الدواعش بعضهم أولياء بعض

عادل بن عبد الله

باستقراء مواقف الكثير من النخب الحداثية في العديد من القضايا التي طبعت السجال العمومي بعد الثورة، وبالوقوف عند دورهم الثابت في تغذية الصراع الهووي الثقافوي والإنحياز المفضوح لرؤية سلطوية معينة للدين، تزيد قناعتي بأن مشكلة النخب العلمانية هي مع الدين في ذاته (بعقائده وقيمه ورموزه وتشريعاته) وليست فقط مع أي تعبيرة من تعبيرات الإسلام السياسي (أو الإسلام الإحتجاجي) ولذلك لن يقبلوا بأي إحالة أو تعبيرة دينية، اللهم إلا أن تكون في خدمة موقفهم البائس من الهوية الجمعية.

ومادام هذا الموقف العدائي من الدين مهيمنا على هذه النخبة فلن يتصالح الشعب أبدا مع المفاهيم الضرورية لبناء مجتمع مواطني: ستصبح كل المفاهيم الحديثة “سيئة السمعة”، ولن تنجوَ الديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا العلمانية من النتائج الكارثية لهذا الموقف الطفولي البائس الذي يجد متنفسا في نقد المقدس الديني لأنه لا يجرؤ على نقد المقدس العلماني (وأساسه خرافات النمط المجتمعي التونسي) أو لا يفعل ذلك لأن مصالحه المادية والرمزية ترتبط وجوديا بذلك المقدس (الذي يغطي على كل دنس الخيارات الكبرى للدولة االلاوطنية).

مختصر القول: لو كانت النخبة العلمانية مشغولة فعلا بـ”تونسة” المفاهيم المؤسسة للإجتماع الحديث بقدر انشغالها بخدمة ورثة الإستبداد وبنية التسلط الجهوية-الأمنية-المالية، لكانت تونس في حال أفضل، لأن تنزيل المفاهيم الحديثة وحمل الناس على التطبيع معها واستبطانها سيكون أيسر.. أما والحال على ما هو عليه، فإن تلك النخب العلمانية رغم كل إدعاءاتها ليست إلا الحليف الموثوق لداعش وأخواتها. فدواعش الحداثة بنزعتهم الصدامية ضد كل مظاهر التدين -وبرفضهم دمج البعد الديني أو الروحي في التشريع للمشترك المواطني- لن ينجحوا إلا في تقوية مقابلهم المفهومي وحليفهم الموضوعي: دواعش الإسلام الوهابي.

لم أصدق حتى استمعت وبإمعان لخطاب السيد عبو على الجزيرة

نور الدين العلوي

بدا محمد عبو الفصيح متلعثما ولم يثبت خطا نقديا للتوافق الحاكم الذي يعارضه واقترب خطابه كثيرا وبجمل مرتبكة من خطاب جريدة الشروق… وزاد الأمر سواء أن الخلفية الحقوقية للمتكلم لم تظهر أبدا بل أظهر عكسها وهو يتحدث عن شبهات توزيع أموال إنتخابية وإثراء مجهول المصدر دون أن يقدم دليلا واحدا يستحق أن يتخذ حجة.

اتخذ السيد عبو (السياسي) نفس موقف النخبة التونسية اليسارية من النهضة (مغفلا عمدا النداء) وهو الموقف الذي يوزع الحق في الوطنية والصدق ويرى غيره محل شك وريبة مهما بذل من جهد سياسي ليكون شريكا في بناء تجربة سياسية.

تقييم السيد عبو لمرحلة التوافق (2014-2018) متحيز وعدمي فهو يغفل أن التوافق هو الذي ضمن الإنتخابات البلدية الفارطة والتشريعة القادمة.. كما أنها المرحلة التي ضمنت له بكل عيوبها الإقتصادية مناخ حرية سياسية إذ قطعت طريق العودة إلى الإستئصال السياسي والإحتراب العقائدي الذي دمر به بن علي ربع قرن من حياة التونسيين بما فيهم بل ربما في مقدمتهم السيد عبو نفسه…

نقد التجربة التوافقية على لسان السيد عبو المتلعثم لم يركز على طبيعة الأخطاء التنموية هل هي في الأشخاص أم في الخيارات المتبعة وغلب على خطابه نهج شعبوي لا يفهم منه المستمع بديل السيد عبو المقترح… فقد استنقص ولم ينقد بما كشف أنه ليس لديه خلفية منهجية (برنامج بديل) توجه خطابه…

ظهر لي السيد عبو أقل بكثير من الصورة التي بنيتها له فقد ظهر أقل من زعيم وأضعف من محام… وأبعد ما يكون عن قائد سياسي يشتغل على بدائل فعلية بقطع النظر عن أخطاء خصومه… فمن العسير تأليف الناس على أساس أن الآخرين ليسوا على صواب..

لقد اشتغلت الجبهة اليسارية طويلا على عيوب خصمها الإسلامي لكن لم يعرف الناس أبدا ماذا تريد الجبهة… خطاب عبو كان نسخة كربونية غير جلية من خطاب الجبهة.

لماذا انهار حزب النّداء ؟

صالح التيزاوي

بنى حزب النّداء وجوده على جملة من الأوهام والمغالطات، روّجت لها كتائب الإعلام النّوفمبري، من ذلك أن القادمين الجدد للحكم يمثّلون خطرا على مدنيّة الدّولة، وأنّهم منحازون لخيار العنف، واتّخذ الحزب وأذرعه السّياسيّة والإعلاميّة من حادثة موت “لطفي نقّض” رحمه اللّه، حائطا لمبكاهم. وكانت تهم “الإغتيال” و”السّحل” و”القتل خارج القانون” بداية الكذب المؤسّس لوهم “الإنقاذ”، كما كان حكم القضاء بداية الإفتضاح والإنكشاف.

لتليها كذبة أن حكومة التّرويكا بقيادة حركة النّهضة مسؤولة عن شبكات تسفير الشّباب إلى بؤر التّوتًر، ثمّ اكتشفنا لاحقا على لسان نائبة منهم أن الأطراف التي ارتفعت أصواتها مندّدة بتسفير الشّباب هي التي ربّما كانت ضالعة في تسفيره. ولمّا كشفت الأخبار العالميّة وجود كتيبة تونسيًة تحمل اسم الشّهيد البراهمي تقاتل إلى جانب نظام الإجرام في سوريا انبرت المعارضة “المدنيّة” تدافع بكلّ وقاحة عمّن حملوا السّلاح وانخرطوا في حرب دون علم من الدّولة التّونسيّة بذريعة أنّهم “شباب مؤمن بقيم العروبة”. بما يجعلهم فوق المساءلة بتهمة الإرهاب في حال عودتهم. ولم يكن الإرهاب الذي ضرب في تونس وحصد أرواحا من خيرة أبناء تونس من المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة وأدّى إلى اغتيالين سياسيين، لم يكن ذلك بمنأى عن التّوظيف السّياسي، حيث لم يتأخّر حزب النّداء ومعه حلفاؤه من اليسار وأذرعه الإعلاميّة في تحميل حكومة التّرويكا المسؤوليّة الأخلاقيّة والسّياسيّة.

والحال أنّ الإرهاب ظاهرة عالميّة معقّدة وعابرة للقارّات، ضربت في أعتى الدّول ولم نسمع دعوات إلى إقالة حكومات أو الإنقلاب على المؤسّسات والدّيمقراطيّات لأنّ ذلك هو مبتغى الإرهاب وصنّاعه. فتحوّل الإعلام سريعا إلى منصّات لقصف الثّورة وترذيلها وإبراز رموز الثّورة المضادّة (نداء تونس وتوابعه) في ثوب المدافعين عن هيبة الدّولة والمناضلين ضدّ الوافدين الجدد على الحكم والمنتصرين للفقراء الذين لم يعد في مقدورهم شراء اللّحم أو حتّى إدراك وجبة من “السّلاطة المشويّة” بسبب غلاء الأسعار، وأذرفوا الدّموع أمام عدسات الكاميرا أسفا على ما آل إليه وضع تونس تحت حكم التّرويكا، وكأنّها حكمت عشرات السّنين، ليظهر المتحيّلون الجدد وكأنّهم “مبعوثو العناية الإلهيّة” لإنقاذ تونس.

وكان قد أعلن مؤسّس الحزب إبّان الحملة الإنتخابيّة التشريعيّة والرّئاسيّة بأنهمّ يملكون من الكفاءات ما يكوّن أربع حكومات، وقالوا بأنّهم يملكون برنامجا إقتصاديّا “يدوّخ”، اشتغل عليه المئات من الخبراء. وما إن وصل الحزب إلى الحكم حتّى أغرق البلاد بمشاكله الخاصّة وانشقاقاته وصراعاته الدّاخليّة على المواقع وعلى الزّعامة بسبب المطامع الشّخصيّة وتباين المصالح، فتتالت الإنشقاقات والإستقالات التي شغلت الرّأي العام وأصبحت حديث الدّاخل والخارج وموضوعا للتّندّر وسبب ازدراء الحياة السّياسيّة والنّقمة على السّياسيين، وعطّلت مؤسّسات الدّولة، فيما بقيت مشاكل البلاد خارج دائرة اهتمامهم، ولمّا افتضح أمرهم وتبدّدت الأوهام، أرادوا ترحيلها إلى حكومة جديدة، يشغلون الرّأي العام بمراحل تكوينها، وببرنامجها المستقبلي، كما شغلوه بوثيقة قرطاج حتّى يبحثوا عن أوهام أخرى وأكاذيب أخرى في قادم الإستحقاقات الإنتخابيّة، شعارهم في ذلك: “احييني اليوم واقتلني غدوا” ولم يتعلّموا من دروس التّاريخ أنّ الكذب حباله قصيرة وأنّ الأوهام لا تصنع أحزابا قويّة كما أنّ الخطاف لا يصنع ربيعا.

لا للنظام الرئاسي لا لمنظومة الحكم الجهوية

عادل بن عبد الله

أكبر غلطة نرتكبوها هي أنو نركزو على الدمية وننساو اللي شادد الخيوط االي تحرك فيها. الدمية تبقى دمية حتى كي تأدي دور رئيس دولة والا رئيس وزراء… والدمية تبقى دمية حتى كي يعطوها دور البطولة في مسرحية “المسؤول الكبير”.

مختصر الحكاية: يلزم ديمة نتذكرو دور الرئاسة في إفساد النظام البرلماني المعدل، يلزم نتذكرو انو رئاسة الجمهورية هي اللي تتعمد تأزيم المشهد السياسي وتشليك المجلس النيابي (اللي هو بطبعو مشلك روحو) باش يولي الشعب مستعد للنظام الرئاسي المدستر (لأنو توا نعيشو نظام رئاسي بحكم الواقع).

يلزمنا نفهمو الناس إنو اذا ثمة ضرورة للاستفتاء، راهو المفروض تكون باش توسع صلاحيات رئيس الوزراء، حتى يكون رئيس وزراء حقيقي موش وزير أول عند رئيس الجمهورية.

وهذا ممكن يتحقق بالتراجع عن الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية، بحيث تكون سلطتو مستمدة من سلطة مجلس النواب -اللي يرشح شخص لرئاسة الجمهورية- وموش مستمدة مباشرة من صناديق الاقتراع (لأنو الانتخاب المباشر يعطي للرئيس شرعية كبيرة تنجم تنسف شرعية المجلس النيابي في المراحل الانتقالية الهشة).

سياسات إفشال الحكومة وضرب المصداقية والهيبة متاع مجلس النواب، هي سياسات مقصودة باش المواطنين يقبلوا تجميع السلطة في يد رئيس الجمهورية، وينساو إنو رئيس الجمهورية هو سبب الازمة هاذي ومستحيل يكون هو الحل… لا هو لا ولدو، لا المافيا الجهوية اللي تحكم في البلاد.

الباجي والنهضة لا واحد لا سياسة

نور الدين الغيلوفي

في خطابات سابقة كان الباجي، في كلّ مرّة، يقدّم شهائد الإعتراف للنهضة ويمنّ عليها بإلْحاقها بمَرْكب السياق الوطنيّ.. ويعترف لها بتحسّنها في الإمتحان المدني.. وبأنّها قابلة للتطور.. باستثناء تصريح وحيد أسند إليها فيه ملاحظة (دون المطلوب).. ولكن سرعان ما تراجع عنه (قرصة وذن)…
غير أنّه في خطابه الأخير أعلن المفاصلة معها وصرّح بطلاق بائن بينه وبينها.. بطلبها (هكذا).. وأكّد قوله أكثر من مرّة بأكثر من صيغة.. (بطلبها)..
لا أظنّ أنّ حركة النهضة، التي تحرص مختلف قياداتها على تأكيد التوافق مبدأ في سياساتها، تتخلّى ببساطة عنه.. لا سيما ونحن في لحظة حرجة كالتي تمرّ بها البلاد الآن.

فما معنى أن تتخلّى النهضة عن توافقها مع الرئيس؟
يبدو أن مساحة الاتّفاق قد بدأت تتقلّص بين الجانبين في ما نحن فيه من تقاتل بين قيادات حزب نداء تونس الحاكم.. وبعد أن حصلت المفاصلة بين الباجي الابن ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وإعلان الأوّل تجميد عضوية الثاني من الحزب وبعد اصطفاف النهضة مع رئيس الحكومة حفاظا على استقرار سياسي يوصل البلاد إلى انتخابات 2019 تغيّرت المعادلة وما عاد الرئيس في حاجة إلى حركة تحتكر التماسك الحزبي وتتقدّم بثبات باتّجاه استحقاقات لا يبدو لها منافس فيها.. ولمّا صارت هي الطرف المستفيد من علاقاتها مع قصر قرطاج الذي يهدّده الخواء بعد أن تبخّر ما كان له من سند حزبيّ من المشهد فقد جاءت ساعة الإعلان عن فكّ الارتباط.. إنّ الباجي لا يفيد إلّا متى كان مسفيدا.. ولذلك غامر بالتوافق مع النهضة في بيئته السياسية الرافضة لها… ولمّا استحالت استفادته من علاقته معها فقد أعلن طلاقا بين الجانبين عسى أن يكون لذلك صدى لدى بعض المنتظرين.. الذين ينتظرون أن ينفضّ الجمع.. فينغرزون…

يبدو أنّ الرئيس كان يتكئ على حركة النهضة لتوسيع سلطاته التي حدّدها الدستور.. نعم لقد كان الرئيس مستفيدا من توافقه مع النهضة يستعملها في تحرير استطاعته التنفيذية حتّى اللحظة التي وصل فيها حزب نداء تونس إلى هذا المستوى من التنازع بين قياداته.. وبعد أن صار رأس الحكومة مطلوبا بشكل يهدّد الاستقرار النسبي، الذي عليه البلاد رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة، وبعد وقوف النهضة جنبَ الشاهد في ما يبدو في ظاهره معركة بين خصمين من حزب واحد لا ناقة للنهضة فيها ولا جمل، وهو في الحقيقة معركة بين جهتين إن هي استمرّت يمكن أن تقوّض الاستقرار الهشّ الذي تعيشه بلادنا في محيط مضطرب ينتظر أعواد الثقاب..

قلت: بعد كلّ ذلك وجد رئيس الدولة نفسه غير مستفيد من استمرار توافقه من النهضة فأعلن عن نهاية الصفقة.. نعم لقد كانت صفقة ولم ترق إلى توافق وطني يحدّ من اتّساع التصدّع السياسي في وطن لا يزال يبحث عن الميزان…
بدا كما لو أنّ رئيس الدولة ظلّ في المدّة المنقضية يراود حركة النهضة على التخلّي عن الشاهد ويستدرجها إلى الانحياز إلى صفّ الباجي الابن وهي القادرة على حسم المعركة بينهما تحت قبّة البرلمان لو شاءت.. ولمّا لم تستجب الحركة للضغوط/ الشروط المملاة من الرئاسة أُظهرت على صورة من يتخلّى إراديا عن التوافق مع الرئيس..
وليس يخفى التهديد الضمني في ثنايا تصريحات الرئيس للنهضة بسلبها جميع اعترافاته السابقة بها وسحب إجازاته منها وتركها للعراء..
لقد فقد رئيس الجمهورية كلّ قوّته ولم يبق له من سلطاته غير سلطة قولية تنتهي عند تهديد النهضة بزوال نعمته عنها…
لا أظنّ أنّ الباجي الأب قد بقيت له أضراس ليُعْمِلَها في المستقبل.. لقد انتهى عمره السياسي الافتراضي أطال الله عمره الواقعي…
لقد كانت محاوِرَتُهُ “باهية في الواحد ضعيفة في السياسة” أمّا هو فلا واحد له ولا سياسة…
الباجي صار ماضيًا..
لقد نفد الرصيد..
الرجاء عدم الإلحاح في إعادة شحنه…

ملخص خطاب صاحب الكاريزما

عادل بن عبد الله

فبحيث، أنا جبت الشاهد لأنو ولد عايلة وبلدي من قاع الخابية وقلت زيتنا يبقى في دقيقنا، ووصيتو باش يحط الزيت في القريقية ويسمع الكلام لا نمرمدو كيف اللي قبلو، لكن هو حب يعمل كيف ما يقول هاك المثل “جا يعاون فيه على قبر بوه، هربلو بأختو”…

وأنا قلت للمسؤول الكبير الحكاية هاذي مستحيل تكون إلا بنت وذنو ومانيش باش نسكت، وقابلت الأستاذ راشد وحكينا على التوافق وحلف لي بسيدي بلحسن انو ماعندوش لا يد لا ساق في الحكاية. فبحيث، بما أني كيما قال هاك الفاسق “سي الباجي موش يرضع في صبعو” مازلت لتوا مانيش مصدق انهم يحبوا يهزوني للحلقوم. وأنا جيت الليلة باش نعزي سكان نابل في الناس اللي ماتوا، ونقلهم “الموت عليكم وعلى الشعب الكل حق”. وحبيت نقول للشعب التونسي راهو الزعيم في قبرو موش مرتاح، وراهو جاني البارح في المنام وقلي “يا باجي، بدل عتبة الدار”، وأنا ما فهمتش آش يقصد: نبدل النهضة وإلا نبدل المستشارين متاعي وإلا نمشي نبدل الجو أيامات في فرانسا… فبحيث، نطمنكم أني لاباس وأني مانيش ناوي نترشح عام 2024، ونطمنكم أنو البلاد ماهياش باش تدخل في حيط، وحتى كان خايفين من الحيط، احمدوا ربي ماناش كيف بلدان أخرى ما بقى فيها حتى حيط، واللي حاسس أنو الأمور موش هي ما عليه كان يتذكر هاك الحكمة القمقومة متاع سيدنا حوس “إذا طحت من الشباك أحمد ربي عندك شباك”… والسلام عليكم

الأزمة السياسية التونسية تنتقل إلى داخل “النقابة”

نور الدين العلوي

أخبار متضاربة عما تفعله النقابة التونسية، فالأمين العام للنقابة السيد نور الدين الطبوبي يتحدث عن السلم الاجتماعي بينما تصدر الهيئة الإدارية (برلمان النقابة) قرارات بالإضراب العام، نعرف أن النقابة تجمع داخلها تيارات سياسية متناقضة المشارب والأهواء ونعرف أن هناك على الأقل تيارين كبيرين يسيطران عليها هما تيار اليسار النقابي في مقابل تيار العاشوريين (نسبة إلى الحبيب عاشور أمين عام سابق).

ونتذكر أن هذين التيارين طالما تصارعا للسيطرة على النقابة منذ السبعينيات وتوجيه نضالاتها السياسية، لكن نتذكر أنهما اتفقا على إسقاط حكومة الترويكا بعد الثورة ومساندة الرئيس الباجي؛ لذلك بدا لنا الخلاف الحاليّ منذرًا بعودة الاصطفاف القديم (يسار ضد عاشوريين) ونستشرف أنه سيكون عميقًا وأن المصالحات الداخلية التي كانت تسود بعد كل خلاف ستكون عسيرة، لنفصل بعض وجوه الخلاف الأخير.

أهم محطات الخلاف الأخيرة

كانت قيادة النقابة على قلب رجل واحد في خدمة نظام بن علي وظلت كذلك في حربها على حكومة الثورة التي جاءت بانتخابات 2011، لم تسمح لأحد بالحكم بل تحولت إلى متحكم في المشهد السياسي ومجرياته مستغلة هشاشة المشهد الحزبي واصطفافه ضد الإسلام السياسي (حزب النهضة)، وفي معركة انتخابات 2019 التي بدأت مبكرًا نزلت النقابة بثقلها إلى جانب الرئيس وابنه ووضعت إسقاط حكومة الشاهد هدفًا رئيسيًا.

كان من أدوات هذه المعركة تقرير لجنة الحرية والمساواة أو ما سيعرف في تونس بتقرير بشرى (رئيسة اللجنة) الذي كان ينتظر الموقف الرجعي لحزب النهضة من مسألة الميراث ليظهر حزب النهضة حزبًا رجعيًا معاديًا للتقدم، لكن الموقف المحافظ جاء من الأمين العام للنقابة؛ مما أصاب جمهور اليسار واللجنة بالذهول، ففي النقابة تيار محافظ غير مستعد لإدخال النقابة في نقاش مسلمات الدين الإسلامي، وكانت هذه أول محطة خلاف، فالنقابة أو على الأقل الأمين العام لن يشارك في معركة حداثة ضد إسلام سياسي.

المحطة الثانية التي أشّرت على عمق الخلاف هو تصريح الأمين العام بعد لقائه برئيس الحكومة حيث قال إن مشاكل الحكم بما في ذلك مسألة استمرار الحكومة من عدمه يحل في البرلمان وليس خارجه، هذا التصريح جاء عكس كل لغة التصعيد النقابي منذ فشلت مفاوضات النقطة 64 من وثيقة قرطاج الثانية التي كانت تهيئ الشارع لإسقاط الحكومة.

للرد على هذا التوجه الديمقراطي الذي أظهره الأمين العام فجأة ودون مقدمات جاءت قرارات الهيئة الإدارية بالتصعيد والدعوة إلى إضرابين عامين في الأيام القادمة والهدف دومًا إسقاط الحكومة.

لقد استغرب الكثيرون انحناءة الأمين العام أمام الشاهد وقبوله العودة إلى البرلمان لحل الخلافات السياسية، لكن إذا ربطنا هذه الإنحناءة بالمكسب الذي حصل عليه الأمين العام في تفاوضه مع نقابة الأعراف بزيادة تعتبر مجزية (6 فاصل 5 بالمائة) نستشف أن هناك تيارًا يشتغل على بقاء الحكومة حتى نهاية مدتها ممثلاً خاصة في نقابة الأعراف التي قبلت بزيادات غير معتادة (كانت الزيادات في عهد بن علي تتراوح دومًا بين 3 و4 بالمائة في أحسن الحالات).

انعقدت الهيئة الإدارية في ظل هذه الأجواء المتضاربة بين تيار الأمين العام العاشوري وتيار اليسار الذي ينطق باسمه سامي الطاهري الأمين العام المساعد من حزب الوطد (الوطنيون الديمقراطيون ضمن الجبهة الشعبية)، ويبدو أن تيار التصعيد هو من فرض موقفه، فصدرت إعلانات الإضراب العام في القطاع العام ثم الإضراب العام في الوظيفة العمومية بحجة حماية القدرة الشرائية للشغالين.

هنا تجلى الاختلاف في تيار التصعيد الذي يمكن نعته بتيار التوريث (توريث ابن الرئيس) مقابل تيار العمل المؤسساتي، فكيف سيدار الصراع في الأشهر القادمة؟

القطاع العام الأسير

صار يقينًا أن النقابة لا يمكنها الاعتماد على أجراء القطاع الخاص لتحريك الشارع، فأصحاب المؤسسات الخاصة لا يولون أي اعتبار للنقابات، والسائد بينهم أنه ليس أسهل من شراء نقابي بسيارة إدارية وممارسات رشوة النقابيين منتشرة بينهم، والنقابة في حقيقة وضعها لا تعمل على توسيع انتشارها في المؤسسات الخاصة لأن إجراءات الاقتطاع الآلي من المصدر (أي تحويل مبالغ الانخراط من الأجر إلى النقابة) لا يتم تطبيقها لذلك يبقى قطاع مؤسسات الدولة هو القطاع الأثقل داخل النقابة والأسهل في التحريك عند الحاجة والذراع التي توجع كل الحكومات.

تكذب النقابة عندما تتحدث عن مطلب حماية الأجراء، فالأجراء الأشد هشاشة هم أجراء القطاع الخاص الذين قبلت لهم زيادة لا تساويهم مهما ارتفعت بأجراء القطاع العام حيث لا تزال الفوارق في الأجور واضحة، ولذلك يقوم ذباب النقابة الإلكتروني الآن بحملة أكاذيب منهجية تتمثل في بث أخبار عن التفويت في المؤسسات ورفع الدعم عن المواد الأساسية، والحكومة تتابع الإشاعات وتنفيها بشكل رسمي لكن الأجواء تهيأت بفعل ذلك للإضراب العام.

لقد نقل الرئيس معركة توريث ابنه إلى داخل الإدارة، هذا جوهر موقف/نتيجة قرارات الهيئة الإدارية الأخيرة، ومهما تسترت النقابة (تيار التصعيد/التوريث) بمطلبية اجتماعية فإن جوهر المعركة يظل إسقاط الشاهد من أجل أن يمر ابن الرئيس إلى سدة الحكم ولو بإحداث أزمة حكم تؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى وهو ما يريده الرئيس ويعمل عليه تيار اليسار النقابي الذي اشتغل دومًا كعصا غليظة للمنظومة (الممثلة الآن في الباجي وابنه) ضد تيار الإسلام السياسي (الذي وجد نفسه في شق رئيس الحكومة برغبة منه أو بخوف من الفوضى المؤدية إلى إسقاط المسار الانتخابي/الانتقال المؤسساتي)، فهل يفلح تيار التهدئة في إعادة النقابة إلى العمل المؤسساتي؟

متى تتدخل السفارات؟

هذا السؤال العار هو الذي ينتظره التونسيون، هناك مشهد لم يتجل بعد بكامل الوضوح لكن كثيرًا من التونسيين يحللون به المشهد ولديهم حجج تزداد متانة، وهو أن تيار التوريث هو تيار السفارة الفرنسية في مقابل تيار الشاهد (مع النهضة واتحاد الأعراف) وهو تيار السفارة الأمريكية، وقد صار من النكت السمجة والحزينة في تونس أنه كلما ارتفع خطاب السيادة الوطنية انتظر الناس تدخل إحدى السفارتين لتغليب تيار على آخر، السفارتان تختصمان على قيادة البلد فيما النخبة تسوق خطاب السيادة الوطنية.

لقد صارت صور السفير الفرنسي في مكتب الأمين العام صورًا عادية تروجها النقابة دون حياء، لا غرابة أن نرى السفير الأمريكي بدوره في مكتب الأمين العام رغم أن احتمال دعوته إلى السفارة أقرب من تلقيه زيارة السفير.

من أوصل البلد إلى هذه الحالة من الهوان؟ لم تعد الإجابة عن هذا السؤال مهمة، فالواقع الآن أن النقابة انقسمت ومن قسمها هو الرئيس لأجل غاية واضحة فعل كل الممكن لقطع مسار سياسي لا يخلد الحكم في بيته وأسرته، وقد التقت مصلحته مع مصلحة اليسار الذي يفعل كل الممكن لقطع الطريق على حزب النهضة.

هل يملك الشاهد في الأيام القادمة وسيلة لإيقاف مسار التصعيد؟ إن أسلوبه الصعيدي ينذر بمعركة كسر عظم مع النقابة، وقد تنتهي المعركة بكسر حقيقي داخل النقابة يتجاوز كل قدراتها على لملمة مواقفها والحفاظ على بنيانها سليمًا (سنختبر في الأثناء مصداقية ما يهدد به من ملفات جزائية لبعض القيادات النقابية).

ليس من السهل بناء توقعات ثابتة للأيام القادمة (كمقدار الاستجابة لدعوة الإضراب العام)، فالجميع منفلت بلا شكيمة في اتجاه السيطرة المسبقة على نتائج انتخابات 2019، لكننا نختصر بألم أن القرار النهائي سيكون في حوار بين السفارتين بينما سنسمع حديثًا كثيرًا عن استقلالية القرار الوطني، هناك على الأقل يقين يترسخ أن هموم الأجراء المفقرين هو آخر هموم النقابة، بعدها سيقول كل من ملك حدًا أدنى من الوعي السياسي دعني أبادر فقري بما ملكت يدي.

“مثقف النمط” أو “صانع التماثيل” وقاتل الحياة

عادل بن عبد الله

ممّا رسخ في ذاكرتي من كلامهم تقدّست أسرارهم: “إذا رأيت سكران يتمايل ، فتمايل معه”… والناس في عالم الكون والفساد بين سكران بالحق وسكران بالخلق وبينهما أصحاب أمزجة فاسدة لا يُعوّل على سكرهم ولا على صحوهم… فاختر خمرتك وسمّارك وساقيك فإنك لن تطيق الوجود ولن يطيقك إلا بالسكر الذي لا صحو فيه أو بالصحو الذي لا ضد له.

دعكم من ورثة من سأل عن حكم قتل الذبابة بعد أن قتل الحسين (رض)، ودعكم من هؤلاء المرضى الذين تتسع إنسانيتهم لتتعاطف مع “الأضاحي” أكثر مما تتعاطف مع المستضعفين الذين “يؤمنون” بالعيد، دعكم من هذه “الإنسانية” و”الحداثة” و”التقدمية” التي تتسع لتفهّم عبدة الشيطان وعبدة البقر، إنسانية تستطيع تبرير قبح الكون كله ولو كانت في أقاصي درب اللبانة، ولكنها سرعان ما تضيق حتى يصير البشر “خرفانا” و”جرذانا” و”كلابا” عندما يؤمنون بما يضادد أساطير التنويريين وأناجيلهم المنحولة…

دعكم من ورثة يزيد، وورثة المقيم العام، دعكم من هؤلاء المبشّرين بأسوأ مدارس الإستشراق الصهيو-مسيحي… دعكم من خطابات البؤس التي تشيع الضغائن وتمقت الفرح الذي لا يسكن منازل “الملاّكة”، دعكم من أصحاب الدماء “الحمراء”، تمتعوا بعيدكم في كل نفس، وانظروا إليهم بعين الرحمة فما هم إلا مرضى يظنون أوهامهم ترياقا للعالمين.

دولة المساحيق

نور الدين الغيلوفي

ولو كنتَ في بلدٍ سياحيٍّ…
نحنُ دولة أدعياء.. نتنافس دعاوى فارغات تجعل منّا مثارا لسخرية لا تزول ما دام في الأجواء غيوم لا نفقه لغتها..
نتظاهر بالحضارة ونتغنّى بالأمجاد ونحصي الكفاءات.. نفتّش عن حضور لنا موهوم في دفاتر الحفريات.. ونضجّ بفرح سخيف نخفي به غباء مخيفا.. بل نتفاخر بمنجَزاتنا الخارقة ونحن قابعون في جُحر منيع ننافس الأنعام طمأنينتها فتنجو بيقينها ونقع في حماقتنا.. نتنازع أوهاما ونلوذ بيقين مميت.. وكلّ حزب بما لديهم فرحون.. كلّ منّا يدّعي احتكار مفاتيح الحلول ويُسْكِنُها “لو”.. وينفي عن نفسه الامتناع.. حتّى إذا انفجرت الطبيعة فينا لم تستثن أحدًا منّا.. الكلّ سواسية أمام عبث الطبيعة بمزاعم العظمة الوطنيّة الكاذبة…

العوامل الطبيعية لوحدها كفيلة بأن تكشف زيفنا وتعرّيَ ركودنا وتحصي علينا قعودنا وهواننا على طبيعة صارت كتابا مفتوحا لمن حولنا من بشر سكنوا الأودية ونزلوا عند المنخفضات ولم يخافوا صعود الجبال ولا تركوا استعمال الحفر… هؤلاء أمنوا الطبيعة حين لم يطمئنّوا وعاشوا بين البدائل.. في بعض الدول المنخفضة ينامون بعين واحدة على مدار السنة.. ولكنّ عقولهم تنجيهم.. وتنام منّا العقول.. ولا نجاة لمن نام عقله…
لسنا ندّعي أنّ الإنسان في البلاد الأخرى قد بلغ الكمال وسيطر على الطبيعة وأمن مفاجآتها وفي كلّ حين يأتينا من الأنباء ما فيه مزدجر.. ولكنّنا نقول إنّ الإنسان، غيرنا، قد استنفر ذكاءاته وأنجز من الأعمال ما به يتغلب على أعتى المظاهر وأشرس العوامل.. فبنى الجسور وسوّى الطرقات ورفع المباني وحصّن المدن ووضع البدائل.. وأتقن ما أنجز عشقا للفعل واحتراما للشرف وتقديسا للإنسان.. أمّا نحن فدولة مبنية على الزيف والتصفيق.. دولة بنيانها قائم على الغش والسلب والنهب تحت رعاية الظلم والقهر والكبت.. والتصفيق…

كلّما نزل المطر ببلادنا ظهرت بنزوله الكوارث رغم خلايا الأزمات الميتافيزيقية المنعقدة التي لا أحد يدري عن أمرها شيئا.. ولعلّ شأنها ككثير من الخلايا واللجان التي هي أشبه بالغول والعنقاء والخِلّ الوَدود.. نقاوم الأزمات الماحقة باسطوانة قديمة لا نريد تغييرها خوفا وكسلا وعجزا.. “أسقطنا” نظاما ولا نزال نتكلم لغته ونستعيد سيرته.. والأمور تحت السيطرة.. كأنّ المسؤولين قد صعدوا إلى السماء ليتفاوضوا معها وخرجوا من مفاوضاتهم بميثاق سلام دائم وشامل.. وكذلك فعلوا في السنة الماضية حينما غرق معتمد مطماطة الذي جرفته السيول.. هذه السنة كأنّ السماء قد خرقت ميثاقها مع جلالة دولتنا…
1. بنزول الأمطار تزول أصباغنا ونقف أما المرآة بوجوهنا العجفاء القبيحة.. تتكسّر طرقاتنا وتتهدّم جسورنا وتحتلّ المياه منازلنا كما لو كنّا في خيام الأوّلين…
2. إذا ارتبكت حياتنا المدنية العريقة ولذنا بالفرار هربا من طريق احتلّتها مياه الأمطار وجد المنحرفون طريقهم آمنة واستلّوا خناجر غدرهم ليطعنونا في حلف شيطانيّ مع طبيعة جبّارة لا يثنيها استصراخنا…
3. عجزت دولتنا مرّتين:
مرّة حين وقفت عاجزة أمام جبروت الطبيعة الذي لا يقاوم.. ومرّة حين غفلت عن محترفي الانحراف وتركت لهم الخناجر ليطعنونا.. وكانت غفلتها ذات وجوه ثلاثة:
وجه قانونيّ حين استهان المنحرفون بالمعاقبة فعقروا الناقة..
ووجه أخلاقي.. إذ لو أنّ دولتنا اعتنت بتربية ناشئتنا على الأخلاق لتعطّلت آلة الجريمة إلى حين ولما وجد الإجرام مناخا آمنا في زمان الازمات..
ووجه اجتماعي.. فلو أنّ العدل كان مطلب دولتنا لانحسر منسوب الانحراف مع ارتفاع منسوب المياه…