الإتحاد ليس ملكا لأشخاص

علي سلطان

الإتحاد العام التونسي للشغل أيقونة البلاد التونسية
إذا الشعب أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر
ومن لا يحب صعودَ الجبال * يعِشْ أبد الدهر بين الحُفر
هذين البيتين من أرقى ما قيل في الشعر العربي القديم والحديث بل وحتى الإنساني، فقلما عرفت البشرية أن شاعرا خلد إسمه ببيت شعر واحدة…
“أحبك يا شعبْ” جملة قصيرة، شاملة، معبرة، سامية في معناها. من الصعوبة بمكان أن تَجِدَ مَثِيلتِها في عالم النثر… فهذه الجملة تَخْتَزِنُها الذاكرة الشعبية، تُستحضر بوعي وبدونه عند الشدائد والزلازل، فهي دعوة للرُّقي بالإنسان بالمحبة. فإذا سادت المحبة بين الناس تنتفي بعدها الأنانية والكراهية وكل سلوك مُشين. فالسلوك الجَمعي المُكتسب محُدِّد رئيسي في مدى إيجاد الآليات والمكنزمات المناسبة الذكية لكسب معركة العلوم ثم التنمية. فبدون احترام متبادل بين الناس لا يمكن أن نتحدث عن تنمية وإصلاح منظومات الحياة… وما أكثرها. هذا السلوك الاجتماعي إن ساد بين الناس من ناحية يوفر الأرضية الخصبة لتطبيق القانون بكل صرامة بين الناس ومن ناحية أخرى يكون سدا منيعا أمام المتربصين والمتاجرين بحقوق الناس داخليا وخارجيا. هكذا تُبنى الأُمم وتكسِبُ مناعتَها وسيادتَها.

أحبك يا شعب هكذا صدح بها حشاد متوجا بها عمل نضالي امتد منذ 1936 بإحدى شركات النقل البحري الذي طُرِدَ منها سنة 1939م لنشاطه النقابي ودفاعه المميت عن الطبقة الشغيلة وعن هاجسه الوطني… أنشأ بعدها في 20 جانفي 1946 منظمة الإتحاد العام التونسي للشغل بمعية العلامة محمد الفاضل بن عاشور وانتُخِب كأول أمين عام للمنظمة، مما أهله عضوا مساعدا للإتحاد الدولي للنقابات الحرة.
كانت منظمة حشاد النِّبرَاسُ النَّيِّرُ للحِراك الوطني في مواجهة قوى الشَّر الفرنسي وفي سنة 1952 تولى مسؤلية قيادة المقاومة بمعية قيادات تاريخية راسِية في الجبال كالدغباجي والبشير بن سديرة والأزهر الشرايطي والساسي الأسود وبقية رجالات الفلاقة، فاشتدت التحركات الشعبية تزامنا مع انتهاج الكفاح المسلح، فكان تلاحما صادقا وطبيعيا مبشرا بتحقيق أماني البلاد والعباد، لِتتحالف قوى الشر في الداخل قبل الخارج لاِجهاض الإستقلال التام، ولنكون على ما نحن فيه اليوم من تبعية وتخلّفٍ في العلوم خاصة… ولتبقى كتابة الفصل الثاني وإتمام المسيرة تُراوح مكانها حتى يَكسِبَ هذا الشعب المِقدار اللَّازم من العلم والمعرفة ثم الوعي والإدراك والحكمة. ولتبقى كذلك مسيرة حشاد الذي أقضى مضجع فرنسا حيا في تونس، وألهب صدور جماهير العالم الحر وقَوَّى شوكة المقاومة خارج تونس ميتا. سيضل إسمه يحلق عاليا في سماء كل الشعوب الحرة، وإلى كل نفس بشرية ترنُو إلى الحق… فامتدت لَهُ يد الغدر بأوامر فرنسية سنة 1952م.

ففي هذه الملحمة الوطنية كانت منظمة الإتحاد العام التونسي للشغل طرفا أساسا التي صاغتها بإخلاص وتفاني، وبالتالي أعطت لنفسها حق التَّمَلُّك لكل التونسيين الشرفاء.
فليس من حق أي كان أن يختزل الإتحاد في شخصه أو جماعته، وبناءً عليه لا يحق لأي نقابي مهما كان موقعه أن يتكلم باسم المنظمة إن لم يرتقي بأفعاله قبل أقواله إلى مستوى منظمة حشاد.
كفانا عبثًا واستهتارًا بمكاسب الإتحاد، ونحن نقف منذ عُهدة الحبيب عاشور على تعدٍ صارخ لميثاق المنظمة من قِبل المكاتب التنفيذية المتتالية.
فليس من حق أمينها العام وأعضائه اليوم في 2018 أن ينصبون أنفسهم أوصياء وينفون هذه الصفة على بقية المنخرطين، فالمنظمة ملكٌ ُمشاع لكل التونسيين، وهي إرث إجتماعي، مَن دَخلها مؤتَمَنٌ على حقوق الناس مُحافِظٌ على ميثاقها، رَافِضٌ لكل تَجيير لأي جهة أو حزب.

فالمقياس اليوم هو كالتالي: أي موقف متخذ من قِبَلِ المكتب التنفيذي، إن لم يُراعي فيه المصلحة العليا للبلاد، وأمنها القومي، وسيادتها فهو يرتكب من حيث يدري جريمة أخلاقية ومادية في حق الشعب التونسي…
ولنفترض جدلاً أن المكتب التنفيذي الحالي اتخذ في هذه الفترة الحساسة من تاريخ البلاد مواقف تصحيحية صادقة، فإلزامية محاسبة كل من خرق ميثاق المنظمة أَمرٌ حتمي.
فإهدار مال المنظمة لا يتطلب بحثًا دقيقا فالمدخول السنوي يفوق 40 مليار، ولا نرى له أثر في واقع منظورِيها (صندوق للمتضررين = الطرد التعسفي، وحوادث الشغل، الاستحقاقات الصحيَّةُ المكلفة للأمراض المزمنة ووو).
إضافة إلى كل هذا البلاد اليوم في حالة فراغ قانوني رهيب، فلا محكمة دستورية ولا تنقيح لكل المجلاَّت القانونية والعقود المشتركة.

فبعد هذا الطرح البسيط أقول إن هذا الصرح الذي بناه حشاد بمعية الوطنيين الصادقين محفورًا في الذاكرة الشعبية. يجب أن يبقى رافدًا أساسياً للحِراك الجمْعي وذلك بمساهمته مع المؤسسات الفكرية الناشئة لإنتاج فكرً اجتماعيا قادرا على مواجهة توحش رأس المال تحت معادلة الإستثمار والتنمية.
والقول بأن أعضاء المنظمة اليوم هم امتداد لمنظمة حشاد أكذوبة كبرى لا يصدقها عاقل فحشاد لم يستمع إلى خِطَابَات حسين العباسي في كل محطات عيد الشغالين وهو يشيد بعهد السابع من نوفمبر، ويَخرسُ أمام كل الجرائم الإقتصادية لعصابة الطرابلسية، وقبله كان عبد السلام جراد وأعضائه -المستمرون إلى اليوم- يتمسح بأسلوبٍ مقرف في المناسبات الوطنية (أنظر خطابه في عيد الشغل 2010 خاصة).
وفي 13 جانفي 2011 بعثت منظمة حشاد في حق ممثليها القانونين جراد والعباسي بالوثيقة الإدَانة، واضحة المعالم لا لبس فيها، اعترافات صارخة وناطقة، مساندة الدكتاتورية النوفمبرية، التغطية على شبكات الفساد، الإِصطفاف التام إلى جانب الثورة المضادة.
والدلائل كثيرة، منها المشاركة الوقحة فِما سُمِّيَ باعتصام الرحيل، الإصطفاف التام مع رموز الدولة العقيمة والعَميِقة لتعطيل الإنتاج بـ 40 ألف إضراب (لو أصاب ربع هذا الرقم ألمانيا لأُصيبت بشلل إقتصادي لربع قرن)، مما تسبب في إغلاق عشرات المؤسسات.

وهذا نص البيان:
الإتحاد العام التونسي للشغل
الأخ الرئيس زين العابدين بن علي
إن الإتحاد العام التونسي للشغل يُدين الأحداث التي جدت بعدة مناطق بالجمهورية والتي كشفت فيها السلطات مآرب هذه الفئة الظالة ومن يقودها
كما تصدى شرفاء الإتحاد العام التونسي للشغل لإحباط عدة مظاهرات والضرب على الآيادي الخفية التي تسير ما يسمى بثورة المنتحر البائس محمد البوعزيزي.
كما نعلمكم أن الإتحاد العام التونسي للشغل بكامل خبرته وحنكته في مثل هذه الظروف العصيبة أن يحول التجمعات في تونس والشعارت بأن ننادي بالمطالبة بترشيحكم سنة 2014 والتي يتمنى الإتحاد العام التونسي للشغل أن يواكبها إعترافا لكم بما قدمتموه لهذا الوطن العزيز ولتونس التغيير٠ كما أعددنا جملة من الأدلة الموثقة ضد من نعتبرهم رموز الفتنة وهم قياديي المظاهرات في كامل تراب الجمهورية أمنتنا بها ممثلو النقابات المحلية والجهوية ضد المحتجين و المعتصمين أمام الوزارت والولايات والمعتمديات و المؤسسات والشوارع يعطلون الإقتصاد والأعمال محاولين إحداث البلبلة والفوضى وإن لهم بالمرصاد للحفاظ على المكتسبات والمصالح الوطنية
تونس في 13 جانفي 2011
والسلام
الإمضاء عبد السلام جراد

هذا لَعَمْرِي وثيقة واضحة المعالم، تُلخِّصُ بكل وضوح المسيرة الخفية التي انتهجها الإتحاد بعد فترة الحبيب عاشور. بيان تاريخي لسقوط أخلاقي دراماتيكي، فيه من الدلالات والإعترفات الواضحة والجلية، تُدين كل من تحمل مسؤولية داخل الإتحاد من عضو قاعدي إلى أعضاء المكاتب الجهوية إلى أعضاء الجامعات وُصُولاً إلى أعضاء المكاتب التنفيذية.
والآدهى من ذلك أنهم مانفكُّوا إلى يوم الناس هذا يَصُمُّونَ آذانهم عن سماعِ الحقيقة، بل تراهم في كل مِنبرٍ يَنفُوونَ بشراسة تعاونِهم مع نظام المخلوع كذِبًا وبُهتانًا،
والحال أن التنسيق والعلاقة الحميمية ثابتة بِالحُجَجِ والبراهين… مُتَناسينَ أن منظمة حشاد كانت مَلجأً لكلِّ مظلومٍ فحَوَّلُوهاَ مَلاَذًا إلى كُل مُتسكِّعٍ عِربيد، وكُلِّ حاقد على من يُخَالِفه الرأي لا أكثر، فمنذ فترة الحبيب عاشور بدأَ تواجُدِ قلة منحرفة من اليسار الإستئصالي لا وزنَ لهم اجتماعيا ولا قيمة لهم فِكريًّا أصبحت المنظمة بعدها تُأتَمَرُ بأوامرهم لتنسَاقَ بعدَها للتَّنسيق الكامل مع النكبة النوفمبرية خُفيَةً كخفافيش الظلام، يُحيكون الدَّسَائس وينتحِلونَ الكَذب ضد كل شرفاء الأُمة والوطنيين الأحرار، يبثُّون الخراب في كلِّ موقع ويزرَعوُن الفتنة أينماَ حلُّوا، يُساندُونَ الإستبداد داخل الوطن العربي بكل وقاحة، ويتظاهرونَ بالثورية داخل أوطان سايكس بيكو…
إنها حياة تعيسة لهؤلاء مغْمُوسُون حتى النُّخاع في الرداءة، ويسوِّقوُنَها على أنها الحداثة…

والمُتمعِّن في خِطابهم يقِف على مقدار الفتنة الذي دأبوا على بثِّها متَسَتِّرين بعَباءةِ الإتحاد لإنعدام وجودهم في المجتمع… وبالتالي واجب وطني وقانوني وأخلاقي محاكمة كل حزبٍ أو منظمة بدون استثناء يثبت ضده الإخلال بالأمن العام، أو تعديه على سيادة البلاد من خلال تلقِّيه أموالاً من جهات أجنبية خاصة.
وإقرارِ إضرابَين (عامين) 24 أكتوبر و22 نوفمبر الذي أقَرَّهُما المكتب التنفيذي دونَ الرجوعِ إلى قواعده كلمة حق أُريد بها باطل، فالإضراب حق شرعي لا جِدال فيه أقرَّته كل المواثيق، أما أن تُؤَمِّنَه عصابة الإتحاد الحالية بعد أن خَبِرنَا اصطفافها مع الثورة المضادة، فقرَارُهم مرفوض أخلاقيا.
فلا يُمكنُ لعاقِلٍ واحدٍ في هذه البلاد مُقتَنِع أنّ اضرابا عاما بيومينِ يُساهِم في إيجاد حُلول اجتماعية ولو بِقدر 5% أفي مثلِ هذه الظروف التعيسة التي تعيشُها البلاد يَتنافسُ الحَمقى على مقَدَّرَات البلاد ولا رادع قضائي يوقِفُ جرائمهم، هدفَهم الوحيد الغير مُعلَن إسقاط حكومة الشاهد خِدمةً للأجنداتِ أسيادِهم. فالمطلوبِ من الجميع العمل، ثم المحاسبة.

أخيرًا أقول إنَّ البلاد التونسية تمرُّ بأخطر فترة في تاريخها القديم والحديث، وللخروج من هذا المأزق التعيس َيتَأَتَّى برسم إستراتجيةٍ مستقبليةٍ من قِبَلِ الوطنين الصَّادقين وذلك بِتفعيلهم لحراكٍ شعبي يكونُ عبرَ إيجادِ منتدياتٍ شعبية في الفضاء العام لا في الصالونات المغلقة ونزل 5 نجوم ويُديرُها ويُشرفُ عليها أكادميون وباحثون تحت عنوان استراتجية المستقبل بدونِ محركات ايديولجية معطِّلة أو أموال داخلية وخارجية، لِصياغة بُنية إجتماعية مُجرَّدة تُحَدد المُؤثرات في مُجرياتِ الأحداث، نكونُ بعدها قد أوجدنا حاضِنة شعبية ارتفع عندها مَنسوب الوعي ألغت ببَداهتها كل فكر متطرف، وَحَيدت كل أيديولوجيا بغيضة وأبعدت أكثر ما يمكن من لصوص المادة والمعنى.

التّاريخ لا يمنح الأغبياء أكثر من فرصة واحدة

عبد اللطيف علوي

ما حدث منذ انتخابات 2014 إلى اليوم، يجب أن يدرّس في أعتى كلّيّات العلوم السّياسيّة في العالم وليس في تونس وحدها. كيف استطاعت النّهضة أن تدمّر تلك الشّبكة القاتلة بكثير من الصّبر والدّهاء والانتظار، كيف بدأت بكسر التّحالفات الّتي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثمّ انتقلت إلى مرحلة تفجير النّداء نفسه، مثل الصّخرة الكبيرة الّتي تغلق الطّريق، ظلّت تعالجها بالمطرقة من الأطراف، فتتطاير الحواشي وتتفتّت ثمّ حين لم يبق سوى النّواة الدّاخليّة الصّلبة، صارت ضربة واحدة واثقة وشديدة التّركيز كفيلة بشطرها نهائيّا بشكل لا يمكن التحامه فيما بعد، وهو ما حدث مع أزمة الشّاهد وحافظ، ذلك الصّراع الّذي أدّى إلى لحظة الانشطار الكامل لصخرة المنظومة القديمة، وفتح باب الأمل مجدّدا في أن تعود قوى الثّورة إلى الصّفّ الأوّل مجدّدا، وتقود السّفينة في الانتخابات القادمة بإذن الله.

ما حدث طيلة الفترة السّابقة هو معركة كسر عظم من نوع آخر، حرب حقيقيّة بلا أسلحة وبلا متفجّرات وبلا قتلى وبلا حرائق أو دخان، حرب خاضتها النّهضة بمفردها في مواجهة جيش تحالف فيه الجميع، بمن فيهم رفاق الأمس وشركاء المصير.
لم يعد السّؤال الآن ما هو خطر المنظومة القديمة على الثّورة، أصبح السّؤال الآن ما هو خطر الأبناء المفترضين للثّورة على الثّورة؟
ماذا لو لم يفجّر زعماء الموز حزبا كبيرا فاعلا بحجم المؤتمر؟
ماذا لو لم يسخّر زعماء اليسار ظهورهم ليركبهم النّداء ويعود على جثث الشّهداء ولحم الجياع؟
ماذا لو لم يكن مثقّفو الجامات مجرّد قنابل صوتيّة فارغة لا تثير سوى الدّخان؟
ماذا لو لم تكن جراحات الأصدقاء وانشغال البعض منهم بحروب القبائل الّتي لا تنتهي؟ أما كان يمكن أن تدفن منظومة الفساد والاستبداد إلى الأبد، وبأقلّ التكاليف؟
لماذا ضيّعتم علينا سنوات طويلة من عمر الثّورة؟ وكرّهتم فيها النّاس وأفرغتم بطونهم وجيوبهم فانقلبوا عليكم؟
حان الوقت لكلّ من حاربوا النّهضة في علاقتها بالثّورة وبالنّداء كي يستخلصوا الدّرس الحقيقي…
لقد كنتم خنجرا في خاصرة الثّورة أكثر من النّداء نفسه.
هذه لحظة أخرى فارقة في تاريخ الثورة، إذا لم تستطع القوى الثورية اغتنامها والبناء عليها من أجل القضاء نهائيّا على منظومة الدولة الفاسدة البورقيبنعليّة، فلا أعتقد أنّ التّاريخ يمكن أن يمنح الأغبياء أكثر من فرصة واحدة.
#عبد_اللطيف_علوي

ما سبب غضب الباجي على الشاهد: فقط ما يسمعش الكلام ؟؟؟

أكرم الزّريبي

لا تحاليل عميقة في نقد الإختيارات الاقتصادية والسياسة والمالية للحكومة ولا تقييم للاجراءات الحكومية المتخذة في مجال التنمية وفي مجال الحوكمة وحسن التصرف في الثروات وفي مجال مقاومة الفساد وفي مجال إرساء دعائم الديمقراطية وإضفاء فاعلية ونجاعة على عمل مؤسسات الدولة…

كلّ هذا غائب في تقييم رئيس الجمهورية لأداء رئيس الحكومة… باستثناء إشارة خاطفة لزلة قانونية/دستورية إرتكبها يوسف الشاهد عند إلغائه وزارة الطاقة بقرار أحادي دون الرجوع لمجلس الوزراء مثلما يوجبه الدستور… وطبعا خطأ مثل هذا لا يعقل أن يفسّر القطيعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في فترة حساسة من تاريخ البلد…

الخلاصة أنّ الخلاف مزاجيّ… قالها الباجي صراحة: “ما يسمعش كلامي…” وكأنه أب يؤدّب إبنه الصغير… ما هكذا تسيّر الدول يا إلهي… خيبة أمل فضيعة…

الباجي الثاني أو استراتيجية الخطة “ب” بالثالوث

أبو يعرب المرزوقي

لا توجد قاعدة مطلقة في الأساس الذي ينبني عليه التأويل الذي يمكن من قراءة الاستراتيجيات السياسية. لكن لي حدس يجعلني أعتقد بخلاف السائد في قراءة خطاب الباجي الأخير أن البلاد مقدمة على صدام خطير وخطير جدا قد يمصر تونس بعد أن اختار الباجي نهائيا عزل النهضة واعتبار الشاهد “بيدقا” نهضاويا.

فالباجي يعلم أن الورقة الوحيدة التي بقيت لديه هي القبول بخطة الثورة المضادة ضد الإسلاميين في الاقليم كله وتحويل حربها عليهم إلى سلاحه ضد الشاهد الذي توهم جماعته أن النهضة أداة بيده والباجي يريد قلب العلاقة واعتباره هو البيدق بيدها حتى يجمع المثلث الذي اعتمده في 2012.

ولما كان أساس التأويل أي قاعدة التأويل ليس تحكميا (مبدأ في السيميوتكس) -La base de l’interprétation- وكان في هذه الحالة لا يمكن إلا يكون غير التوجه العام للسياسة الإقليمية والدولية تجاه “الإسلام السياسي” فإنه من العسير أن أسلم بأن فرنسا وأمريكا تطمئنان للإسلاميين في بلد من بلاد المسلمين حتى في تونس والمغرب مهما تنازل هؤلاء وقبلوا بما يطلب منهم.

ولما اقتنع الباجي وخاصة بعد نتائج البلديات -وهو ما نبهت إلى خطره على الإسلاميين- بأن استراتجية تذويب الإسلاميين وتهميشهم لم تنجح ولما تبين له أن غيره يمكن أن يركب موجتهم مؤقتا حتى يفتك منه قيادة حركته ثم سيستعملها بدلا منه لاحقا لما له من الوقت بسبب سنه فإنه مر إلى الخطة “ب”.
وثالوثه واضح:
1. بقايا التجمع
2. اليسار وتوابعه من القوميين أو الجبهة
3. ما يسمى بالتيار الديموقراطي وبصورة دقيقة بقايا حزب الشابي وحزب المرزوقي وحزب ابن جعفر.
فكل هؤلاء لهم ثأر من النهضة والإسلاميين عامة لتوهمهم أنها أخذت منهم ما يتصورون أنفسهم أولى به منها. وفي الحقيقة لإيمانهم جميعا بأنهم ليس لهم وزن انتخابي في الشعب يمكنهم من الوصول إلى الحكم ديموقراطيا.
وأكاد أجزم -دون أن يكون لدي معلومات بل هو مجرد تأويل- أن المستقيلين من حزب المرزوقي مؤخرا لهم بنحو ما علم بهذا التخطيط الجديد للسبسي.
فتبريرهم للقطيعة مع المرزوقي يشبه إلى حد كبير تبرير الباجي البارحة لشهادة وفاة التوافق مع النهضة.
هم عملوا مع المرزوقي ما عمله السبسي مع الشاهد.
لكنهم لم يسموا النهضة لأنهم ما زالوا يؤمنون ببعض خطة المرزوقي أعني التمييز بين “شعب النهضة” وقياداتها لعلمهم أنهم لا قاعدة لهم وأنهم ربما سيجلبون معهم الكثير من هذا الشعب في انضمامهم للحلف المثلث المتوقع والذي يجعل المرزوقي والشاهد منبوذين اقليميا ودوليا لصلتهما بالنهضة.

وبذلك فما يحلم به الباجي للثأر هو الخطة “ب” التي ستكون أداة الصدام فيها الاتحاد والجبهة والتيار الديموقراطي وهو ما يقتضي التخلص من المرزوقي وابن جعفر وربما حمة الهمامي.
أما الشابي فقد انتهى أمره لأن الدائرة الضيقة حول الشاهد والشاهد نفسه هم من بقايا حزبه الذي لم يعد له وجود.

ولا أعتقد أن الباجي له أدنى وهم حول إمكانية أن تكون الخطة “ب” بقيادة ابنه.
لذلك فرايي أنه سيبحث عن وريث يعده للانتخابات التي وعد بعدم تأجيلها وسيظهره قريبا كـ”دوفان” أو وريث يقود هذا المثلث.
وينبغي أن يرضي الثالوث.
وسيختار من يمكن أن يعتبر “أنظف” واحد من سياسي النظام السابق.

وإذا صح هذا التوقع فلا أعتقد أن حكومة الشاهد ستعمر طويلا.
ذلك أن أسقاطها لن يكون بالطرق الدستورية العادية بل باستعمال الاتحاد. وفي ذلك استيحاء من خطط بورقيبة: فهذه خطته التي نجح بها مرتين في افتكاك السلطة من الحزب القديم بـ”العامة” ضد النخبة التقليدية وبـ”عاشور” ضد ابن يوسف.

والباجي سيجمع بين بقايا الأحزاب الثلاثة التي ادعت المشاركة في الثورة (حزب المرزوقي وحزب ابن جعر وحزب الشابي) ثم بقايا اليسار والقوميين أي أحزاب الجبهة كأحزاب وكمخترقين للاتحاد ضد الاسلام السياسي الذي يمكن بيسر أن يضم إليه الشاهد ومن معه ممن أغراهم الحكم لكن قلبهم عليه ممكن.

كلام المنسحبين من حزب المرزوقي على “قطر وتركيا” رمزين للانحياز النهضوي يصب في هذا الاتجاه وهو من ثم ترشح صريح للانضمام إلى هذه الخطة “ب” في استراتيجية تكوين المثلث والاقناع بأن الشاهد بيدق نهضاوي ما يجعل “حزب فرنسا” له دور لأن ذهاب الشاهد إلى الصين لا يرضيه.

لا أزعم أن هذه الاستراتيجية حقيقة ثابتة.
لكن ما يكاد يثبت أنها هي الخطة “ب” التي اعتقد أنها علة ما قاله الباجي البارحة أمران:
الأول الاعلان عن القطيعة مع التوافق
والثاني الإعلان عن عدم تأخير الانتخابات.
فلا يمكن للباجي أن يؤكد هذين الامرين لو لم يكن له خطة لقلب الموازين.
وما كان ليقول ذلك بكامل الثقة لو لم يكن له ضوء أخطر من “المسؤول الكبير”.
والمسؤول الكبير معلوم من هو في الخارج ومن يمثله في الداخل.
لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. فقد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
والرياح في السياسة ليست طبيعية بل هي إنسانية:
لا بد من استراتيجية مضادة.

والاستراتيجية المضادة لا ينبغي أن تقع في خطأين قاتلين:
1. اطمئنان الاسلاميين للقبول بهم بيسر من المسؤول الكبير
2. الاستهانة بأوراق الخصم داخليا وخارجيا.
فالخارجية هي ما يجري في الأقليم وما ورائه من استراتيجيات دولية.
والداخلية دور الذراعين (إيران وإسرائيل) وانظمة الثورة المضادة.
وقد سبق فحذرت من البلديات.
وسبق وحذرت من الاستعجال في الاستعداد للانتخابات المقبلة وخاصة من الطموح للمشاركة في الرئاسيات والكلام على الترشح لها بدلا من البحث على ترشيح من يحوز على ما يشبه الاجماع الوطني الذي يحد من الوصل بالنكوص إلى قضايا الهوية والمرجعيات المتنافية.

وقبل أن يتكلم الباجي عن نهاية التوافق أشرت إلى نهايته منذ أن أصبحت الأزمة منحصرة في البند الأخير من حوار قرطاج الثاني واعتبار النهضة مسوؤلة عنها.
فذلك كان الهدف منه تحقيق “الترنسفار” الذي يجعل “الشاهد” الذي خرج عن طوع الباجي بكونه يفعل بسبب كونه دمية نهضوية.

ولا بد من الاعتراف بأن مرض التصريحات المجانية جعل النهضة تتحول إلى طرف في صراع النداء بدعوى الكلام باسم المصلحة الوطنية وهو عندي خطأ استراتيجي لأن المصلحة الوطنية كانت تقتضي مواصلة المهادنة التي قطعتها الانتخابات البلدية وعمقتها هذه التصريحات المجانية المتعلقة بانتخابات 19.

وختاما فإني شبه مقتنع بأن من نصحوا النهضة بهذا الموقف -وطمأن قياداتها بأن القوى الغربية قبلت بها وبالاسلام في تونس- قد دفعوها دفعا إلى تحقيق شروط نجاح الخطة “ب” التي سيلجأ إليها الثالوث الذي وصفت:
يكفي أن تتكون جبهة إنقاذ بعنوان مقاومة “أخونة” تونس حتى ينجح الباجي فيقلب الموازين.
وقد اقترحت -لما أعلنت بأن التوافق انتهى بسبب الأزمة- أن تنفتح النهضة على الدساترة وما بقي من حزبي الترويكا لأني كنت أتوقع أن الباجي سيسارع إلى الخطة “ب” والتي لا يوجد سواها أي جمع الأحزاب التي تدعي الـ”الديموقراطية” والتنوير والتحديث ضد من يتهمون باللاديموقراطية والظلامية والتأصيل.

طبعا هم يعلمون أن هذه الدعوى كذب في كذب. لأنه لا يوجد ديموقراطي يدعو للإنقلاب العسكري أو يحالف بشار وحفتر وأميري الخليج اللذين يقودان الثورة المضادة ويعمل بأوامر من “المسؤول الكبير”.
لكن الأمر هو كذلك والتعامل السياسي مع هذه الوضعية هو مأزق الاقليم كله وليس تونس وحدها.
فلا شيء في المفهوم ولا في التاريخ يثبت أن العلماني تنويري وتقدمي وديموقراطي بذاته أو يثبت أن الإسلامي ظلامي ورجعي ومستبد بذاته.
كلا القولين خرافة وبروباغندا لأن من حكم الأقليم منذ بعد ما يسمى بـ”الاستقلال” كلهم يدعون ما يزعمه أصحاب هذه الدعوى الذي هم عملاؤهم وورثتهم ولم نر غير الاستبداد والفساد والتبعية البنيوية لمافيات الغرب.

ولم أقترح ذلك من باب اسداء النصح لأني أعلم ألا أحد ينتصح إلا بعد فوات الفوت.
لكن كلامي كان من باب البحث في شروط إمكان تجنب ما يسمى عند من يتصور السياسة فن الممكن دون أن يصل ذلك بفن التوقع.
فالفصل بين الفنين هو الذي يجعل السياسة تتحول إلى إكراهات بلا بدائل.
وطبعا فمثل هذا الكلام يعتبر من النظر الذي يوصف تحقيرا ونبزا بالـ”تفلفس” بمعنى أن من يهملون ضرورة التوقع يعتبرون من يدخله في حسابه قابلا لأن يوصف بكونه من نوع “المتفرج فارس”.
في الحقيقة المباشر الذي لا يتوقع من جنس لاعب الشطرنج الذي لا يرى إلا حركة واحدة في الرقعة.
وكل ما يجري بعد الحركة الواحدة يصبح إكراهات سياسية كما في الشطرنج فيغلب عليه الارتجال والرماية في عماية.
ذلك أن التكتيك لا معنى له من دون استراتيجية.
فلا يمكن في بلد وأقليم سيطرت عليهما المافيات المحلية والأقليمية والدولية في كل المجالات التسرع.
فهو دليل عدم الحذر والحكمة.

الباجي والنهضة لا واحد لا سياسة

نور الدين الغيلوفي

في خطابات سابقة كان الباجي، في كلّ مرّة، يقدّم شهائد الإعتراف للنهضة ويمنّ عليها بإلْحاقها بمَرْكب السياق الوطنيّ.. ويعترف لها بتحسّنها في الإمتحان المدني.. وبأنّها قابلة للتطور.. باستثناء تصريح وحيد أسند إليها فيه ملاحظة (دون المطلوب).. ولكن سرعان ما تراجع عنه (قرصة وذن)…
غير أنّه في خطابه الأخير أعلن المفاصلة معها وصرّح بطلاق بائن بينه وبينها.. بطلبها (هكذا).. وأكّد قوله أكثر من مرّة بأكثر من صيغة.. (بطلبها)..
لا أظنّ أنّ حركة النهضة، التي تحرص مختلف قياداتها على تأكيد التوافق مبدأ في سياساتها، تتخلّى ببساطة عنه.. لا سيما ونحن في لحظة حرجة كالتي تمرّ بها البلاد الآن.

فما معنى أن تتخلّى النهضة عن توافقها مع الرئيس؟
يبدو أن مساحة الاتّفاق قد بدأت تتقلّص بين الجانبين في ما نحن فيه من تقاتل بين قيادات حزب نداء تونس الحاكم.. وبعد أن حصلت المفاصلة بين الباجي الابن ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وإعلان الأوّل تجميد عضوية الثاني من الحزب وبعد اصطفاف النهضة مع رئيس الحكومة حفاظا على استقرار سياسي يوصل البلاد إلى انتخابات 2019 تغيّرت المعادلة وما عاد الرئيس في حاجة إلى حركة تحتكر التماسك الحزبي وتتقدّم بثبات باتّجاه استحقاقات لا يبدو لها منافس فيها.. ولمّا صارت هي الطرف المستفيد من علاقاتها مع قصر قرطاج الذي يهدّده الخواء بعد أن تبخّر ما كان له من سند حزبيّ من المشهد فقد جاءت ساعة الإعلان عن فكّ الارتباط.. إنّ الباجي لا يفيد إلّا متى كان مسفيدا.. ولذلك غامر بالتوافق مع النهضة في بيئته السياسية الرافضة لها… ولمّا استحالت استفادته من علاقته معها فقد أعلن طلاقا بين الجانبين عسى أن يكون لذلك صدى لدى بعض المنتظرين.. الذين ينتظرون أن ينفضّ الجمع.. فينغرزون…

يبدو أنّ الرئيس كان يتكئ على حركة النهضة لتوسيع سلطاته التي حدّدها الدستور.. نعم لقد كان الرئيس مستفيدا من توافقه مع النهضة يستعملها في تحرير استطاعته التنفيذية حتّى اللحظة التي وصل فيها حزب نداء تونس إلى هذا المستوى من التنازع بين قياداته.. وبعد أن صار رأس الحكومة مطلوبا بشكل يهدّد الاستقرار النسبي، الذي عليه البلاد رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة، وبعد وقوف النهضة جنبَ الشاهد في ما يبدو في ظاهره معركة بين خصمين من حزب واحد لا ناقة للنهضة فيها ولا جمل، وهو في الحقيقة معركة بين جهتين إن هي استمرّت يمكن أن تقوّض الاستقرار الهشّ الذي تعيشه بلادنا في محيط مضطرب ينتظر أعواد الثقاب..

قلت: بعد كلّ ذلك وجد رئيس الدولة نفسه غير مستفيد من استمرار توافقه من النهضة فأعلن عن نهاية الصفقة.. نعم لقد كانت صفقة ولم ترق إلى توافق وطني يحدّ من اتّساع التصدّع السياسي في وطن لا يزال يبحث عن الميزان…
بدا كما لو أنّ رئيس الدولة ظلّ في المدّة المنقضية يراود حركة النهضة على التخلّي عن الشاهد ويستدرجها إلى الانحياز إلى صفّ الباجي الابن وهي القادرة على حسم المعركة بينهما تحت قبّة البرلمان لو شاءت.. ولمّا لم تستجب الحركة للضغوط/ الشروط المملاة من الرئاسة أُظهرت على صورة من يتخلّى إراديا عن التوافق مع الرئيس..
وليس يخفى التهديد الضمني في ثنايا تصريحات الرئيس للنهضة بسلبها جميع اعترافاته السابقة بها وسحب إجازاته منها وتركها للعراء..
لقد فقد رئيس الجمهورية كلّ قوّته ولم يبق له من سلطاته غير سلطة قولية تنتهي عند تهديد النهضة بزوال نعمته عنها…
لا أظنّ أنّ الباجي الأب قد بقيت له أضراس ليُعْمِلَها في المستقبل.. لقد انتهى عمره السياسي الافتراضي أطال الله عمره الواقعي…
لقد كانت محاوِرَتُهُ “باهية في الواحد ضعيفة في السياسة” أمّا هو فلا واحد له ولا سياسة…
الباجي صار ماضيًا..
لقد نفد الرصيد..
الرجاء عدم الإلحاح في إعادة شحنه…

ثورة الأحواز أو التحرر من الإستعمار الإيراني

أبو يعرب المرزوقي

حاولت أن أفهم المواقف من ثورة أهل الأحواز التحريرية فميزت بين ثلاثة مواقف تحددها طبيعة الإلتزام الذي يعبر عن نوع من التبعية وموقفين يمكن أن نصف أولهما بالتحليلي والثاني بالتوظيفي.

فأما المواقف الثلاثة الأولى فهي:
موقف الحكومات وموقف الأحزاب وموقف الأشخاص.
وأما الإثنان فالقصد منهما بيّن.
كلمة سريعة حول الموقفين الأخيرين:
فالتحليلي يمكن أن يكون تاريخيا ويعرف دلالة الفعل الذي يدعي البعض أنه إرهابي بوصفه بداية لمقاومة تحريرية تشبه ما حصل لارتريا بالقياس إلى اثيوبيا.
فإيران الشاهنشاهية احتلت الأحواز في الربع الأول من القرن الماضي بتواطؤ بريطاني وهي إذن مستعمرة من الدرجة الثانية لأن مستعمرها كان بدوره مستعمَرا.
والموقف الثاني توظيفي بمعنى أن هذه الثورة التحريرية يمكن أن يوظفها كل معاد لإيران فيستفيد منها وذلك ليس بالأمر الجديد بل هو من سنن التعامل بين الأعداء الذين يعتبرون عدو عدوهم صديقا في حدود ما ينفعهم به فعله. فأمريكا مثلا موقفها توظيفي.
والموقفان هذان يمكن أن يوجدا لدى أصحاب المواقف الثلاثة التي تعنينا.
ومعنى ذلك أن التحليلي يوجد فيها غطاء.
والتوظيفي يوجد فيها انتفاعا.

لكن ما يعنينا هو طبيعة المواقف الثلاثة
فالأول دبلوماسي وهو موقف رسمي لدولة إذ حتى أمريكا “نددت” بالفعل تعميما لقاعدة التنديد بما يوصف بالإرهاب فيكون الموقف رفضا للتمييز بين الإرهاب والمقاومة التحريرية.
والثاني دون الدبلوماسية الرسمية للدول وهو من دبلوماسية الأحزاب التي تتموقع.
وهي دالة على الاصطفاف في المعركة الجارية بين الثورة والثورة المضادة وتتقرب لمن ينفعها.
وما يحيرني في هذا الموقف هو ادعاء الالتزام الثوري وحصره في ما يفيد الذات.
ومن هذا موقف المصطفين مع “الممانعة” من القوميين والإسلاميين.
وحتى أكون واضحا دون لف ولا دوران فحماس من الإسلاميين وبعض أحزاب تونس من القوميين واليساريين موقفهم يفهم بالاصطفاف مع من يسمونهم ممانعين ضد ذراع أمريكا أي إسرائيل -وهم يدينون ببقائهم بحاجة إسرائيل لهم ضد الثورة- وقابلين بأفاعيل ذراع روسيا التي تحتل أربعة عواصم عربية.
لكن المحير هو اصطفاف الأفراد الذين ليس لهم التزام دبلوماسي ولا التزام سياسي بالمعنى الثاني أو الحزبي. هؤلاء لا يمكن إلا أن يكونوا مأجورين.
فلا يوجد أحد شريف يندد بمن يقاوم لتحرير وطنه من الاستعمار إذا لم يكن أجيرا عند المحتل.
وهؤلاء هم كل من أطلق عليهم اسم مليشيات القلم العربية الخادمة لمشروع إيران في حربه على سنة الإقليم سعيا لاسترداد ما يسميه امبراطوريتهم بصريح كلامهم.

وعندي أن كل من يصف مقاومة الأحوازيين التحريرية بالإرهاب ويتضامن مع إيران عليه أن يقوم بأمرين:
1. أن يتهم أجدادنا الذين قاوموا الاستعمار بالإرهاب وخاصة المتطوعين منهم في تحرير فلسطين مثلا.
2. وألا يدعوا الانتساب للثورة في بلادهم وطعنها من الخلف في بلاد العرب الأخرى.
ذلك أني ألاحظ أن مليشيات القلم العربية الخادمة لإيران في تونس مثلا تزعم الانتساب إلى الثورة في تونس وتؤيد وائديها وناحري شعبها في سوريا ومصر وليبيا لمجرد القبول بما تفعله مليشيات السيف العربية الخادمة لإيران.
وما أظن مليشيات القلم أقل استرزاقا من مليشيات السيف التي يعترف قائدها بتمويل إيران.
وفضلا عن كوني أعتقد أن كل شعب محتل من مستعمر من حقه أن يقاومه بأداتي المقاومة اللطيفة (الدبلوماسية) والعنيفة (القتال) لأن الأولى وحدها لا تكفي فضلا عن هذا الحق الإنساني فإني لا يمكن أن أكون مع الثورة في تونس مثلا وضدها في سوريا أو ليبيا أو مصر أو اليمن.

ملخص خطاب صاحب الكاريزما

عادل بن عبد الله

فبحيث، أنا جبت الشاهد لأنو ولد عايلة وبلدي من قاع الخابية وقلت زيتنا يبقى في دقيقنا، ووصيتو باش يحط الزيت في القريقية ويسمع الكلام لا نمرمدو كيف اللي قبلو، لكن هو حب يعمل كيف ما يقول هاك المثل “جا يعاون فيه على قبر بوه، هربلو بأختو”…

وأنا قلت للمسؤول الكبير الحكاية هاذي مستحيل تكون إلا بنت وذنو ومانيش باش نسكت، وقابلت الأستاذ راشد وحكينا على التوافق وحلف لي بسيدي بلحسن انو ماعندوش لا يد لا ساق في الحكاية. فبحيث، بما أني كيما قال هاك الفاسق “سي الباجي موش يرضع في صبعو” مازلت لتوا مانيش مصدق انهم يحبوا يهزوني للحلقوم. وأنا جيت الليلة باش نعزي سكان نابل في الناس اللي ماتوا، ونقلهم “الموت عليكم وعلى الشعب الكل حق”. وحبيت نقول للشعب التونسي راهو الزعيم في قبرو موش مرتاح، وراهو جاني البارح في المنام وقلي “يا باجي، بدل عتبة الدار”، وأنا ما فهمتش آش يقصد: نبدل النهضة وإلا نبدل المستشارين متاعي وإلا نمشي نبدل الجو أيامات في فرانسا… فبحيث، نطمنكم أني لاباس وأني مانيش ناوي نترشح عام 2024، ونطمنكم أنو البلاد ماهياش باش تدخل في حيط، وحتى كان خايفين من الحيط، احمدوا ربي ماناش كيف بلدان أخرى ما بقى فيها حتى حيط، واللي حاسس أنو الأمور موش هي ما عليه كان يتذكر هاك الحكمة القمقومة متاع سيدنا حوس “إذا طحت من الشباك أحمد ربي عندك شباك”… والسلام عليكم

حوار الرئيس وخطاب “العجز” !

القاضي أحمد الرحموني

حوار رئيس الجمهورية اليوم (24 سبتمبر)، لم يكن ليخفي (على غير العادة) حالة الضعف (العجز) الظاهرة التي أصبح يكابدها في مواجهة الوضع السياسي للبلاد: من ذلك:

1. غياب المبادرة الرئاسية التي كان ينتظرها الكثير لحل الأزمة السياسية، لعل أبرزها اللجوء إلى أحكام الفصل 99 من الدستور الذي مكن رئيس الجمهورية من أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها. ومن الواضح أن الرئيس كان على وعي بأن هذه المجازفة لن تكون لصالحه في ظل الأغلبية البرلمانية الحالية التي تدعم حسب تصريحه رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

2. عجزه القانوني (وحتى المعنوي) على دفع رئيس الحكومة -الذي كان صاحب الفضل في وجوده السياسي- إلى الإستقالة واكتفاء الرئيس بدعوته -في صيغة نصيحة- إلى التوجه إراديا إلى مجلس النواب ليطرح عليه -طبق الفصل 98 من الدستور- التصويت على الثقة في مواصلة حكومته لنشاطها. ولا يخفى أن هذه الدعوة -التي مازال الرئيس يصر على توجيهها- قد اصطدمت برفض ضمني من رئيس الحكومة رغم تشكل أغلبية برلمانية واضحة لفائدته إضافة إلى الدعم الذي حظيت به إختيارات رئيس الحكومة عند التصويت على وزير الداخلية هشام الفراتي.

3. التصريح بعجزه (لأسباب غير مقنعة) عن التدخل لدى إبنه حافظ للتخلي عن قيادة حزب نداء تونس رغم تفاقم وضعه الداخلي وتوسع دائرة الإستقالات في كتلته البرلمانية.

4. التصريح بنهاية “سياسة التوافق” مع حركة النهضة وإعلان الطلاق بينهما بطلب من حركة النهضة رغم التضحيات التي تكبدها الرئيس واتهامه “بخيانة ناخبيه”!.

الأزمة السياسية التونسية تنتقل إلى داخل “النقابة”

نور الدين العلوي

أخبار متضاربة عما تفعله النقابة التونسية، فالأمين العام للنقابة السيد نور الدين الطبوبي يتحدث عن السلم الاجتماعي بينما تصدر الهيئة الإدارية (برلمان النقابة) قرارات بالإضراب العام، نعرف أن النقابة تجمع داخلها تيارات سياسية متناقضة المشارب والأهواء ونعرف أن هناك على الأقل تيارين كبيرين يسيطران عليها هما تيار اليسار النقابي في مقابل تيار العاشوريين (نسبة إلى الحبيب عاشور أمين عام سابق).

ونتذكر أن هذين التيارين طالما تصارعا للسيطرة على النقابة منذ السبعينيات وتوجيه نضالاتها السياسية، لكن نتذكر أنهما اتفقا على إسقاط حكومة الترويكا بعد الثورة ومساندة الرئيس الباجي؛ لذلك بدا لنا الخلاف الحاليّ منذرًا بعودة الاصطفاف القديم (يسار ضد عاشوريين) ونستشرف أنه سيكون عميقًا وأن المصالحات الداخلية التي كانت تسود بعد كل خلاف ستكون عسيرة، لنفصل بعض وجوه الخلاف الأخير.

أهم محطات الخلاف الأخيرة

كانت قيادة النقابة على قلب رجل واحد في خدمة نظام بن علي وظلت كذلك في حربها على حكومة الثورة التي جاءت بانتخابات 2011، لم تسمح لأحد بالحكم بل تحولت إلى متحكم في المشهد السياسي ومجرياته مستغلة هشاشة المشهد الحزبي واصطفافه ضد الإسلام السياسي (حزب النهضة)، وفي معركة انتخابات 2019 التي بدأت مبكرًا نزلت النقابة بثقلها إلى جانب الرئيس وابنه ووضعت إسقاط حكومة الشاهد هدفًا رئيسيًا.

كان من أدوات هذه المعركة تقرير لجنة الحرية والمساواة أو ما سيعرف في تونس بتقرير بشرى (رئيسة اللجنة) الذي كان ينتظر الموقف الرجعي لحزب النهضة من مسألة الميراث ليظهر حزب النهضة حزبًا رجعيًا معاديًا للتقدم، لكن الموقف المحافظ جاء من الأمين العام للنقابة؛ مما أصاب جمهور اليسار واللجنة بالذهول، ففي النقابة تيار محافظ غير مستعد لإدخال النقابة في نقاش مسلمات الدين الإسلامي، وكانت هذه أول محطة خلاف، فالنقابة أو على الأقل الأمين العام لن يشارك في معركة حداثة ضد إسلام سياسي.

المحطة الثانية التي أشّرت على عمق الخلاف هو تصريح الأمين العام بعد لقائه برئيس الحكومة حيث قال إن مشاكل الحكم بما في ذلك مسألة استمرار الحكومة من عدمه يحل في البرلمان وليس خارجه، هذا التصريح جاء عكس كل لغة التصعيد النقابي منذ فشلت مفاوضات النقطة 64 من وثيقة قرطاج الثانية التي كانت تهيئ الشارع لإسقاط الحكومة.

للرد على هذا التوجه الديمقراطي الذي أظهره الأمين العام فجأة ودون مقدمات جاءت قرارات الهيئة الإدارية بالتصعيد والدعوة إلى إضرابين عامين في الأيام القادمة والهدف دومًا إسقاط الحكومة.

لقد استغرب الكثيرون انحناءة الأمين العام أمام الشاهد وقبوله العودة إلى البرلمان لحل الخلافات السياسية، لكن إذا ربطنا هذه الإنحناءة بالمكسب الذي حصل عليه الأمين العام في تفاوضه مع نقابة الأعراف بزيادة تعتبر مجزية (6 فاصل 5 بالمائة) نستشف أن هناك تيارًا يشتغل على بقاء الحكومة حتى نهاية مدتها ممثلاً خاصة في نقابة الأعراف التي قبلت بزيادات غير معتادة (كانت الزيادات في عهد بن علي تتراوح دومًا بين 3 و4 بالمائة في أحسن الحالات).

انعقدت الهيئة الإدارية في ظل هذه الأجواء المتضاربة بين تيار الأمين العام العاشوري وتيار اليسار الذي ينطق باسمه سامي الطاهري الأمين العام المساعد من حزب الوطد (الوطنيون الديمقراطيون ضمن الجبهة الشعبية)، ويبدو أن تيار التصعيد هو من فرض موقفه، فصدرت إعلانات الإضراب العام في القطاع العام ثم الإضراب العام في الوظيفة العمومية بحجة حماية القدرة الشرائية للشغالين.

هنا تجلى الاختلاف في تيار التصعيد الذي يمكن نعته بتيار التوريث (توريث ابن الرئيس) مقابل تيار العمل المؤسساتي، فكيف سيدار الصراع في الأشهر القادمة؟

القطاع العام الأسير

صار يقينًا أن النقابة لا يمكنها الاعتماد على أجراء القطاع الخاص لتحريك الشارع، فأصحاب المؤسسات الخاصة لا يولون أي اعتبار للنقابات، والسائد بينهم أنه ليس أسهل من شراء نقابي بسيارة إدارية وممارسات رشوة النقابيين منتشرة بينهم، والنقابة في حقيقة وضعها لا تعمل على توسيع انتشارها في المؤسسات الخاصة لأن إجراءات الاقتطاع الآلي من المصدر (أي تحويل مبالغ الانخراط من الأجر إلى النقابة) لا يتم تطبيقها لذلك يبقى قطاع مؤسسات الدولة هو القطاع الأثقل داخل النقابة والأسهل في التحريك عند الحاجة والذراع التي توجع كل الحكومات.

تكذب النقابة عندما تتحدث عن مطلب حماية الأجراء، فالأجراء الأشد هشاشة هم أجراء القطاع الخاص الذين قبلت لهم زيادة لا تساويهم مهما ارتفعت بأجراء القطاع العام حيث لا تزال الفوارق في الأجور واضحة، ولذلك يقوم ذباب النقابة الإلكتروني الآن بحملة أكاذيب منهجية تتمثل في بث أخبار عن التفويت في المؤسسات ورفع الدعم عن المواد الأساسية، والحكومة تتابع الإشاعات وتنفيها بشكل رسمي لكن الأجواء تهيأت بفعل ذلك للإضراب العام.

لقد نقل الرئيس معركة توريث ابنه إلى داخل الإدارة، هذا جوهر موقف/نتيجة قرارات الهيئة الإدارية الأخيرة، ومهما تسترت النقابة (تيار التصعيد/التوريث) بمطلبية اجتماعية فإن جوهر المعركة يظل إسقاط الشاهد من أجل أن يمر ابن الرئيس إلى سدة الحكم ولو بإحداث أزمة حكم تؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى وهو ما يريده الرئيس ويعمل عليه تيار اليسار النقابي الذي اشتغل دومًا كعصا غليظة للمنظومة (الممثلة الآن في الباجي وابنه) ضد تيار الإسلام السياسي (الذي وجد نفسه في شق رئيس الحكومة برغبة منه أو بخوف من الفوضى المؤدية إلى إسقاط المسار الانتخابي/الانتقال المؤسساتي)، فهل يفلح تيار التهدئة في إعادة النقابة إلى العمل المؤسساتي؟

متى تتدخل السفارات؟

هذا السؤال العار هو الذي ينتظره التونسيون، هناك مشهد لم يتجل بعد بكامل الوضوح لكن كثيرًا من التونسيين يحللون به المشهد ولديهم حجج تزداد متانة، وهو أن تيار التوريث هو تيار السفارة الفرنسية في مقابل تيار الشاهد (مع النهضة واتحاد الأعراف) وهو تيار السفارة الأمريكية، وقد صار من النكت السمجة والحزينة في تونس أنه كلما ارتفع خطاب السيادة الوطنية انتظر الناس تدخل إحدى السفارتين لتغليب تيار على آخر، السفارتان تختصمان على قيادة البلد فيما النخبة تسوق خطاب السيادة الوطنية.

لقد صارت صور السفير الفرنسي في مكتب الأمين العام صورًا عادية تروجها النقابة دون حياء، لا غرابة أن نرى السفير الأمريكي بدوره في مكتب الأمين العام رغم أن احتمال دعوته إلى السفارة أقرب من تلقيه زيارة السفير.

من أوصل البلد إلى هذه الحالة من الهوان؟ لم تعد الإجابة عن هذا السؤال مهمة، فالواقع الآن أن النقابة انقسمت ومن قسمها هو الرئيس لأجل غاية واضحة فعل كل الممكن لقطع مسار سياسي لا يخلد الحكم في بيته وأسرته، وقد التقت مصلحته مع مصلحة اليسار الذي يفعل كل الممكن لقطع الطريق على حزب النهضة.

هل يملك الشاهد في الأيام القادمة وسيلة لإيقاف مسار التصعيد؟ إن أسلوبه الصعيدي ينذر بمعركة كسر عظم مع النقابة، وقد تنتهي المعركة بكسر حقيقي داخل النقابة يتجاوز كل قدراتها على لملمة مواقفها والحفاظ على بنيانها سليمًا (سنختبر في الأثناء مصداقية ما يهدد به من ملفات جزائية لبعض القيادات النقابية).

ليس من السهل بناء توقعات ثابتة للأيام القادمة (كمقدار الاستجابة لدعوة الإضراب العام)، فالجميع منفلت بلا شكيمة في اتجاه السيطرة المسبقة على نتائج انتخابات 2019، لكننا نختصر بألم أن القرار النهائي سيكون في حوار بين السفارتين بينما سنسمع حديثًا كثيرًا عن استقلالية القرار الوطني، هناك على الأقل يقين يترسخ أن هموم الأجراء المفقرين هو آخر هموم النقابة، بعدها سيقول كل من ملك حدًا أدنى من الوعي السياسي دعني أبادر فقري بما ملكت يدي.