعديل قانون الأحوال الشخصية في مسألة المواريث والعلاقات الزوجية، أن هناك فخا منصوبا للحزب ولا يمكنه تفاديه مهما صدر بياناته بحرصه على التوافق السياسي. وقد فتح الفخ الآن، وجاءت تدوينة نقيب الصحفيين إشارة لبدء العمل في اتجاه نفي مدنية الحزب الذي لا يختلف “عن داعش وعن الخر(..)” (نعم هكذا ورد في التدوينة).

محور الكتابات القادمة ذات الخلفية السياسية الانتخابية بالضرورة؛ هو حزب النهضة “غير المدني”، ولا شفيع له في ما قدم من علامات المدنية.

هكذا سنجد أنفسنا في نفس مدار معارك انتخابات 2011 و2014: اتهام الحزب بالدعوشة، وهروب الحزب من ذلك إلى مزيد من تسول الأدلة على مدنيته ممن ينفونها عنه بكل السبل. وفي هامش ذلك الويل لمن تسول له نفسه الاقتراب من حزب النهضة لغايات انتخابية في قادم الأيام، بحيث تتضح الغاية منذ إشارة الانطلاق: يجب عزل الحزب ولو تخلى عن النص القرآني، والذي هو ليس ملكه ولا ضامن تطبيقه، ولا معنى للتدوينة الهاربة من صحفي يساري غير أنها إيعاز وتوجيه.

حصار النهضة وبناء التحالفات ضدها

كل التحالفات ممكنة، بما في ذلك لم شمل فلول حزب النداء مع اليسار، وهو تحالف قائم ضمنا، وإن أظهر أطرافه عداء لغويا في الإعلام العابر. في استشراف السنة القادمة، لا أتوقع أن يقوم حزب (مهما كان حجمه) ببناء تحالف سياسي وانتخابي مع حزب النهضة، لذلك سيكون العمل على بناء تحالفات على أساس مع النهضة أو ضدها. وبما أنه ليس معها أحد، فالجميع ضدها، ولن تعجز اللغة عن التبرير، فالتقدميون يملكون ألسنة ذربة.

كان مطلوبا من حزب النهضة أن لا يكون كي يكون، فإذا كان كما ينبغي أن يكون لم يكن. وهذه ليست أحجية، بل الصورة الوحيدة المقبولة للحزب هي أن يكون قاعدة انتخابية لغيره. هكذا فكر قبل الثورة نجيب الشابي، ولذلك خاصم الحزب وأعلن معارضته الشرسة له قبل أن يشكل حكومته الأولى في 2012.. وهكذا اشتغل الدكتور المرزوقي معه، ونعتقد أن بقية الطيف الحزبي من غير النداء لا يريدون إلا ذلك. حينها يمكن منحه المدنية التي يسعى إليها ولو “تدعوش” بشكل كلي لكنه لا ينبغي أن يكون في الحكم. إذن هي سنة سياسية وانتخابية بطعم الصراع مع النهضة.

يعرف حزب النهضة أن هناك انتظارات شعبية ثقيلة الوزن انتخابيا؛ تعلق عليه أملا في حماية النص القرآني مما يراه عموم الناس العبث النخبوي. وقد كتب الكثير عن ضبابية موقف الحزب في مسألة قوانين الميراث، إلى حين صدور بيان مجلس الشورى. وسيكون الحزب مطالبا بالإخلاص لموقف برلمانه الداخلي، وقد تكون لذلك فائدة انتخابية، ولكن هناك فخ العلاقة مع الخارج، وخاصة فرنسا.

لقد كتبت جريدة لوموند الفرنسية بصريح العبارة أن قبول الحزب بتعديل قانون الميراث هو بوابته للمدنية. ولا يفوت هنا أن نبرز التناغم الكبير في الموقف الفرنسي والموقف اليساري في تونس، وغير بعيد منهما موقف الرئيس الذي لم يمضغ عباراته، وهو يؤكد أن المرجعية الإسلامية للحزب لا تجعل منه حزبا مدنيا رغم محاولاته الكثيرة.

على ماذا سيكون رهان الحزب في السنة القادمة؟ إثبات مدنيته لفرنسا واليسار أم إثبات تمسكه بمرجعيته الإسلامية في احترام قدسية النص القرآني؟

أحد المواضيع الساخنة للمتابعة في السنة السياسية الجديدة هي مراقبة تراقص قيادة الحزب على حبلين متعاكسين مع الحفاظ على استواء القامة، وهي بهلوانيات مستحيلة على أكبر لاعب سيرك في العالم. ونتوقع أن لا يخرج الحزب متماسكا من هذه المعركة، فلقد وقفت به الزنقة.

نستشرف وضعا مكشوفا بصراعات سطحية

الرهان على الزخم الشعبي المحافظ على قدسية النص قد يضع الحزب في صدارة الانتخابات، بما يؤهله للحكم، فإذا حكم فلن يجد أحلافا من الأحزاب الصغرى، بما يعزله رغم قوته، فإذا غامر وحده عاد إلى وضعه في 2011، ويضرب الحصار الفرنسي على البلد؛ ليدخل في مسار انحدار اقتصادي غير قابل للجبر.

لا نتحدث هنا عن عبقرية في الحكم، فالحزب خال من العبقريات، وهو حزب عادي جدا يفكر مثل البقية وكراسات برامجه هي كراسات ليبرالية محافظة كأنها كراسات ابن علي معادة الطبع على ورق جديد.

لذلك نرى أن احتمالات تكرار فترة 2014- 2019 واردة جدا، أي أن يكون حزب النهضة قد لعب على حبال كثيرة (اكتسب بعض المدنية وحافظ على بعض النص المقدس) حتى عاد بقوة إلى البرلمان، لكنه لا يحكم فعليا، بل تعطل ماكينته الأحزاب الصغرى التي تأخذ في الحكومات أقساطا أكثر من حجمها في الشارع (في الصندوق الانتخابي)، كما فعل حزب آفاق والحزب الوطني الحر في حكومات الباجي المتتابعة.

لذلك، فإن الوضع التونسي لا يتطلب ذكاء كثيرا لقراءته في لحظته الراهنة وفي مستقبله القريب: لم يتغير المشهد، وما زالت كل القوى مرابطة على مواقفها الأيديولوجية والسياسية لما قبل الثورة، ولما قبل 2011 و2014، وستستمر بعد 2019.

ويمكن الاختصار: لن يمكن إلغاء حزب النهضة من الوجود، ولكن مادام الحزب موجودا فلن نرى صورة للحكم على قاعدة نتائج الصندوق الفعلية. وفي غياب احترام نتائج الصندوق، فلن يتحمل أحد مسؤولية فعله السياسي، وسيكون الأفق الوحيد المتاح هو أفق انهيار العملية السياسية برمتها؛ لأن وقوف البلد على شفير الهاوية الاقتصادية لن يدوم أكثر مما دام.

من المسؤول؟ الذين يتلقون الإيعاز بالكتابة من جريدة لوموند الفرنسية متهمون، لكنهم لم يملكوا أبدا الشجاعة السياسية لتحمل نتيجة مواقفهم، لذلك يمحون تدويناتهم بأسرع مما كتبوها.

“عربي21”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *